تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
السيطرة على الأسعار بـ«التهويش»

السيطرة على الأسعار بـ«التهويش»

كتابة: بيسان كساب 15 دقيقة قراءة
تصوير: .تصوير كريم مكار

للمرة الثالثة خلال نحو عام، قررت الحكومة، في 10 مارس الجاري، رفع أسعار الوقود بنسب تراوحت بين 14 و30%، في خطوة بررتها بمحاولة استباق التداعيات الاقتصادية المتوقعة للحرب الإيرانية. وعلى إثر ذلك، انعكست الزيادة سريعًا على أسعار الكثير من السلع والخدمات، التي كانت مرتفعة بالفعل، ما زاد المخاوف بشأن ارتفاعات أخرى، خاصة مع تراجع قيمة الجنيه بنحو 10% أمام الدولار نتيجة هروب الأموال الأجنبية الساخنة مع تصاعد التوترات في المنطقة.

ورغم التماس رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، العذر من الشعب المصري لرفع أسعار الوقود، اتجه الخطاب الحكومي، مع اتساع الموجة التضخمية، إلى العزف على نغمة معروفة في مثل هذه الحالات تلوم جشع التجار باعتباره المتسبب الأساسي في موجة الغلاء، استغلالًا لظروف الحرب. وبلغ هذا الخطاب ذروته مع دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى بحث إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، وهو ما استجابت له الحكومة على الفور بإعلانها وضع توجيه الرئيس موضع التنفيذ، إلى جانب اللجوء للقضاء العادي، وإطلاق حملات مكبرة للتفتيش على الأسواق، ودعوة المواطنين للإبلاغ عن التجار ومقدمي الخدمات الذين يرفعون الأسعار بشكل غير مبرر.

الخطاب الحكومي الحاسم، الذي يصل إلى حد استخدام آليات يراها البعض مخالفة للدستور الذي يحظر إحالة المدنيين إلى محاكمات عسكرية، إلى جانب إجراءات تبدو أقرب إلى سياسة التسعير الإجباري التي تخلت عنها الدولة عمليًا منذ ثمانينيات القرن الماضي إثر تخليها عن الاقتصاد المخطط والاندماج في السوق الرأسمالي العالمي، كل ذلك دفعنا للتساؤل حول مدى جدية هذا الخطاب وتلك الإجراءات وقدرتها على السيطرة على الأسعار، وكذلك الأساس التشريعي الذي تستند إليه. 

لا وجود لجريمة تدعى «التلاعب في الأسعار» في أي من القوانين المصرية، وذلك بعد انتهاء العمل بنظام التسعيرة الإجبارية، وفقًا لما قاله رئيس المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة، ناصر أمين، لـ«مدى مصر». 

وأوضح أمين أن «ما قد يُفسّر باعتباره [تلاعبًا في الأسعار]، نص قديم في قانون العقوبات يرتبط بمخالفة التسعيرة الجبرية وإخفاء المنتجات بغرض رفع سعرها أو تغيير السعر الرسمي، وهي جريمة يقصد بها خلق سوق سوداء عبر هذا الإخفاء»، مضيفًا: «لا أساس قانوني حاليًا لتطبيق هذه المادة المرتبطة بالتسعيرة الجبرية إلا في إطار السلع المحدد سعرها إداريًا»، مثل الوقود والأدوية والسجائر والسلع التموينية، وغيرها. 

من جانبها، أكدت الرئيسة السابقة لجهاز حماية المنافسة، منى الجرف، لـ«مدى مصر» غياب مصطلح أو تهمة «التلاعب في الأسعار» من قانون المنافسة وغيره من القوانين المصرية، واعتبرت أن تكرار توعد الحكومة للتجار بسبب «التلاعب بالأسعار»، «لا يمثل إلا خطابًا سياسيًا»، على حد تعبيرها، مضيفة: «يمكن بسهولة أن نتذكر استخدام ألفاظ من قبيل الضرب بيد من حديد مثلًا ضد استغلال التجار أو ما إلى ذلك في مواقف متكررة». 

وأوضحت الجرف أن ما يشير إليه الخطاب الحكومي ضمنيًا هو مواجهة الارتفاعات الحادة في الأسعار خلال فترة قصيرة، وهو أمر لا يستند في حد ذاته إلى أي أساس قانوني، ما لم ينطوي على جرائم يحددها قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، مضيفة: «قد ترى الحكومة مثلًا أن ارتفاعًا في سعر سلعة ما خلال فترة قصيرة بنسبة تتراوح بين 20 أو 30% يبدو غير مبرر، لكن في واقع الأمر لا يوجد أي مقياس للارتفاع المقبول في السعر»، مشيرة إلى أن تشريعات حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية في الغرب تجاوزت منذ عقود أي تجريم لرفع السعر بشكل حاد في حد ذاته، وذلك قبل أن تتبنى مصر أصلًا للمرة الأولى تشريعًا لحماية المنافسة عام 2005. 

وترى الجرف أن «كثيرًا ما تستخدم الحكومة خطابًا من هذا النوع لصرف الأنظار عن الأسباب الأصلية لارتفاع الأسعار، والمرتبطة بارتفاع التكلفة على التجار والمصنعين، كما هو الحال حاليًا الذي نشهد فيه ارتفاعات حادة في الأسعار ناجمة عن ارتفاع أسعار المواد البترولية بقرار من الحكومة نفسها». 

في السياق نفسه، قال الأمين العام لاتحاد الغرف التجارية، علاء عز، لـ«مدى مصر» إن آليات السوق التي يتبناها الدستور والقوانين المنبثقة عنه، هي التي تحدد الأسعار وفق معادلة العرض والطلب، التي يلتزم التاجر بموجبها بتوضيح سعر سلعته، لكي يتمكن المستهلك من مقارنة الأسعار المختلفة للمنتجين المختلفين ليختار الأرخص. 

ويرى عز أن مفهوم «التلاعب بالأسعار» وفق هذا التصور لا يشمل إلا الحلقات الأولى في الإنتاج، مثل كبار المستوردين والمصنعين القادرين على التحكم في أسعار السوق، مشيرًا إلى أن هذا المفهوم يختلف تمامًا عن رفع الأسعار في حد ذاته، والذي يخضع بشكل كامل لآلية العرض والطلب. 

وبناءً على محورية العرض والطلب وفقًا لهذا التصور، «فلقاؤنا [اتحاد الغرف التجارية] مع رئيس الوزراء كان فقط قائمًا من جانبنا على التأكيد على توافر السلع كمفتاح لضبط الأسعار.. هذا هو دورنا: ضمان الوفرة التي تخلق المنافسة بين المنافذ والعلامات التجارية، وصولًا إلى توجيه أعضاء الاتحاد إلى ضرورة تعويض أي نقص في السلع في الوقت المناسب عبر الاستيراد، أو حتى لفت نظر الدولة للتدخل من جانبها بالاستيراد السريع في حال احتاج الأمر»، يقول عز. 

كما استبعد عز أن يشمل مفهوم «التلاعب» هذا ممارسات من قبيل ما أسماه بـ«سعر الإحلال»، أي رفع سعر سلعة ما أُنتجت في وقت سابق بسبب ارتفاع مدخلات إنتاجها حاليًا، كما هو الحال في الوضع الراهن حين ارتفعت التكاليف بسبب رفع أسعار الطاقة وتراجع سعر الجنيه، موضحًا أن هذا السلوك يرتبط برغبة التجار في مقاومة انخفاض هامش الربح، لأن المنتجين قد يواجهون تراجع الطلب على منتجاتهم، وهو ما يبطئ دورة رأس المال.

وهو ما حدث في قطاع الدواجن خلال الأيام الأولى للحرب، كما ذكرنا في تقرير سابق، حين ارتفعت أسعار الدواجن الحية من المزارع بنحو 15% تقريبًا، ليصل سعر الكيلو إلى 105 جنيهات، بدعوى ارتفاع أسعار الأعلاف من قِبل المصانع، رغم أن تكلفة إنتاج الأعلاف نفسها لم تكن قد تغيرت عمليًا في ذلك الوقت، لأن إنتاج الأعلاف قائم على مخزونات من الحبوب كالذرة الصفراء وفول الصويا، متوافرة فعليًا في السوق، وهو ما انعكس على مزارع الدواجن التي حمّلت التكاليف الأعلى على أسعار الدواجن رغم أن دورة الإنتاج هي 45 يومًا، ما يعني أن الدواجن المبيعة حاليًا لم تتغذ على الأعلاف الجديدة الأعلى سعرًا أصلًا، بل تغذت على الأعلاف الأقدم والأقل سعرًا. 

مسؤول حكومي سابق يعمل خبيرًا في قضايا المنافسة ومنع الاحتكار، أوضح لـ«مدى مصر» بعدما طلب عدم ذكر اسمه، أن «قانون حماية المنافسة لا يعترف بأي جريمة مرتبطة بالأسعار إلا إذا تضمنت في الأساس اتفاق بين الأشخاص المتنافسة على رفع السعر، وإن لم يثبت وجود اتفاق، فارتفاع السعر يعد أمرًا طبيعيًا، لأنه قد يكون راجعًا -حسبما قد يزعم اللاعبون في السوق- إلى ارتفاع التكلفة، ولا مجال للحديث عن تلاعب خاصة كونها كلمة لا تفسير قانوني لها، ولا حتى تفسير اقتصادي».

وفي حين يتفق عز على خلو القوانين المصرية من تهمة محددة باسم «التلاعب في الأسعار»، فإنه يرى أن المصطلح في الخطاب الحكومي يستخدم «كعنوان لعدد من التهم التي يتضمنها قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية». 

وبحسب عز، يمكن فهم «التلاعب بالأسعار» في إطار نفس المفهوم المتكرر في قوانين حماية المنافسة على مستوى العالم، وهو «تدخل متعمد وغير قانوني في قوى العرض والطلب الطبيعية بهدف رفع أو خفض سعر سلعة أو ورقة مالية بشكل مصطنع، أو لإعطاء انطباع مضلل عن حجم النشاط التجاري لحث الآخرين على الشراء أو البيع»، وهو ما تراقبه أجهزة حماية المنافسة في كل بلد. 

وبخلاف الاتفاقات بين اللاعبين في السوق لتحديد الأسعار بشكل مباشر، يحظر قانون حماية المنافسة في مصر مجموعة من الاتفاقات بين المتنافسين ترتبط بافتعال رفع الأسعار خارج نطاق العرض والطلب، مثل اقتسام الأسواق أو تخصيصها على أساس جغرافي أو بحسب مراكز التوزيع أو نوعية العملاء أو المنتجات أو الحصص السوقية أو الفترات الزمنية، كما يشمل الحظر المنع الكلي أو الجزئي للإنتاج، والتنسيق في التقدم أو الامتناع عن الدخول في مناقصات أو مزايدات وغيرها من عروض التوريد، إلى جانب تقييد التصنيع أو الإنتاج أو التوزيع أو التسويق. 

ويعاقب القانون على هذه الأفعال بغرامة لا تقل عن 2% من إجمالي إيرادات المنتج محل المخالفة، ولا تتجاوز 12% خلال فترة المخالفة، أو بغرامة لا تقل عن 500 ألف جنيه، ولا تتجاوز 500 مليون جنيه في حال تعذر حساب تلك الإيرادات.

كما يحظر القانون على من يتمتع بوضع مسيطر في السوق (25% على الأقل من السوق) قائمة من الأفعال الإضافية، مثل بيع المنتجات بأقل من تكلفتها، أو منع عمليات التصنيع والإنتاج والتوزيع لفترة أو فترات محددة، أو الامتناع عن التعاقد على المنتجات مع أي شخص للحد من حريته في دخول السوق أو البقاء فيه أو الخروج منه، وكذلك الامتناع عن إتاحة منتج شحيح رغم إمكانية ذلك اقتصاديًا.

وتصل العقوبات في هذه الحالات إلى غرامة لا تقل عن 1% ولا تزيد على 10% من إجمالي إيرادات المنتج محل المخالفة خلال فترة المخالفة، أو بغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه، ولا تزيد على 300 مليون جنيه في حال تعذر حساب تلك الإيرادات. 

على سبيل المثال، حرك جهاز حماية المنافسة، العام الماضي، دعوى جنائية ضد 162 شركة من منتجي كتاكيت التسمين، وذلك لاتفاقهم على تحديد أسعار بيع كتاكيت التسمين، «مما أثر على أسعار الكتاكيت والدواجن في مصر، ووصولها للمستهلك بأسعار مبالغ فيها»، قائلًا في بيان إنه تأكد من اتفاق تلك الشركات «بشكل يومي على تحديد أسعار بيع كتاكيت التسمين لمربي الدواجن وتبادل المعلومات التجارية السرية». 

رغم ذلك، تمنح المادة العاشرة من قانون حماية المنافسة رئيس الحكومة الحق في «تحديد سعر بيع منتج أساسي أو أكثر لفترة زمنية محددة وذلك بعد أخذ رأي الجهاز، ولا يعتبر نشاطًا ضارًا بالمنافسة أي اتفاق تبرمه الحكومة بقصد تطبيق الأسعار التي يتم تحديدها». 

وقد استخدمت الحكومة بالفعل هذه المادة خلال السنوات الأخيرة عدة مرات، كما حدث في أعقاب الموجة التضخمية التي جاءت على خلفية تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، حين أصدر رئيس الوزراء في سبتمبر 2022 قرارًا بتحديد سعر بيع الأرز الأبيض، بحيث لا يتجاوز 15 جنيهًا للكيلو المعبأ و12 جنيهًا للسائب، ونصت المادة الثانية من القرار على فرض غرامات تتراوح بين 100 ألف جنيه وخمسة ملايين جنيه على المخالفين. 

ولاحقًا في نوفمبر من العام نفسه، صدر قرار آخر من رئيس الوزراء بتحديد سعر بيع الأرز الفاخر المعبأ تعبئة فاخرة عند 18 جنيهًا للكيلو، قبل أن يُلغي بعد خمسة أشهر في فبراير 2023، لأنه لم «يؤتِ ثماره» حسب وصف مساعد وزير التموين وقتها، إبراهيم عشماوي، في تصريحات تلفزيونية. 

كما استندت الحكومة إلى القانون نفسه خلال جائحة كوفيد 19 عام 2020، لتسعير عدد من المنتجات مثل الكحول الإيثيلي والكمامات، وتضمن القرار أيضًا عقوبات بالحبس ترتبط بمخالفة قانون حماية المستهلك، الذي ينظم ضوابط تداول «المنتجات الاستراتيجية». 

وينص قانون حماية المستهلك على حظر «حبس المنتجات الاستراتيجية المعدة للبيع عن التداول بإخفائها أو عدم طرحها للبيع أو الامتناع عن بيعها، أو بأي صورة أخرى»، على أن يصدر رئيس الوزراء قرارًا بتحديد تلك المنتجات وضوابط تداولها لفترة زمنية محددة والجهة المختصة بذلك. 

وبناءً عليه اعتبر القرار أن السلع التي يشملها سلعًا استراتيجية يُحظر حبسها عن التداول، سواء من خلال إخفائها أو عدم طرحها للبيع أو الامتناع عن بيعها أو بأي صورة أخرى، على أن يلتزم المنتجون والموردون والموزعون والبائعون ومن في حكمهم، بإخطار مديريات الشؤون الصحية المختصة على مستوى الجمهورية بنوعيات تلك المنتجات وكمياتها، بالإضافة إلى ضوابط أخرى تفصيلية. 

وقد أتاح هذا النص لوزير التموين الراحل، علي مصيلحي، بالقيام بـ«مناورة» حاول من خلالها السيطرة على أسعار عدد من السلع الغذائية إثر موجة تضخمية عام 2023، حين أصدر قرارًا يتضمن ضوابط لتنفيذ قرار سابق من رئيس الوزراء بتحديد سبع سلع غذائية: زيت الخليط والفول المعبأ والأرز واللبن والسكر والمكرونة والجبن الأبيض، كسلع استراتيجية.

الضوابط التي تضمنها قرار الوزير شملت إلزام الشركات والمنشآت المنتجة والمستوردة والمصنعة والمعبئة والمورّدة لتلك المنتجات، بتدوين الحد الأقصى لسعر البيع النهائي للمستهلك، ما يعني أن تلك الشركات ينبغي عليها تحديد هامش الربح للمتاجر التي تتيح البيع للمستهلك، وهو ما يوحد أسعار البيع في المتاجر المختلفة، دون تحديدها مباشرة من الحكومة. 

وسمح نظام طُبق بشكل مؤقت قبل عدة سنوات بتوريد الدقيق إلى المخابز بسعر محدد عبر مطاحن متعاقدة مع الهيئة العامة للسلع التموينية للمخابز التي ترغب في إنتاج الخبز السياحي، مقابل إخضاع الخبز السياحي لتسعير تحدده الوزارة، قبل أن يتم التراجع عن هذا النظام لاحقًا، حسبما قال رئيس الشعبة العامة للمخابز، عبد الله غراب، لـ«مدى مصر». 

وكان مصيلحي أصدر عام 2022 قرارًا بتسليم دقيق لمن يرغب من المخابز المرخصة لإنتاج الخبز الحر والفينو بسعر عشرة آلاف جنيه للطن من مطاحن القطاع الخاص المنتجة للدقيق 72%، والتي تتعاقد مع الهيئة العامة للسلع التموينية، وفي المقابل حدد القرار سعر الخبز السياحي عند مستوى جنيه واحد لرغيف الخبز زنة 75 جرامًا، وسعر الفينو 40 جرامًا عند مستوى 75 قرشًا، والفينو 60 جرامًا عند مستوى 100 قرش، وحدد القرار عقوبة مخالفة الأسعار أو الأوزان المذكورة بغرامة عشرة آلاف جنيه. 

ومع غياب هذا النظام حاليًا، لا يوجد أساس لوضع وزارة التموين حدًا أقصى لسعر الخبز السياحي، وفق غراب، الذي أوضح أن قرار وزير التموين بتحديد حد أقصى لسعر الرغيف السياحي زنة 80 جرامًا عند مستوى جنيهين، يعد «سعرًا استرشاديًا»، غير ملزم للمخابز، مؤكدًا أن تلك القرارات الوزارية بشأن سعر الخبز السياحي لها طابع توجيهي للسوق، وأن هذا السعر «يخضع للعرض والطلب في النهاية». 

كانت شعبة المخابز أعلنت قبل أيام رفع الحد الأقصى لسعر الخبز السياحي من جنيه ونصف إلى جنيهين، وذلك بعد زيادة أسعار السولار والغاز الطبيعي بنسبة تراوحت بين 17 و22%، وهو الوقود الذي تعتمد عليه المخابز، بالإضافة إلى ارتفاع سعر طن الدقيق بأكثر من ألف جنيه (بنسبة زيادة تصل إلى 9%) منذ بدء الحرب بحسب تصريحات سابقة لغراب، وعضو الشعبة، خالد صبري، وهي زيادات بدأت مع بداية تراجع سعر الجنيه.

وسبق إعلان الشعبة، إصدار وزير التموين قرارًا بتحديد الحدود القصوى لأسعار الخبز السياحي: الرغيف زنة 80 جرامًا بسعر جنيهين، و60 جرامًا بسعر 1.5 جنيه، و40 جرامًا بجنيه واحد، كذلك أسعار الفينو: 50 جرامًا بجنيهين، و40 جرامًا بـ1.5 جنيه، و30 جرامًا بجنيه واحد. 

لكن اللافت أن قرار الوزير، على خلاف ما قاله غراب، تضمن لهجة إلزامية، مؤكدًا أن الوزارة ستتولى متابعة التنفيذ وأن «كل مخالفة لأسعار تداول الخبز يعاقب عليها وفقًا للمادة (9) من المرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950 وتعديلاته»، في إشارة إلى المرسوم بقانون المتعلق بالتسعير الجبري.

مصدر بارز في شعبة المخابز أوضح لـ«مدى مصر» أن إشارة الوزير لهذا المرسوم لا تمثل إلزامًا قانونيًا، ولا يمكن تطبيق العقوبات الواردة فيه على مخالفي قرار تسعير الخبز الحر، لأنه لا يشمله في الأساس، وأضاف: «يمكن القول إن القرار جاء على هذا النحو للترهيب فقط، ولا يمكن إحالة أي من مخالفي هذا القرار للنيابة العامة من الناحية القانونية، لكن وزارة التموين في كل الأحوال تعلم حساسية هذه السلعة وضرورة توافرها والاستقرار النسبي لأسعارها وتحتاج لاستخدام هذا النمط من الترهيب لهذا السبب»، بحسب المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه.

وتبعًا للمصدر: «لا يخضع تحديد سعر الخبز الحر من الناحية القانونية لأي تسعير حكومي، لكن النظام الاسترشادي لتحديد سعر الخبز هذا يقوم على مشاورات بين وزارة التموين وشعبة المخابز لتحديد التكلفة»، موضحًا أن «ما يحدث عمليًا هو أن المخابز عمومًا ستخضع للقرار لأن أصحاب المخابز من مصلحتهم الإبقاء على علاقة جيدة مع الوزارة، لأنهم يخضعون لرقابتها قانونًا على مستوى ما يقتضيه قانون حماية المستهلك وقانون سلامة الغذاء [فيما يتعلق بأمور لا ترتبط بالتسعير]، ومخالفة السعر الاسترشادي هذا سيستفز مفتشي التموين ويدفعهم للتشدد في التفتيش في ظل انتشار المخالفات عمومًا»، مشيرًا إلى أن «عددًا كبيرًا جدًا» من المخابز غير مرخص أصلًا، وهو ما تتعامى وزارة التموين عنه لكون تلك المخابز تساهم في كل الأحوال في توافر الخبز. 

من جانبه، قال مسؤول بارز في وزارة التموين على صلة مباشرة بشؤون الرقابة، لـ«مدى مصر» إن نطاق قانون التسعير الجبري حاليًا يقتصر على السلع التموينية والخبز المدعم والمواد البترولية والسجائر والأدوية، ولا يشمل الخبز الحر، موضحًا أن العقوبات المطبقة حاليًا على المخالفين للتوجيه تستند إلى «قانون الغش التجاري فقط». 

وأضاف المصدر نفسه أن الإشارة إلى قانون التسعير الجبري في القرار جاءت في سياق ذكر القوانين المرتبطة بالأمر، مضيفًا: «القرار لم يتضمن تسعيرًا جبريًا بالمعنى المفهوم، فمثلًا لا يحق لصاحب المخبز تسعير رغيف الخبز الحر الذي يبلغ وزنه 50 جرامًا عند مستوى 2 جنيه، لكن يحق له تسعير الرغيف الذي يتراوح وزنه بين 60 و80 جرامًا في حدود 2 جنيه، ما يعني أنه قادر على التعديل في وزن الرغيف في نطاق محدد لزيادة أرباحه». 

بناءً على ذلك، فإن «التوجيه الوزاري» الخاص بالخبز السياحي ليس له قوة الإلزام القانوني لقرارات إدارية، ولا يعدو كونه اتفاقًا رسميًا بين الحكومة وأصحاب المخابز على نطاقات سعرية، وهو ما تؤكده إشارة المصدر السابق إلى عدم نشر مثل تلك التوجيهات في الجريدة الرسمية والاكتفاء بتوزيعها على مديريات التموين. فإلى أي أساس قانوني قد تستند الحكومة إذا أرادت معاقبة أي من أصحاب المخابز، حال اتهامه بـ«التلاعب في الأسعار»؟ 

يرى ناصر أمين أن تصريحات رئيس الوزراء فيما يتعلق بإحالة قضايا «التلاعب بالأسعار» للقضاء العسكري «مضللة»، وتهدف إلى تهدئة الرأي العام فيما يتعلق بسوق غير منضبط تحكمه آليات العرض والطلب من جهة، وقرارات حكومية برفع أسعار المواد البترولية من جهة أخرى، معتبرًا أنها «رسالة تهديدية للتجار». 

وأوضح أمين أن «قانون الطوارئ الصادر عام 1958، كان يسمح بإحالة قضايا مخالفة التسعير وإخفاء السلع، والتي تعرف بالجرائم التموينية، إلى القضاء العسكري ضمن عدد من القضايا الأخرى، ولكن بشرط إعلان حالة الطوارئ أصلًا»، مضيفًا: «وبغض النظر عن انتفاء الجريمة بعد نهاية العمل بالتسعير الجبري، فحالة الطوارئ أُلغيت قبل سنوات من قبل رئيس الجمهورية، بل وأُلغي قانون الطوارئ نفسه، واستُبدل بقانون الإرهاب، والذي تضمن بدوره أحكامًا مستمدة من قانون الطوارئ، لكن دون أن يتيح إحالة أي جرائم للقضاء العسكري، والتي أصبح من المتاح إحالتها لمحاكم أمن الدولة». لكن، في كل الأحوال «تلك الجرائم التموينية كانت ترتبط بوحدات التسويق والبيع النهائي وليس تصنيعها، ما يعني أن الجرائم المرتبطة بالمنافسة لا علاقة لها بتلك الجرائم التموينية التي كان يمكن إحالتها في حالة الطوارئ للقضاء العسكري». 

في المقابل، يشدد كل من المسؤول الحكومي السابق ومنى الجرف على أن مصر لم تشهد أبدًا في تاريخها إحالة قضية تتعلق بانتهاك قواعد المنافسة إلى القضاء العسكري. 

من جانبه، أوضح أمين، الذي كان عضوًا في لجنة الخمسين لصياغة الدستور الحالي، أن «دستور 2014 تضمن نصًا قاطعًا يحظر إحالة المدنيين للقضاء العسكري، كما أن المجلس العسكري بعد ثورة يناير كان قد ألغى المادة السادسة من قانون القضاء العسكري وهي المادة التي كانت تتيح لرئيس الجمهورية إحالة بعض القضايا من ضمنها الجرائم التموينية للقضاء العسكري، بناءً على مطالب حقوقية استمرت لعقود»، لكن «رئيس الجمهورية، بعد إلغاء قانون الطوارئ أصدر قرارًا يفوض فيه رئيس الوزراء بإحالة بعض القضايا للمحكمة العسكرية في حالة الطوارئ، وهو قرار باطل دستوريًا كونه يتناقض مع الدستور، كما لا يمكن الاستناد إليه في الوضع الحالي لأنه مرهون بإعلان حالة الطوارئ». 

وفي نفس الاتجاه، استبعد عضو بارز في مجلس إدارة الاتحاد العام للغرف التجارية، ومقرب من الحكومة، أن تُقدِم الحكومة على إحالة قضايا تتعلق بـ«التلاعب بالأسعار» إلى القضاء العسكري عمليًا. «الدولة وجدت أن الوضع الحالي كوضع استثنائي يحتاج للتلويح بأسلحتها، فقررت استخدام القضاء العسكري كما لو كانت تلوح بعصا غليظة للتهديد فقط»، يقول المصدر لـ«مدى مصر» بعدما طلب عدم ذكر اسمه.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#غذاء

موائد المَدد

«ظروف بلدك دلوقتي واقعة. عشان كده إطعام الطعام فتح»

محمد طارق 5 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن