تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
وسط مشهد إقليمي ودولي معقد: الاحتجاجات الشعبية الإيرانية مستمرة بلا تغطية

وسط مشهد إقليمي ودولي معقد: الاحتجاجات الشعبية الإيرانية مستمرة بلا تغطية

كتابة: أحمد بكر، معتز حجاج 6 دقيقة قراءة
10 يناير 2026، طهران، إيران: تظاهر إيرانيون في طهران ضمن احتجاجات اندلعت أواخر ديسمبر

تنهي الاحتجاجات الإيرانية أسبوعها الثاني دون توقف، رغم سقوط عشرات القتلى والمصابين بسبب اعتداءات قوات الأمن. تسبب إغلاق الدولة الإيرانية للإنترنت قبل ثلاثة أيام، إلى جانب حالة الاستقطاب السياسي الدولي، في ندرة وضبابية الأخبار.

بحسب بيان مشترك بين منظمتي هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، الخميس الماضي، أدت الاحتجاجات المتصاعدة منذ 28 ديسمبر الماضي، إلى مقتل 28 على الأقل في 13 مدينة داخل ثماني محافظات إيرانية، بينهم أطفال، ذلك حتى 3 يناير الجاري، فيما ترفع تقارير صحفية تقديرات الضحايا إلى 116 قتيلًا وأكثر من 2600 معتقلًا، مع استمرار النظام في قطع الإنترنت عن إيران منذ 60 ساعة.

وعلى الرغم من تكرار الاحتجاجات الإيرانية واسعة النطاق عدة مرات خلال العقدين الأخيرين، إلا أن احتجاجات هذه المرة تأتي في لحظة إقليمية حساسة، وتربص أمريكي لا يتوقف، خصوصًا بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران الصيف الماضي.

مع استمرار الاحتجاجات، بدأت السلطات الإيرانية في لوم التدخلات الأمريكية والإسرائيلية، خصوصًا مع استمرار الدعم الأمريكي العلني والذي وصل إلى حد التهديد بقصف مواقع حيوية إيرانية لإنهاك النظام. «إسرائيل والولايات المتحدة تغذيان أعمال الشغب العنيفة في بلادنا»، بحسب وزير الخارجية الإيراني أمس، وذلك ردًا على ما نشره وزير الخارجية الأمريكي السابق قبل أسبوع، حين ألمح إلى دور أمريكي في المظاهرات هناك.

الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قال أكثر من مرة في تصريحاته خلال الأيام الماضية إنه مستعد للتدخل العسكري «لمساعدة الإيرانيين»، بينما دعاه رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران قبل الثورة الإسلامية عام 1979، يوم الجمعة، إلى «الاستعداد للتدخل لمساعدة الشعب الإيراني».

خلال لقائه مع تلفزيون العربي، اليوم، اعتبر الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان أن الاحتجاجات مشروعة، واعدًا الشعب الإيراني بتحسين الظروف المعيشية، وتقديم دعم نقدي وعيني لثماني شرائح اجتماعية من أصل عشر شرائح يمثلون شرائح المجتمع الإيراني، كما دعا ممثلي الاحتجاجات والتجار إلى التواصل مع المسؤولين لنزع فتيل الأزمة. لكنه اتهم أمريكا وإسرائيل بالوقوف وراء «مثيري الشغب» الذين اتهمهم بإحراق المساجد والمصاحف و«قطع رؤوس الأطفال».

من جانبه، هاجم المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، الولايات المتحدة خلال خطبته في مدينة قم يوم الجمعة الماضي، جراء تصريحات مسؤوليها حول التظاهرات الإيرانية، مشيرًا إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، قبل أن يهاجم المتظاهرين، واصفًا إياهم بـ«مثيري الشغب، واتهمهم بأنهم «يخدمون السياسة الأمريكية»، مُذكرًا الشعب الإيراني بالحرب الأمريكية/الإسرائيلية الأخيرة التي خلفت ألف قتيل إيراني.

الخطاب الأخير للمرشد يناقض تصريحاته أثناء الأسبوع الأول من الاحتجاجات، التي اعترف خلالها بأن الاحتجاج «حق مشروع»، وتفهم الضيق الذي تتسبب فيه الأزمة الاقتصادية وتهاوي سعر العملة، معللًا ذلك بالحصار الاقتصادي الأمريكي على الجمهورية الإسلامية. وأشار خامنئي كذلك إلى طبقة التجار «البازار»، والتي بدأت تنظيم الاحتجاجات، واصفًا إياها بأنها «من أكثر الشرائح ولاءً لنظام الجمهورية الإسلامية»، إلا أنه حذرهم من استغلال الأعداء المندسين خلفهم الفرصة لتدمير البلد.

يتعارض خطاب المرشد مع تصريحات الرئيس الإيراني، التي أقر خلالها بالأوضاع المعيشية الصعبة، مشيرًا إلى توجيه وزير الداخلية للحديث مع ممثلي «الاحتجاجات المشروعة»، والعمل على إصلاح النظام النقدي والمصرفي والحفاظ على القدرة الشرائية للإيرانيين.

شهد النظام الإسلامي في إيران موجات احتجاجية مختلفة منذ اللحظات الأولى لاستقراره بعد الثورة عام 1979. اصطدم في البداية مع احتجاجات نسائية  واسعة ضد فرض الحجاب الإلزامي، وتمردات تسعى للحكم الذاتي في إقليمي كردستان وخوزستان، بالإضافة إلى الصدام مع منظمة مجاهدي خلق اليسارية. 

دخل النظام الإسلامي بعدها في موجة قمع دموية واسعة انتهت باستقرار النظام الإسلامي في السلطة، والقضاء على منافسيه السياسيين، خاصة مع الدخول في حرب طويل دامية مع العراق خلال الثمانينات أدت إلى تماسك داخلي أكبر في إيران، وتقوية الحرس الثوري الإيراني.

شهدت هذه الفترة أيضًا أزمة السفارة الأمريكية التي مثلت بداية قطع العلاقات والعداء مع الولايات المتحدة، الذي تصاعد عبر العقود مع تدشين إيران لـ«محور المقاومة» المجابه للهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وذلك مع تأسيس حزب الله في 1982 لمواجهة الغزو الإسرائيلي للبنان. كما شهدت الثمانينات أيضًا بداية اهتمام النظام الإسلامي بتوسيع برنامج إيران النووي، بعد الحرب مع العراق وظهور التهديدات الأمريكية. توسع النفوذ الإيراني في العقود اللاحقة ليشمل دعم نظام الأسد في سوريا، وفصائل شيعية في العراق، وحركة حماس في فلسطين، وجماعة الحوثي في اليمن. 

لم تعد الاحتجاجات الواسعة إلى إيران إلا في عام 1999. ظهرت حالة من التذبذب الداخلي عقب فوز محمد خاتمي بالرئاسة في 1997، في أول نجاح لما يُعرف بـ«الحركة الإصلاحية»، حين خرجت احتجاجات طلابية واسعة من جامعة طهران للاعتراض على إغلاق صحيفة «سلام» التابعة للإصلاحيين من قبل القضاء، قبل أن تتعرض حركة الطلاب بدورها لحملة قمع واعتقال واسعة، تبعها إصدار تشريعات هدفت للتضييق السياسي على الإصلاحيين.

لكن انفجار الحراك السياسي جاء بعد تراجع حركة الإصلاحيين وعودة الجناح المحافظ للنظام بفوز محمود أحمدي نجاد بالرئاسة في 2005، بعد أن اتهمت المعارضة أحمدي نجاد بتزوير انتخابات 2009 لصالحه، وخرج الملايين للمطالبة بالإصلاح السياسي وإعادة الانتخابات في حراك واسع قاده المرشحان المعارضان مير حسين موسوي ومهدي كروبي عرف باسم «الحركة الخضراء»، والتي استمرت حتى نهاية 2010 قبل أن ينجح النظام في إخماد الحراك بحملة عنيفة واسعة أخرى، وفرض الإقامة الجبرية لسنوات على موسوي وكروبي.

الاحتجاجات السياسية لم تتراجع منذ ذلك الحين. بعد فترة هدوء وجيزة عزّزها توقيع إيران للاتفاق النووي مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس حسن روحاني في 2015، انسحبت الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب الأولى من الاتفاق، وبدأت في ممارسة ضغط سياسي وعسكري وفرض عقوبات اقتصادية أكبر على إيران. مع هذا الضغط، شهدت السنوات التالية تفاقم الغضب الشعبي تجاه النظام الإيراني مع تصاعد الأزمات الاقتصادية، بالتزامن مع الاعتراضات على الحكم الديني والقمع السياسي لتصبح هذه العوامل المحركات الرئيسية للاحتجاجات.

بين عامي 2017-2018، أشعل ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية احتجاجات واسعة في محافظات إيران، تلتها «انتفاضة نوفمبر الدامي» عام 2019، والتي تعتبر الأحداث الأكثر عنفًا في تاريخ الجمهورية الإسلامية، حيث قُتل مئات المتظاهرين خلال احتجاجات على ارتفاع أسعار الوقود، وسط تعتيم إعلامي كامل وانقطاع الإنترنت عن البلاد. واستمرت موجة الاحتجاجات والإضرابات العامة الاقتصادية في السنوات التالية.

أخذت الاحتجاجات منعطفًا اجتماعيًا آخر في عام 2022، إثر وفاة الشابة مهسا أميني على يد ما يعرف بشرطة الأخلاق المسؤولة عن فرض الحجاب الإلزامي، لتتحول سريعًا إلى عصيان مدني شمل جميع المحافظات، وشهد خلعًا جماعيًا للحجاب ومطالبات صريحة بتغيير النظام.

تصاعدت في احتجاجات العقد الأخير من المعارضة للنظام أيضًا خطابات ترفض النفوذ الإقليمي للنظام الإيراني في لبنان وفلسطين وسوريا، باعتباره عبئًا اقتصاديًا وسط تفاقم الأزمات الاقتصادية في إيران، وباعتباره السبب وراء الضغط الأمريكي المتصاعد، وارتفاع فرص الصدام العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة مع دخول إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة في مواجهات مباشرة منذ بداية الحرب على غزة في أكتوبر 2023. 

وظهرت أصوات معارضة أيضًا تدعو للتقارب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أو للتدخل الخارجي لإسقاط النظام الإسلامي، أو إعادة نظام الشاه القديم، وهي الدعوات التي تجاوبت معها الولايات المتحدة وإسرائيل ودعمتها خطابيًا. في المقابل، أشار النظام الإيراني مرارًا بأصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة وإسرائيل ومؤيدي نظام الشاه القديم باعتبارهم المسؤولين عن تحريك الاحتجاجات المختلفة ضده.

هذا الالتباس الإقليمي والدولي يمنح طبيعة مختلفة للاحتجاجات. من ناحية، يتهم النظام الإيراني الولايات المتحدة وإسرائيل بتحريكها، وهي تهمة ألمحت الولايات المتحدة إلى صحتها. ومن ناحية أخرى، فإن جميع الظروف والشروط التي تحتاجها إيران للانفجار، من حيث القمع الأمني والأزمة الاقتصادية، تتوافر فيها، ما يجعل من فكرة اندلاع الاحتجاجات وتصاعدها أمرًا منطقيًا، حتى باعتراف رؤوس النظام نفسه. 

المؤكد أن مئات الآلاف من الإيرانيين الآن يتظاهرون في شوارع بلدهم، غير عابئين باتهامات المرشد أو دعم ترامب، يواجهون آلة قمع قوية دون حد أدنى من التغطية الإعلامية.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن