كيف ستدفع عاملات «سمنود» قسط اللحمة؟
في ظل تدهور الأحوال المعيشية للأغلبية العظمى من المصريين، نتيجة الارتفاع غير المسبوق للأسعار والأزمة الاقتصادية الطاحنة، لم يكن أمام عمال شركة سمنود للنسيج والوبريات سوى التشبث بقرار المجلس الأعلى للأجور، الصادر في أبريل الماضي، برفع الحد الأدنى للأجور إلى ستة آلاف جنيه. لكن إدارة الشركة رفضت تطبيق القرار، بحجة تقدمها بطلب استثناء من القرار لتعثرها. لم يكن بيد العمال للحصول على حقوقهم، سوى سلاح الإضراب عن العمل.
إضراب العمال مستمر منذ 18 أغسطس الماضي وحتى الآن، رغم الضغوط العنيفة عليهم من جهات متعددة. بعد سبعة أيام من بدء الإضراب، ألقت قوات الأمن القبض على ثمانية منهم (بينهم ثلاث نساء)، ووجّهت لهم النيابة تُهَم «تعطيل العمل والتحريض عليه وتكبيد الشركة خسائر»، بالإضافة إلى اتهام بعضهم بـ«التحريض على قلب نظام الحكم». قضى العمال أسبوعًا في الحبس قبل أن تُخلي محكمة استئناف طنطا سبيل سبعة منهم، فيما جدّدت حبس هشام البنا، رئيس اللجنة النقابية المُنحلة. في اليوم التالي لقرار المحكمة، أصدرت إدارة الشركة قرارًا بوقفهم عن العمل، وقبل ذلك، كانت قد أوقف مرتبات أغسطس عن جميع المضربين، والمقرر صرفها في 27 أو 28 من الشهر، لإجبارهم على إنهاء الإضراب.
كانت إيمان*، إحدى عاملات الشركة، تنتظر راتبها، الذي يُمثل المصدر الرئيسي لدخل الأسرة، لدفع مصروفات الدروس الخصوصية لابنها الأصغر، لكن المرتب لم يأتِ، فطُرد الابن من الدرس و«اتفضح قدام زمايله»، على حد قولها لـ«مدى مصر».
تعمل إيمان في الشركة منذ ما يقرب من 30 عامًا. بعد الرفع -قبل الأخير- للحد الأدنى للأجور بلغ مرتبها في يناير الماضي 3500 جنيه شهريًا، يذهب منه 1580 جنيهًا لسداد مصروفات الدروس الخصوصية لابنيها، بالإضافة إلى 700 جنيه لسداد أقساط كتب دراسية، فيما تذهب ألف جنيه أخرى إلى إيجار مسكن الأسرة، ليتبقى من المرتب 220 جنيهًا، لا تكفي شراء كيلو لحم، لذا يكون على الزوج، الذي يمتهن أعمالًا غير منتظمة، الحفر في الصخر، رغم صحته المعتلة، لتلبية بقية احتياجات الأسرة.
لكن، زوج عبير* لن يجد صخرًا يحفره، فالاثنان عاملان في «وبريات سنمود». والآن، بعد وقف المرتب، لن يتمكنا من دفع قسط «الدواجن واللحوم»، وهو أمر شائع بين العمال، حسبما قالت عبير لـ«مدى مصر»، بالإضافة إلى قسط الكتب الدراسية الخارجية، وقسط تكلفة الانتقال من وإلى المصنع عبر توكتوك، والذي يكلفهما يوميًا ما يقرب من 40 جنيهًا، وإيجار الشقة (ألف جنيه)، ومصروفات الدروس الخصوصية لابنهما، فضلًا عن تكاليف المعيشة الأخرى.
حالة عبير وزوجها شائعة في «وبريات سمنود»، كما قال عدد من العاملات لـ«مدى مصر». أمينة* وزوجها عاملان آخران بالشركة حُرما من راتب الشهر الماضي، المصدر الوحيد لدخلهما، ولا يعلمان كيف سيسددان أقساط علاج أمينة وأبنائها من عدة أمراض مزمنة.
بحسب عبير، سبق أن نفذ العمال إضرابًا عن العمل لمدة يوم واحد في يوليو الماضي، احتجاجًا على تأخر الرواتب، وحين تم صرفها، أعطت الإدارة نصف المرتب فقط لبعضهم. تقول عبير إن ضابطًا في «الأمن الوطني» تدخل لوقف إضراب يوليو، عبر وعد تحقق في نفس اليوم، بصرف الرواتب كاملة، وأيضًا مع تهديد العمال بتسجيل أسماء المضربين تمهيدًا لفصلهم، وهو ما أدى لإنهاء الإضراب.
المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، كمال عباس، قال لـ«مدى مصر» إن سلاح تأخير الرواتب في مواجهة الإضرابات استُخدم بشكل متكرر من أصحاب الأعمال لكسر الإضرابات، مضيفًا: «قانونًا، لا يوجد ما يدعم حق أصحاب الأعمال في تأخير الرواتب، حتى أن القانون يُلزم صاحب العمل بتسديد الرواتب قبل أي التزامات أخرى في حال الإغلاق».
وفي حين ينص قانون العمل على أن أيام الإضراب يترتب عليه إجازة بدون أجر، تخصم من رصيد إجازات العامل، إلّا أن عددًا من العمال قالوا لـ«مدى مصر» إنهم يستحقون راتب أغسطس كاملًا، لأن تقفيل حساب الرواتب يحدث يوم 15 في الشهر، أي قبل بدء الإضراب بثلاثة أيام، والمفترض أن يحتسب الخصم في راتب سبتمبر.
وأوضح عباس أن «العرف المتبع عمومًا [في النزاعات العمالية] هو أن يجري التفاوض بعد الإضرابات على حل وسط بشأن احتساب أيام الإضراب نفسها -لا الأجر كله بكل تأكيد- فمن الشائع مثلًا التفاوض حول تحمل صاحب العمل نصف تلك الأيام أو خصمها من الإجازات السنوية».
فكرة التفاوض هذه تبدو صعبة المنال بالنسبة لعمال «سمنود» بسبب افتقادهم لتمثيل نقابي، حيث تم حل اللجنة النقابية بالشركة بضغوط من الإدارة، بحسب العمال. لكن، عبد الفتاح إبراهيم، رئيس النقابة العامة للعاملين في الغزل والنسيج، التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر، قال لـ«مدى مصر» إنه يخوض -متطوعًا- مفاوضات مع إدارة الشركة لحل الأزمة، دون ذكر تفاصيل التفاوض خشية أن يؤثر ذلك على سيرها، مشددًا على أنه يدعم مطالب العمال في تطبيق الحد الأدنى للأجور.
*أسماء مستعارة
تقارير ذات صلة
ألا زلتِ مجنونة يا قوطة؟
تعد الطماطم خامس أكبر محصول يُنتج محليًا، بعد البنجر وقصب السكر والقمح والبطاطس
السيطرة على الأسعار بـ«التهويش»
لا وجود لجريمة تدعى «التلاعب في الأسعار» في أي من القوانين المصرية
ماذا تفعل الدولة بين مطرقة التضخم وسندان انخفاض النقد الأجنبي؟
تظل مرونة سعر الصرف هدفًا مستمرًا للحكومة في محاولة للحفاظ على الاستثمارات الأجنبية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن