13 شابًا، يجتمعون في منزل واسع بمدينة دكرنس بمحافظة الدقهلية، قبل امتحان مادة اللغة العربية للصف الثالث الثانوي. يلتفون جمعيًا حول طاولة طعام، ويتوسطهم مدرس، لمراجعة ما يُطلق عليها «ليلة الامتحان»، قبل أن يطرق باب المنزل قوة من الشرطة للتحقيق في بلاغ أحد الجيران بوجود درس خصوصي في المنزل يحضره العشرات، في تجمع حظرته الحكومة في مراكز الدروس الخصوصية، لينتقل للمنازل، منذ بداية الإجراءات الاحترازية، التي أقرتها الحكومة في مارس الماضي للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19»، والذي أعقبه إغلاق العديد من مراكز الدروس الخصوصية، في حملات متتالية.
سرعان ما تفرق الحشد بالداخل، وجلس المدرس مع صاحب المنزل كأنه ضيف، وتوزع الطلاب في أنحاء المنزل مدعين أنهم زملاء يساعدون بعضهم البعض على الاستعداد لامتحان اليوم التالي. تكرر هذا المشهد الذي وصفه أحد الطلاب الموجودين في المنزل حينها لـ«مدى مصر»، في أنحاء محافظات مصر، كحل بديل لجأ له الطلاب والمدرسون، مما غير من الشكل الكلاسيكي لمراجعات ليلة الامتحان التي اعتاد عليها الطلاب على مدار سنوات. وغير التجمع المعتاد، تطورت أنماط أخرى لمجموعات المراجعة النهائية معتمدة على الإنترنت بشكل أساسي.
تجمعات المراجعة النهائية تطورت بشكل كبير في السنوات الأخيرة في ظل الغياب الكامل لدور المدرسة حتى قبل الجائحة. «إحنا ملناش فصل في المدرسة أصلًا» تقول جهاد* الطالبة بالصف الثالث الثانوي بمدرسة حكومية بمدينة المنصورة. لم تذهب جهاد أو زميلاتها للمدرسة منذ بدء العام الدراسي إلا لقضاء بعض الحاجات الإدارية فقط، ولذلك لم تخصص المدرسة للصف الثالث فصول، ولكنها خصصت لهن معملًا إذا حدث وقررت بعض الطالبات الحضور لأي سبب حسبما قالت جهاد لـ«مدى مصر»، وهو العرف المنتشر في كثير من المدارس الحكومية الثانوية في مصر، بسبب عدم ذهاب طلاب هذا الصف للمدرسة، حسبما قال مدرسون وطلاب لـ«مدى مصر».
في العام الماضي وفي نفس التوقيت تقريبًا انتشرت مقاطع فيديو لمدرس الفلسفة وعلم النفس الشهير بمحافظة الجيزة سيد العراقي وهو يبدأ المراجعة النهائية لمادته في قاعة كبيرة في فندق في وجود مئات الطلاب صبيحة يوم الامتحان ويدخل للقاعة كنجم سينمائي حاملًا ميكروفون، وسط تصفيق من الطلبة. لم تكن قاعة الفندق الحادثة الأولى لسيد عراقي الشهير بـ «مدرس الاستاد» بعدما جمع آلاف الطلاب لمراجعة دروس الثانوية العامة عام 2018 داخل استاد كلية التربية الرياضية فى الجيزة، في مشهد أثار حفيظة الكثيرين.
يتابع الطلاب مع المدرس طوال العام في مجموعات بالمراكز التي يصل فيها عدد الحضور إلى 100 طالب أو أكثر، أو في أماكن أصغر تستوعب 50 طالبًا على الأكثر. تختلف التسعيرة من مدرس ﻵخر ومن منطقة لأخرى، لتبدأ الأسعار من 100 جنيه في الأقاليم، لتصل 400 جنيه شهريًا في القاهرة. هذا السعر الباهظ لبعض العائلات يدفعهم لإلحاق أبنائهم في دروس رخيصة طوال العام، ويكتفون بحضور المراجعة النهائية مع المدرسين الأكثر شهرة، ما يزيد من عدد الطلاب أثناء تلك الفترة بشكل كبير.
لضيق الوقت خلال فترة المراجعات النهائية يضم معظم المدرسين جميع مجموعاتهم في مجموعة واحدة كبيرة، قد تصل بعضها لآلاف الطلاب. وغالبًا ما تتم المراجعة النهائية في حصة واحدة أو حصتين على الأكثر، ويحدد بعض المدرسين تسعيرة خاصة لهذه الحصص تصل إلى 800 جنيه في بعض الأحيان للحصة الواحدة، فيما ينفذها قلة من المدرسين بدون مقابل حسبما قال مجموعة من المدرسين والطلاب الذين تحدثوا لـ«مدى مصر».
هذا العام، وبالرغم من تبعات الجائحة، استمر عراقي في حشد آلاف الطلبة، ولكن بشكل مختلف، بعد أن طل عليهم من خلال برامج تعليمية على إحدى القنوات التلفزيونية الخاصة حصدت آلاف المشاهدات، كما لم تفقد وسائله القديمة سحرها أيضًا، حيث وصلت المذكرات الخاصة به إلى عشرات المنافذ في جميع أنحاء الجمهورية تقريبًا.
لم يكن عراقي الوحيد الذي لجأ للوصول لطلابه عن طريق الإنترنت أو التلفزيون، حيث اعتمد العديد من الطلاب على استخدام التطبيقات الإلكترونية للتواصل مع مدرسيهم، بعد أن آثروا البقاء في المنازل عن حضور مجموعات المراجعات النهائية، تحسبًا للجائحة.
ولذلك تعتمد جهاد بشكل تام على الدروس الخصوصية لتحصيل المناهج. وحتى بعد ملاحقة الحكومة لمراكز الدروس الخصوصية خلال فترة الحظر، اتجهت هي ومدرسيها للمتابعة إلكترونيًا من خلال تطبيقات المحادثات «ZOOM» و «Webex».
هذه التطبيقات لم تكن الأولى، حيث سبقها محاولات قديمة نسبيًا لعرض محتوى تعليمي على موقع يوتيوب، وكانت أول محاولة جادة استطعنا الوصول إليها على الموقع لقناة بعنوان «كايرو دار»، والتي بدأت عملها منذ سبع سنوات تقريبًا وقدمت شرح لمواد متعددة، ولكنها لم تستمر سوى عام واحد رغم حصدها آلاف المشاهدات. مدرسون آخرون اتجهوا منفردين لفضاء الإنترنت، مثل مدرس الفلسفة الشهير عراقي في مقاطع فيديو من خلال قناة خصصها للمراجعات النهائية بدأها عام 2017، حاصدًا مزيد من الشهرة بين الطلاب، والتي يتبارى فيها المدرسون غير معتمدين على جودة الشرح فقط، حيث صور مدرسون حفلات ضخمة للاحتفال بتخرج طلابهم من المرحلة الثانوية وجرى بها تكريم مئات المتميزين منهم.
هذا العام، اتجه عمر سيف طالب الثانوية العامة في القاهرة إلى مجموعات الطلبة على فيسبوك باحثًا عن قنوات مدرسين متميزين بموقع «يوتيوب»، بعدما توقفت الدروس الخصوصية، ليصل لقناة الأستاذ محمد السخاوى.
يعمل السخاوي كمدرس للغة العربية منذ 15 عامًا. بالتوازي مع تقديمه لدروس خصوصية، أو ما يُفضل أن يسميه «محاضرات» لطلاب المرحلة الثانوية في عدة محافظات، أنشأ قناة على موقع يوتيوب عام 2014 لاقتناعه بأهمية الإنترنت كوسيلة تعليمية مهمة، وقادمة لا محالة.
خلال سنوات قليلة، وصلت مشاهدات قناة السخاوي للملايين، لتدر عليه ربحًا لا بأس به على حد وصفه لـ«مدى مصر»، وذلك من سياسة برنامج شركاء يوتيوب التي تؤهل للتربح من الإعلانات، ويُحدد الربح وفقًا لعدد المشاهدات والاشتراكات بالقناة. الإقبال على القناة تزايد بشكل ملحوظ بالتزامن مع تطبيق الحظر، حتى وصلت القناة إلى المرتبة السادسة في «ترند» يوتيوب في الليلة التي سبقت امتحان اللغة العربية الذي وافق 21 يونيو.
هذا التحول الكامل في طريقة الدراسة لم تستطع جهاد وزملاؤها استساغته في البداية، بعد أن عانوا في تحصيل المعلومات والتأقلم على الشكل الجديد للتعليم، بسبب ملل الجلوس لفترات طويلة أمام الكمبيوتر أو الموبايل، أو لأسباب تقنية كضعف جودة العرض والصوت عند التصوير أو بطء شبكة الإنترنت.
تحسن الوضع قليلًا مع تمكن المدرسين من التعامل مع التطبيقات وتحسين طريقة العرض واعتياد الطلاب على سماع مدرسيهم من وراء شاشة الموبايل، بالرغم من القليل من عدم الراحة لمجرد تغيير وضع اعتادوا عليه طوال سنوات دراستهم بحسب وصف جهاد.
استخدام التكنولوجيا من أجل إكمال العملية التعليمية كان عسير على المدرسين أيضًا. تطبيقات جديدة، واختيارات كثيرة معقدة، والعديد من الطلاب، الذي قد يستطيع السيطرة عليهم في غرفة الدرس، ولكن بالتأكيد ليس من وراء الشاشات، كما قال حسين العدل مدرس لغة عربية بمحافظة الغربية لـ«مدى مصر». ورغم هذا؛ اضطر العدل للمتابعة مع طلابه من خلال بعض المكالمات على تطبيق «سكايب» الذي ساعده ابنه في إجراءات التسجيل فيه، وتنفيذ المكالمات.
في رأي العدل يتيح التواصل الفعلي درجة أكبر من التفاعل ما بين الطالب والمدرس، وإن كان مجرد ملاحظة تعبيرات وجوه الطلاب من ملل أو اهتمام أو عدم استيعاب، ما يمكنه من السيطرة على الحصة، وهو ما لا يمكن تحقيقه بأي حال من الأحوال من خلال مقاطع الفيديو المُسجلة.
أما السخاوي فيرى أن صعوبة التواصل مع الطلاب من وراء الشاشات تكمن في القدرة على الحفاظ على انتباههم طوال مدة الدرس. يحتاج ذلك لطريقة شرح جذابة، ومقطع فيديو بجودة جيدة، وصوت واضح، ولذلك يستعين بفريق عمل متكامل للتصوير والمونتاج والإضاءة، ما ساهم في تطوير عمله وتحقيق نسبة مشاهدات عالية.
استخدام التكنولوجيا للتعلم والمراجعة، فتح الباب لدخول لاعبين جدد إلى سوق التعليم، فتوسعت شركات إقليمية خاصة في السوق المصري بتطبيقات تعليمية جديدة، مثل «درسني» و«نون أكاديمي» التي دخلت مصر عام 2018، بينما استغلت شركات محلية تقبل الطلاب للتعلم الإلكتروني وأطلقت تطبيقات شبيهة مثل «مذاكرتي»، و«حلم الثانوية»، الذي انطلق العام الماضي دون أن يحقق نجاح يُذكر، وساعده الحظر على تحقيق انتشار أكبر هذا العام وفقًا للسخاوي، رغم التعليقات السلبية التي حصدها التطبيق من تقييمات المستخدمين.
التطبيقات المدفوعة توفر شرح دروس من خلال مقاطع فيديو يعدها مدرسون. وتختلف الأسعار من تطبيق ﻵخر، فيما يدفع الطلاب من خلال قنوات الدفع الإلكتروني مقابل مشاهدة المقاطع، أو مقابل تجربة لنماذج امتحانات وتصحيحها.
وعلى نفس النهج سجلت وزارة التربية والتعليم على منصة «المينتور» التعليمية، وخصصت قسم لطلاب الثانوي بمقابل مادي أقل من الذي تعرضه المنصة، تحت إشراف الوزارة. كانت الوزارة قد وفرت عدة منصات مجانية لمتابعة العملية التعليمية مثل «إدمودو» و«بنك المعرفة»، بعد أن أوقفت الدراسة واكتفت بما درسه الطلاب في المدارس حتى 15 مارس.
الإقبال على هذه المنصات الإلكترونية دفع بعض شركات مطوري التطبيقات للتواصل مع مدرسين مشهورين لعرض تنفيذ تطبيقات خاص بهم، أسوة بغيرهم، لتظهر موجة جديدة من تطبيقات خاصة بكل مدرس على حدة بدلًا من تطبيق يضم عدد من المدرسين، حسبما قال السخاوي لـ«مدى مصر».
رغم سهولة الاعتماد على الوسائل الحديثة في التعليم، لا تتساوى الفرص لدى الجميع، حيث تشير تقديرات وزارة الاتصالات إلى أن 52% من إجمالي السكان فقط هم من لديهم قدرة على النفاذ إلى شبكة الإنترنت في 2019. لذلك اضطر من لم تتوفر له رفاهية متابعة هذه التطبيقات المدفوعة، أو حتى مشاهدة مقاطع فيديو اليوتيوب المجانية، مثل كريم* الذي لم يتمكن والده بعد خسارة عمله بسبب الجائحة، في توفير تكلفة الدرس بالمنزل، للاعتماد على ما درسه بالفعل قبل الحظر، وعلى الكتاب المدرسي فقط في الاستعداد لامتحانات الثانوية العامة.
تقارير ذات صلة
بين القذائف والأقلام.. صراع آخر يخوضه طُلاب غزة لأجل التعليم
لموا الكراريس.. التعليم مجال آخر للمعاناة في غزة
يعني إيه الـUSAID يقف في مصر؟
نلقي نظرة سريعة على بعض آثار القرارات التنفيذية التي أخذها ترامب لتقليص المعونة الأمريكية على مصر
الوعود الإنشائية في الخطة الحكومية
وصفت اللجنة البرلمانية البرنامج بأنه جاء متضمنًا «المحددات العامة لأية برامج حكومية».
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن