الوعود الإنشائية في الخطة الحكومية
«مواصلة.. استمرار.. استكمال.. تعزيز.. تطوير..»، بهذه الكلمات الفضفاضة صاغت الحكومة «الجديدة» برنامج عملها وقدمته إلى البرلمان، الذي بدوره شكّل لجنة، درست البرنامج وتناقشت مع الوزراء «الجدد» عبر 11 اجتماعًا استغرقت نحو 70 ساعة في ستة أيام، ثم صاغت تقريرها ووضعته، الخميس الماضي، أمام الجلسة العامة لمجلس النواب للتصويت عليه، موصية بمنح الثقة لحكومة مصطفى مدبولي الثانية، وهو ما كان بعد أن أسكتت الأغلبية البرلمانية بقيادة حزب مستقبل وطن أحد النواب المستقلين حين حاول نقد البرنامج بوصفه «إنشائي وموضوع تعبير».
أدت حكومة مدبولي الجديدة اليمين الدستورية أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 3 يوليو الجاري، وبعد خمسة أيام تقدمت ببرنامجها إلى البرلمان لنيل ثقته -وفقًا لما ينص الدستور- وسط تفاقم أزمات ارتفاع الأسعار، وانقطاع الكهرباء، ونقص السلع، وتدهور غير مسبوق في قيمة الجنيه، وغيرها مما خلفته حكومة مدبولي الأولى (2018-2024).
في كلمته أمام جلسة منح الثقة، برر مدبولي الأهداف الفضفاضة بأن «البرنامج وضع مستهدفات حتى عام 2030، لكنه وضع الرؤية التفصيلية لثلاث سنوات فقط، لأن طبيعة المتغيرات وتلاحقها، وعدم اليقين الشديد الذي يواكب هذه المرحلة من عمر البشرية، دفعنا لوضع خطط نستطيع تنفيذها خلال النصف الأول من الفترة الرئاسية»، واعدًا بأن يضع كل البرامج الزمنية التفصيلية على مدار ستة أشهر من عمر البرنامج أمام مجلس النواب قبل دور الانعقاد المقبل.
جاء برنامج الحكومة في 276 صفحة مُزينة بالوسائط البصرية الفخمة، محددًا أربعة محاور للعمل، كل محور يشمل سيلًا من «الأهداف الاستراتيجية» المزمع تحقيقها عبر غابة من البرامج الرئيسية والفرعية تمت صياغتها في كلام عام مطاط لا يمكن من خلاله تحديد طبيعة المشروعات أو آليات تنفيذها أو طريقة تمويلها، خلافًا لما كان متحققًا بقدر كبير في برنامج حكومة مدبولي الأولى، بصرف النظر عما تحقق أو لم يتحقق.
إذا أردت -مثلًا- التعرف على خطة الحكومة لانتشال المواطنين، وخاصة فقرائهم، من جحيم الأسعار ونقص السلع، ستجد الإجابة في البرنامج تحت عنوان «أسواق منضبطة وأسعار مستقرة»، إذ «ستحرص» الحكومة على «متابعة» موقف الأسواق و«تعزيز» المعروض من السلع، و«مواصلة» العمل على «ترسيخ» دعائم سياسية لاستهداف التضخم، و«إحكام» الرقابة على الأسواق و«تكثيف» الحملات الرقابية، و«تشديد» القوانين، و«إطلاق» حملات إعلانية تثقيفية حول مراقبة الأسعار، ومنع الممارسات الاحتكارية، ورفع المخزون الاستراتيجي إلى تسعة أشهر بدلًا من ستة حاليًا، و«تعزيز» دور البورصة السلعية التي أطلقتها الحكومة في 2022. لكن، إذا بحثت عن الآليات أو الإجراءات العملية الملموسة لن تجد شيئًا، باستثناء خطوتين وحيدتين واضحتين: وضع حد أقصى لهامش ربح السلع الاستراتيجية، ودعم مبادرات التجارة الإلكترونية مثل شركة «مكسب» من خلال الحوافز التي تقدمها الدولة لهذه المبادرات.
اللافت أن استراتيجية الحكومة الفضفاضة في كل تفاصيلها ذكرت اسم شركة «مكسب» بالتحديد كمثال يحتذى به لتجارة المواد الغذائية بالجملة إلكترونيًا، في حين تعرضت مخازن «مكسب» في محافظة القليوبية، قبل نحو عام، لحملة أمنية صادرت أطنانًا من المواد الغذائية منها، بعد اتهام الشركة بتخزين السلع بهدف احتكارها. مصدر بالشركة أوضح لـ«مدى مصر»، أن طبيعة عمل «مكسب» كمتجر إلكتروني يعني وجود مخازن لتخزين هذه السلع، مضيفًا أن السلع التي تم مصادرتها من المخازن عرضتها الحكومة للبيع في منافذها في ما بعد.
عمومًا، لم تتضمن خطة الحكومة أي أرقام أو آليات محددة لتحقيق «الأمن الغذائي»، باستثناء ثلاثة عناصر: الذرة، التي قالت إن مصر تحقق منها اكتفاء ذاتي بنسبة 46% في الوقت الحالي، مستهدفة رفع النسبة العام المقبل إلى 50%، ثم الوصول إلى 67% في عام 2030. أما القمح الذي تكتفي مصر منه ذاتيًا في الوقت الحالي بنسبة 49%، فخفضت الخطة الحكومية مستهدفها منه للعام المقبل ليصبح 51% فقط، فيما تطمح للوصول إلى 56% بحلول 2030، بعدما أعلنت في وقت سابق استهدافها تحقيق اكتفاء منه بنسبة 65% بحلول العام المقبل.
العنصر الثالث والأخير المحدد برقم واضح في خطة الأمن الغذائي، هو إضافة مليوني فدان إلى المساحة الزراعية خلال خمس سنوات، لتصبح 12 مليون فدان بحلول 2030 بدلًا من عشرة ملايين فدان حاليًا. ومع ذلك، لا يبدو هذا الهدف واقعيًا، خصوصًا أن الخطة لم تتضمن أي إجراءات واضحة لتحقيقه، باستثناء سطر في برنامج إشراك القطاع الخاص يشير إلى تيسير إجراءات تخصيص الأراضي الجديدة. ورغم اهتمام الدولة بإشراك القطاع الخاص في ملف استصلاح الأراضي منذ سنوات، استصلحت مصر خلال عشر سنوات، من 2011 حتى 2021، نصف مليون فدان فقط، وفقًا لآخر بيانات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
وبينما يعول الفقراء -وهم أغلبية المصريين- على الدعم السلعي، رغم هزاله، في مواجهة الغلاء الفاحش ونقص السلع، إلا أن برنامج الحكومة لم يأتِ على ذكره، مكتفيًا بوعود «توسيع مظلة الحماية الاجتماعية» و«توسيع نطاق تغطية برامج الحماية الاجتماعية الموجهة للفئات الأكثر احتياجًا، مع التركيز على المرأة المُعيلة، وريف الوجه القبلي»، وغيرها من الصياغات الإنشائية التي لا تسقي عطش الفقراء، ولا تصل بهم إلى حلول ملموسة.
ماذا عن دعم حارس الأمن الغذائي.. الفلاح؟ خصصت له الخطة برنامجًا فرعيًا من خمسة أسطر عامة ومقتضبة تدور حول ربط المزارعين بالأسواق، واستكمال مشروع كارت الفلاح، وربط عدد أكبر من المزارعين بالبنك الزراعي للاستفادة من خدماته.
الهدف الوحيد المباشر في برنامج دعم الفلاحين هو تفعيل قانون «صندوق التكافل الزراعي» والذي صدر عام 2014، ولم تصدر لائحته التنفيذية حتى اليوم، رغم إلزام البرلمان الحكومة بتفعيله خلال شهرين عام 2020، ورغم المناشدات المستمرة لبدء عمله لتعويض صغار المزارعين الذين تزداد خسائرهم سنويًا في ظل تغيرات المناخ وتقلبات الأسواق، دون جدوى.
لم يتطرق البرنامج لأي تفاصيل واضحة حول الدعم الفعلي للمزارعين عبر الأسمدة والبذور أو مياه الري، فيما تشير البيانات الرسمية إلى تقلص دعم المزارعين في الموازنة العامة خلال عشر سنوات بنحو 83%، من 3.3 مليار جنيهًا في السنة المالية 2014-2015 إلى 545 مليون في موازنة السنة المالية الماضية.
الخطة نفسها أكدت على تعزيز دور الإرشاد الزراعي، فيما لم توضح كيف ستعزز الحكومة قطاعًا خرج معظم موظفيه من الخدمة عام 2022، مع وقف التعيينات قبل عقود، فيما كانت ميزانيته الشهرية لا تتخطى 16 ألف و700 جنيه، أو حوالي 200 ألف جنيه سنويًا، وفقًا لآخر بيانات عام 2017-2018، بالمقارنة بـ48 مليون جنيه عام 1997.
ومع أن البرنامج لم يغفل التأكيد على مواصلة دعم البحث العلمي في المجال الزراعي، لكنه في الوقت نفسه لم يوضح أي آليات لذلك، خصوصًا أن ميزانية مراكز البحوث الزراعية لم تتجاوز أربعة مليارات جنيه في عام 2021، وكان نواب وجهوا انتقادات سابقة لاستحواذ المرتبات على معظم مخصصات مراكز البحوث الزراعية.
بخصوص الثروة الحيوانية، سيعمل البرنامج على توفير الأعلاف، وزيادة الطاقة الإنتاجية للأمصال الطبية، فضلًا عن الحفاظ على السلالات المحلية والاستمرار في استيراد سلالات مستوردة ذات إنتاجية عالية.
كانت مصادر كشفت لـ«مدى مصر» في تغطيات سابقة أن استيراد ماشية لتستبدل المحلية، بهدف مضاعفة إنتاج الألبان واللحوم، بحسب توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، تسبب في انتشار أمراض مختلفة لم تكن منتشرة في مصر من قبل، وليس لدى الماشية المحلية مناعة ضدها، ما ساهم في انخفاض أعداد الماشية من 16 مليون رأس عام 2018، إلى نحو سبعة ملايين رأس فقط في 2019.
البرنامج يتعهد أيضًا بتحقيق الاكتفاء الذاتي من الثروة الداجنة عبر دعم الأعلاف وتنويع مصادر استيرادها، لكنه لم يتطرق إلى أي تفاصيل حول آليات «دعم الأعلاف»، ولم يوضح كيف ستعيد الدولة للقطاع قوته مرة أخرى بعد الخسائر الفادحة التي مُني بها على مدار عامين، وتسببت في خروج آلاف المنتجين من السوق.
كما «ستستمر» الدولة في التوسع في مشاريع الاستزراع السمكي وتطهير البحيرات، لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي من الثروة السمكية والبالغة 85% بإنتاج تجاوز مليوني طن عام 2020، وفقًا لآخر بيانات متاحة في التعبئة والإحصاء.
ولأن لا أمن غذائي دون ضمان الأمن المائي، كان الأخير برنامجًا أساسيًا ضمن محور حماية الأمن القومي وسياسة مصر الخارجية، ويتضمن برامج فرعية مختلفة على رأسها التعاون مع دول حوض النيل. يأتي ذلك في الوقت الذي دخلت فيه اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل «عنتيبي» حيز التنفيذ، بعد توقيع جنوب السودان عليها الأسبوع الماضي، وهو ما سيعمق خلافات أزمات المياه بين دول المصب والمنبع، إذ تضم الاتفاقية بندًا يمنح دول المنبع حق إقامة المشروعات دون الرجوع أو التوافق مع دول المصب.
خطة الحكومة الحالية للأمن المائي كسائر خطط البرنامج تخلو من أي أهداف محددة، فقط عناوين فرعية واسعة عن الحفاظ على المياه من التلوث وتعزيز البحث العلمي والتكنولوجيا. عمومية الخطة الجديدة تظهر بوضوح إذا ما تم مقارنتها بخطة الحكومة لـ2018-2022، التي حددت محاور أساسية على رأسها إحلال شبكات الصرف في مناطق مختلفة مذكورة بالتفصيل، وتقليل استهلاك المياه عبر ثلاث وزارات مختلفة، وكيفية ترشيد كل وزارة لاستهلاك المياه والكميات التي ستقلصها بالضبط، عبر طرق مختلفة من بينها استخدام المياه المعالجة، وتحسين سلالات البذور المستهلكة للمياه، واستبدالها بمحاصيل أقل استهلاكًا للمياه مع توضيح مساحات زراعة هذه المحاصيل وكمية المياه التي ستوفرها بدقة. أما الخطة الجديدة اكتفت بالإشارة إلى «تقنين المحاصيل الشرهة للمياه مثل (الأرز - الموز - ..)»، وإحلال محطات الصرف والري.
كما تضمن برنامج الحكومة إشارات مقتضبة، لكنها مهمة وتذكر لأول مرة، حول «السيطرة على الاستخراج المفرط للمياه الجوفية لأغراض الري»، فضلًا عن التوجه للاستثمار في مجال الزراعة المائية، التي تعتبر اتجاهًا حديثًا في الزراعة لتوفير المياه ومساحات التربة، إذ تنتج كميات أكبر من المحاصيل في مساحات أصغر باستخدام كميات أقل من المياه.
وخلال خطتها «ستستمر» الحكومة في المشروع القومي لتبطين الترع الذي أطلق عام 2020، مستهدفة 1640 ترعة خلال العام الجاري، و170 العام القادم، و50 خلال عام 2026. كان وزير الري، هاني سويلم، قد انتقد مشروع تبطين الترع الذي بدأ تنفيذه قبل توليه منصبه، مشيرًا إلى غياب دراسات تقييم الأثر البيئي، وإزالة الأشجار التي نمت على ضفاف الترع منذ عقود خلال تجديدها، كما أكد استمرار المشروع ولكن «بشكل علمي»، معتبرًا أن تبطين الترع دون دراسة كل حالة على حدة يُعدّ هدرًا للمال العام.
بنفس المنهج، سطّر البرنامج رؤية الحكومة لـ«بناء الإنسان المصري وتعزيز رفاهيته» في عموميات أقرب إلى الأحلام غير المُفسرة.
مثلًا، رأت الحكومة فيما يرى النائم أن على رأس خطتها القادمة في التعليم قبل الجامعي متابعة خطة الوزارة.. (2024-2029).. بما يشمل: الإتاحة الشاملة والعادلة في التعليم لجميع الفئات، والجودة والتميز في التعليم وفقًا للمعايير العالمية، والاستدامة والتعلم مدى الحياة، مع إيلاء الأولوية لكل من ذوي الإعاقة، والنابغين والموهوبين، وكذلك «إعطاء الأولوية لإنشاء المدارس الجديدة بالمناطق الأعلى كثافة من حيث الطلاب والمناطق النائية، بالإضافة إلى التوسع في بناء الفصول لخفض كثافتها وخاصة في المدارس الحكومية».. هكذا دون تحديد أي تفاصيل يمكن مراجعة الإنجاز فيها بشكل ملموس، على غرار ما جاءت عليه خطة حكومة مدبولي الأولى، التي حددت رقمًا لعدد الفصول المستهدف بنائها، 200 ألف فصل، بمتوسط 50 ألف فصل سنويًا بين عامي 2018 و2022.
حققت حكومة مدبولي الأولى 14% فقط من هذا الهدف؛ إذ تُظهر بيانات الكتاب الإحصائي السنوي الصادر عن وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، أن عدد الفصول في التعليم الحكومي أصبح 457.9 ألف فصل في 2022، مقارنًة بـ429.9 ألف عام 2019، أي بلغت الزيادة 28 ألف فصل فقط. وسبق أن أوضح رئيس الهيئة القومية لضمان جودة التعليم، علاء عشماوي، في تصريحات له في سبتمبر 2023، أن «موضوع الكثافة الطلابية داخل الفصول هي العائق الأكبر أمام المدارس»، مُضيفًا أن «التعليم» تحتاج إلى ما بين 40 و80 ألف فصل جديد سنويًا.
حتى إذا تمكنت الحكومة من بناء هذه الفصول فلن تجد معلمين للعمل بها، وربما هذا ما جعل البرنامج ينص على «استكمال متابعة إجراءات سد العجز في أعداد المعلمين»، دون ذِكر الأعداد تحديدًا المستهدفة، وهو ما لم يتم تحديده في برنامج حكومة مدبولي الأولى أيضًا، رغم أن تصريحات لوزير التعليم السابق، رضا حجازي، في يناير الماضي، قدرت أن مصر تحتاج إلى 20 ألف معلم جديد سنويًا. ورغم موافقة رئيس الجمهورية على خطة لتعيين 150 ألف معلم سنويًا على مدار خمس سنوات، بواقع 30 ألف معلم سنويًا في الفترة بين عامي 2023-2028، إلا أن ما تم تعيينه فعليًا حتى الآن 15.9 ألف في الدفعة الأولى، وجاري استكمال إجراءات تدريب واختبار باقي الدفعات.
مع نهاية حكومة مدبولي الأولى كانت النتيجة، بحسب كتب الإحصاء السنوية الصادرة عن «التعليم»، تقلص عدد معلمي المدارس الحكومية بمقدار 126.6 ألف مُدرس/ة، حيث وصل عددهم الإجمالي إلى 808.7 ألف معلم/ة في السنة المالية 2023-2024، مقارنةً بـ935.3 ألف في 2018-2019.
هذا النقص الحاد في أعداد الفصول والمعلمين يبدو متسقًا مع استمرار التجاهل الحكومي لواجبها الدستوري بالإنفاق على التعليم الحكومي قبل الجامعي بنسبة «لا تقل عن 4% من الناتج القومي الإجمالي، تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية»، بحسب المادة 19 من الدستور.
بحسب تقديرات موازنة السنة الجارية، من المتوقع أن يصل الناتج المحلي لسنة 2024-2025 إلى 17.1 تريليون جنيه. ويتوقع البنك الدولي نمو الاقتصاد المصري بنسبة 4.6% في 2025-2026، أي أن الناتج المحلي متوقع أن يبلغ حينها: 17.9 تريليون جنيه. وتستهدف الحكومة في برنامجها، أن ينمو الاقتصاد بنسبة 5.5% في سنة 2026-2027 أي متوقع حينها أن يصل الناتج المحلي إلى: 18.9 تريليون جنيه.
ولمّا كان البرنامج يستهدف الوصول بالإنفاق على التعليم الحكومي قبل الجامعي إلى 283.4 مليار جنيه بحلول السنة المالية 2026-2027، مقارنة بـ214.3 مليار جنيه مستهدفة في السنة المالية الحالية، سيمثل الإنفاق المستهدف في 2026-2027 نحو 1.5% من الناتج المحلي، حتى إذا قمنا بحساب رقم الإنفاق الذي تستهدفه الحكومة بعد عامين وفقًا لما تتوقع أن يصل إليه الناتج المحلي في السنة الحالية (17.1 تريليون جنيه)، نجد أنه يمثل 1.65%.
السيسي نفسه أقر في يونيو 2023 خلال مؤتمر الشباب بصعوبة تحقيق تلك النسبة الدستورية، قائلًا: «هتعمل استحقاق دستوري إزاي للتعليم؟ مش بتقولوا كده؟ أنتم عاوزني أضحك عليكم كلكم؟ تقول لي استحقاق دستوري للصحة؟ هو أنا معايا فلوس للكلام ده.. الأرقام المطلوبة مش موجودة يا جماعة، ولازم إحنا كلنا نبقى موجودين على أرض الواقع».
على أرض الواقع، لم يجد التعليم أو الصحة أو الدعم السلعي أو غيرها من عناصر «بناء الإنسان المصري»، نصيبها الكافي من الإنفاق الحكومي في موازنة السنة المالية الحالية، بعدما ابتلعت خدمة الديون أكثر من 3.4 تريليون جنيه، أي 62% من استخدامات الموازنة العامة.
ربما هذا ما دفع الحكومة «الجديدة» للنص في برنامجها بوضوح على وضع سقف للضمانات الحكومية للاقتراض ومراقبة حجم الضمانات السيادية الصادرة والمطلوبة، «لما تشكله من التزامات محتملة على الموازنة العامة للدولة». وكذلك العمل على مراجعة جميع الضمانات المطلوبة والتفاوض على شروطها، مع العمل على خفض رصيد الضمانات السيادية للناتج المحلي الإجمالي ابتداءً من السنة المالية 2024-2025، بحسب البرنامج.
«تقوم وزارة المالية بإصدار الضمانات التي تُمكّن الجهات المملوكة للدولة من الحصول على قروض من المؤسسات المالية المحلية أو الخارجية، وكذلك تسهيلات من الموردين لتمويل المشروعات القومية والمرافق العامة، حيث قد لا يرغب المُقرض أو الشريك التجاري في تحمل درجة المخاطرة في حال عدم وجود ضمانات من وزارة المالية»، بحسب البيان المالي للموازنة العامة الجديدة. فضلًا عن ذلك، «تنخفض تكلفة التمويل على الجهة المملوكة للدولة نتيجة ضمان الخزانة».
ومع ذلك، لا يحدد البرنامج مستوى سقف الضمانات هذا، ولا مستوى الخفض المطلوب كنسبة من الناتج المحلي، لكن الأهم أنه لا يحدد أصلًا المستوى الحالي لرصيد الضمانات السيادية تلك كنسبة من الناتج المحلي، و«في حقيقة الأمر فهذا الرصيد من الضمانات السيادية غير معلن أساسًا»، حسبما يقول لـ«مدى مصر» عضو لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، محمد بدراوي.
ويعترف البيان المالي في هذا السياق، بأن الديون المضمونة من الخزانة العامة تمثل أهم مصدر للمخاطر التي تتعرض لها المالية العامة، و«يلاحظ تزايدها من سنة لأخرى في ظل زيادة عدد وقيمة الضمانات المُصدرة وتركزها في عدد محدود من الجهات، مما يشير إلى ارتفاع درجة المخاطر الناشئة من الضمانات والمتمثلة في احتمالية اضطرار وزارة المالية لخدمة [تسديد] القروض نيابة عن الجهات المقترضة في المستقبل».
يوضح بدراوي أن القروض المضمونة بطبيعتها مرتبطة في الأساس بالجهات الحكومية التي تستطيع تحصيل إيرادات، وبالتالي يفترض أن تتمكن من السداد، وهي في الأساس الهيئات الاقتصادية، التي لا تشملها الموازنة العامة أصلًا، لكن تعثر أي منها في السداد يعني أن الموازنة العامة مكبلة بقيود تلك القروض، مضيفًا: «هذه القروض تضخمت مع زيادة توجه الدولة للمشروعات القومية الكبرى بصورة خاصة والتي تنفذها تلك الجهات كالمونوريل مثلًا».
للخروج من حفرة الديون، يستهدف البرنامج أيضًا إطالة متوسط عمر الدين العام إلى مستوى 3.9 سنة في 2026-2027، مقابل 3.3 سنة بنهاية السنة المالية الماضية، وفقًا لتصريحات وزير المالية السابق، محمد معيط، في أبريل الماضي. ويعد هذا المستوى المستهدف لعمر الدين تراجعًا عما سبق وأعلنه معيط من استهداف متوسط عمر للدين العام عند مستوى من 4.5 سنة إلى خمس سنوات.
وفي هذا السياق، يقول بدراوي إن هذا التراجع يعود في الأساس إلى عدم القدرة على تغطية عملية «إطالة» عمر الدين، والتي تقوم على تسديد الديون قصيرة الأجل عبر مديونيات طويلة الأجل، موضحًا أن «المديونية قصيرة الأجل متركزة في الدين المحلي في الأساس، وإطالتها تحتاج لمديونيات طويلة الأجل وهو ما يستلزم حجمًا ضخمًا من التمويل غير المناسب لقدرات الجهاز المصرفي [باعتبار أن البنوك هي المقرض الرئيسي للحكومة]»، مضيفًا: «يمكن فهم الأمر باختصار كالتالي: إقراض البنوك للحكومة بآجال طويلة يعني تخلي هذه البنوك عن هذا التمويل لفترة طويلة، وهو أمر لا يمكن أن يتخطى حدًا معينًا يغطي معه هذا الحجم الهائل من القروض قصيرة الأجل التي يشملها الدين المحلي بالذات».
وعلى أرض هذا الواقع أيضًا، لم يعد أمام الحكومة سوى بيع أصول المجتمع لخدمة أعباء الدين، لذلك يخبرنا برنامج الحكومة بإنشاء لجنة لتصفية تلك الأصول تتبع وزارة المالية، بهدف تحقيق من 20 إلى 25 مليار جنيه سنويًا للخزينة من عائدات التخارج «خلال الأعوام المقبلة»، بحسب نص البرنامج.
ويقول بدراوي لـ«مدى مصر» إن «تلك اللجنة لا يختص عملها بالخصخصة أو الطروحات وإنما يقوم عملها على بيع أو تصفية الأصول بمعنى الأصول الإنتاجية الخاسرة -الشركات بعبارة أخرى- والمثال الواضح عليها شركة الحديد والصلب مثلًا، والهدف من اللجنة هو إدارة عملية تصفية الأصول تلك عبر وضع أسس البيع والقواعد التي ستحكم العملية والتي تختلف من حالة لأخرى»، وفضلًا عن ذلك «تشمل عملية التصفية تلك العقارات والأراضي غير المستغلة»، حسبما أضاف بدراوي.
ويرتبط هذا التوجه، بحسب بدراوي، بانتقال الحكومة إلى العاصمة الإدارية الجديدة في الوقت الذي تُخلي فيه وزراتها الكثير من المقرات، وتتخلى عن الكثير من ممتلكاتها، موضحًا: «المقرات أو الأصول ذات القيمة الكبيرة لن تنتقل للجنة وإنما إلى الصندوق السيادي كما هو متبع من فترة، والمثال على ذلك هو مجمع التحرير».
وبصورة عامة، نص البرنامج على توجيه جزء من حصيلة «التخارج»، يمثل 1% من الناتج المحلي الإجمالي، لخفض دين أجهزة الموازنة، دون توضيح ما إن كان تخارجًا ناجمًا عن الخصخصة أو التصفية، فيما رفض وزير المالية، أحمد كوجك، الإجابة على سؤال «مدى مصر» بشأن مصير حصيلة التصفية التي ستقوم بها اللجنة.
وفيما يتعلق بالخصخصة، حافظ البرنامج على غموضه مكتفيًا بالإشارة إلى مواصلة سياسة ملكية أصول الدولة، والمضي قدمًا في تنفيذ الطروحات الحكومية. لكن البرنامج تعهد من ناحية أخرى -ضمن برنامج فرعي يتعلق بتحقيق الانضباط المالي وتعزيز الاستدامة المالية- بعدم استخدام الحصيلة المتحققة من بيع الأًصول والأراضي في إنشاء شركات جديدة تكون ملكيتها للدولة وأجهزتها، أو لزيادة القاعدة الرأسمالية للشركات المملوكة للدولة.
وقد يعبر هذا النص ضمنيًا عن التراجع عن ما سبق وتضمنته استراتيجية إدارة أصول الدولة من التوسع في بعض القطاعات جنبًا إلى جنب مع التخارج كليًا أو جزئيًا من بعض القطاعات الأخرى، وهو ما يتفق معه بدراوي، مشيرًا إلى أن هذا التراجع يشي بوضوح بغلبة الاعتبارات المالية المتعلقة بضعف الموارد المالية اللازمة على غيرها من الاعتبارات.
كانت وثيقة ملكية الدولة نصت على تخارج الدولة خلال ثلاث سنوات من عدد من القطاعات، بينها صناعات الجلود وبعض الصناعات الهندسية والغذائية، على سبيل المثال، مقابل ثبات مشاركتها أو تخفيضها في قطاعات أخرى كالطاقة الجديدة مثلًا من ناحية، وزيادة مشاركتها في قطاعات ثالثة كالأسمدة والأدوية من ناحية أخرى.
أخيرًا، حين تنتهي من قراءة برنامج الحكومة لا يسعك إلا أن تردد وراء اللجنة البرلمانية التي ناقشت البرنامج أنه جاء متضمنًا «المحددات العامة لأية برامج حكومية».
تقارير ذات صلة
الحكومة الجديدة اكتملت أخيرًا: ماذا بعد؟
من المتوقع أن يتوجه مدبولي إلى مساحات اقتصادية غير مطروقة
مستهدفات حكومية «خيالية» للاقتصاد الكلي في استراتيجية 2030
الوثيقة لم تتناول آلية التعامل مع الدين الخارجي فيما يتعلق بالجزء الأساسي المُتسبب في تفاقم الدين
أين يسكن موظفو الحكومة في العاصمة الجديدة؟
عشرات الآلاف من موظفي الدولة سينتقول للعمل في العاصمة الجديدة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن