تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مأزق الدارسين المصريين في روسيا بلا «سويفت»

مأزق الدارسين المصريين في روسيا بلا «سويفت»

كتابة: نادر سيف الدين 6 دقيقة قراءة
جامعة موسكو الحكومية لامونوسوف

منذ بدء غزو روسيا لأوكرانيا، نهاية فبراير الماضي، فرضت دول الاتحاد الأوروبي وحلفائها مثل الولايات المتحدة وأستراليا واليابان عقوبات اقتصادية بهدف ضرب الاقتصاد الروسي والحد من قدرته على تمويل هذه الحرب. ومع استمرار موسكو في مسعاها، طالت تلك العقوبات بعض أكبر البنوك الروسية التي استُبعدت من نظام تحويلات اﻷموال العالمي؛ سويفت.

خروج البنوك الروسية من «سويفت» امتد أثره إلى الطلاب المصريين الملتحقين بالجامعات الروسية، بعدما حدّ من قدرتهم على استقبال الأموال التي ترسلها لهم عائلاتهم بشكل دوري، ليلجأ بعضهم إلى طرق تحويل غير رسمية، فيما يعيش اﻵلاف منهم في قلق يتزايد لغياب اﻷمل في حل قريب للأزمة.

وفقًا لبيانات وزارة التعليم الروسية عن 2021، وتصريحات سابقة لسفيرها في مصر، يعيش نحو 12 ألف طالب وطالبة مصريين في روسيا، التي أصبحت قبلة للدارسين المصريين، خاصة في التخصصات الطبية، بالإضافة إلى هندسة «البترول والغاز الطبيعي» و«البرمجيات»، والاقتصاد.

يبرز شرق أوروبا، وروسيا تحديدًا، كخيار منطقي للطلبة المصريين نظرًا لانخفاض تكاليف الدراسة مقارنة بالجامعات المصرية الخاصة؛ يتراوح متوسط تكلفة العام الدراسي في كليات الطب البشري والأسنان في أوكرانيا وروسيا ما بين أربعة إلى خمسة آلاف دولار، ما يوازي 74 إلى 92 ألف جنيه تقريبًا، في حين يبلغ متوسط التكلفة في الجامعات الخاصة المصرية من 94 ألف إلى 145 ألف جنيه.

لتأمين مصروفات الدراسة وتكاليف الإقامة، يرسل أهالي الطلاب المصريين تحويلات دورية إلى ذويهم، بحسب عاطف الحكيم، الذي يدرس نجله في أحد الجامعات الروسية. «كنّا بنرسل حوالي 200-400 دولار شهريًا، لتغطية تكاليف الإقامة والأكل والشرب لحد نصف مارس تقريبًا.»

بحسب الطلاب والأهالي الذين تحدث معهم «مدى مصر»، فإن هناك ثلاث طرق أساسية لتحويل الأموال إلى الطلاب المصريين في روسيا، أولى هذه الطرق -والتي تعتمدها نسبة قليلة منهم- هي السحب مباشرة من حساباتهم المصرية باستخدام كروتهم البنكية من ماكينات صرف تابعة لبنوك روسية والتي تقوم بمبادلة العملة بالروبل وخضم عمولة بشكل تلقائي. 

والطريقة الثانية هي التحويلات المباشرة ما بين حساب الأهل الدولاري في مصر وحسابات الطلاب في بنوك روسية. وهي الطريقة التي تشترط وجود سيولة دولارية لدى الأهالي بشكل مستمر، ما يجعلها أقل اعتمادية من الوسيلة الثالثة التي يستخدمها أغلب المصريين في تحويل الأموال من وإلى الخارج، وهي شبكة «ويسترن يونيون» للتحويلات الدولية.

هايدي* طالبة بالسنة الثالثة بكلية الطب في إحدى الجامعات الروسية قالت لـ«مدى مصر» إنها كانت تستعمل الطريقة الأولى في أغلب الأوقات؛ تودع والدتها في مصر مبلغًا في الحساب البنكي المصري يكفي احتياجاتها بداية كل شهر، تستخدمه هي للإنفاق في روسيا بببطاقتها الصادرة من البنك المصري. لكن بعد استبعاد البنوك الروسية من «سويفت» لم يعد بإمكان هايدي استخدام ماكينات بنوك روسية في سحب أموال من حسابها المصري، مثلها مثل العشرات من زملائها في الجامعة نفسها.

«لمّا الكلام بدأ عن إيقاف 'سويفت'، طلبت من والدتي تودعلي مبلغ يكفي شهرين أو تلاتة احتياطي. كنا فاكرين إن الموضوع هيخلص بسرعة. لكن كل يوم الوقت بيعدي فيه، الفلوس اللي معانا بتقل وحاسين إن فيه سيف مستني ينزل علينا.» حسبما قالت هايدي.

يعتمد عاطف الحكيم، مثل أغلب أهالي الطلاب الذين تحدثوا مع «مدى مصر»، على خدمات شركة ويسترن يونيون لتحويل الأموال بشكل سريع لنجله، عبر فروعها المنتشرة بأنحاء الجمهورية، بالإضافة إلى وكلائها من البنوك، مثل «العربي الإفريقي الدولي» و«الإسكندرية».

بداية من أبريل الماضي، علّقت «ويسترن يونيون» خدماتها بشكل كامل في روسيا، بعد أكثر من 30 عامًا قدمت خلالها الشركة خدمات تحويل الأموال من خارج روسيا، ومن داخلها أيضًا نظرًا لمساحتها الشاسعة.

لم يؤثر انقطاع «ويسترن يونيون» على المواطنين الروس بشكل كبير، لاعتمادهم على بدائل أخرى مثل نظام تحويل الأموال الداخلي الروسي، فيما كان الأثر اﻷكبر على الوافدين الذين كانوا يستخدمونها لاستقبال أموالهم من خارج اﻷراضي الروسية، ومنهم الطلبة المصريين.

«يوم 24 مارس تقريبًا، عرفنا أن 'ويسترن يونيون' هتوقف خدمة التحويل لروسيا. حتى الفلوس اللي كانت اتبعتت رجعت تاني وماعرفوش هناك يستلموها» بحسب الحكيم.

بنهاية مارس، تواصل الطلاب مع السفارة المصرية في موسكو بحثًا عن حلول. بحسب الطلاب لم ترد السفارة على مئات محاولات التواصل، سواء بالبريد الإلكتروني أو عن طريق خط الطوارئ. ولكنها أبلغتهم لاحقًا بوجود أربعة بنوك روسية يمكن من خلالها استقبال الأموال كحوالات مباشرة.

عمر خضر، أحد الطلاب المصريين في روسيا، قال لـ«مدى مصر» إن المشكلة الأساسية هي مساحة روسيا الشاسعة. «أقرب البنوك التي يمكنني استقبال اﻷموال من خلالها يبعد عن مقر إقامتي بنحو 1600 كيلومتر، ويحتاج رحلة بالقطار تستغرق أكثر من عشر ساعات، أي يوم كامل على الأقل ذهابًا وإيابًا.»

مع استمرار الضغط المالي اضطر بعض الطلاب لقطع الرحلة الطويلة لفتح حسابات جديدة. وبعد أن استطاع هؤلاء الطلاب فتح حسابات وقضاء بعض الأيام بعيدًا عن جامعاتهم في سبيل الحصول على الأموال، اكتشف الأهالي أن البنوك المصرية ترفض تحويل الدولار للخارج، رغم حصول الأهالي عليه بعيدًا عن البنوك التي كانت قد رفضت تبديل العملة للأهالي سابقًا.

بحسب هايدي، حاولت والدتها سبع مرات على مدار شهر التحويل من فروع مختلفة لبنك القاهرة. لكن والدة هايدي لم تتمكن من إرسال النقود لنجلتها، وذلك رغم توفيرها للدولار من خارج البنك، وهو ما يرتبط بانخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار ومحاولة البنوك المصرية الحفاظ على النقد الأجنبي الموجود في السوق المحلي.

تحت ضغط اﻷزمة، وجد الطلاب طريقًا جديدًا اعتمد عليه أغلبهم لاستقبال الأموال من ذويهم؛ التحويل عبر العملات المشفرة.

يستخدم اﻷهل خدمة «فودافون كاش» التي تقدمها شركة الاتصالات الشهيرة داخل مصر، لإرسال اﻷموال لأحد مستخدمي الخدمة محليًا والذي يحوّلها بدوره إلى «بيتكوين»، ثم ينقلها إلى شخص آخر يعمل معه في روسيا، ليقوم اﻷخير بتسييل العملة المشفرة إلى روبل، ويسلم المبلغ للطلاب.

بحسب أحدث تقارير صندوق النقد الدولي يصل عدد مستخدمي العملات الرقمية في مصر إلى نحو 1.7 مليون شخص، وذلك رغم حظر البنك المركزي المصري معاملات هذه العملات.

مع انتشار اللجوء للتحويل عبر العملات المشفرة وقع العديد من الطلاب في روسيا فريسة للاحتيال، بسبب غياب الضمانات. «الأهالي بتحوّل الفلوس على 'فوادفون كاش' من غير أي ضمانات. استلام التحويل في روسيا بيكون بالحظ، لأن أغلب المتعاملين نصابين» بحسب خضر.

حتى وإن كان الطلاب من القلة المحظوظة بالعثور على «تاجر سوق سوداء أمين»، فإن هايدي أوضحت أن الأسعار مختلفة تمامًا عن الأسعار الرسمية، فعندما كان السعر الرسمي للروبل الروسي نحو سبعة أو ثمانية جنيهات، كان سعر التحويل بالسوق السوداء لـ«البيتكوين» لا يتجاوز خمسة جنيهات، وهو ما يعني تحصيل عمولة تصل إلى 30%، وهو ما علّقت عليه هايدي بقولها «لو أهلي هيحولوا ألف جنيه، هيوصلي 700».

في مارس الماضي، التقت وزيرة الدولة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج، نبيلة مكرم، مع ممثلين عن الطلبة المصريين المتواجدين في مختلف المدن الروسية، والذين تطرق بعضهم لإمكانية العودة لاستكمال دراستهم في مصر، فأخبرتهم الوزيرة أن عليهم التسجيل في استمارة الطلاب الدارسين في روسيا، على غرار استمارة الطلاب الدارسين في أوكرانيا.

كانت وزارتا التعليم العالي والهجرة أتاحتا استمارة للطلاب الدارسين في أوكرانيا الراغبين في العودة للدراسة في الجامعات الخاصة أو اﻷهلية في مصر، بعد النجاح في امتحان تحديد مستوى والحصول على ملفاتهم من جامعاتهم. خاضت دفعة أولى من العائدين من أوكرانيا امتحان تحديد المستوى بالفعل، فيما تنتظر دفعة ثانية خوض الامتحان. 

سجّل خضر وعدد من زملائه الدارسين في روسيا بياناتهم في الاستمارة المُعلن عنها، قبل أكثر من شهرين، ولكن حتى الآن لا يعرف أيٍ منهم مصيره، أو إن كان سيتمكن من الالتحاق بالجامعات اﻷهلية في مصر، أم سيضطر إلى الالتحاق بجامعة خاصة في حالة العودة من روسيا، رغم ما يعنيه ذلك من تكلفة مادية كانوا قد هربوا منها في اﻷصل.  

وسط كل تلك اﻷحداث، ورغم حديثهم مع الوزيرة، ومئات الشكاوى التي أرسلوها للسفارة المصرية، شهد اجتماع المجلس الأعلى للجامعات في نهاية أبريل الماضي تقديم المستشار الثقافي المصري بروسيا تقرير ينفي فيه تأثر أوضاع الطلاب المصريين الدارسين بالجامعات الروسية بأي من الأشكال، مؤكدًا أن دراستهم وأمورهم المعيشية في «استقرار كامل»

*اسم مستعار.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#بودكاست

يعني إيه الـUSAID يقف في مصر؟

نلقي نظرة سريعة على بعض آثار القرارات التنفيذية التي أخذها ترامب لتقليص المعونة الأمريكية على مصر

عثمان الشرنوبي و فرح فنجري 1 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن