كيف توارت الحكومة عن الغضب الشعبي خلف «المخابز»؟
مع بداية غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير الماضي، شهدت مصر امتداد تأثيرات الحرب الاقتصادية على عدة سلع في السوق المحلي، أكثرها أهمية كان القمح، باعتبار مصر المستورد الأول عالميًا.
سارعت الحكومة المصرية لنفي تأثيرات الحرب على البلاد بمجرد اندلاعها. لكن، ومع زيادة أسعار القمح والدقيق، ارتفع سعر الخبز الحر (غير المدعم أو السياحي كما يُعرف) وقفز من جنيه للرغيف إلى أكثر من جنيه ونصف في بعض المناطق، لتلقي الحكومة اللوم على التجار وجشعهم.
ومع استمرار ارتفاع الأسعار، بدأت الحكومة تدريجيًا الحديث عن نيتها ضبط سعر الخبز عبر فرض تسعيرة إجبارية على المخابز، بعد إمدادهم بدقيق أرخص من مثيله بالسوق. وسريعًا، تحولت النية إلى قرار إجباري تم تطبيقه في خلال أيام.
بعد يومين من إعلان غير رسمي من الحكومة عن نيتها تسعير الخبز الحر دون تفاصيل، اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي مع وزراء التموين والدفاع والداخلية، ليعلن متحدث الرئاسة -للمرة الأولى- توجيه الرئيس للحكومة بتسعير الخبز الحر بشكل رسمي. ونتيجة للإعلان، أصيب سوق القمح والدقيق المحلي بارتباك شديد، في ظل عدم وضوح أي تفاصيل حول القرار والخطة الملحقة به.
وفي استجابة سريعة لتوجيهات الرئيس، أصدرت الحكومة بعد أيام قرار تحديد سعر ووزن الخبز في المخابز السياحية (البلدي والفينو)، بتسعيرة يتم مراجعتها كل ثلاثة أشهر.
يلزم القرار المخابز ببيع الخبز المميز بسعر 50 قرشًا للرغيف وزن 45 جرامًا، و75 قرشًا للرغيف وزن 65 جرامًا، على أن يكون سعر الرغيف، وزن 90 جرامًا، جنيهًا واحدًا، و11 جنيهًا ونصف الجنيه لكيلو الخبز.
أما «الفينو» فحُدد بسعر 50 قرشًا للرغيف وزن 40 جرامًا، و75 قرشًا للرغيف وزن 60 جرامًا، وسعر الرغيف 80 جرامًا جنيه واحد.
وألزمت المخابز بإعلان الأسعار والأوزان في مكان واضح. ويعاقب القرار المخالفين بغرامة بين 100 ألف جنيه وخمسة ملايين جنيه، طبقًا لقانون حماية المستهلك الذي يمنح في أوقات الأزمات وزير التموين سلطة تسعير سلعة محددة لفترة معينة بعد موافقة مجلس الوزراء.
بالفعل، بدأت وزارة التموين التي فوضتها الحكومة لتطبيق الخطة بتشديد حملات التفتيش على المخابز الحرة، وتغريم بعض المخابز التي تبيع الخبز بسعر أعلى من التسعيرة. لكن، على الجانب الآخر، لم تكن الحكومة قد نفذت وعدها بتوفير الدقيق لتلك المخابز، وفقًا لأكثر من 20 مخبزًا بمحافظات مختلفة تحدث إليهم «مدى مصر». وتسبب هذا في ارتباك كبير بين المخابز، التي اضطر بعضها للإغلاق في ظل استمرار ارتفاع أسعار الدقيق في السوق.
تشكك قطاع المخابز والمطاحن في قدرة الحكومة على تطبيق التسعيرة، وفي كيفية وتكلفة تدبير دقيق للمخابز الحرة، وفي قدرتها على توفير بيانات للمخابز في أنحاء الجمهوري ومراقبتها، فضلًا عن تأثير تدخل الحكومة على قطاع «حر» منذ الثمانينيات. مصادر بقطاع المخابز تحدثت إلى «مدى مصر» وصفت خطة الحكومة بـ«المتهورة»، واعتبرتها خطة سياسية بالمقام الأول لامتصاص احتقان محتمل من المواطنين في ظل تزايد الأسعار.
لكن الخطة تسببت في إحراج وزارة التموين بعد اكتشافها أنها تورطت في سوق حر لا يمكنها السيطرة عليه، ولا تملك عنه معلومات كافية، لذا قررت أن تضع المخابز «في وش المدفع» لمواجهة احتقان المواطنين بدلًا منها، حسبما قال أصحاب مطاحن، وأعضاء بشعبة المخابز لـ«مدى مصر». وبالفعل، اكتشفت الحكومة أن خطتها بُنيت على معلومات مغلوطة، لتبدأ -على استحياء- في التراجع عنها.
يعرف سوق الخبز المصري نوعين أساسيين من العيش. الأول مدعوم من الدولة ويُباع بخمسة قروش للرغيف، ليحصل المواطن الواحد على خمسة أرغفة يوميًا. يستفيد أكثر من ثلثي السكان من منظومة دعم الخبز التمويني، وفقًا للموازنة العامة، ما يعني -نظريًا- أن 32 مليون مواطن يعتمدون على النوع الثاني من الخبز المعروف بالحر أو السياحي.
الخبز السياحي يقدمه نحو 30 ألف مخبز خاص، تعتمد على القطاع الخاص لتوفير الدقيق، إما عبر شرائه من مطاحن القطاع الخاص مباشرة، أو من خلال موزعين. أما المطاحن، فتوفر القمح بدورها من عدة طرق: إما تستورده من الخارج مباشرة، أو تشتريه من مستورد حبوب، (أو في بعض الحالات، من تاجر تمكّن من شراء جزء من القمح المحلي المدعوم والمحظور بيعه للقطاع الخاص من السوق السوداء). لذلك، يتأثر سعر الخبز بسعر القمح عالميًا.
بعد قرار التسعير الإجباري بأيام، بدأت ملامح الخطة في الظهور، بعدما أعلن وزير التموين، علي المصيلحي، تطبيق منظومة بسيطة تتكفل فيها الحكومة بمد المطاحن الخاصة بالقمح بسعر سبعة آلاف جنيه للطن، لتحولّه المطاحن بدورها إلى دقيق استخراج 72 وتورده للحكومة مرة ثانية بسعر 8800 جنيه، لتسلمه الحكومة أخيرًا إلى المخابز السياحية.
وبينما استمر الوزير في إطلاق الوعود بالسيطرة على الأسعار خلال أيام معدودة، بدأت العراقيل في الظهور تباعًا. ومرت أسابيع دون تغيير حقيقي. من جانبها، التزمت بعض المخابز بالسعر، لكن دون الوزن، وبعضها لم يلتزم حتى بالسعر.
أول العراقيل التي واجهتها خطة الحكومة كانت توفير القمح نفسه. لدى الحكومة مخزون استراتيجي من القمح، له مصدران: قمح مستورد، وآخر محلي تشتريه من المزارعين.
بالنسبة للقمح المستورد، منذ بداية الحرب في أوكرانيا، تعاقدت هيئة السلع التموينية، المسؤولة عن استيراد القمح لصالح منظومة دعم الخبز، الأسبوع الجاري، على شراء 350 ألف طن قمح أوروبي، وهي أول مناقصة دولية منذ الحرب، وذلك بعدما ألغت عدة مناقصات، إما بسبب ارتفاع الأسعار أو قلة العروض.
أما بالنسبة للقمح المحلي، تبلغ المساحات المزروعة به ثلاثة ملايين و659 ألف فدان، ينتج منها أكثر من عشرة ملايين طن، بحسب تقديرات الحكومة. تجمع وزارة التموين منها كل عام ما يقارب ثلاثة ملايين طن ونصف، فيما تطمح هذا العام في جمع ضعف الكمية. لذلك، وحتى بعد حصاد القمح المحلي في منتصف الشهر الجاري، ستكفي كمية القمح الموجودة بالكاد منظومة الخبز المُدعم فقط حتى قرب نهاية العام.
ورغم أن مخزون القمح كافٍ لتأمين احتياجات منظومة الخبز المدعم لنحو شهرين ونصف فقط، وفقًا لآخر تصريحات متحدث مجلس الوزراء، نادر سعد، إلا أن الحكومة قررت توفير الدقيق للخبز السياحي من مخزونها، وفقًا لثلاثة مصادر منفصلة اطلعت على مباحثات الحكومة مع أصحاب المطاحن والتجار. «ده معناه إن الحكومة هتدعم رغيف العيش المدعم والسياحي كمان، هي تقدر على كده؟ دي مكفية العيش البلدي بالضالين»، يقول مصدر بشعبة المخابز، اشترط عدم ذكر اسمه.
بدأت الحكومة في إدراك المأزق. في نفس يوم توجيهات الرئيس بالتسعيرة الإجبارية، أصدرت الحكومة قرارًا يقضي لأول مرة بإلزام كل من يملك حيازة زراعية مسجلة بوزارة الزراعة ببيع 12 أردب قمح (الأردب 150 كيلو جرام) عن كل فدان يملكه إلى الحكومة، ما يساوي حوالي 60% من إنتاج الفدان، ويحظر بيع أي قمح محلي للتجار أو القطاع الخاص. ويعاقب القرار الممتنعين عن التسليم بحرمانهم من السماد الصيفي المدعم، كما يعاقب من يبيع إنتاجه لأي جهة بخلاف الحكومة بعقوبات تصل للحبس، في محاولة لجمع ضعف كميات القمح المحلي، بحسب تصريحات المتحدث باسم مجلس الوزراء.
لكن عددًا مختلفًا من الفلاحين قالوا لـ«مدى مصر» إنهم لن يوردوا القمح للحكومة في ظل تدني سعره محليًا مقابل السعر العالمي، خصوصًا مع ارتفاع سعر الأعلاف والدقيق في الأسواق، وكذلك غضبهم من محاولة الحكومة «لي ذراعهم بالتلويح بالعقوبات»، بحسب واحد من ممثلي الفلاحين، اشترط عدم ذكر اسمه. بخلاف غضب الفلاحين، توجد شكوك حول دقة حسابات الحكومة بشأن العشرة مليون طن المنتجة محليًا، وأن إنتاج مصر في الحقيقة لا يتجاوز سبعة ملايين طن.
لكن عقبة توفير القمح ليست هي التحدي الوحيد أمام الحكومة. ففي أسوأ الظروف، يمكنها أن تستورد من الخارج بالسعر العالمي المرتفع وتحمل فرق الأسعار.
لكن، بعد يوم واحد من إصدار قرار التسعير الإجباري رسميًا، قرر البنك المركزي رفع سعر الفائدة على الجنيه، وسمح لقيمة الجنيه بالانخفاض أمام الدولار، وهو ما رفع سعر القمح المستورد في مصر بما يتجاوز 1700 جنيه للطن، ليصل إلى 8700 جنيه، ورفع سعر الدقيق محليًا بنحو 2300 جنيه، ليصل إلى 11 ألف جنيه للطن، بفارق كبير عن تسعيرة الحكومة التي بُنيت على أساس سعر ثابت للدقيق قُدر بـ8600 جنيه. «مفيش توافق بين السياسة المالية والنقدية، كأن فيه حكومتين شغالين كل واحد في ناحية»، يقول عمرو الحيني، الرئيس الأسبق لغرفة المطاحن، لـ«مدى مصر».
رغم ذلك، لم تتراجع الحكومة عن قرارها. واصل المسؤولون سيل التصريحات الرسمية غير الدقيقة. فمن ناحية، أعلنت الحكومة أكثر من مرة البدء في إجراءات تطبيق التسعيرة. وأعلن المصيلحي أن وزارة التموين اتفقت مع المطاحن، وبدأت بالفعل توريد الدقيق إلى المخابز الخاصة، ومعاقبة المخالفين. وانهالت تحذيرات الحكومة عبر الصحف والقنوات الفضائية للمخابز من الغش في وزن الخبز أو الخروج عن التسعيرة التي وضعتها، كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن أي مخبز مخالف عبر طرق متعددة.
لكن، وبحسب مصادر متعددة من قطاعات المطاحن والمخابز وتجارة الحبوب تحدثت إلى «مدى مصر»، على أرض الواقع، لم تكن الحكومة قد توصلت لاتفاق مع أصحاب المطاحن بعد، ولم يتسلم أي مخبز في الجمهورية دقيقًا من الحكومة وقت إعلان المصيلحي.
وخلال الوقت الذي كانت تحاول الوزارة الوصول إلى اتفاق مع المطاحن، استمر سعر الدقيق في الارتفاع. وتعاملت المخابز بطرق مختلفة مع المأزق. بعضها التزم بالقرار، مع تحمل الخسائر جراء فرق سعر الدقيق، أو وفرت دقيقًا مدعمًا مهربًا من السوق السوداء بسعر 7000 جنيه للطن. مخابز أخرى أغلقت أبوابها تجنبًا لتحمّل الخسائر، أو خوفًا من العقوبات المالية التي شملها القرار. لكن الأغلبية نفذت جزءًا من القرار فقط: علقوا ورقة كُتب عليها بخط كبير وواضح أسعار الخبز ووزنه وفقًا للتسعيرة الجديدة، دون أن يلتزموا بالوزن، وفي بعض الأحيان بالسعر أيضًا.
«أنا علقت ورقة فيها السعر والوزن زي الحكومة ما طلبت، وعلقت جنبها الفاتورة اللي اشتريت بيها الدقيق بسعر 9600 جنيه، في حين الحكومة بتقول إنه بـ8800 جنيه»، يقول وائل توفيق، صاحب سلسلة مخابز بالجيزة لـ«مدى مصر».

توفيق وعشرات غيره من أصحاب المخابز تعرضوا للغرامات خلال الأسابيع الماضية بسبب نقص وزن الرغيف عن المقرر، حسبما قالوا لـ«مدى مصر». «قولت لمفتشين التموين الدقيق سعره أغلى من تسعيرة الحكومة، المفتشين قالوا ملناش دعوة والمحضر اتحول للنيابة ودفعت غرامة 53 ألف جنيه» يقول توفيق.
أخيرًا، وبعد عشرة أيام من تصريحات الوزير، توصلت وزارته إلى اتفاق مع أربعة مطاحن من أصل 11 حضروا الاجتماعات. الحصة التي اتفقت عليها الحكومة مع المطاحن، الأسبوع الماضي، لا تتوافق مع الخطة السابقة بإمداد كل مخابز الجمهورية بدقيق أرخص. تغيرت الخطة قليلًا: ستمد الحكومة المطاحن الأربعة بحصة تبلغ خمسة أطنان يوميًا لكلٍ منهم، ثم تتسلم منهم الدقيق وتورد إلى كل مخبز خمس شكائر دقيق يوميًا (كل شيكارة 50 كيلو جرام).
اتفقت الوزارة مع مطاحن بمحافظتي المنوفية والقليوبية، وأخرى في مدينتي السادس من أكتوبر و15 مايو، بينما رفض العديد من المطاحن الدخول في منظومة الحكومة الجديدة. «كلها مشاكل ومش راسين على قرار كل يوم بكلمة شكل»، يقول صاحب أحد المطاحن التي رفضت الانضمام للمنظومة، لـ«مدى مصر».
يعني ذلك أن الحكومة ستوفر600 طن قمح للمطاحن شهريًا، وهو ما لا يتجاوز 0.5% من إجمالي احتياجات الخبز السياحي، الذي يصل إلى 191 ألف طن شهريًا، وفقًا لتقديرات المصادر. لذلك، وفي ظل الخطة الحالية، إجمالي ما ستوفره الحكومة سيكفي لتوفر أقل من خمسة أرغفة يوميًا لـ50 ألف مواطن فقط من أكثر من 30 مليون.
حتى مع هذا، اكتشفت الحكومة أنها لا تعرف أي مخابز ستقوم بتوزيع الدقيق عليها. فوجئ وزير التموين، خلال أحد اجتماعاته مع تجار حبوب وممثلي المطاحن، بخطأ في معلومة أساسية بُنيت الخطة عليها، وفقًا لثلاثة مصادر منفصلة تحدثت إلى «مدى مصر». «الحكومة طلّعت القرار وطبّقته بناءً على معلومات غلط إن المطاحن عندها مخابزها، وبالتالي عندها بيانات بيها وعندها طريقة للتواصل معاها مباشرة. وطبعًا ده مش صحيح، المطاحن بتبيع الدقيق للمخابز من خلال موردين»، يقول مصدر اطلع على ما حدث في الاجتماع واشترط عدم ذكر اسمه.
وفي الوقت الذي كان الوزير يعلن فيه إمداد وزارته للمخابز بالدقيق، كانت مديريات التموين ما زالت تحاول تحديد المخابز التي ستدخل المنظومة الجديدة. ولتواري ارتباكها، قررت الحكومة تغيير خطتها الأولى. فبدلًا من توريد الدقيق لجميع المخابز السياحية دون تفرقة لتتمكن من السيطرة على ارتفاع الأسعار وضمان عدم تكدس المواطنين أمام المخابز الأرخص، قصرت الحكومة توفير الدقيق على محافظات القاهرة الكبري فقط (القاهرة، والجيزة، والقليوبية)، إضافة إلى المنوفية، حسبما قال سكرتير شعبة المخابز، خالد صبري، لـ«مدى مصر».
لكن أزمة جديدة ظهرت، وهي أن توزيع الدقيق سيقتصر على المخابز المرخصة فقط، التي لا تتجاوز نسبتها 10% فقط من إجمالي المخابز، وفقًا لتصريحات سابقة لرئيس شعبة المخابز، عبد الله غراب. يعني هذا، بحسب مسؤول بشعبة المخابز، تحدث إلى لـ«مدى مصر»، مشترطًا عدم ذكر اسمه، أنها «بالنسبة للدولة، مش موجودة».
لمحاولة حل هذه المشكلة، سهّلت وزارة التموين شروط الترخيص، الأسبوع الماضي، وتغاضت عن العديد من القيود التي كانت وضعتها لضمان أمان المخابز، أبرزها مساحة المخبز وارتفاع السقف، لتتماشى مع عدد كبير من المخابز المنتشرة بالمحافظات والمناطق الشعبية، وفقًا لخالد صبري، سكرتير شعبة المخابز.
لكن هذه المحاولات لم تأتِ بفائدة. استمرت أسعار الدقيق وجميع مستلزمات الإنتاج في الصعود، بينما لم يتسلم حتى الآن أي مخبز حصته المزعومة من الدقيق، حسبما قال، اليوم، مصدران منفصلان بشعبة المخابز لـ«مدى مصر».
كما أن هذه المحاولات اكتفت بالتعامل مع المحافظات الأربع فقط متجاهلة حل الأزمة لباقي المحافظات. «هما بيقولوا وزعوا على مخابز القاهرة الكبرى وده محصلش، بس ماشي، لكن لو وزعوا على المخابز دي بس، ليه يجبروا مخابز المحافظات التانية تلتزم بنفس التسعيرة، رغم إنهم بيشتروا الدقيق بسعر أغلى؟»، يتساءل أحمد دياب، صاحب مخبز سياحي مرخص بمحافظة الشرقية. يتسبب هذا في خسارته يوميًا 1600 جنيه بعد اضطراره لتطبيق التسعيرة الجديدة منذ أسبوعين، موضحًا أنه يعوض جزءًا من الخسارة برفع سعر المخبوزات الأخرى.
هذا التخبط تسبب في مشاكل هائلة بين المخابز والمشترين، بعد ارتفاع تكلفة الإنتاج أعلى من «حِسبة» تسعيرة الحكومة. أحد أصحاب المخابز الذين اضطروا لإغلاق مخبزهم بعد شكاوى المواطنين ضده، كان محمد المصري، صاحب مخبز فينو بمركز أجا بمحافظة الدقهلية، والذي أوضح لـ«مدى مصر» أنه تعرض خلال الأسبوع الماضي لأكثر من مشكلة مع المشترين، بسبب عدم التزامه بالتسعيرة. «الناس بتقول لي انت حرامي علشان الحكومة عملالك تسعيرة وبتديك دقيق وإنت مش بتلتزم. ومهما قلتلهم إني ماخدتش من الحكومة دقيق وإني بشتريه بسعر أعلى ألفين جنيه عن تسعيرة الحكومة مش بيصدقوا.. قفلت المخبز بدل ما أدفع 100 ألف جنيه مش معايا».
لكن، حتى إذا تمكنت الحكومة من التغلب على هذه الأزمات، يشير رئيس شعبة المطاحن الأسبق، وليد دياب، إلى أن هذه الخطة ستفتح بابًا للفساد. «انت هتضمن منين إن الدقيق اللي هتوفره ده هيوصل للناس فعلاً؟ منظومة العيش التمويني مربوطة بسيستم ممكن مراقبته ورغم ده فيها فساد للركب. دول بقى هتراقبهم إزاي؟ إيه يضمن صاحب المخبز مياخدش الدقيق يبيعه للسوق السوداء؟ أو حتى للمطاحن، هتفضل قاعد على إيده لحد ما يخبزه؟»، يقول.
ويتزايد هذا في ظل الأزمة التي تعانيها وزارة التموين من محدودية قدرتها على الرقابة. في تصريحات سابقة، أشار المصيلحي إلى وجود عجز في أعداد مفتشي التموين، في ظل كبر سن المفتشين الحاليين ونقص خبرة الشباب، فضلًا عن امتناع الحكومة عن تعيين أي مفتشين جُدد.
بسبب كل هذه الصعوبات، يرى دياب أن «الموضوع ده هيخلص انهم هيوزعوا شوية دقيق على كام مخبز قبل انتهاء فترة الثلاث شهور على طول عشان ميبقوش رجعوا في كلامهم، وبعدين هيلغوه لأنهم اكتشفوا إنهم ورطوا نفسهم في حاجة أكبر منهم».
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ماذا تفعل الدولة بين مطرقة التضخم وسندان انخفاض النقد الأجنبي؟
تظل مرونة سعر الصرف هدفًا مستمرًا للحكومة في محاولة للحفاظ على الاستثمارات الأجنبية
الخبز: «دوبلير» الطعام وقت الأزمة
قللت الحكومة، في الفترة ما بين عامي 2014 و2020 وزن رغيف الخبز المُدعم بما يقارب الثلث
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن

