كيف تؤثر العقوبات الاقتصادية على روسيا.. ومصر؟
منذ بداية الأزمة الروسية اﻷوكرانية لجأت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى تهديد موسكو بعقوبات اقتصادية. وبعد بداية الغزو رسميًا، أصبح التهديد واقعًا، مع قرارات اتخذتها دول التحالف اﻷمريكي-اﻷوروبي للضغط على روسيا اقتصاديًا، كوسيلة عقابية مرشحة للاستمرار والتصاعد مع استمرار العمليات العسكرية.
في حين تملك اﻷمم المتحدة وحدها الحق في فرض عقوبات جماعية على دولة ما، أتت العقوبات حتى الآن أحادية، من دول مثل: الولايات المتحدة، واليابان، والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى عقوبات من الاتحاد اﻷوروبي.
خلال الأسبوع الماضي أعلنت الولايات المتحدة وحلفاؤها عقوبات متصاعدة على الأفراد والمؤسسات المالية والصناعية الروسية، انتهاءً بالعزل الجوي بعدما أغلقت 27 دولة أوروبية وكندا والولايات المتحدة مجالاتها الجوية أمام الطائرات الروسية.
على جانب الأفراد، جمدت عدة دول حسابات مصرفية لبعض من أهم الشخصيات المقربة من النظام الروسي، أو رؤوس السلطة ذاتها، بمن فيهم الرئيس، فلاديمير بوتين، ووزير خارجيته.
في القطاع المصرفي، فرضت الولايات المتحدة وأوروبا عقوبات على عدة مصارف روسية، بالإضافة لتجميد حسابات البنك المركزي الروسي في أوروبا، ما قد يصيب نحو 600 مليار دولار من احتياطات البنك كان يأمل في استخدامها لدعم قيمة العملة الروسية.
شملت العقوبات أيضًا تقييد التجارة مع روسيا، سواء في الاستيراد أو تصدير التكنولوجيا، وهو ما يمكن أن يحد بشدة من قدرة روسيا على الاحتفاظ بصلابة قطاعها العسكري وصناعاتها التكنولوجية.
أما في مجال الطاقة، فنجحت المملكة المتحدة في الضغط على شركة بريتيش بتروليم لبيع حصتها البالغة 20% في عملاق النفط الروسي روزنيفت. فيما قررت النرويج بيع استثماراتها في النفط الروسي.
بالإضافة لذلك، قالت الولايات المتحدة وأوروبا إنهما ستقطعان الطريق على 13 شركة كبرى مملوكة للدولة الروسية، لمنعها من جمع الأموال في الولايات المتحدة، بما فيها عملاق الطاقة «غازبروم» وأكبر مؤسسة مالية روسية «سبوربانك»، وذلك باستخدام قيود على التصدير إلى روسيا، وحظر تمويل التجارة مع الشركات الروسية، ما سيؤثر على 70% من القطاع المصرفي الروسي والشركات الرئيسية المملوكة للدولة.
وبالرغم من تصريحات حكومة بوتين عن قدرتها على الحفاظ على تماسك اقتصادها، فقد الروبل الروسي نحو 40% من قيمته بعد إعلان العقوبات، بينما قررت البورصة الروسية تأجيل افتتاح السوق الاثنين الماضي قبل أن تتجه لإغلاق السوق بشكل كامل لمدة يوم على الأقل خوفًا من تأثير خروج الاستثمارات الأجنبية، بعدما شهدت الساعات الأولى من يوم الاثنين موجة بيع جماعية لأسهم بنك «سبيربانك» الروسي في بورصة لندن، ما خفض سعره بنحو 98%. تبع ذلك قرارات متتالية لاستمرار إغلاق بورصة موسكو استمرت حتى اليوم الأربعاء.
في سعيهم للضغط على روسيا اقتصاديًا، يتبقى لأوروبا والولايات المتحدة خياران، اﻷول هو تقليص مشتريات البترول والغاز الطبيعي أو التوقف نهائيًا حال العثور على بديل لها، والثاني هو عزل النظام البنكي الروسي بأكمله من شبكة سويفت، وهو الطلب الذي كرره الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أكثر من مرة.
«سويفت»، هي العمود الفقري لنظام التحويلات المالية الدولية. وهي عبارة عن شبكة تستخدمها أكثر من 11 ألف مؤسسة مالية في أنحاء العالم لإرسال رسائل آمنة بشأن تحويلات الأموال وغيرها من المعاملات المالية. بشكل مبسط، تشبه سويفت شبكة فيزا أو ماستر كارد أو حتى الشبكة المصرية ميزة. ولكن بينما تربط شبكة فيزا بين المستهلكين والتجار والبنوك والمعالجات لتسهيل شراء المنتجات، تربط شبكة سويفت بين البنوك وبعضها، وكذلك الشركات والمؤسسات المالية الأخرى، لتسهيل تدفق المعاملات المالية الدولية عالية القيمة.
لكن على عكس فيزا أو ميزة، أنشئت سويفت من قبل البنوك الأمريكية والأوروبية في بلجيكا، بهدف عدم تحكم جهة واحدة في السوق العالمية، وتخضع لسيطرة مساهميها من المؤسسات المالية التي تمثل حوالي 3500 شركة من جميع أنحاء العالم، تحت رقابة عشرة من البنوك المركزية الأوروبية والأمريكية.
لا تمتلك الشركة التي تدير «سويفت» القدرة على اتخاذ قرارات لإقصاء أي من مستخدميها، لكنها تظل تحت سيطرة رؤوسها العشرة، الذين يمكن أن يتخذوا قرارات الإقصاء بشكل جماعي، وإجبار «سويفت» على تنفيذها، كما طُردت إيران من الشبكة عام 2012، كجزء من العقوبات المفروضة على برنامجها النووي، ما تسبب في خسارتها ما يقرب من نصف عائدات صادراتها النفطية و30% من التجارة الخارجية.
ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها روسيا تهديدًا بإقصائها من «سويفت». عام 2014، بعد ضمها شبه جزيرة القرم الأوكرانية، هدد الغرب بطرد روسيا من الشبكة. لم يمض الحلفاء الغربيون قدمًا، لكن التهديد دفع روسيا والصين إلى تطوير نظامين ماليين خاصين بهما، ورغم ذلك لا تزال روسيا غير قادرة على معالجة جميع العمليات التجارية بينها وبين العالم، ويغطي نظامها المحلي الآن حوالي 20% فقط من المدفوعات المالية.
حتى الآن، لا تزال روسيا تعتمد على «سويفت» للقيام بأغلب عملياتها المالية، بثاني أكبر عدد مستخدمين للشبكة، يصل إلى نحو 300 مؤسسة مالية، وهو نصف عدد مؤسسات روسيا المالية بالكامل، وتعتمد على الشبكة في حوالي 70% من إجمالي تعاملاتها مع الدول الأخرى.
ويقوم نظام «سويفت» على مرور المدفوعات بالعملات على النظام المصرفي الذي يصدر تلك العملات قبل وصول المدفوعات لهدفها النهائي. على سبيل المثال، تمر المدفوعات بالدولار الأمريكي من مصر إلى المملكة العربية السعودية على النظام المصرفي الأمريكي قبل أن تصل إلى المملكة العربية السعودية، وفي المقابل ينبغي أن تمر المدفوعات باليورو -مثلًا- على النظام المصرفي الأوروبي. هذه المدفوعات تنتقل على نحو افتراضي، أي أنها تظل عمليًا مودعة في النظام المصرفي الذي يلعب دور الوسيط بين الطرفين.
وبعد تهديدات من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بالبدء في إقصاء روسيا تدريجيًا من «سويفت»، تُرجمت تلك الخطوات على أرض الواقع بإيقاف سبعة بنوك روسية من النظام العالمي اليوم الأربعاء، بينها بنك VTB، ثاني أكبر البنوك الروسية، وإعطائها مهلة لمدة عشرة أيام لتنفيذ الخروج الكامل من الشبكة. واستثنى القرار البنك الروسي الأكبر شيربانك، وهو ما فسره الاتحاد الأوروبي بكونه الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها الاتحاد في تحويل مقابل النفط والغاز الطبيعي الذي يشتريه من روسيا.
تعليق روسيا بالكامل من نظام «سويفت» سيعني أن البنوك الروسية لن تصبح قادرة على إرسال أو استقبال الأموال، أو حتى التواصل مع نظيراتها على الصعيد الدولي، حتى في البلدان الصديقة مثل الصين، ما من شأنه أن يبطئ التجارة ويجعل المعاملات أكثر تكلفة.
لهذا السبب ترك القادة الأوروبيون خيار «سويفت» كحل أخير، إذ سيعني استخدامه غلق طرق التجارة مع روسيا، وهو ما يضر بعدد من بلدان غرب أوروبا، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، بشكل كبير، حيث أن روسيا هي المزود الرئيسي للنفط والغاز الطبيعي في الاتحاد الأوروبي، ولن يكون من السهل إيجاد إمدادات بديلة.
تلك المخاوف كانت السبب الأساسي للاختلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين في حلف الناتو منذ 2014 حول ما يجب القيام به بشأن روسيا وأوكرانيا. ففي حالة فرض عقوبات صارمة على روسيا ستكون الدول الأوروبية أكثر ضررًا من الولايات المتحدة.
أوروبا لن تكون الوحيدة المضارة حال إقصاء روسيا من «سويفت»، حيث يتوقع العديد من الخبراء أن يتأثر الاقتصاد العالمي بأكمله، بما فيه مصر.
انعكاس العقوبات على السوق المصري ما زال محل جدل. وفي محاولة لتصور كيف تنعكس آثار العقوبات على السوق المصري على نحو مبسط، يمكن النظر للأمر من زاوية المعاملات التجارية بين مصر وروسيا وكيفية تسديد قيمة تلك المعاملات.
بخلاف القمح، الذي يتوقع الخبراء أن تتأثر واردات مصر منه بفعل الحرب، تستورد مصر المعادن والأخشاب والحبوب، إضافة إلى الآلات والمعدات والمنتجات الكيماوية، بينما تصدر المنسوجات والفواكه والخضروات.
محمد عبد الفضيل، عضو سابق في مجلس الأعمال المصري الروسي ورئيس سابق لمجلس إدارة شركة فينوس المستوردة للحبوب من روسيا، قال لـ«مدى مصر» إن حجم تأثر مصر من قرار طرد روسيا من نظام «سويفت» يقوم في الأساس على حجم الواردات التي نستوردها عبر شركات روسية تعتمد في تعاملاتها المالية على البنوك الروسية التي تخضع لقرار الطرد من الشبكة.
وأوضح عبد الفضيل: «في قطاع القمح كان من الواضح خلال السنوات الأخيرة اتساع نطاق اعتماد تلك الشركات على الشركات التابعة لها خارج أراضيها. بالنسبة لفينوس مثلًا كان عملنا يقوم على استيراد القمح من شركات تابعة لشركات روسية، لكن أسست على أراضي سويسرية، وهي شركات لا تعتمد في معاملاتها المالية على البنوك الروسية».
علاء عز، العضو السابق في مجلس الأعمال المصري الروسي، والأمين العام الحالي للاتحاد العام للغرف التجارية، لفت النظر في المقابل إلى بدائل متعددة لنظام «سويفت» أمام المستثمرين المصريين في علاقتهم البينية مع روسيا، قائلًا: «سويفت ليست الآلية الوحيدة للسداد، وإنما تمثل فقط أسرع وأسهل وسيلة. على سبيل المثال، من ضمن الآليات البسيطة ربط عدد من المستوردين بعدد من المصدرين، في ما يسمى بالصفقة المتكافئة. ولنفترض في هذه الحالة أن الصفقة تشمل تصدير بضائع قيمتها مئة مليون دولار فينبغي أن تشمل في المقابل استيراد بضائع بنفس القيمة، وفي هذه الحالة لن تشمل الصفقة أي تحويلات مالية عابرة للحدود. تقوم التعاملات في هذه الحالات على تسديد المستورد المحلي للمصدر المحلي قيمة الصفقة سواء بالعملة المحلية أو غيرها، وبذلك لن تشمل الصفقة معاملات مالية أصلًا مع الجانب الروسي، وعادة ما تشمل اتفاقات الصفقات المتكافئة عدة أطراف».
لكن، علي عبد العال، المدير العام السابق للبنك العربي والعضو الأسبق في مجلس إدارة بنك قناة السويس، يرى أن آلية الصفقات المتكافئة لا يمكنها تغطية حجم المدفوعات المتبادلة في إطار التجارة البينية بين مصر وروسيا إجمالًا.
بحسب بيانات البنك المركزي، تأتي روسيا في المرتبة الثانية عشر من حيث حجم التبادل التجاري مع مصر، بإجمالي تبادل تجاري بلغ 714 مليون دولار في الربع الأول من العام المالي الحالي 2021-2022، بنسبة 3.3% من إجمالي التبادل التجاري لمصر. استوردت مصر من روسيا ما قيمته 662 مليون دولار، مقابل صادرات لروسيا لم تتعدَ 52 مليون دولار. وقد يمثل هذا الخلل الكبير في الميزان التجاري بين البلدين (الفارق بين الصادرات والواردات) ضَعفًا في إمكانية إتمام صفقات متكافئة كبيرة.
ولكن عبد العال يرى في المقابل أن «بعض الجهات المصرية المستوردة للقمح وأبرزها الهيئة العامة للسلع التموينية، قد يمكنها الاعتماد في الاستيراد من الجانب الروسي على قائمة البنوك الروسية التي ستتمتع باستثناء من قرار الحجب من نظام سويفت، ويرجح أن تنصب تلك الاستثناءات في الأساس على البنوك المتعاملة في المدفوعات المالية المرتبطة بصفقات شراء الحبوب والطاقة».
فضلًا عن ذلك، لا تزال أنظمة سابقة على «سويفت» قائمة، كـ«التليكس» والتحويل التلغرافي مثلًا، كما يوضح علاء عز، مضيفًا: «في حالة روسيا، بما إنه لا يمكن استخدام سويفت، فالحل هو اللجوء للأنظمة السابقة باستخدام عملات لا تصدر عن دول فرضت على روسيا قرارات بالتجميد، على أن تكون عملات قابلة للتداول الدولي من قبيل الين الياباني مثلًا».
سلوى العنتري، المديرة السابقة لقطاع البحوث في البنك الأهلي، ترى أن مشكلة اللجوء للأنظمة البديلة للمدفوعات السابقة على «سويفت» هو بطء عملية إتمام التحويلات على نحو سيرفع التكلفة ما ينعكس على تكلفة المستورِد.
بخلاف ما سبق، قد يبرز عمّا قريب خيار الاعتماد على نظام المدفوعات الروسي البديل، الذي أسسته روسيا عام 2014 تحسبًا للخضوع لعقوبات تحجب عنها الاستفادة من نظام «سويفت»، وهو نظام للمدفوعات الدولية يسمى SPFS، «لكن يعيب هذا النظام أنه لا يضم حاليًا أكثر من 400 مؤسسة مالية مقابل 11 ألف مؤسسة يضمها نظام سويفت» كما أوضح عبد العال.
تقارير ذات صلة
«لف وارجع تاني».. كيف أدارت الحكومة أزمة القمح
طلبت جهات أمنية من تجار القمح المحليين جمع أكبر قدر ممكن منه، مع تذكيرهم بأن ذلك يُعد «عملًا وطنيًا»
مأزق الدارسين المصريين في روسيا بلا «سويفت»
آثار جانبية لـ«عقوبات غزو أوكرانيا»
شتات طالبي «الطب» المصريين في أوكرانيا وروسيا
نزوح من الحرب يعقبه دراسة من الصفر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن