خريف حزب الله
لا تتلاشى الأحزاب السياسية العقائدية بسهولة، فهي في النهاية تعبر عن مصالح اجتماعية ما، غير أنها وعبر مسارها التاريخي يمكنها أن تشهد تحولات عميقة في بنيتها وممارستها وفي شكل التعبير عن المصالح التي تعبر عنها، لذا فالمقصود بخريف حزب الله، هو نهاية الحزب كما عهدناه طوال ما يقارب نصف قرن من الزمن، فلأول مرة منذ تأسيسه يُصبح الحزب في موضع دفاعي على كل الجبهات، رأسه مطلوب بكل ما للكلمة من معنى. وهو ما لم يكن متصورًا قبل عامين ماضيين.
الآن، يعاين حزب الله وضعًا جديدًا، يجد نفسه فيه مرغمًا على ابتلاع العربدة الصهيونية في الضاحية والبقاع والجنوب اللبناني؛ عربدة جوية، يفتش الجيش اللبناني في ظلها عن كل منصة إطلاق وكل صاروخ وكل منشأة بنية تحتية للحزب جنوب الليطاني؛ التفتيش من بيت إلى بيت، وتحت تهديدات صهيونية متواصلة بالقصف.
أصبح موقف الحزب مكشوفًا عسكريًا وسياسيًا، لأنه من جهة يتعرض لاستهدافات إسرائيلية لم تتوقف على مدار العام، تهدف إلى منعه من ترميم بنيته التنظيمية والعسكرية، وهو يجد صعوبة في تعويض قدراته الصاروخية المفقودة خلال الحرب نتيجة انقطاع شبه تام لطريق الإمداد الوحيد عبر سوريا، هذا إذا اعتبرنا أن الادعاءات الإسرائيلية حول ترميم الحزب لقدراته العسكرية مجرد بروباجندا لخلق سياق يسمح بشن حملة عسكرية جديدة على لبنان. وهو مكشوف سياسيًا في مواجهة الداخل اللبناني الذي يحمّله مسؤولية كل ما جرى ويجري، بينما يتعالى الصراخ الهستيري للمارونية السياسية التي تهدد بالحرب الأهلية، وتطلب من إسرائيل استكمال ما بدأته. أضف إلى هذا عجز الحزب عن معالجة مسألة إعادة الإعمار التي يضعها الأمريكي في مقابل نزع سلاح الحزب.
يدرك الحزب تمامًا أنه لم يعد قادرًا على خوض معركة مع إسرائيل. عسكريًا يبقى من المشكوك فيه الآن قدرة الحزب على إحداث خراب حقيقي في الداخل المحتل عبر ضربات صاروخية دقيقة، وسياسيًا، لا يأمن الحزب بالفعل الذهاب إلى حرب مفتوحة مع إسرائيل ووراءه يقف حزب القوات اللبناني الداعي للخروج من دائرة الصراع مع إسرائيل، بل والتعايش معها بكل ما يشاع عن تسارع عملية تسلح «القوات». لذا فإن حزب الله الآن يبدو أكثر ميلًا لتجنب الحرب مهما كانت التنازلات التي تقدمها الدولة اللبنانية والجهود التي يبذلها الجيش لاستكمال عملية نزع السلاح.
يجد الحزب نفسه اليوم مرغمًا على ابتلاع ترتيبات سياسية يديرها الأمريكيون بهدف جر لبنان إلى بلاط التطبيع وتمتين الكتلة الداخلية المعادية له ولكل موقف مضاد لإسرائيل.
***
يرتكز خطاب حزب الله الآن على مسؤولية الدولة في حفظ سيادة لبنان واضطلاعها بمهامها، وﻷنها غير قادرة على ذلك حاليًا فإنه لن يتخلى عن سلاحه، غير أن هذا السلاح في حد ذاته ظل ضمانة لعدم قدرة الدولة على أداء مهامها، ليس فقط لأن الدولة هي احتكار للعنف الذي هو السلاح، بل لأن السلاح ظل طائفيًا، فالحزب لم يكن يمثل اللبنانيين، بل مصالح طائفة من اللبنانيين، وما دامت المصالح ممثلة طائفيًا، فإن الدولة تتوقف عن الوجود وعن القدرة على الوجود، لأن شكلها القائم ليس سوى اجتماع تلفيقي لمصالح الطوائف، فالدولة في الضاحية والجنوب هي حزب الله، وفي الجبل هي القوات والكتائب، وهكذا في كل تجمع جغرافي طائفي تتجسد مؤسساتها في غير أدواتها. وبالتالي فإن حزب الله مع «القوات» وغيرهما، فعلوا كل ما بوسعهم كي لا تكون دولة في لبنان، وكي تبقى المحاصصة الطائفية نظامًا سياسيًا، واصطلحوا جميعًا على بقاء تلك التركيبة لأنها حفظت مصالح الجميع وفق موازين القوى التي كانت قائمة فيما مضى.
رفض الحزب بكل إصرار النظر للمقاومة كجزء من مشروع تحرر اجتماعي وديمقراطي، وروّج ضمنيًا لوهم عن لبنانٍ مقاوم تسطو فيه المصارف على مدخرات المواطنين؛ بلدٌ يمكنه على الدوام أن يظل مساحة تعايش بين قوة تقاتل إسرائيل وقوة تهادنها. ما حدث هو أن حزب الله استمد من قتاله لإسرائيل شرعية مكنته من تثبيت المحاصصة الطائفية بالقوة، والقوة هنا كانت موجهة ضد من يريدون هدم كامل نظام المحاصصة، وضد من أرادوا تغيير ميزان القوى في إطارها.
إن حزب الله وهو يمثل مصالح لبنان في مقاومة إسرائيل، كان يمثل مصالح طائفية داخليًا ويتصرف بما هو حزب طائفي. غير أن الطائفية كشكل يوحي بالافتراق مع الطوائف الأخرى، ظلت هي الغطاء لالتئام المصالح الطبقية الممثلة في الطبقة السياسية اللبنانية ونظامها السياسي القائم، فكأنما حزب الله وهو يرتكز في وجوده على الطائفة ويصون ذاته الطائفية، كان يوفر الغطاء لكل من يطالبون اليوم بنزع سلاحه عبر رفض أي طرح لمشروع سياسي ديمقراطي وطني عابر للطائفية.
لقد تصرف الحزب وفق وهم أغراه بأنه سيكون على الدوام حر الحركة، بما أنه في الموقع الأقوى. اختبر هذا في حرب تموز 2006، ثم في التدخل بسوريا لحماية نظام الأسد. كان فائض القوة مغريًا؛ اجتماعيًا كان حاضرًا دومًا عبر شبكة واسعة من المؤسسات تقدم الخدمات في المناطق الشيعية، وهذا ما أمّن له دعمًا دائمًا، غير أنه لم ينظر إلى لبنان كوطن يتعرض لاهتراء اجتماعي، وتدهور حاد في مستويات المعيشة، بل كبيئة يمكن حفظ نوع من التوازن الأبدي فيها يضمن إعادة إنتاج موقعه كطرف أقوى، وبقاء الحزب قويًا كان هو الضامن الوحيد لعدم انقلاب التوازن الطائفي المتوتر يما يهدد الحزب ذاته.
***
لماذا توجد المقاومة؟ لوجود احتلال أو خطر على الكيان الوطني، والكيان الوطني هو اللبنانيون المضارة مصالحهم من الاحتلال الإسرائيلي، إذن فهدف المقاومة هو صيانة مصالح الناس؛ كل الناس الذين يضيرهم وجود إسرائيل، ولكي توجد المقاومة وتستمر فإن عليها أن تصبح مشروعًا وطنيًا لا طائفيًا، وأن ترتكز على قاعدة اجتماعية وطنية، وألا تحل محل الجماهير في مواجهة إسرائيل، غير أن ما حدث هو العكس، منظمة مسلحة، تقاتل إسرائيل، قوامها الرئيسي شيعي، تتشارك مع جهات صديقة لإسرائيل في حكم لبنان، وفي تثبيت نظام سياسي واقتصادي ينهب البلد ويقوض أسس وجوده، كل تلك التناقضات كان حزب الله في قلبها ووقف بسلاحه سدًا في وجه انفجارها.
لكن، منذ اختلال التوازن الإقليمي نتيجة كل التفاعلات التي أطلقها طوفان الأقصى، صار الحزب غير قادر على ضبط علاقته ببقية الأطراف، لأنه فقد حصانته ومنعته، ففيما سبق كان شبح الحرب الأهلية بعيدًا، لأن الحزب بفائض قوته كان في حالة هيمنة مطلقة، فالحروب الأهلية لا تقوم في ظل تفوق مطلق لأحد الأطراف، لكنها تصبح احتمالية قائمة حين تتقارب القوى وتصبح الاحتمالات مفتوحة والتناقضات القديمة المعلقة تكون قد نضجت للتفجير. هذا واقعٌ قائم، الحزب محشور بين تناقضه مع الفرقاء الداخليين، ورأسه المطلوب لدى الإسرائيلي، الذي انفتحت شهيته لتسييل المنطقة بكليتها، وخلق محيط من الخضوع المطلق. الحزب إذن يواجه الحقائق كلها دفعة واحدة تحت النار: اختراق أمني، حصار محلي بلغ درجة من الحدة أُشيع معها أن نبيه بري وافق على تعيين سيمون كرم، كأول شخصية مدنية في لجنة الميكانيزم المكلفة بمتابعة عملية نزع السلاح والإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، كفاتحة لتفاوض لبناني إسرائيلي مباشر.
يدرك الحزب أن نزع سلاحه الثقيل، ليس سوى بداية لتحويله إلى كيان غير عسكري، بل مجرد حزب طائفي يمثل مصالح الشيعة وفقًا لصيغة اتفاق الطائف، لأنه حين يُنزع سلاحه الثقيل، أي يصبح غير فعال في مقاومة إسرائيل، فإنه يفقد خطاب الشرعية الرئيسي؛ تلك الشرعية المستمدة من مقاومة إسرائيل والتي في سبيلها، وسبيل السلاح، قرر الحزب تجميد كل صراع اجتماعي في لبنان، والتي بها صار الحزب ممثلًا للشيعة في الطبقة السياسية؛ ليسوا الشيعة في المجمل، بل تلك الشرائح التي امتلكت من الثروات ما دفعها للبحث عن التمثيل السياسي، وهو ما تحقق رسميًا في «الطائف».
في كل مراحل وجوده، مارس الحزب السياسة والحرب بإسناد إيراني ثم إيراني سوري، ولأول مرة يجد الحزب نفسه موضوعًا للتفاوض، تمثله فيه الدولة اللبنانية، وهو مقطوع الصلات المادية بإيران مع غياب الدعم والإمداد السوري. لا بد أن تلك الأوضاع الجديدة هي ما دفعت الحزب لمحاولة فتح قناة تواصل مع السعودية باعتبار أن المملكة أيضًا -نظريًا- ليس في صالحها أن ينهار كل توازن في الإقليم لترسخ إسرائيل سيادتها الكاملة عليه.
ما هو قادم في الحقيقة سيكون توازيًا لمسارات متعددة، فالضغط الإسرائيلي سيتواصل، لكن درجته ستختلف في كل مفصل، القاعدة الأساسية هي أنه تحت أي ظرف لن يُسمح لحزب الله باستعادة توازنه وقدرته على تشكيل تهديد لإسرائيل من جديد، أما عن الكيفية؛ فالأولوية بالنسبة للأمريكي هي للسياسة، دون نفي الخيار العسكري، وإمكانية فتح الحرب من جديد، والسياسة تقتضي تشديد الضغط الرسمي من رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والتحريض المستمر من «القوات اللبنانية» ضد الحزب والرئاستين وقيادة الجيش اللبناني، بهدف خلق مزاج عام يدفع بتسارع عملية نزع السلاح ويقوض قدرة حزب الله على مقاومتها، وأن تستمر إسرائيل في خلق حالة إرهاب عامة ضد الحزب ولبنان كله، بما يدفع جميع الأطراف للهلع كلٌ من موقعه، ويخلق هزيمة نفسية في الأوساط الشعبية اللبنانية وشعورًا بلا جدوى المقاومة. وهذا إما سيدفع الدولة للاصطدام بالحزب، أو سيدفع الحزب للرد، أو أن يصطدم الحزب بالجيش كي تتكفل إسرائيل بالبقية.
ما هو معلوم بالضرورة أن الحزب سيواجه محنة أشد قسوة، سيواجهها وحيدًا، بمعنى أنه غير قادر على تحويل قضية السلاح والمقاومة إلى قضية تخص كل اللبنانيين، كما أن الدولة اللبنانية القائمة، مهما حاولت التسويف، فإنها بحكم طبيعتها وأزمتها سوف ترضخ، في محاولة لإنجاز مهمة التفكيك النهائي والحاسم لقدرات حزب الله العسكرية، وستعجز عنها، وحينها سيتكفل الاقتتال الأهلي أو إسرائيل أو كلاهما بإنجازها.
يواجه مشروع حزب الله كله لحظة مكاشفة تاريخية، فبعد ما يقارب نصف قرن من الوجود، يكتشف الحزب تهافت موقعه، وتهافت طرحه الديماجوجي لقضية المقاومة، ويكتشف أنه عبر ممارسته خلق كل الشروط التي جعلت ظهره للحائط، ومعه لبنان الذي يطلب منه أعداؤه استسلامًا كاملًا أو حربًا سيخرج منها كسيحًا لأنه حُرم طيلة أعوام الحق في الإعداد لها كما ينبغي، وللمفارقة، كان حزب الله أحد الأطراف التي حرمته هذا الحق.
آراء أخرى
تكتيكات الاستعمار الإسرائيلي: دروس القدس وسيناء وجنوب لبنان
«تثبيت الحقائق على الأرض يمهّد الطريق لانتزاع اعتراف رسمي لا رجعة عنه بالواقع الجديد»
سيرًا بين أنقاض حي الزيتون
«الاقتراب من «الخط الأصفر» يعني الموت لا محالة»
جاري أنس الشريف
«أعتز بأنس الصحفي، لكني أشعر أن صورته في مخيلة الناس، تمثل نقيضًا لصورة أنس جاري الذي أعرف»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن
لا توجد تعليقات بعد