بين القذائف والأقلام.. صراع آخر يخوضه طُلاب غزة لأجل التعليم
تجلس سحر، الطفلة ذات السنوات التسع، على مسطبة مكسورة في أحد جوانب المدرسة التي تحوّلت إلى مركز إيواءٍ مكتظ بالنازحين. تحمل في يدها كُراسًا مهترئ الصفحات، بلا غلاف، تحاكي الحياة المدرسية، على الرغم من أنه لا تأتي أية معلمة، ولا جرس سيقرع. «حاولت أمي تعلمني من الأوراق اللي صورناها عن النت، بس كانت مشغولة بدها تولع الحطب عشان تطبخ، وما بتعرف تعلمني كويس.. كمان فش عنا نت دايمًا»، تقول سحر بصوت خافت.
تحاول سحر أن تفهم دروسها من أوراقٍ طبعتها والدتها من ملف نشرته وزارة التربية والتعليم على مواقع الإنترنت. ففي غزة، تُنشر اليوم ما أطلق عليها في الحرب «الرزم التعليمية» على الإنترنت على شكل ملفات رقمية، ويُترك للأهالي مسؤولية طباعتها أو نسخها يدويًا. ولكن، التحديات عدة، من غياب الإنترنت أو الأجهزة الذكية لدى الكثير من الأسر، إضافة الى صعوبة التحصيل مع غياب التفاعل المباشر مع المعلمين، ما يجعل الطالب في مواجهة المحتوى دون توجيه أو تقييم، ويتحمل الأهالي، وخاصة الأمهات، أعباء إضافية لا يستطيع كثير منهم تحملها في ظل الظروف النفسية والمعيشية الصعبة.
وتبقى العزلة الاجتماعية الناتجة عن غياب المدرسة، بحسب سحر وعائلتها، من أهم أسباب فقد الحافز للتعلم.
كان التعليم في قطاع غزة قبل السابع من أكتوبر 2023 يسير على خطط نظامية ممنهجة، وذلك بالرغم من تحديات الحصار الإسرائيلي الممتد منذ 2007. كان في القطاع نحو 19 جامعة وفرع جامعة، و796 مدرسة بين حكومية وخاصة أو تتبع وكالة الأمم المتحدة، إلى جانب ما يربو على 600 رياض أطفال، وذلك وفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
خلفت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة 800 قتيل من الكوادر التعليمية، و143 جامعة ومدرسة مدمرة كليًا، فيما تعرضت 366 جامعة ومدرسة لدمار جزئي، وذلك وفقا لـ«للمركزي للإحصاء»، فيما وُصف بالـ«schlasticide» وهي إبادة كل سبل التعليم والمعرفة ضمن حرب الإبادة. كما قتلت آلة الحرب الإسرائيلية ما يفوق 18 ألف طفل غالبيتهم طلاب في مراحل رياض الأطفال، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء.
وبجانب الدمار، تحولت المدارس القائمة لأحد أهم مراكز الإيواء، مما أوقف فعليًا عملية التعليم كعملية تأهيل اجتماعي وتحصيل معرفي.
وفي سياق مقاومة التحديات ومحاولة التعافي التعليمية، وبتشجيع وتنسيق مع وزارة التربية والتعليم، بدأت المبادرات المجتمعية، تنطلق لتعلن عن إنشاء نقاط تعليمية ميدانية، وهي مساحات مؤقتة وغير تقليدية، تُنشأ لتقديم خدمات تعليمية للأطفال والطلبة خلال فترات الطوارئ. في مايو 2025، أعلنت وزارة التربية والتعليم -غرب غزة عن 186 نقطة تعليمية معتمدة للسنة 2024-2025، أغلبها تغطي تعليم الطلاب حتى الصف التاسع الإعدادي (السنة الدراسية الأخيرة قبل الثانوية العامة)، وفقًا لخطة تعليم مختصرة، وتتوزع داخل مراكز إيواء، وخيام، ومساجد، ومنازل، ومبانٍ عامة. تدار بعض هذه النقاط بإشراف مباشر من وزارة التربية والتعليم، وبعضها تديره منظمات غير حكومية، ومبادرات مجتمعية خاصة، ولكن كلها بترخيص من الوزارة.
ولكن، هذه النقاط لا تغطي كل طلاب القطاع، والعديد من الأهالي لم يستطيعوا تسجيل أبنائهم فيها منذ بداية انتشارها، كما هو حال حسن الذي ينتظر منذ بداية العام الدراسي شغور مكان لطفليه في نقطة التعليم الموجودة في مركز إيواء جامعة القدس المفتوحة، غربي مدينة غزة.

بعض هذه النقاط التعليمية أقامتها مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، والمعروفة في القطاع من قبل الحرب بأنشطة التعليم البديل. يتبع المؤسسة 17 مركزًا تعليميًا يعمل فيه ما يقارب 200 معلم/ة وتخدم ما يقارب خمسة آلاف طالب/ة، وفقا لمنسق وحدة التعليم في المؤسسة، عبد الفتاح شحادة. المراكز، التي أقيمت بشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، تقدم خدماتها بشكل مجاني.
إلا إن توفير التعليم في هذه المبادرات ليس جميعها بالمجان. مدير مدرسة مجموعة السلام التعليمية، أيمن سالم، يقول لـ«مدى مصر» إنه يتم تحصيل رسوم 100 شيكل شهريًا من كل طالب (حوالي 30 دولارًا)، بالإضافة لـ50 شيكلًا ثمن توفير الرزم التعليمية. «أول شهر دبرت حالي ودفعت للمركز.. طيب وبعدين من وين أجيب؟»، يقول أحد الآباء في مركز إيواء بدير البلح لـ«مدى مصر».
النزوح والتنقل يعيق العملية التعليمية في كثير من الأحيان. تقول خلود، وهي أم لأربعة أطفال: «بعد أن تم السماح لنا بالعودة إلى شمالي قطاع غزة، أجبرت على ترك أولادي مدرسة الحياة (نقطة تعليمية) في مواصي خان يونس، ولما أجينا على غزة حتى الآن مش قادرة أسجلهم في أي مدرسة».
وتبقى التحديات الأمنية هي الأقوى، فاستمرار الأيام الدراسية مرهونٌ بألا يكون هناك قصف إسرائيلي قريب. «أنا توفرت إلى فرصة أسجل ابني في مركز تعليمي في مركز الإيواء اللي بالحارة اللي ورانا، لكن أنا بخاف لأنه كتير بيقصفوا هذه المراكز»، يقول والد الطفل خالد ذو السبع سنوات.
ومن استطاع الحصول على فرصة التعلم الجماعي من خلال المدارس أو النقاط التعليمية أو المبادرات الأخرى، يواجه ظروف انحسار وقت مراجعة الدروس والواجبات المنزلية في النهار فقط، بسبب انقطاع الكهرباء، وهو وقتٌ عادة ما يصارع الأهل والطلاب إلى استغلاله في متطلبات الحياة اليومية الأخرى.
بجانب انحصار تجربة التعليم في محاولات خافتة للتحصيل الدراسي، تظل هناك محاولات لإجراء اختبارات المراحل الأساسية، التي تعتبر تذكرة التنقل من مرحلة تعليمية إلى أخرى. في محاولة من وزارة التربية والتعليم لحل الأزمة، قررت عقد الاختبارات للطلبة بالنظام الالكتروني: يتم تزويد الطلاب بروابط وتحديد أيام لحل الامتحان. ولكن، بحسب الأهالي والطلاب الذين تحدث معهم «مدى مصر»، تظل هذه الاختبارات خطوة شكلية، حيث ينقل الكثيرون الأجوبة من الإنترنت والكتب.
المرحلة الأخير للعملية التعليمية -الثانوية العامة- متعثرة أيضًا. دورتان من الثانوية العامة لم تستطع إتمام الامتحانات حتى الآن. وفي محاولة أخيرة من وزارة التعليم بالسماح لطلاب الثانوية العامة باجتياز الاختبار وجاهيًا عبر توفير مساحات تعليمية بمتابعة وتنسيق الوزارة، إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل مع تجدد العدوان على غزة وتشديده، لتعلن الوزارة، في بيان يوم 2 يونيو الماضي عن صعوبة عقد الاختبار للدورة الثالثة أيضًا.
كانت الوزارة حاولت تسهيل عملية الاختبار لمن يحق لهم إعادة مواد دراسة من السنة الدراسية 2022-2023 من خلال رابط، يسمح بالتقاط صور للمتقدم في أوقات مختلفة من تقديم الامتحان، ما يسمح بمراقبة عملية تقديم الاختبار، وكذلك منع الغش، ولكنها عملية لم تنجح، بسبب سوء خدمة الإنترنت.
وهناك الذين لم يخوضوا هذه الغمار؛ إما لانخراطهم في أولويات البقاء من توفير الطعام والشراب والعمل لأجل توفير احتياجات عائلاتهم. «هذا مش وقت العلم. لما تخلص الحرب بيفرجها الله»، يقول الطالب يزن وهو يبيع السجائر.
«لهم سنتين قاعدين نسيوا التعليم ونسيوا الكتابة والقراءة.. كل حكيهم عن شاحنات المية الحلوة والتكيات.. يا ريت بقدر أوفرلهم مصاري عشان يروحو يتعلموا» تقول سعاد عن أبنائها الخمسة.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن