تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كيف تكتب رواية عن القاهرة؟| حوار مع محمد عبد الجواد

كيف تكتب رواية عن القاهرة؟| حوار مع محمد عبد الجواد

كتابة: آية طنطاوي 12 دقيقة قراءة

بدا لي أن قراءة أعمال محمد عبدالجواد تحتاج إلى قراءة موازية تنطلق من خارج رواياته، تجول حر يشبه الدخول إلى طرق سحرية لا نعرفها عن مدينتنا، ثمّة الكثير في جعبته، وأنا أريد أن أتلصص على خياله لأكتشف الحواري والشوارع السرية التي ينبت فيها خياله نباتاته الشيطانية.

طلبت منه أن يختار مكانًا مفضلًا له لنلتقي هناك ونجري الحوار، وتمنيت أن يملك المكان حكاية خاصة معه، راقت له الفكرة ثم أصابته بالحيرة، أين نذهب سويًا في خريطته القاهرية المكدسة بالأماكن؟ قهاوي شبرا أم مقهاه المفضل في حي الزبالين بالخصوص؟ له في كل أحياء القاهرة أماكن، ويمشي في الشوارع بخريطة مسبقة، يعرف أين يجلس وماذا يشرب وكيف ستكون الأصوات من حوله، كما أنه يجلس وحده تمامًا دون رفقة أو شلة ما. 

بين كل أماكنه اختار «Coffe berry» بالزمالك لأنه ببساطة، ولسنوات طويلة، كان يجلس بداخله أمام الواجهة الزجاجية، يطالع السائرون في شارع 26 يوليو، ويكتب.

الكتابة بالصورة

قبل الكتابة الأدبية كانت الكاميرا هي القلم الأول لعبد الجواد، الذي دوّن به القصص المصورة بالفوتوغرافيا، وفي يوليو 2016 فاز بالمركز الأول في مسابقة اليونسكو العالمية «يونايت فور هيريتيدج»، عن صورة التقطها في مولد فاطمة النبوية بحي الباطنية، كما شارك في كتابة موضوعات مصورة أخرى عن التهجير، وثلاجات المصريين، وحكايات سائقي «أوبر» و«كريم». 

الصورة الفائزة، تصوير محمد عبد الجواد

لا يرى الناقد الفرنسي، رولان بارت، أن الصورة الفوتوغرافية تختلف عن الواقع، موضحًا أن الفوتوغرافيا تضعنا أمام نوع من المواجهة مع الصورة، نقبض على الزمن ونقول: «انظروا، ها هو»، وتلك الإشارة للشخص موضوع الصورة هو طرف الخيط لنقول إن ثمة حكاية ما هنا فلننظر لها. نفس الشيء في صور عبد الجواد وأغلفة نوفيلاته وحتى روايته الأخيرة «أميرة البحار السبعة» وكأن كتابته تبدأ من صورة الغلاف لا سطور المتن الأولى.

 لم تستمر تجربة عبد الجواد في التصوير كثيرًا، لكنه أدرك أن علاقته بالكتابة عن حكايات الناس ستبدأ ولكن بطريقة مختلفة.

«بكتب مع نفسي على الفيسبوك، مشاهدات وتأملات من القاهرة وقصص قصيرة، بكتب وخلاص بس معرفش ده هيروح فين، يعني أيام الثورة وحظر التجوال كتبت عنهم قصص قصيرة، وكانت أفكار القصص بتبدأ من صورة وبتتحول لكتابة، وكنت بتخيل نفسي مصوّر، ومع الوقت اكتشفت إني كاتب بياخد من الصورة، بشوف صورة وبعبر عنها.. هتتفاجئي بقى من حاجة، أنا ساعات بكتب وبعدين أدور على الصورة، يعني مثلًا في علي علي أنا كنت شايف البطل وعارف الشكل بس مش قادر أوصله، ببص على صور دونيه دايو، لقيت الولد اللي قاعد على الواجهة قولت يا نهار أسود هو ده. وكذلك عودة ثانية للابن الضال كده».

بالطريقة نفسها يفكر عبدالجواد في أوصافه، يخلق صور ومجازات تضعنا في إطار الرؤية والنظر، فيصف مثلًا في روايته الأخيرة مشهد للتغير العمراني في المنطقة فيقول: «واختفى اللون الأخضر على حس اللون الترابي والطوب الأحمر»، وهو وصف يسهل رؤيته كصورة والتوغل في الشعور به وتفكيك دلالاته الرمزية والبصرية.

أما أميرة بطلة روايته الأخيرة، لم ينفصل تفكيره في الرواية عن تفكيره في غلافها، والدلالات التي تحملها صورته.

غلاف الرواية

«في أميرة البحار السبعة كنت شايف غجر، وشايفهم بشكل خيالي، قعدت أدور في صور علي الزرعي، وكنت بدور على صورة بنت شبه اللي في بالي لحد ما لقيتها، وحكايتها إنها صورة علي الزرعي مصورها من صورة كانت ضمن ألبومات شخصية للغجر.. وأنا اخترتها بعينها علشان كنت عايزها تبان إنها خليجية. أما صورة الغلاف الخلفي الولد والراجل على حصان لعبة على البحر. الحصان ده رمز للفروسية والسلطة الرجولية وهو طبعًا حصان مش حقيقي، والولد الصغير ده يحيى العازف، والراجل وراه بملامحه الصارمة بيمثل السلطة، لو فردنا الغلاف الخلفي والأمامي هيبقى كأن الحصان والسلطة الذكورية الهشة دي داخلة على أميرة، ومن هنا يبدأ التأكل».

 جولات ليلية

حياة محمد عبد الجواد البسيطة لم يتخللها تمرد كبير، حتى أيام الثورة «لما قامت ثورة يناير مكنتش من أوائل اللي طلعوا، كنت بنزل أتفرج وأدون الأشياء في دماغي بس مش بشارك، لكني شاركت في 2012 في محمد محمود». تلك الحياة العادية لم ينتج عنها صراعات كبرى مع المجتمع بل تأمل أكبر للناس والأحداث، حتى اختياراته لنمط حياته لم تخلو من المسارات العادية جدًا.

«أنا مواليد 88، وخريج تجارة إنجليزي جامعة بنها، واخترت أن شغلي هيبقى حاجة غير الحاجة اللي بحبها علشان أرتاح نفسيًا من عائق "اعمل اللي أنت مش عايزه" أنا مراجع بجهة رقابية وفي شغلي بنزل أراقب على أشخاص، ده مفيهوش أي حاجة فنية، بطبق القانون، ولو غلطت هعدل، لكن مثلاً لو بشتغل كتابة وحد قالي كتبت كده ليه، ولا ليه القاهرة مش طنطا، دي هتبقى حاجة مش منطقية، ده عمل إبداعي». أو كما أدرك بطل رواية «أميرة والبحار السبعة» يحيى العازف أن الهندسة والعمل بعيدًا عن العزف كفيل بقتل روح العازف داخله.

لا يغزل عبدالجواد حكاياته بمعزل عن الصورة والأساطير، والرموز جزء رئيس ومحرك لأفكاره والطريقة التي يرى بها شخصياته، في «عودة ثانية للابن الضال» يتشابه حمادة أوريو في بعض سماته مع المسيح، تلك العلاقة العميقة مع أمه، وعودته من الموت بعد أن أنتهت حياته، والطريقة التي خلق بها حمادة «مملكة في هذا العالم»، وحاط نفسه بأصحابه/ حواريه، والمملكة هي أكثر الأوصاف المتكررة في النوفيلا لوصف عالم حمادة ورحلته بين ميلاده الأول والثاني. 

أما رواية «أميرة البحار السبعة» نبتت من فكرة كبيرة وبسيطة في آن، يمكن اختزال أصلها في صورة شاهدها عبدالجواد «في الرواية، فيه مرة مصور متجول أخد صورة للمعلم الحرارة هو وعيلته، وهو علق الصورة دي، وكان عايز يقول إن عيلة الحرارة هتفضل موجودة إلى يوم الدين، القصة دي حدثت بالظبط مع الملك عبدالعزيز آل سعود لما قعد على الكرسي ودخل مصور أمريكاني ودخل أولاده، ثم أحفاده، وأحفاد أحفاده، وساعتها قال إن عيلة آل سعود هتفضل موجودة إلى يوم الدين».

يصعب التقاط الخيط الرابط بين حدث في الرواية ومصدر الخيال الذي ألهمه بإعادة تشكيل وسرد المشهد، وهكذا يغزل من الواقع وأساطيره حكايات صغرى تصلح لأن تحكى بطرق أخرى، كأن ينتقل من صحراء العرب إلى بحر الإسكندرية.

«قصة نشأة الخليج استفزتني للكتابة، ومن هنا بدأت أفكر في القصة وقلت هكتبها بتحصل في مصر، مش الخليج، وهعملها بتدور عن ثورة ظهور البترول، وقصة صعود الرجل الفقير اللي بقى دلوقتي قادر يشتري الدنيا، وأميرة في وسط القصة بتمثل الحاجة الطبيعية اللي بيتم الإخلال بيها مع الوقت، قال يعني عشان نبقى جامدين. أنا مبحبش المباشرة، ومحبش أقرأ حكاية عن نشأة الخليج، علشان كده أولاد حارتنا رواية مزعجة بالنسبة لي، والعكس بقى الحرافيش، يابن اللعيبة، وتحسي أن نجيب محفوظ اتطور فكريًا بين دي ودي».

دفعني الفضول لأسأله من يبدأ أولًا في خيوط كتابته، الشخصية أم الحكاية؟

«الشخصية، يعني مثلًا شخصية الصداقة كما رواها علي علي جت إزاي؟ أنا زمان كنت مشارك جماعة أصحابي في مشروع وكان مخزننا في أرض اللوا واتعرضنا لأزمة مالية، ورحت أحل الموضوع، وقعدت مع عامل عندنا اسمه أحمد علي، وشفت بقى وشه التاني، اللي اتحول وطريقته في الكلام إزاي اتغيرت، وهو عايز فلوسه، وكنت قاعد في قهوة هناك والجو تراب وهَبو وبشرب كوباية شاي بالرمل وبشوف هنحل موضوع الفلوس إزاي، حوار معقد، وبعدين فجأة مشيت جنبنا عربية كسح عملت طراوة في الجو، كتبت ده، بس أخدت أحمد علي وحطيته في عربية الكسح، من هنا بدأت الكتابة وكان المشهد ده مدخل الرواية «كان عم أحمد علي، هو أحد آخر من يملكون عربة كسح مجارير في القاهرة، بل وتحديدًا في حي أرض صندوق الرعاية، قرب المعصرة..».

وكده بقى، الحكايات بتجري معايا بشكل مذهل، مش ببني ولا بخطط، حتى علي علي في النوفيلا لما خان أحمد علي، يعني أنا بعمل حاجة بتخيل نفسي أحمد علي، وبتخيل نفسي علي علي، وبعدين بشوف بقى كل حد هيعمل إيه، بس ده مش في بالي في الأول. بس ده مثلًا عكس «أميرة البحار السبعة»، أنا شفت المشهد الأخير وعجبني جدًا، وقُلت هاخد الخيط، وأبني منه وما كنتش أعرف لا النُص ولا البداية هتكون إيه. أنا كمان مش من مدرسة إني أقرا عن دراسات الغجر علشان أكتب عنهم، ممكن أقرا بعد نهاية الكتابة».

من تصوير محمد عبدالجواد

التماهي مع الشخصيات والمشي في أحذيتها حيلة ذكية في الكتابة يتبعها عبد الجواد، وهي لم تختلف كثيرًا عن ألاعيب الطفولة التي كان يمارس فيها ألعاب التمثيل والمعايشة.

«أنا من قليوب، من أرض الجهيمي، من أسرة متوسطة مرتاحة، عشت في مكان مؤثر، بيوت صغيرة حواليها حدائق وأشجار، وأنا طفل وحيد معنديش أخوات، وأول الأحفاد، واتدلعت فشخ. روايات مصرية للجيب ونبيل فاروق وما وراء الطبيعة هي دي الحاجات اللي اتربيت عليها، مرة قريت قصة الحرباء في ملف المستقبل وقعدت أتخيل أوضة جدو المقطم وأنا البطل أكرم، وكده بقى كنت بمثل كل الشخصيات اللي بقراها، وكنت قبل كده رفعت إسماعيل، وطبعًا معرفش إن كل ده تأليف».

سيكبر عبد الجواد، ويفهم أن واحدة من ألاعيب الكتابة هي المعايشة للشخصيات، فهو لن يكون كل أبطال رواياته، لكنه ببساطة يجب أن يرتديهم ويندس في جلودهم ليكتبهم.

«ساراماجو مثلًا في رواية الشبيه بيشوف فيلم فيه كومبارس شبهه، هو هنا بيطرح سؤال وبيقول يلا نشوف هكتبها إزاي، ساراماجو هنا بيعمل معايشة، إزاي؟ بيتخيل نفسه مكان ماكسيمو(البطل) وبيسقط عليه هواجسه وبيحط عالم البطل في عالم مشابه لعالم ساراماجو، الكاتب هنا لازم يفكر كأنه الشخصية، بس ما يخلقش شخصية من الفراغ ما شافهاش».

نفس المعايشة، وبتفكير واعي، يلعبها عبدالجواد مع يحيى العازف في أميرة البحار السبعة «حطيت نفسي مكانه بالتفصيل، تخيلت نفسي لو أنا شخص أقل جرأة وأكثر جبنًا وأكثر عاطفية، وكده خلقت شخصية يحيى، وبدأت أشوف هيعمل إيه؟ هيعمل مثلا الهواجس اللي أنا بحاول موصلهاش، زي بردو حماة أوريو، أنا مكنتش بالصياعة دي بس قولت لنفسي ماذا لو كنت زيه هعمل إيه؟ وبكتب بقى، برمي نفسي في شخصيات هنا وهنا، وده زي التشخيص في السينما».

لم تنفلت كتابة محمد عبدالجواد من جذور طفولته، يتذكر حادثة في مدرسته الإعدادية، وفي نوبة شقاوة منه دفعت مدرس العلوم لصفعه على وجهه، لم ينس الصفعة، يكتبها لاحقًا في نوفيلا «عودة ثانية للإبن الضال» ويصفها بشاعرية وألم «وقد مست تلك الصفعة مكامن الكرامة عند حمادة أوريو، فأخذها وأكمل جريته وهو يأز مثل النحل، بقوة الدفع الذاتي، حتى توقف بعدها عند زاوية دورة المياه فأخذ يبكي بغضب» يكشف عبد الجواد الرابط بين واقعه وخياله «بس أنا ملجأتش زي حمادة للعيال علشان ينتقموا لي» ولكنه ما حدث في لحظة كتابة المشهد بعد السنوات.

من تصوير محمد عبد الجواد

ليالي القاهرة

في كتابه «الطاهي يقتل الكاتب ينتحر» يفكك الكاتب عزت القمحاوي وصفة الكتابة في «ألف ليلة وليلة» ويصل إلى خلاصة أنه لا توجد وصفة سحرية لبناء شخصية أو زمان أو حتى مكان مناسب، وأن الدرس في الليالي أنه لا ينبغي لكل شيء أن يكون مخططًا من البداية، فالكاتب لديه فكرة، يكتبها، وشغفه بالحكاية يحولها لبناء متماسك، القصة الإطار تتشكل وتصيغ منطق الخيال والكاتب في المنتصف يلعب لعبة الكتابة والخيال.

بالطريقة نفسها يمكننا تفكيك أساليب السرد عند محمد عبد الجواد، وبالعودة إلى العوالم الشعبية التي تفتح جعبتها لرواياته نجد أنها لا تختلف عن طبيعة الحكايات الشعبية التي نسمعها بين الجارات في البيوت والرجال على القهوة، حكايات متشابكة تأتي من خيط واحد.

«ما تفهمش إنت مبسوط ليه من كل الحكايات دي بس إنت بتبقى عايز تعرف ده مين ودي حكايتها إيه وبعدين نرجع تاني للحكاية الأساسية، اسمعي سواق تاكسي، اركبي في قطر جنب حد، أقعدي مع حد كبير في الأسرة، يعني مثلًا فيه حد كان بالصدفة بيحكيلي قصة من قصص شقاوته أيام الطفولة، حكاية جوه حكاية لحد ما وصلنا لحكاية معينة، كتبتها في عودة ثانية للابن الضال -مع اختلاف التفاصيل- اللي هو شخصية محمد فاروق. هو كده بتتحكي الحكاية الشعبية، هو رغاي أه بس تمام، أنا شخصيًا بحب ده».

في مشروعه الأدبي الجديد يكتب عبدالجواد رواية عن القاهرة، تبدو فكرة الكتابة عن المدينة أشبه بالكتابة عن شيء عام وكبير كالحياة، والموت، والجحيم، لكنه لم يتخل في كتابته الجديدة عن دائرية السرد، كالطرق الدائرية التي يسلكها أبطاله، وكالسرد في الليالي «هكتب فيها عن نفسي أصلًا بس بشكل دائري، قصة بتودي لقصة، ومش رابط بينهم غير أن كلهم في القاهرة، هي صعبة وفيها تداخلات كتيرة بس جميلة».

نباتات القراءة

يسهل التنبؤ بالمشروعات الأدبية والكُتاب المؤثرين في ذائقة عبدالجواد، من يجد في حكاياتهم شيء من الحكي والرغي المحبب لقلبه «حد مختزل زي إبراهيم أصلان، ونجيب محفوظ في حكايات حارتنا، طارق إمام أقاصيص أقصر من أعمار أبطالها. وفيه بقى كُتاب بحب أبحر معاهم يوميًا، زي ماركيز، مش طبيعي، وثقافة كولومبيا في الحكي زينا علشان كده بحبه رغم اختلاف ثقافاتنا. يعني في طرق الحكي بفكر مثلًا لو بنت جاية من التجمع هتحكي حكاية بطريقة غير بنت جاية من أعماق شبرا بسألها عن حاجة، دي هتفرش في الحكي، التانية هتبقى واضحة ومحددة جدًا».

أما جذور القراءة دائمًا ما تكون مختلفة، وتبدأ من الطفولة، طفل وحيد يعيش تمامًا مع الكتب، تلك الصورة نستطيع تخيلها جيدًا «الكتب والقراية هي بدايتي، وبعد كده كتب بابا بدأت تدخل، موسوعة سليم حسن، وصف مصر، الجبرتي. مرة بابا طلب من مدير مدرستي إننا ناخد كتب المكتبة المدرسية عهدة ونرجعها، وفعلا أخدها وصورها وطبعها علشان تبقى الكتب بتاعتي وأعرف اقراها. لسه موجودة عندي لحد دلوقتي».

التخلي عن الأناقة

يتحدث خيري شلبي عن فعل الكتابة ويقول: «الكتابة من الذاكرة لا تعطي أدبًا، والكاتب عليه أن يخلع عنه أناقته»، وكلاهما مسارات، بشكل لا واعي، يتبعها عبدالجواد في الكتابة، فهو يعايش من يكتب عنهم ويتجول في شوارعهم، ويخلع بينهم كامل أناقته.

«رواية القاهرة اللي بكتبها مثلاً بطلها عبده مفتاح وهو شاب زيي، باقي تفاصيل الرواية لازم أعيشها، يعني مثلاً روحت قرية شكشوك في تونس في الفيوم، وهي قرية صيادين على بحيرة قارون، بشوف الرجالة والستات، وبردو روحت بورسعيد، والماكس وكان لازم أشوف الفنار وأنا بكتب أميرة البحار السبعة».

لا ينتصر محمد عبدالجواد في الكتابة لصوت بعينه، ذكورية أو نسوية، لا وجود لهاتين الفكرتين، لكن هناك أصوات تخص الشخصيات قادمة من واقعهم الاجتماعي الشعبي، وشخصياته تتحدث بصوت الواقع ولا يلبسها صوت وأفكار لا تخصهم ولا تشبههم، «في الشارع نبرة صوتك بتختلف في المواقف، القاهرة بتخلي الواحد مختلف. والمجتمع المصري آخر 40 سنة بقت الستات فيه أقوى بكتير، والتغيرات كبيرة، يعني إحنا جيل أشطر من أهالينا في الشغل، ومثلاً دلوقتي تلاقي واحد عمره 40 سنة على لينكد إن وعمره 20 سنة في العواطف، والست دلوقتي بقت بتحط رجلها في جذمة الراجل علشان هي مش لاقياه».

يعود من جديد ليتذكر جذوره، المساحات داخل البيوت التي نشأ فيها وكبرت معها مشاعره، «أبويا ورجالة العيلة مكانوش ذكوريين، أبويا كان شخص رقيق جدًا، جدنا الكبير عبد الجواد كان بيعيط لما يشوف مشهد في السينما، جدو محمد كان بيعيط قدامي، أنا عشت مع أمي 30 سنة وأقدر أقول إني تربية أمي، وأمي شخصية شديدة العاطفة بتعيط على الشجر والحجر، وعادي مع الوقت حصل جوايا تلامس مع الجانب العاطفي أو الأنثوي وبقى عادي إني أقول أنا النهاردة متضايق أو حاسس بكذا، ولما أجي أكتب بقى مبكتبش رجالة ذكوريين أو أنثويين».

يكتب محمد عبد الجواد شخصياته فيمزج بحساسية بين قوتهم وهشاشتهم، ثم يتركهم مع السطور الأخيرة يذوبون في القاهرة. في واحد من منشوراته يقول: «يزداد جمال ليل القاهرة كلما ازدادت فقرًا، حيث يتركز الهامش ويصير متنًا، وتصير كل الأشياء شعبية قُح، لا شبهة للزيف فيها؛ أصيلة بخيرها وشرها»، ثم يجزم أنه رأى اثنين من شخصياته، حمادة أوريو ومحمد أبو رِق، بالصدفة في أوتوبيس خط الهرم - شبرا، ذلك لأنهم ببساطة، وإن جمدهما الحبر في رواياته، لن يخرجا من قاع المدينة. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن