تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كيف سرقت الأزمة البروتين من أفواه المصريين؟

كيف سرقت الأزمة البروتين من أفواه المصريين؟

كتابة: سارة سيف الدين 12 دقيقة قراءة
تصميم جرافيكي: مهرة شرارة

مع كل أزمة اقتصادية وانفجار للتضخم بالتوازي، يُعيد المصريون هيكلة كميات وأصناف الطعام على موائدهم. لكن الأزمة الاقتصادية الحالية ضيّقت الخناق أكثر من أي وقت مضى على هامش المناورة لدى الأُسر لتوفير الطعام، وخاصة البروتين.

«زمان كنت بجيب تلاتة كيلو عفشة فراخ، واسلقهم واعمل بيهم صينية بطاطس. كانوا الكيلو بعشرة جنيه. دلوقتي التلاتة كيلو بقوا بـ150 جنيه، فبطّلتْ» تقول جميلة*، سيدة متوسطة التعليم، تسكن بحي حلوان وتعول بمفردها ثلاثة أطفال. تعمل جميلة بتنظيف المنازل، طوال أيام الأسبوع، وفي العُطلة تقضي ساعات النهار أمام الفرن لإعداد الفطائر ومخبوزات أخرى وبيعها.

«عفشة الفراخ» هي الهياكل والرجول والأجنحة، وكانت بمثابة مخلفات الفرخة التي تتبقى لدى البائع بعد بيع أفضل أجزائها، مثل البانيه والدبابيس والأوراك، وبالطبع كانت رخيصة، وعادة ما كانت تستهلكها الأسر الأكثر فقرًا، أو يشتريها البعض طعامًا لحيواناته الأليفة مثل الكلاب والقطط. عدم قدرة جميلة وأسر أخرى على شراء حتى «العفشة» تعبير عن أن الأزمة باتت أعنف.

ماذا بقيّ مُمكنًا أمام الأُسر، في لعبة التحايل على ارتفاع أسعار الطعام، في محاولتهم للبقاء على هامش مجموعات البروتين الغذائي؟ ولماذا أصبحت الأزمة أعنف؟ هل كان ذلك مُفاجئًا أم نتاج طبيعة هيكل إنتاج الغذاء؟ 

***

بمقارنة بيانات نمط إنفاق شرائح الدخل المُختلفة على أنواع الطعام بين عاميّ 2015 و2020، نجد نمطين رئيسيين: الأول يبتلع فيه الطعام حصة أكبر من إجمالي إنفاق الأسرة، والثاني تأخذ فيه الأسرة رحلة نزوح من الطعام الأغنى غذائيًا، باتجاه الطعام الأرخص والأكثر في السعرات، لأقل جودة وقيمة غذائية.

الأزمة أعنف لأن مجموعات الطعام ومصادر البروتين التي عادة ما تستهلكها الأسر محدودة الدخل، والتي تمثل 90% من إجمالي الأسر، بحسب أحد تقارير «فيتش» عن سوق الطعام والمشروبات، تعرضت لقفزات سعرية بنسب أعلى من مجموعات الطعام ومصادر بروتين الأسر الأعلى دخلًا، ويظهر ذلك بوضوح في بيانات تضخم السلع الغذائية، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

اعتادت سهيلة*، التي تعيش بمحافظة الفيوم، وهي ربّة منزل جامعيّة، شراء ثماني فرخات شهريًا، في السابق، بحوالي 400 جنيه، لكنها، الآن، أصبحت تكتفي بأربع فرخات فقط بتكلفة تصل إلى 900 جنيه. ليس فقط الكمية لكن طريقة إعداد الفراخ «اتغيرت تمامًا»، بعدما كانت تسلق الفرخة كاملة لوجبة واحدة، «اكتشفت إن الفرخة ممكن نطلّع منها زي مشتقات كده عشان تعمل أكتر من أكلة». التغير الأبرز يتمثل في تقطيع الفرخة لثماني قطع بدلًا من أربع «زي زمان»، تقول سهيلة.

تأخذ سهيلة ما تبقى بعد تقسيم الفرخة، من هياكل ورقبة وأجنحة ورجول، وتقوم بسلقها، لتحصل على الشوربة وتُخزنها، لتستطيع عمل خضار بها لاحقًا دون الحاجة إلى وجود فراخ، «وبعدين بطلّع النساير من اللّي سلقته، واستخدمها في أي أكلة، زي شاورما، أو صينية جلاش». أحيانًا أيضًا تخلط «النساير» مع البطاطس المهروسة ثم تقوم بتحميرها في الفرن توفيرًا للزيت، وتقدم على طاولة الطعام ما بات يُعرف بـ«البانيه الكداب».

ماريا*،وهي أيضًا جامعية، وأم لطفلين ورضيعة، أصبحت تقوم بفرم لحوم صدر الدجاجة لاستخدامها كحشوات للبطاطس أو المكرونة لمحاولة التغلب على قلة كميات الفراخ، أو بتجميع الكبدة والقوانص وتقطيعها، ثم تقوم بطهيها مع كميات البصل والفلفل لتصبح وجبة بجانب الأرز أو العيش، بعدما كانت طبقًا جانبيًا أو «تصبيرة». 

هكذا، بعدما كانت الدجاجة تمثل وجبة واحدة، أصبحت الآن تُغطي وجبات متعددة. تتفق كل السيدات في حديثهنّ مع «مدى مصر» على أن الفراخ تسمح بالمناورة، وعمل «وليمة من مفيش»، مقارنة باللحوم الحمراء، حيث تشاركت غالبيتهنّ في التوقف عن شراء اللحم والتوجه إلى اللحم المفروم والمُجمد وبكميات أقل بفارق كبير.

جميلة، بدورها، توقفت عن شراء اللحوم، نظرًا لأسعارها، منذ فترة طويلة، واكتفت بحصول ابنها الذي يعمل بجزارة، من حين لآخر، على اللسان ولحمة الرأس التي تقوم بفرمها لاستغلالها بشكل أمثل.

كما كانت تربي بمنزلها عددًا قليلًا من الطيور، تعتمد في تغذيتها على شراء شيكارة علف إلى جانب بواقي الطعام التي تحصل عليها من المنازل التي تقوم بتنظيفها، وكذلك عيش التموين، إلّا أنه بسبب القفزات في سعر شيكارة العلّف، «قلت هأكل الفراخ ولا عيالي؟ روحت بيعتهم».

caption

***

لم يكن حظ كثير من المصريين أفضل مع البيض واللبن والجبن في خضم الأزمة الاقتصادية. يُصنّف أستاذ علوم الأغذية بكلية الزراعة، جامعة سوهاج، أبو الحمد مهنا، لـ«مدى مصر» مجموعة البيض واللبن والجبن بأنها المصدر الأساسي والأهم للبروتين، إلّا أن استهلاك جميع الأسر التي تواصلت معها «مدى مصر» تُظهر تحولًا كبيرًا في استهلاكهم لهذه المجموعة نحو الترشيد والاقتصاد.

 لم تكنّ سهيلة مُضطرة إلى العمل لكنها، الآن، تبحث عن فرصة عمل. كانت حريصة على تقديم كوب من الحليب وبيضة يوميًا لكلٍ من طفلتيها قبل نزولهنّ إلى المدرسة. يحتاج ذلك إلى شراء كيلو لبن سائب -4 أكواب- كل يومين، وشراء طبق بيض كانت تُعيد شراءه مُجدًدا بمُجرد نفاده، وكانت تشتري شهريًا بتكلفة تتراوح ما بين 100-150 جنيهًا كيلو من أربعة أصناف من الجبن، فلامنك وشيدر وبراميلي ورومي، لعمل السندوتشات المدرسية للطفلتين.

«لغيت كل ده، غصب عنّي، لأنه مقدرش أشتري لبن كل يومين بعد ما قرب يبقى بـ40 جنيه، وطبق البيض بقى بـ160 جنيه، والجبنة مبقتش عارفة والله وصلت لكام». تصف سهيلة استهلاكها سابقًا من البيض والأجبان بأنه كان «عرض مُستمر في التلاجة»، لكن الآن «لو جبت البيض واللبن والجبنة بأسعار النهاردة يبقى مش هقدر أجيب أساسيات الغدا، وبالتالي الأولوية للأساسيات».

لم تعدّ سهيلة تشتري البيض سوى في حالات الضرورة حين يكون أحد مكونات وجبة أخرى «صينية بشاميل أو كيك»، ولم تعد تشتري طبقًا كاملًا من البيض، «بقيت أجيب بالخمس بيضات مثلًا»، وكذلك اللبن، أما الجبن فصارت تشتري «الخُشالة» وهي جبن أبيض مالح بسعر أرخص، حين تزور والديها المُقيمين بمحافظة المنيا.

من ناحيتها، تحايلت ماريا على أسعار الأجبان. «عيالي بيحبوا الجبنة السبريد»، وللحفاظ على ذوق أطفالها، اشترت «جبن قريش» من الأرياف، حيث تُباع بخمسين جنيهًا، مقابل 85 جنيهًا للكيلو في القاهرة حيث تعيش. توفير 15 جنيهًا يساعدها في شراء اللبن السائب وإضافته إلى «القريش» و«أضربهم في الخلّاط واحط أي أطعمة بجيبها من عند العطار».

بينما يواصل زوج ماريا عمله كمندوب بإحدى شركات الأدوية، بمرتب 12 ألف جنيه شهريًا، تنتظر هي أن تُكمل رضيعتها الأشهر الثلاث بفارغ الصبر لتتمكن من إيداعها إحدى الحضانات لتعود سريعًا إلى عملها بإحدى الصيدليات التي لا توفر لها إجازة وضع مدفوعة الأجر.

caption
caption

أمام تراجع كميات البروتين وبالأخص الحيواني التي تستطيع الأسر شرائها، باتت تواجه تلك الأسر خيارًا بتفضيل الأطفال في الحصول على الطعام، بالأخص حين يكون البروتين الحيواني جزءًا من وجبة اليوم. «أنا وجوزي يدوب هندوق، والأولوية دايمًا للعيال»، تقول ماريا.

***

دراسة صادرة عن الجمعية المصرية لطب المجتمع، أشارت إلى ارتفاع خطر الإصابة بالتقزم سبع مرات للأطفال في الأسر التي تستهلك نوع بروتين حيواني واحد أو أقل، مقارنة بالأسر التي تستهلك نوعين أو أكثر من البروتين الحيواني.

لذا تفضل الأسر أن يحصل الأطفال على أفضل طعام مُتاح على حساب حصص البالغين بالأسرة، وذلك أحد أنماط تكيف الأسر التي رصدتها دراسة «التعبئة والإحصاء» عن تكيف الأسر مع أزمة «كورونا»، وصولًا إلى إرسال الأطفال للأكل لدى أسر أخرى.

تقليل استهلاك الدواجن والبيض والألبان واللحوم كان النمط الأبرز في التعامل مع الأزمة، وهو قرار ما يقرب من 85% من إجمالي الأسر المصرية، بحسب مسح أجراه المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، على ستة آلاف أسرة، مُتفقًا مع نتائج دراسة أخرى لـ«التعبئة والإحصاء» عن أثر الحرب الأوكرانية، ببحث عينة من 17 ألف أسرة، حيث وُجد أنه ما بين 90-95% منهم قللوا استهلاكهم من عناصر البروتين الحيواني.

جدير بالإشارة أن الدراستين اعتمدتا على بيانات جُمعت، خلال النصف الثاني من عام 2022، أي قبل تفاقم التضخم، ووصوله إلى مستويات تاريخية خلال 2023.

لم تكن بدائل البروتين الحيواني مسلكًا سهلًا. «بقى اللوبيا أُم عين سودا اللي محدش بيحبها دي بـ120 جنيه»، هكذا كان رد فعل ماريا حين أخبرها العطّار بسعر كيلو اللوبيا السائبة، حيث كانت تُخطط لإعداد وجبة خالية من أي بروتين حيواني. زادت أسعار اللوبيا بأكثر من 250% خلال عامين.

بخلاف اللوبيا، بقوليات أخرى تعد مصدرًا للبروتين تضاعف سعرها، كالعدس الذي ارتفعت أسعاره، خلال العامين الماضيين، بأكثر من 500%. وكذلك الفول الذي زاد بأكثر من الضعف.

«الفول والعدس سلع شديدة الاستراتيجية لرجل الشارع»، يقول أستاذ كلية الزراعة والمستشار السابق بوزارة التموين، نادر نور الدين، ويُضيف أن العدس وجبة أساسية رخيصة حتى أنها أصبحت وجبة ثابتة أسبوعيًا، للطلاب بالسكن الجامعي والمجندين، مُعتبرًا قفزات أسعارهما «مخاطرة بسمعة الحكومة عند رجل الشارع».

***

لا يتطلب الاكتفاء الذاتي من الفول والعدس سوى زراعة 700 ألف فدان، بحسب تقدير نور الدين، إلا أن السياسات الحكومية تجاه ملف الغذاء، يحكمها منطق «إحييني النهاردة وموتني بكرة»، فبدلاً من حل مشكلات إنتاج الغذاء الهيكلية، يتم اللجوء بشكل متنامي إلى حل الاستيراد، ويظهر ذلك بوضوح في أنواع البروتين المختلفة، وفي كل حلقات الإنتاج البروتيني.

الذرة وفول الصويا تحديدًا هي أهم مدخلات إنتاج علف الدواجن والماشية وحتى الأسماك، فيما لا تزال الأعلاف الخضراء مثل البرسيم الذي يُزرع محليًا، لا توفر أكثر من 20% من إجمالي الطلب على الأعلاف، نتيجة منافسة محصول القمح للبرسيم، في أوقات الزراعة، ما يُقيّض إمكانات زراعة البرسيم، بحسب الأستاذ بمعهد بحوث الاقتصاد الزراعي، سرحان سليمان.

في الفترة ما بين 2017 وحتى النصف الأول من 2022، نمى استيراد الفول الصويا والذرة بـ85% و175% على التوالي.

مع تفاقم أزمة الدولار، خلال العام المالي الأخير، هبط استيراد الذرة وفول الصويا بـ12% و32% على التوالي، بحسب بيانات البنك المركزي، التي تُظهر تكرار نفس النمط في اللحوم والفول والقمح.

الإحجام المُفاجئ من الدولة عن توفير ما يكفي الطلب المحلي على الأعلاف، سواء بالاستيراد المباشر أو تعطيل الإفراج الجمركي نتيجة شُح الدولار، أضر بالمعروض ما دفع الأسعار إلى الارتفاع، فضلًا عن أثر تراجع قيمة العملة المحلية، ما خلق أثرًا مُضاعفًا نتج عنه تضخمًا قياسيًا مثلما نشهد حاليًا.

يرى سرحان أنه طالما العملة المحلية ستواصل انخفاض قيمتها أمام الدولار، على الدولة أن تتجه لإنتاج الأعلاف محليًا، وهو ما يتطلب دعم للفلاح من خلال جهود تنسيقية وتنظيمية للسوق على الحكومة أن تمارسها لضبط الكميات المزروعة من الذرة الشامية والرفيعة، على سبيل المثال، واللجوء لنظام «الزراعة التعاقدية» ليضمن الفلاح شراء المحصول منه بالأسعار العالمية.

«الفلاح مش بيزرع وطنية، وعشان بيحب البلد، إنما بيزرع عشان بيحب بيته وعياله» يرى نور الدين أن علي الجميع أن يعي ذلك، مُضيفًا أنه حين تُعطي الدولة للفلاح حقه، وتمنحه المزايا والمنح والإرشاد الذي يساعده على إنتاج السلع الاستراتيجية مثل محاصيل الأعلاف التي تنتج اللحوم والدواجن والأسماك والبيض والألبان والجبن، وكذلك محاصيل البقول الاستراتيجية مثل العدس والفول، ويجد الفلاح أن بيعهم سيكون مُجزيًا، سيترك حينها زراعة البصل والبطاطس وغيرها، ويزرع المحاصيل الاستراتيجية التي تُحقق له الربح، وتوفر هيكل إنتاج غذائي أكثر صمودًا أمام تقلبات الأسعار والاضطرابات العالمية وأزمات الدولار.

حتى عملية الاستيراد خضعت لممارسات فاقمت من الأزمة. صاحب إحدى العلامات التجارية للدواجن والبيض، طلب عدم ذكر اسمه، يقول إنه بجانب تراجع الدولة عن توفير خامات الأعلاف، تُرك الاستيراد في سوق أقل تنافسية استطاعت خلاله إحدى أكبر الشركات المستوردة في قطاع الدواجن من تدبير الدولار حصريًا، واستوردت الحلقة الأولى والأهم في سلسلة الإنتاج، خامات الأعلاف، ما سمح لها بالتحكم في الأسعار والتأثير على السوق، لأنها تبيع للتجار وللمزارعين مباشرة.

الى جانب كل ذلك، لجأت الحكومة إلى الحلول الأمنية للتعامل مع المُنتجين لإجبارهم على خفض الأسعار، وتجاهلت تكاليف الإنتاج المتزايدة، بحسب عدد من المربين والعاملين بقطاع الدواجن والماشية تحدثوا إلى «مدى مصر».

تضمنت تلك الحلول عقد اجتماعات مع المُنتجين، قُبيل شهر رمضان، وإصدار تعليمات لهم بخفض أسعار البيع، دون أي اعتبار لتكلفة الإنتاج، وتحرير محاضر للسماسرة، اطّلع «مدى مصر» عليها، تلزمهم بتعهدات رسمية بعدم ممارسة الوساطة وعدم نشر الأسعار على وسائل التواصل الاجتماعي، فضلًا عن قيام قوات تابعة للشرطة بعمل كمائن على الطرق ومُصادرة عربات نقل الدواجن، حسب شهادة أحد أصحاب المزارع بمحافظة المنوفية.

ضغطت هذه العوامل مجتمعة على صغار المنتجين وكبدتهم خسائر كبيرة، ودفعهم ذلك للخروج من الإنتاج، بحسب عدد من أصحاب المزارع، ما قلّص الإنتاج الداجنّي ما بين 30- 40%، أي معروض أقل، وهكذا تضاعفت أسعار كيلو الفراخ البيضاء أربعة أضعاف، والبيض حوالي ثلاثة أضعاف، خلال عامين فقط.

ما سمح بكل ما سبق بحسب نور الدين، أن 75% من قطاع الدواجن يعتمد على الاستيراد، بدءًا من الأعلاف والجدّات مرورًا بالكتاكيت ووصولًا إلى الأمصال، فيما تنحصر عناصر الإنتاج المحلية في العمالة التي تُشغل المزارع والتدفئة التي تحتاجها محطات الإنتاج لتوفير درجة حرارة مناسبة للدواجن خلال الشتاء، ما جعل القطاع شديد الحساسية وسريع الانهيار أمام أي أزمة في الدولار. «أي ادعاءات باكتفاء ذاتي في الإنتاج الداجنّي، مجرد أكاذيب»، يقول نور الدين.

caption

بنظرة أقرب إلى الثروة الحيوانية وتربية الماشية المُنتجة للحوم الحمراء وكذلك الألبان والأجبان، نجد نفس المشكلات الهيكلية في إنتاج الدواجن تُعيد نفسها في الماشية، التي انهارت أعدادها في أعقاب أزمة 2016 الاقتصادية، من 20 مليون إلى 6.5 مليون رأس حاليًا، بحسب نور الدين، أي هبوط بنحو 70%، وتدهورت نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء، خلال عشر سنوات، من 86% وصولًا إلى 40% بحسب بيانات «المركزي للتعبئة والإحصاء».

الاستيراد كحّل تتبناه الدولة يظهر بشكل أكثر مباشرة في اللحوم الحمراء، كما يشرح سليمان، حيث أننا نستورد اللحوم الحمراء من البرازيل والتشاد والسودان، عجول حيّة أو لحوم مجمدة، لأن تكلفة إنتاج اللحوم في هذه الدول أقل من التكلفة في مصر، وذلك لسببين، الأول أن تلك البلاد تقوم بإنتاج الأعلاف محليًا، أو أن ماشيتها تتغذى على المراعي، والثاني، هو الإنتاج الكثيف، أي إنتاج أعداد كبيرة ما يُقلل التكلفة بالنسبة للوحدة الواحدة.

«الدولة بتقول أنا هننتج حاجة استيرادها أرخص؟ لأ استورد أحسن»، لكن، بحسب سليمان، فإن عزوف الدولة بسياساتها عن تحسين أوضاع الإنتاج محليًا ساهم في المزيد من تدهور هيكل الإنتاج على مستويين. المستوى الأول تراجع الاستثمارات في الإنتاج الحيواني والاتجاه للاستيراد، خاصة في ظل تراجع الطلب الاستهلاكي على اللحوم جرّاء ارتفاع أسعارها، حيث أن متوسط استهلاك الفرد في مصر ليس فقط أقل من المستوى العالمي، بل أقل من المتوسط الإفريقي. والمستوى الثاني، هو صغار المُربين، وهم فلاحون، يساهمون بنحو 85% من العجول البلدي، بحسب نور الدين، الذي يتفق مع سليمان في حديثه عن انسحاب عدد كبير منهم نتيجة ارتفاع التكلفة بأكثر من ملاءتهم المالية. «الفلاح رشيد وبيعرف يحسب، هو بيشوف لو استثمرت في 100 راس، هدفع كام وهيجيبولي كام في السنة، ولو حطيت الفلوس في البنك هاخد كام»، يقول سليمان. 

المُحصلة، أن سعر كيلو «القايم» من الأبقار والجاموس من المزرعة تضاعف ثلاث مرات خلال ثلاث سنوات، من 50 جنيهًا إلى حدود الـ 200 جنيه تقريبًا، بحسب عضو شعبة القصابين، مصطفى وهبة، ما أوصل أسعار المستهلك النهائي إلى حدود 400 جنيه حاليًا.

* أسماء مستعارة

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن