تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كيف وجدت إيران آلية ردع جديدة في حربها مع إسرائيل؟

كيف وجدت إيران آلية ردع جديدة في حربها مع إسرائيل؟

كتابة: أحمد بكر، إحسان صلاح، دانيال أوكونيل، ناجح داود 12 دقيقة قراءة

على مدار عامين من الحرب الإقليمية، كان استوديو «الجزيرة» في الدوحة هو مركز التغطية التلفزيونية للأحداث المضطربة التي طالت كل دول المنطقة تقريبًا.

بثّ مراسلون من الضفة الغربية وغزة وسوريا ولبنان والعراق وإيران وتركيا، أحداثًا تاريخية عالمية إلى الاستديوهات في دولة قطر الهادئة، ليُعاد بثّها لمئات الآلاف في جميع أنحاء المنطقة، الذين يتابعون «الجزيرة» من منازلهم وأسواقهم ومقاهيهم لمواكبة آخر أخبار الاضطرابات.

لكن في ليلة الاثنين الماضي، أصبحت قناة الجزيرة نفسها خبرًا ضمن آخر أخبار الحرب. اهتزت استوديوهات القناة في الدوحة، عندما تصدت أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية لصواريخ إيرانية فوق سماء قطر، وسمع سكانها انفجارات مدوية وشاهدوا أضواءً ساطعة. أُطلقت الصواريخ باتجاه «قاعدة العديد الجوية»، التي تضم القوات الجوية الأميرية القطرية والقوات الجوية الأمريكية والقوات الجوية الملكية البريطانية، وتُشكل المقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية في المنطقة.

سرعان ما فُهم القصف الإيراني على أنه رد رمزي على القصف الأمريكي لثلاث منشآت نووية إيرانية الأحد الماضي. كان الإيرانيون قد أبلغوا القطريين والأمريكيين مسبقًا وتم إخلاء القاعدة، ولم تحدث أي إصابات.

ولكن حتى مع هذه الضربة الرمزية، كان من الواضح أن الحرب قد وصلت إلى الخليج. تجاوزت إيران إسرائيل وأطلقت النار على جارتها. إذا استطاعوا فعل ذلك مرة، فيمكنهم فعله مرة أخرى، ودون تنسيق مُسبق.

خلال الـ12 يومًا التي انقضت منذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، أكدت مصادر في الخليج وإيران، بالإضافة إلى باحثين متخصصين في شؤون المنطقة، لـ«مدى مصر»، على إمكانية تصدير إيران هذا الصراع إلى دول الخليج.

«إذا فشلت إيران في إلحاق الضرر بالأهداف العسكرية والمواقع الأخرى المحمية جيدًا داخل إسرائيل، فقد تلجأ إلى توجيه صواريخها نحو أهداف أقل تحصينًا في منطقة الخليج، وخاصة تلك الدول التي تعتقد إيران أنها ساعدت ودعمت أعداءها على مر السنين، بحسب دبلوماسي إيراني يعمل في تركيا تحدث إلى «مدى مصر» الأسبوع الماضي.

يأتي هذا إلى جانب التهديدات المُتكررة بإغلاق مضيق هرمز، الواصل بين الخليج العربي وخليج عُمان، والذي يمر عبره 25% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا و20% من تجارة الغاز الطبيعي المُسال العالمية. يأتي معظم هذا النفط والغاز من دول الخليج، وتعتمد قوتها المالية الكبيرة عليه.

ولكن بنفس السرعة التي بدا فيها أن التوتر يتصاعد، أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وقف إطلاق النار، في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء.

أكد كلٌّ من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير الخارجية الإيراني، سيد عباس عراقجي، موافقتهما على وقف إطلاق النار. ومع ظهور بوادر لاحتمال  استمرار التصعيد، استخدم ترامب خطابًا حادًا وواضحًا، صباح الثلاثاء، في محاولة لمنع انهيار وقف إطلاق النار. «إسرائيل.. لا تلقوا تلك القنابل، إإن فعلتم ذلك، فهذا انتهاكٌ جسيم. أعيدوا طياريكم إلى ديارهم الآن! دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة»، كما كتب.

سواء تمكّن ترامب من كبح جماح إسرائيل أم لا، فقد كشفت الحرب بعض الحقائق عن موقع إيران في النظام الإقليمي الجديد الذي عملت إسرائيل والولايات المتحدة على بنائه منذ عام 2023. ولعلّ جوهر صمود إيران يكمن في إعادة تعريف علاقاتها مع دول الخليج، خصوصًا تلك التي تُشكّل الجناح الإبراهيمي في «الشرق الأوسط الجديد».

عندما شنّت إسرائيل هجومها على إيران، كانت تهاجم عدوًا جديدًا. على مدار العامين الماضيين، فكّكت إسرائيل بشكل منهجي ما كان يُعرف سابقًا باستراتيجية الردع الإيرانية.

كانت إيران تتباهى سابقًا بشبكة معقدة من الحُلفاء المنتشرين في جميع أنحاء المنطقة. اغتنمت الفرص لدعم الصراعات المحلية والداخلية في غزة واليمن ولبنان وسوريا والعراق، لتحقيق غايات تلك الأطراف المحلية، وكذلك لضمها تحت مظلة معقدة تُعرف مجتمعة باسم «محور المقاومة».

وصف هذا المحور نفسه بأنه حصن منيع ضد الإمبريالية الغربية بشكل عام، وحربة في صدر ذلك المشروع الإمبريالي: إسرائيل.

بالطبع، لكل من هذه المجموعات مصالحها الخاصة، ولا يمكن اختزالهم ببساطة في أنهم «وكلاء إيران». في السنوات العشرين الماضية، كانت هناك تصدعات في هذه الشبكة، ومواقف براجماتية مُحرجة أضرت بالرفاقية القوية التي كانت في أفضل أيامها. أدى دعم حزب الله للنظام السوري إلى نفور قاعدته الأوسع، وتسبب في مشكلات بين حركة حماس في غزة وطهران. ومع مواجهة حزب الله للعدوان الإسرائيلي المتزايد في عام 2023، كان تدخل إيران محدودًا.

لكن نظام الردع كان يهدف إلى التصدي لحقيقة بسيطة: بفضل الإمداد المستمر بالأسلحة من الولايات المتحدة، حافظت إسرائيل على تفوقها العسكري، ليس فقط على إيران، ولكن بعد حرب عام 1973 وما تلاها، على أي جيش آخر في المنطقة.

ولكن منذ عام 2023، تواطأت إسرائيل لتفكيك إطار المقاومة هذا. تعرضت «حماس» وغزة ككل للتدمير بسبب حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية. وحتى لو احتفظت الجماعة المُسلحة بالقوة العملياتية في مناطق مختلفة في القطاع، فإن قدرتها على مناوشة الداخل الإسرائيلي قد تضاءلت بشكل كبير.

في لبنان، شنّت إسرائيل حربًا في نهاية العام الماضي، ونفّذت سلسلة من الاغتيالات المُذهلة، التي أسفرت عن مقتل جميع كبار قادة حزب الله، بمن فيهم حسن نصر الله.

بعد فترة وجيزة من إعلان وقف إطلاق النار في لبنان، شعرت تركيا بفرصة سانحة لانتزاع مكاسب إقليمية في شمال سوريا كانت تسعى إليها في محادثاتها مع النظام، فأعطت جماعة «هيئة تحرير الشام» المُسلحة الضوء الأخضر للتقدم نحو حلب. تلا ذلك انهيارٌ مُذهل لقوات نظام الأسد، ونُصّب أحمد الشرع رئيسًا للبلاد.

أما حزب الله، بعد أن تقلصت قوته، فقد صرّح بأنه لن يخوض حربًا مع إسرائيل مُجددًا، بينما تبنى الشرع موقفًا مسالمًا تجاه إسرائيل، حتى في ظل قصف تل أبيب لكامل مساحة سوريا. لذا، فإن آخر ما تبقى لإيران هو هدفها منذ البداية: قنبلة نووية.

في حديثه لـ«مدى مصر»، العام الماضي، أوضح دبلوماسي إيراني أن إيران حريصة على تصدير صراعها مع إسرائيل إلى أطراف أخرى في المنطقة حتى «تتحمل وطأة التكاليف العسكرية واللوجستية والبشرية» بدلًا عنها. الاستعانة بمصادر خارجية لصراعها المباشر مع إسرائيل منحت إيران المزيد من الوقت لتطوير برامجها للطائرات بدون طيار والصواريخ الباليستية والبرامج النووية. 

أضاف المصدر أن إيران «تستثمر في الأطر التكتيكية من خلال المناورات الدولية والاستفادة من المناخ العالمي للضغط على خصومها إلى أقصى حد في المفاوضات المتوقفة، بهدف تحقيق طموح إيران في امتلاك قنبلة نووية كسلاح ردع حقيقي لمنع أي عدوان على أراضيها».

ولكن وفقًا لجميع الآراء، لم تمتلك إيران سلاحًا نوويًا بعد، على الرغم من أن إسرائيل قالت مرارًا وتكرارًا إنها «قريبة من امتلاكه».

بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة التي توسطت فيها إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، باراك أوباما، خفّضت إيران مخزوناتها من اليورانيوم المُخصب. لكن بعدما انسحب ترامب من الاتفاق، بدأت إيران في تكثيف برنامجها النووي مُجددًا. خلال تفتيش مفاجئ أجرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 2023، وجد المسؤولون أن جزيئات اليورانيوم في مُفاعل «فوردو» قد وصلت إلى درجة من النقاء تقترب من درجة نقاء الأسلحة النووية. 

ولكن قبيل اندلاع الحرب، كانت إيران منخرطة في محادثات دبلوماسية بشأن إعادة فرض قيود لمنع تصنيع أي سلاح نووي مُحتمل.

هكذا، ومع عدم وجود القنبلة وغياب سلاح الردع، ومع تعثر المسار الدبلوماسي، اضطرت إيران لمواجهة هجمات إسرائيل بمفردها.

خامنئي على غلاف التايم

واجهت إيران إسرائيل، التي ازدادت جرأةً وعزمًا على إنشاء ما روّجت له صحيفة الإيكونوميست بفخر الأسبوع الماضي «الشرق الأوسط الجديد». جادل محرر الإيكونوميست، كارل فيك، بأن الأرض تحركت تحت أقدام إيران، وعرّف النظام الإقليمي الجديد بأنه نظام تصل فيه جميع الدول في المنطقة إلى «تفاهم مشترك مع الدولة اليهودية».

بمعنى آخر، يُعرّف دبلوماسي مصري سابق يعمل في الشؤون العسكرية، هذا النظام الإقليمي الجديد بأنه نظام تحاول فيه تل أبيب احتكار القوة العسكرية. «لا يريد نتنياهو وجود أي طرف في المنطقة يمكن أن يُشكّل تهديدًا الآن وعلى مدى السنوات الخمسين إلى الثمانين المُقبلة. عندما ننظر إلى الأمر من منظور عسكري، نجد أنه يشلّ جميع القوى العسكرية»، يقول الدبلوماسي السابق.

يشرح باحثٌ مهتم بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط هذا التحول الإقليمي بمصطلحاتٍ مُشابهة.

قبل عام 2011، يجادل الباحث بأن المنطقة كانت متعددة الأقطاب، حيث كانت القوة السياسية والاقتصادية موزعة بين تركيا وإيران وإسرائيل ومصر والمملكة العربية السعودية.

يرى الباحث أن انهيار قوة مصر بسبب الشؤون الداخلية، بعد ثورة 2011، وفشل المملكة العربية السعودية في تحويل قوتها الاقتصادية إلى قوة سياسية، وإخضاع نفسها بدلًا من ذلك للهيمنة الأمريكية مقابل الحماية، أدى إلى تراجع المكّوِن العربي من التوازن.

أتاح هذا لإسرائيل حرية متزايدة لإضعاف الأقطاب المُتبقية في النظام الإقليمي القديم، ولكنه فتح أيضًا منفذًا جديدًا لإيران، بعد التزام أمريكا بأن تكون الضامن الأمني ​​للمنطقة بأكملها.

مصدر في البرلمان الكويتي قال لـ«مدى مصر»، بعد الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، إن «الخليج في حالة من القلق، مهما حاولت وسائل الإعلام الخليجية في بعض الدول إخفاء ذلك». وذكرت إيران أن هذه الخطوة وسّعت نطاق الأهداف المشروعة لقواتها المسلحة.

تشرح إلهام فخرو، الباحثة في مبادرة الشرق الأوسط في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، ومؤلفة كتاب «اتفاقيات إبراهام»، هذا الخوف قائلةً: «في الواقع، ترى دول الخليج خطرًا كبيرًا في هذه الحرب، ويتمثل خوفها الأكبر في أن تستهدف إيران القواعد الأمريكية في دول الخليج أو السفن التجارية، كما فعلت في الماضي».

تضيف أنه «في عام 2019، بعد انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق مع إيران، استهدفت إيران دول الخليج أو السفن في الخليج العربي. إنهم يخشون أن يتكرر الأمر نفسه، أو ربما أكثر، لأن الوضع أكثر توترًا مما كان عليه في 2019».

ولكن في حال تعرضهم لهجوم، ألا تستطيع دول الخليج الرد على إيران بالمثل؟

يرى الباحث أن الإطار الأمني ​​الذي يحكم الخليج تغير جذريًا منذ عام 2016. طلبت الولايات المتحدة الأمريكية، في عهد إدارة أوباما، من المملكة العربية السعودية أن تكون شريكًا أمنيًا. رفضت السعودية الفكرة وأرادت أن تكون تحت مظلة الأمن والحماية الأمريكية. لذلك لم تكن مهتمة بأن تكون هذا الشريك، أو أن تأخذ زمام المبادرة. لم تعتبر الرياض دور الولايات المتحدة في حماية المملكة العربية السعودية إهانة، بل أرادت تحقيق ذلك.

تشير فخرو إلى اعتماد الخليج على أمريكا بشكل كبير. «إذا استهدفت إيران قواعد أمريكية في دول الخليج، أتوقع أن يأتي رد الفعل من الولايات المتحدة. لا أتوقع أن تدخل دول الخليج الحرب. أعتقد أنها تبذل جهدًا لتجنب التورط وتحاول إظهار حيادها وعدم انحيازها لإسرائيل، على الرغم من وجود قواعد أمريكية في معظم دول الخليج».

تأكد هذا في زيارة ترامب الباذخة إلى المملكة العربية السعودية الشهر الماضي، والتي وقّع فيها على حزمة دفاعية ضخمة، كما تقول الباحثة.

«في الشهر الماضي، زار الرئيس ترامب دول الخليج، وحصل منها على أموال طائلة. بعد الهجوم الإيراني، سيطلبون بالتأكيد من الولايات المتحدة الأمريكية مُعالجة الوضع سياسيًا ودبلوماسيًا، أو، حمايتهم إذا اندلعت الحرب. لقد تقاضوا أجرًا بالفعل مقابل الحماية. يريدون أن تنجح المظلة الأمنية الأمريكية. ترامب غير مستعد لإنفاق المال للمشاركة في حرب تتطلب منه حماية جميع دول الخليج من إيران. أعتقد أن هذا أحد أهم العوامل التي ساعدت في التوصل إلى وقف إطلاق النار»، يضيف الباحث.

ولهذا كانت تهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز بنفس القدر من الأهمية.

يذهب حوالي 83% من النفط المنقول عبر هرمز إلى آسيا، حيث تستحوذ الصين، أكبر مستورد، على حوالي 69% من إجمالي صادرات النفط إلى آسيا. إلا أن إمدادات النفط حيوية لأسعار الطاقة عالميًا. إذا شهدت الصين انخفاضًا في إمداداتها، فسيتعين عليها الشراء من مصادر أخرى.

في نهاية شهر مايو، قبل اندلاع الحرب، كان النفط الخام يُباع بنحو 60 دولارًا أميركيًا للبرميل.

لكن مع بدء الحرب وتهديد إيران بإغلاق المضيق، بدأت الأسعار في الارتفاع، وارتفعت المخاوف في عواصم الخليج.

قال مصدر إداري من وزارة الطاقة السعودية لـ«مدى مصر»، الأسبوع الماضي، بأنه يتوقع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة في ظل التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، والذي يعتبره عملًا عدائيًا موجهًا ضد دول الخليج والدول المستهلكة، ما سيؤثر سلبًا على الاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلًا. وأشار المصدر إلى أن قطاع الطاقة سيكون الأكثر تضررًا، خصوصًا إذا تأثرت قدرة الدول المنتجة للنفط على تصدير نفطها، أو إذا تعطل الإنتاج.

وبالمثل، قال مصدر في وزارة الطاقة الإماراتية لـ«مدى مصر» إن ارتفاع أسعار النفط مفيد لميزانية الإمارات التجارية، إلا أنه في حال استمرار الحرب، هناك مخاوف بشأن فقدان الإمدادات من منطقة الخليج العربي، وخاصة عبر مضيق هرمز، على نحو يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط العالمية.

يعتبر آدم هنية، مؤلف كتاب «الرأسمالية الخام»، إغلاق مضيق هرمز أمرًا لا يمكن احتماله لفترة طويلة، إذ سيُمثل تصعيدًا هائلًا، نظرًا لأن ثلث النفط المنقول بحرًا في العالم يمر عبره. «سيكون له تأثير كبير على أسعار النفط، كما سيؤثر على صادرات النفط الإيرانية، لذا أعتقد أن أي خطوة في هذا الاتجاه ستكون قصيرة الأمد نسبيًا»، يقول لـ«مدى مصر».

لكن حتى إذا كانت الخطوة محل شك، هناك سابقة عنيفة للغاية لإغلاق المضيق.

حاولت إيران إغلاق مضيق هرمز خلال الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، المعروفة آنذاك بـ«حرب الناقلات». حاول الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، غزو الأراضي الإيرانية بدعم أمريكي، شمل أسلحةً ودعمًا استخباراتيًا. حوّل العراق الخليج إلى ساحة اشتباك بحري، بدءًا من استهداف بغداد للسفن التجارية الإيرانية. ثم قررت طهران إغلاق الخليج أمام السفن التي تحمل النفط العراقي، بغض النظر عن جنسيتها. كان هذا يعني استهداف ناقلات النفط السعودية والكويتية، التي اتهمتها إيران بمساعدة العراق في الحرب. لجأت القوات الإيرانية سرًا إلى زرع ألغام بحرية واستخدام هجمات صاروخية.

تسببت حرب الناقلات في خسائر بمليارات الدولارات، بالإضافة إلى غرق ما يقرب من 223 ناقلة نفط من جنسيات مختلفة، وإتلاف وغرق ما يقرب من 540 ناقلة تجارية، ومقتل ما يقرب من 430 بحارًا، وفقًا لتقرير سابق لقناة الجزيرة، نقلًا عن ماجد القيسي، وهو لواء عراقي مُتقاعد، ومدير برنامج الأمن والدفاع في مركز «صنع السياسات للدراسات الدولية».

عندما قررت إيران قصف القاعدة الجوية في قطر، مساء الاثنين، تنفست أسواق النفط الصعداء لبقاء معبر هرمز مفتوحًا، وانخفضت أسعار النفط بنسبة 7% صباح الثلاثاء.

في الوقت الراهن، قد يكون وقف إطلاق النار محفوفًا بالمخاطر، إلا أن إيران وجدت آلية ردع ضاغطة. لكن القضية المحورية لا تزال في دائرة الضوء: البرنامج النووي الإيراني كخطوة لإعادة التوازن إلى النظام الإقليمي.

أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل أن البرنامج النووي الإيراني قد «دُمّر تمامًا» بالقنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات وبوابل من الصواريخ، إلا أن الوضع أصبح أكثر غموضًا. 

لا تزال الأضرار التي لحقت بموقع فوردو النووي غير واضحة، إذ أشار تقرير أوليّ من المخابرات الأمريكية سُرّب إلى الصحافة مساء الثلاثاء إلى أن الحرب التي استمرت 12 يومًا لم تُؤخر البرنامج النووي الإيراني سوى شهور قليلة. إلا أن المشكلة الأكبر هي أن إيران نقلت معدات وحوالي 400 كيلوجرام من اليورانيوم من الموقع في الأسابيع الأخيرة.

أقرّ نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، بذلك. قال فانس لوسائل إعلام أمريكية: «سنعمل في الأسابيع المُقبلة لضمان القيام بفعل ما حيال هذا، وهذا أحد الأمور التي سنجري محادثات بشأنها مع الإيرانيين»، في إشارة إلى كمية من اليورانيوم تكفي لصنع تسعة أو عشرة قنابل نووية.

إلا أن مدى استعداد إيران لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة بحُسن نية في هذه المرحلة يبقى سؤالًا بلا إجابة واضحة.

يقول دبلوماسي غربي عمل سابقًا في إيران إنه «إذا حاولتُ وضع نفسي مكان الإيرانيين، بعد خروجهم من الحرب الحالية، وقارنتُ أيضًا، على سبيل المثال، مصير القذافي بكوريا الشمالية، فقد يشجعهم ذلك على تسريع برنامجهم النووي. من المنطقي أن يصلوا إلى مثل هذا الاستنتاج».

«السيناريو الآخر هو اللجوء إلى حل دبلوماسي شامل، ولكن هناك مشكلة ثقة كبيرة تعود إلى عام 2018، عندما كان هناك اتفاق انسحبت منه الولايات المتحدة، في حين كانت إيران، وفقًا لجميع تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مُلتزمة به. وفوق ذلك، كانوا يتفاوضون مع الولايات المتحدة الأسبوع قبل الماضي، ثم تعرضوا لهجوم من إسرائيل أولًا ثم من الولايات المتحدة نفسها. هناك مشكلة ثقة هائلة يجب التغلب عليها».

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن