شتات طالبي «الطب» المصريين في أوكرانيا وروسيا
«شَقا عمري اللي ادخرته راح عشان الولدين يتعلموا. مَبقاش ناقص حاجة غير إني أَبيع البيت. بس إحنا، هنا في الأرياف، بنحسبها بطريقة تانية. أبيع اللي حيلتي بس أخلي ولادي دكاترة، يبقى عملتهم. إيه الفائدة يبقى عندي فدان أرض والولد أَخد ليسانس آداب ولا بكالوريوس علوم؟»
هكذا لخص محمود الشيمي، مدير عام بالتعليم الأزهري في محافظة الفيوم٬ سبب دَفعه وَلديه لدراسة طب اﻷسنان، حتى لو احتاج الأمر لسفر أحدهما إلى روسيا لتحقيق الحلم، هكذا أَرسل الشيمي نجله، علي، ليكون واحدًا ضمن أكثر من 12400 طالب وطالبة لدى الجامعات الروسية، عدد كبير منهم يدرس التخصصات الطبية. كذلك الحال في عدد من دول شرق أوروبا مثل أوكرانيا، التي تحتوي على الأقل ثلاثة آلاف من الطلاب المصريين٬ ورومانيا، وجورجيا، حيث أصبحت تلك البلاد وجهة الطلاب المصريين الراغبين في دراسة الطب خلال السنوات الأخيرة، بعد فشلهم في الحصول على مجموع في الثانوية العامة يؤهل لدراستها في مصر.
لفت غزو روسيا لأوكرانيا الأنظار لحجم الإقبال المصري على الدراسة في البلدين٬ غالبية هؤلاء الدارسين رموا سهامهم صوب الكليات الطبية، وهم الأتعس حظًا حاليًا في ظل مستقبل دراسي مضطرب الملامح.
إجراءات الحكومة المصرية في استيعاب الطلاب العائدين من أوكرانيا، مثلًا، تمَثلت في جمع بياناتهم، ثم مطالبتهم بالتسجيل في استمارة لعقد اختبار لتحديد مستواهم قبل تحويلهم إلى الجامعات الأهلية والخاصة، الذي أكد أمين عام مجلس تلك الجامعات، محمد حلمي الغر، في تصريحات صحفية، أن المجلس لن يعترف بما درسه الطلاب في الجامعات الأوكرانية.
اتفق عدد من الطلاب العائدين لمصر بسبب الحرب الأوكرانية على أن إجراءات المجلس قاصرة٬ كما تحدثوا عن عدم رد المسؤولين على استفساراتهم. دنيا٬ طالبة الصف الدراسي الخامس بكلية طب في جامعة لفيف الوطنية في أوكرانيا٬ ترى أن تفاصيل اختبار تحديد المستوى غير واضحة، فهي لا تعرف من أي مصدر عليها المذاكرة تحضيرًا للامتحان، فضلًا عن ضيق الوقت قبل هذا الامتحان خاصة لطلاب السنوات الأخيرة. «محدش بيقول هَمتحنك بعد أسبوعين على 5 سنين عدوا» تقول دنيا. أما محمد علي٬ الطالب بالصف الخامس في طب الأسنان بجامعة ترنوبل الطبية الأوكرانية، فيقول إن الموظفين «لا يفهمون ما أستفسر عنه» عند تقديم أوراقه للاختبار.
في اختيار الابتعاد من محيط الجامعات المصرية هذا٬ دينا ومحمد دخلا سوقًا مفتوحة من الجامعات في شرق أوروبا٬ وجدا به كل الأصناف بدءًا من الجامعات المعتمدة من المجلس الأعلى للجامعات في مصر، والتي يستهدفها غالبًا الطلاب ذوو المجموعات المرتفعة نسبيًا لأن مستواها التعليمي أفضل من غيرها، حتى الجامعات الخاصة التي تقبل بمجموع 55 % شعبة أدبي لدراسة الطب، طالما سيتم دفع المصاريف الدولارية.
كما تتميز هذه السوق بانخفاض تكاليف الدراسة مقارنة بالجامعات المصرية الخاصة، حسبما أَخبرنا عدد من الطلاب الدارسين هناك، حيث يتراوح متوسط تكلفة العام الدراسي في كليات الطب البشري والأسنان في أوكرانيا وروسيا بين أربعة إلى خمسة آلاف دولار، ما يوازي 60 أو 78 ألف جنيه قبل تحرك سعر الدولار، الإثنين الماضي، في حين يبلغ متوسط التكلفة في الجامعات الخاصة من 94 ألف إلى 145 ألف جنيه. وبحسب مَن سألناهم مِن الطلاب، فإن مصاريف الإقامة لا تتجاوز 400 دولار في الشهر.
هذه التسهيلات في المجموع والمصاريف، جذبت طلابًا لهذه السوق من أبناء الطبقة الوسطى الراغبين في خلق مكانة اجتماعية عن طريق امتهان الطب وضمان مهنة تُدر المال.
عبد الرحمن٬ الطالب في الصف الثالث كلية الطب البشري جامعة تامبوف الطبية بروسيا، حصل على 93.5 % بالثانوية العامة. كانت الفرص المُتاحة أمامه دراسة طب الأسنان أو الصيدلة بجامعة «6 أكتوبر»، لكنه كان يفضل دراسة الطب ليصبح طبيًبا مثل ابن عمه الذي يكبره بـ 12 عامًا٬ واكتسب احترامًا كبيرًا في بلده، بل أصبح «الفاهم في العائلة». ويشرح عبد الرحمن أن أهله يعتبرون الطب مهنة مرموقة، تسعى كل عائلة ببلدهم أن يكون لديها أكثر من طبيب، ووالد عبد الرحمن لا يريد خروج أسرته من هذا الصراع خاسرة.
بخلاف انشغال عبد الرحمن وأسرته بالوضعية الاجتماعية في بلدهم، هناك هدف آخر يحرك أسر الطلاب الدارسين في أوكرانيا وروسيا، وهو ما يشرحه لنا الشيمي، الذي يعتبر الحاصل على «آداب» أو «علوم» عاطلًا بالضرورة. بالتبعية٬ سيُرفض العاطل عن العمل اجتماعيًا، ويتساءل: «كيف سيذهب للزواج وهو بوظيفة ضعيفة؟»
يؤكد الشيمي أن مَن يُدخل نجله جامعة خاصة أو يُسافر به خارج مصر ليس غنيًا بالضرورة، ولكنه يستثمر في تعليم أولاده. بمجرد الحصول على الشهادة٬ يخطط الشيمي لفتح عيادة لنجله بعد التخصص، «وكام كشف، على كام مريض.. واهو شغال. رغم إن الأطباء هيبقوا ماليين الشارع، لكن الطب مهنة صاحبها لقمة عيشه تحت إيده. إنما عشان أي مجال تاني هيحتاج معارف ولا وسائط، وإحنا معندناش دا»
يظهر دافع الاستثمار في الدراسة ضمانًا للوظيفة في حديث طلاب آخرين وأسرهم أيضًا. الطالب محمد علي، الذي حصل على مجموع 80 % في الثانوية العامة، أهم ما شجعه على دراسة طب اﻷسنان في أوكرانيا هو عمل جدته وخاله بالمهنة، ما يضمن له فرصة أن يصبح طبيب أسنان. ويوضح أنه خلال دراسته تدرب عمليًا كل صيف لديهما، قبل أن يحظى بفرصة عمل تحت إشراف أحدهما بعد التخرج، هذه الممارسة العملية جعلته يكتسب خبرة.
سبب مشابه دفع سناء سيد وزوجها لإجبار أولادهم على دراسة الصيدلة، وأحدهم يدرسها في أوكرانيا، وذلك ليدير الأولاد الصيدليات الثلاث التي يمتلكها والدهم. وفي سبيل ذلك اضطر زوج سناء لبيع قطعة أرض يمتلكها، وشقة إضافية كذلك لسداد النفقات الدراسية لنجله الذي كان يرغب أصلًا في دراسة إدارة الأعمال بما يناسب مجموعه في الثانوية العامة، 70 %، وليس الصيدلة.
يعتبر مدير مركز الحق في التعليم، عبد الحفيظ طايل، أن الدولة تنظر إلى التعليم بوصفه سلعة، ومَن لديه القدرة المادية يستطيع أخذ الشهادة الجامعية من الجامعات الخاصة. «الأصل في الموضوع تسييد ثقافة أن التعليم الجامعي سلعة مش حق» بحسب طايل الذي يرى أن استهداف الكليات الطبية تحديدًا يعود لتسليع الحق في الصحة أيضًا.
الأدبيات والمواثيق الدولية التي أكدت مجانية التعليم قبل الجامعي، لم تُلزم بذلك في ما يخص التعليم الجامعي٬ وهو ما يُعزز تسليعه، بحسب طايل الذي يرى أن ذلك يضغط على فرص وحقوق الطلبة المنتمين للطبقات الأفقر ماديًا في المساواة مع مَن لا يقدرون على سوق الجامعات الخاصة والخارجية.
ينتقد الشيمي الحكومة بسبب عدم إتاحتها فرصة ثانية لمَن يحصل على مجموع في الثانوية العامة يتراوح بين 80٪ إلى 90% مثلًا في الجامعات الحكومية مقابل مصاريف، أو تدخل الحكومة لضبط مصاريف الجامعات الخاصة بوضع حد أقصى لها. هذه الأمور لو جرت مراعاتها سابقًا ما اضطر الشيمي لدفع ابنه للسفر تحقيقًا لحلم الطب.
وبالتوازي مع حلم المكانة الاجتماعية والرخاء الاقتصادي المتجسد في كلية الطب أينما كانت٬ هناك أيضًا حلم الطفولة، الذي ارتسمت خلاله صورة الطبيب كبطل يؤدي خدمة للإنسانية، كما يرويه يوسف فرغل٬ الطالب بالصف الثالث طب بشري في جامعة كيروف الروسية، الذي يحلم بتأدية خدمات إنسانية حتى ينال شهرة مثل جراح القلب المصري مجدي يعقوب.
تقارير ذات صلة
«لف وارجع تاني».. كيف أدارت الحكومة أزمة القمح
طلبت جهات أمنية من تجار القمح المحليين جمع أكبر قدر ممكن منه، مع تذكيرهم بأن ذلك يُعد «عملًا وطنيًا»
مأزق الدارسين المصريين في روسيا بلا «سويفت»
آثار جانبية لـ«عقوبات غزو أوكرانيا»
رغم الحرب والعقوبات.. مصر- روسيا: «سنتعاون قريبًا»
مصدر: مكالمة الرئيسين حتى يطمئن الجانب الروسي أن مصر لا تدير ظهرها لموسكو
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن