تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كيف تلمع مثل عفروتو

كيف تلمع مثل عفروتو

#259| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: بلال حسني 8 دقيقة قراءة

#جو عام

في هذا العدد، نعود إلى ثيمة من بدايات ديتوكس، حين كنا نقدم قوائم #سماع، ونشتبك مع موسيقاها بالكتابة، وهذه المرة يكتب بلال حسني عمّا يترسب في وعيه ولا وعيه حين يسمع عفروتو، ولمعان موهبة رص الكلام في إنتاج الرابر الحالي طالب الحقوق والقهوجي سابقًا، اقرأوا واسمعوا وارقصوا.  

  

#سماع

مريض

بكتب أغاني

أنا مريض

---

جسمي سايح

افتُتح مؤخرًا محل لبيع اللحوم المستوردة باسم «برازيلي وأحمر»، نافس مجمّدات فريجو سول بشدّة، وكسر شوكته في حي سيدي بشر بالإسكندرية. تزامن ذلك مع رواج أغنية عفروتو «برازيلي وأسمر»: «أنا إسكندراني، برازيلي وأسمر، أوه أوه أوه، برازيلي وأسمر، برقصها سامبا، أوه أوه».

أداؤه يجسد مراوغة مراهق يلعب بالكرة في الشارع، يضع عفروتو أقصى عتبات حلمه في مهارة اللاعب البرازيلي، يرد عليه جمهوره كمردات أفراح، يعلنون عن أجسادنا السكندرية المالحة المقددة، تربّت على اللحم البرازيلي المُجمد، بطعمه الرخيص اللذيذ. 

كأن الرُخص هنا لا يُفسد الجمال، بل شرطه، في اللحم كما في الوحي.

تفصل أقلّ من خمس عشرة دقيقة بالتوكتوك بين «برازيلي وأحمر» في سيدي بشر ومسقط رأس عفروتو، منطقة السيوف.

كما تعرف فإن سائِقي التكاتك سميعة، قد تسمع اكتشافًا نادرًا إذا تجاوبت مع ذوقهم، واعتبرتهم منسقي موسيقى جوالين. نغمة أغنية بدوية، أغنية بلا بداية أو نهاية، كأنها تدور حول نفسها. لووب لا يتوقف إلا حين تصل إلى «السيوف»، تلك التي خلّدها عفروتو في أغانيه.

 «في ضهري يابا السيوف دي تتار»

إذا توقفت لأقل من فيمتو ثانية قبل هجوم أشباح حي السيوف، تلمح أنه -رغم ما ترسخ عن وحشية التتار- يعيد عفروتو تعريف القوة، لا بوصفها بطشًا، بل كأن الوحشية هنا تحرس الحب، حب يتدحرج كظل مفرود في كل أمكنته.

السيوف بحسب صفحة «السيوف شماعة العشق» على فيسبوك، كانت أراضيها مملوكة لعائلة سيف، قبل أن يشتريها خواجة يهودي يُدعى شماعة، ويقسمها إلى مبانٍ. لكن عفروتو يحمل خرائط مزاجية للسيوف، مشفرة بالخيال.

وُلد عفروتو في الإسكندرية، التي يلقبها أهلها والوافدون إليها، المولعون والساخرون، بـ«مدينة الرب»، مدينة معروفة بثقة غامضة بالنفس، لكنها أيضًا المكان الذي تتشكل فيه شخصيات تسبح عكس السائد.

اسمه الحقيقي أحمد محمد عبد المجيد، أو أحما الطماع، الشهير بعفروتو، سُمّي تيمنًا بلاعب الكرة مصطفي عفروتو، وكلاهما بدوره سُمي تيمنًا بشخصية محمد هنيدي في مسرحية عن عفريت يهبط إلى الأرض عاجز عن التعبير عن عَفرَتِه أو تقديم المساعدة وسط جوٍّ عائليٍّ مفقود. كأن اللقب نفسه نبوءة عن الطفل القهوجي، الخارج من العروض المفضلة لرواد المقاهي. 

كما يقولون: القهوجية تجار المية السخنة، في بعض المقاهي القديمة لا يسمح بتقديم المشروبات الغازية أصلًا. 

مكسب عفروتو -أو بالأحرى مكسب القهوة الداخلية الصاخبة التي تغلي مياهها ليل نهار- في المشروب الساخن ومزمزته الطويلة، باكيت توليفة من أردأ أنواع الشاي ونشارة الخشب يكفي الجميع.

حلّ الراب محل الشريط المصاحب للحياة اليومية لدى الأطفال والمراهقين: في الرحلات المدرسية، وفي فيديوهات التيك توك، وفي ليالي المبيت بالسكن الجامعي. واقع صغير. شات جي بي تي الغلابة: خرائط جاهزة لوجع الحب والصياعة والجرأة والخيانة، دليل يحول دون ظهور المراهق كطفل خام محدود التجارب أمام زملائه في الفصل، أو أصدقائه في سبوتات الشوارع.

لا يملك عفروتو مواصفات الشخص الشبح/العفريت. لا يتحرك في رقصاته كمهاجم شرس، بل كفريسة تراوغ. في أغنيته سان ستيفانو، ورغم الشكل الشعائري لأجواء الراب، لا تجد سوى مراهق يصف فسحته بكل مآسيها وأفراحها: تمشية وتسكع وفرجة على المحلات وواجهات دور السينما، فسحة أورديحي - بعيدية من جرين بلازا إلى سان ستيفانو.

ليست فسحة إلى وسط البلد، بل إلى الأماكن الفاخرة القريبة من الأحياء الفقيرة في شرق المدينة. هذا سحره. 

عفروتو بيلف العالم،

إنتوا بتلفو في وسط البلد،

جتكو البلا،

قولي مين دول، قولي مين دول يلا.

أتخيّل أن لمعان رص الكلام عند عفروتو بدأ مع عمله قهوجيًا.

في هذه المهنة كل ملاحظة تُلتقط، وهذا نوع من الالتزام: نوتة صغيرة لتسجيل الطلبات وغيار الشيشة، لكنها أيضًا نوتة بمعناها القريب.. ومعناها البعيد.

مهنة تبدو سهلة في بدايتها، تستقبل الجميع: مثل توصيل الطلبات، وعمال كفر الدوار في الباب الخلفي للمطاعم السورية. لكنها تطرد تدريجيًا مَن لا يملك اللمحة في اصطياد الزبائن، وجذبهم بالتجاهل، كأن المقهى أرفع من أن يبذل نفسه. مكان يتقوقع ويتمدد، ككون صغير.

وحين يشحّ الزبائن، يظل مترقبًا بين الصمت واللغو، تلك الإشارة التي تعيد الحياة إلى المكان. 

وهي، في جوهرها، حالة عفروتو؛ الذي يجسد الأسطورة المنسيّة: عطش العيال المفاجئ أمام أكواب المياه على المقاهي، ذلك العطش الذي يُحبِّبهم في المهنة والخدمة.

لذلك تبدو افتتاحية «كبدة» مخلصة للوصفة نفسها، رغم كل ما يقتضيه شكل الراب من الدس «disrespect». حيث تسفك الدماء في مخيلتنا. يعلو الإيقاع وتتابع الجمل القصيرة، فتجد نفسك أمام الطاسة، في استعراض الخبط بالملعقة المقصوصة حتى تكتمل الطبخة، وتمسك بالرغيف. 

بصة في الجفن،

شُفت دمعة

أشوطه بالسيفتي

أحط لمعة

أحسب الفرق، 

الناس متابعة

ولا إنتَ في العلم سقطت جامعة

رسمي بالذمة، 

أرقّص الجن

قطّع أخصام وأسيّح الزبدة

حطه في الطاسة، أشوّح الكبدة

أنا أرفع الكوز وأشبّط السن

رسمي بالذمة، أرقّص الجن

قطّع أخصام وأسيّح الزبدة

حطه في الطاسة، أشوّح الكبدة

أنا أرفع الكوز وأشبّط السن

ينقل تعبير «أشوطه بالسيفتي.. أحط لمعة» من لمعان الأحذية إلى لمعان الجروح، كأننا نرى شابًا يتقلب في الهواء بلا جاذبية، ويشوط النجوم بقدمه. 

أما «أقطع أخصام وأسيح الزبدة» فهي تصعد بهرمون الجوع، تمرر تقطيع الجسد وهو يتشوح بالزبدة، ليتقلب في ذهنك بين الحسي والجامح أو الوحشي، بلا قدرة على إيقاف التقليبة. جملة أشبه بصيحة، تحمل طبقات من الإحساس في ضربة طاسة واحدة، ثم تدور الكلمات والوصفة على نفسها، ما أسميه إخلاصًا للمذاق وتأثيره. 

هل يقصد عفروتو ما يقوله حرفيًا؟ لا أظن. ولا أحتاج كمستمع أن يفعل، ماهو مش طه حسين يعني! يكفي أن يلمس اللاوعي، أن تصل نغمة صوره الدفينة فتنسل إلى الواقع وتلين صلابته. ليست مجرد عبارات ذكية تنشط الجملة، بل لغة ثقة وتباهٍ، اللغة التي نتوقعها -وربما نعجب بها- من مغني راب يدعي تمثيل أدنى طبقة.

ليس جديدًا استعمال الألفاظ الخارجة في الأغاني، فهي موجودة على هامش الغناء العربي طويلًا، تؤدي وظيفتها في الخفاء، في تجارب هزلية أو ساخرة، كأنها «بارودي» لشكل الأغنية الرسمية، وفي وجودها كشباك خيانة للأغنية.

لكن مع الراب، تغير موضعها: فالبناء نفسه يصبح متنًا للتمرد -« هاشرب أنا كوباية الشاي، وأنت حط المفرش في طي*ك!»-. لاحقا، فلتر عفروتو، مثل كثير من زملائه، النسخة الأولية من أغانيه، واستبدل الكلمة بـ«تيت».

يجتمع نقيب الموسيقيين بنجوم الراب بروح المعلّم الذي يشرح لصبيانه الأصول.

بانيكة أكبر مما كان فيها عفروتو.

«تعال يا عفروتو.. تعالوا اقفوا جنبنا.. أنتوا ولادنا تتكلموا»

«عفروتو.. مفيش اشقط دي تاني.. مفيش المشقوطة»

سيبقى هذا المسح بالأستيكة، بعلاماته التي لا تختفي تمامًا، فعلًا اجتماعيًا وسياسيًا في جوهره، أثر اللغة لا يُمحى، يتسرب من تحت الإطار العام للراب، يفجِّر جماليات ما نراه -ظاهريًا أو بحكم مُسبَق- قبيحًا.

بين «سان ستيفانو» و«قهوجي» يعبر عفروتو من عالم إلى آخر. المراهق الذي صوّر فيديو كليب «سان ستيفانو» أمام سيارة أنتيك مؤجرة، غير صالحة للقيادة، بل هي خلفية لصورة تعلق في غرفته، يمثل فسحة السكندريين أمام مول سان ستيفانو.. عند جراج ميشيل أُحد، المزار السري للطبقة المهمشة.

هناك، يعبر عفروتو المرآة الساحرة، من كوابيس الطبقة العاملة إلى الفانتازيا الطبقية. هو الآن يقف على مسرح يعج بالجمهور، مرتديًا الملابس التي كان يحلم بها. وفي «قهوجي»، يواصل الصعود، هذه المرة إلى يخت يعتليه كأنه بوسيدون بنسخته الخليجية، فوق مياه سان ستيفانو الأولى.

تسالي

دول خارج عن التصنيف

فبيعنصروا على لون بشرتى وأضرار التقصيف

قلبت كوافير بس هاجريك 

واظرفك تصريح

أنا بفتخر إني أسمر يا أملس.. بس للتوضيح

ستظل النغمة التي يعبر بها عفروتو عن شعوره بالاغتراب بسبب لون بشرته من أرفع ما قدمه: مرحة، حادة، غاضبة، وواثقة، ما يجعلها قابلة للاشتعال في كل مرة، بخلاف أغاني محمد منير، سواد منعم، لا كسواد الجسد، ولا كسواد بنية الصوت عند عفروتو.

هذا العبقري ذو فص الدماغ اليمين العامل -«أخوك الشطلاوي بيكتب»-. المكان عنده ليس استعارة أو خلفية، بل معمار يتنفس.

ساعات بتهور وابقى أعمى

أنا اللي مضيع الخريطة

ابن السيوف

ابن السيوف نجم الجيهة بوب الغرور

 بوب السيطة 

ياه ياه أوه.

المكان معمار طيّع، يتخذ أشكالًا صلبة وفاعلة، لكنه لا يثبت في هيئة واحدة، أمكنته في انزياح لحظي، دون تثبيت هندسي، كأنها تبني وتهدم في اللحظة ذاتها. دماغه كمصيدة تلتقط روحًا بدائية تعيد تشكيل المادية التي أفلسناها.

«في دماغي موقف ما في سايس، في دماغي عصارة»

الدماغ نفسه يتحول إلى تجويف معماري.

«عندي مجرة جوّه دماغي .. معنديش مخ»

في أغانيه، كل ما هو متناه في الصغر -«أنا سالك وأنت محشور جوّه البفرة»- يتحول إلى كون مستقل، عالم أصغر من حبة البازلاء السحرية، رحلة طويلة تتسع داخل شطر أغنية، مكتنزة، حيث يصبح المكان الصغير مساحة حية بين الداخل والخارج. 

سيظل وقود عفروتو هو الوحدة، يسبقه دائمًا بخطوة، بصوت كالتمشية المتقطعة، تحية للهامش الطبقي الذي يتغنّى به دومًا، تحية لعدم الوصول. 

يصف نفسه بأنه «أبريق الشاى»، أبريق المقاهي لا يهدأ، متقد دائمًا تحسبًا للحظة المزاج أو التأليف. بخاره هو نفسه الـ«هيتس» القصيرة المتقطعة.

حين يرقص في فرحه، يبدو المشهد كأن الزفاف يؤلف، ويتشكل تحت قدميه.

كنت بعمل شاي وقهوة

 لحد ما بقيت نجم في كوكبي، 

فاهشرب الفانز شاي على حسابي.

الأخصام الحقيقيون لعفروتو، للراب عمومًا، ليسوا زملاء الساحة، بل أحياء المدينة نفسها. يبدو الأمر محاولة للبقاء كعصابة، أبناء الجيهة، كأن الراب معركة حدود ترسم بالأحياء لا بالأسماء: حي السيوف مقابل الورديان والقصعي وباكوس. مثل فتوات نجيب محفوظ؛ فلكل حي رابر، ومسيرة الواحد منهم صراع حتى يرتقي وينفرد بحمل لقب رابر المنطقة بلا منازع.

في النهاية، تتنقل الأغاني بين الفلاشات والهواتف ككوكتيل يجمعهم ويجدد القوائم حسب الاستماع.

لذا، مهما اتسع المجال الذي يمثله الآن عفروتو، فإن الأحياء الفقيرة الحضرية تنبت كل يوم موسيقى جديدة، تنمو كما تنمو الحشائش خلف العمارات السكنية بفعل تنقيط خراطيم التكييف. عفن أخضر بطول الجدار، يشبه رقصة عفروتو: حركة من أسفل لأعلى، كما تفعل الحشائش في غفلة من الزمن.

صاحي الصبح

عندي معاد

مع الفُجر

عندي مجرة 

جوه دماغي 

معنديش مخ

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن