إيران وأمريكا يعلنان النصر في حرب لم تنته بعد.. مجلس التعاون الخليجي الخاسر الأكبر؟
كان مقدرًا أن يكون أمس الثلاثاء، اليوم الأربعين من الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يومًا حاسمًا، بطريقة أو بأخرى.
ذلك لأن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أطلق عليه اسم «يوم محطات الطاقة» و«يوم الكباري»، مهددًا في سلسلة منشورات متزايدة الحدة والدموية على منصته «تروث سوشيال» بتصعيد القصف الأمريكي ليستهدف البنية التحتية للطاقة والنقل في إيران، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بحلول الساعة الثامنة مساء، يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز.
خلال مسار الحرب، تحوّل «هرمز» إلى نقطة ارتكاز تعكس إخفاقات واشنطن وتزايد أوراق الضغط بيد طهران. هذا الممر البحري الضيق بين عُمان وإيران يمر عبره 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي عالميًا، تتدفق من الخليج الغني بالنفط والغاز إلى دول العالم المعتمدة عليه.
هذا هو الممر الملاحي الذي أقدمت طهران، بعد الهجمات التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل عليها في 28 فبراير الماضي، على إغلاقه فعليًا، في خطوة تسببت في كلفة اقتصادية عالمية مؤلمة، مقابل كل ضربة تتعرض لها الأراضي الإيرانية.
ومع مرور أكثر من شهر على اندلاع الحرب، أدى إغلاق المضيق إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط الخام، في حين تبددت الأهداف الاستراتيجية الأمريكية التي حددتها قبل الحرب -«تغيير النظام»- إلى مجرد مراوغات لغوية حول معناها. وخلال أسبوع واحد، انتقل ترامب من التهديد بالتصعيد إلى التلميح بإمكانية الانسحاب من الحرب وترك الدول المتضررة من إغلاق المضيق تتعامل مع الأمر بنفسها.
في المقابل، هددت إيران بالانتقام عبر توسيع نطاق ردها وتكثيف الضربات التي تنفذها ضد منشآت الطاقة والنقل في دول الخليج.
بالنسبة لدبلوماسي إقليمي يشارك في مفاوضات مباشرة مع الأمريكيين والإسرائيليين، تحدث إلى «مدى مصر»، أمس، قبيل الإعلان عن وقف إطلاق النار، كان من الواضح أن ترامب «عالق لأنه يريد اتفاقًا. إنه متحرّق لاتفاق، لكنه يريد اتفاقًا يتيح له إعلان النصر. وإذا لم يحصل على اتفاق يتيح له إعلان النصر، فسينفذ ضربات كبرى ليوم أو يومين ثم يعلن النصر، ويقول إنه أعاد إيران إلى العصر الحجري».
غير أن سعي ترامب إلى اتفاق ينطوي على مشكلة أساسية.
بينما كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تنفذان ضربات واسعة على مصافي النفط في جزيرة خرج والبنية التحتية للنقل داخل إيران، أمس، لم يتمكن رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، الذي يقود فريق الوساطة بمشاركة مصر وتركيا والسعودية، من التواصل مع وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، لمدة لا تقل عن 24 ساعة، بحسب الدبلوماسي الإقليمي، ومسؤول عربي سابق يتمتع بعلاقات وثيقة في العواصم الغربية والخليجية.
مصادر متعددة قريبة من المفاوضات، تحدثت إلى «مدى مصر» على مدار يوم أمس، أعربت عن قلقها من أن التصعيد بات حتميًا.
لكن في ساعة متأخرة من المساء، وفي اللحظات الأخيرة، غيّر رئيس الوزراء الباكستاني اتجاهه. فبدلًا من الاستمرار في مواجهة حائط صد روبيو، تواصل شريف مع نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، الذي كانت معارضته للحرب معروفة في عواصم المنطقة. وبحسب دبلوماسي في سفارة غربية في عُمان، اطلع على فحوى الاتصال، طرح شريف مقترحًا يقضي بتمديد المهلة أسبوعين، تتوقف خلالهما الهجمات ويُعاد فتح المضيق. وعد فانس بالتواصل مع ترامب، و«تغليف» الاتفاق بصيغة يمكنه قبولها.
وعند الساعة 9:17 مساءً، نشر شريف تدوينة على «X»، يطلب فيها رسميًا تمديد المهلة التي كان قد حددها ترامب في إنذاره الأخير لمدة أسبوعين.
قبل نشر التدوينة، كان المقترح قد خضع بالفعل لمراجعة من مسؤولين أمريكيين وإيرانيين للاتفاق على صياغته، وفقًا للمسؤول السابق الذي يتمتع باتصالات في عواصم غربية وخليجية.
وقبل أقل من 90 دقيقة على انتهاء المهلة، أعلن ترامب أنه وافق على «تعليق قصف إيران ومهاجمتها لمدة أسبوعين»، وذلك «رهنًا بالفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز»، مضيفًا، «تلقينا مقترحًا من 10 نقاط من إيران، ونرى أنه يشكّل أساسًا يمكن العمل عليه للتفاوض».
من جانبه، أعلن وزير الخارجية الإيراني، سيد عباس عراقجي، في منشور على «X»، قبول بلاده بالاتفاق، قائلًا: «إذا توقفت الهجمات ضد إيران، فإن قواتنا المسلحة القوية ستوقف عملياتها الدفاعية». وأضاف أنه «خلال فترة الأسبوعين، سيكون المرور الآمن عبر مضيق هرمز ممكنًا بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية، ومع مراعاة القيود التقنية».
غير أن درء الأزمة، أمس، لا يعني بالضرورة تحقيق «سلام طويل الأمد مع إيران، وسلام في الشرق الأوسط»، كما ادعى ترامب في إعلانه على «تروث سوشيال».
فعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، لم يخلُ اليوم من هجمات.
تعرّضت مصفاة نفط في جزيرة لاوان الإيرانية لـ«هجوم من عدو»، صباح اليوم، بحسب ما أعلنت الشركة الوطنية الإيرانية لتكرير وتوزيع النفط.
من جانبها، ردت إيران بقصف خط الأنابيب الحيوي «شرق-غرب» في السعودية، الذي كان يتيح للرياض الالتفاف على إغلاق المضيق، وتحويل نحو سبعة ملايين برميل يوميًا من حقول السعودية النفطية في الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
أشار إعلان وقف إطلاق النار الذي أصدره رئيس الوزراء الباكستاني أيضًا إلى أنه يشمل وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، غير أن إسرائيل رفضت وقف الحرب، ونفّذت، اليوم، أعنف حملة قصف على لبنان خلال هذه الحرب. ردًا على هذا، أعلنت إيران إعادة غلق المضيق.
وعلى الرغم من أن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، لم يُعلن إنهاء المفاوضات في تدوينة، نشرها قبل قليل، إلا أنه اعتبر غياب وقف إطلاق النار في لبنان واستمرار انتهاك المجال الجوي الإيراني إلى جانب إنكار حق إيران في تخصيب اليورانيوم، خروقات لمقترح النقاط العشرة الذي تقدمت به إيران، مشددًا على أن تكرار هذه الخروقات يجعل من اتفاق وقف إطلاق النار أو المفاوضات «غير منطقي».
لكن حتى بعيدًا عن ساحة المعركة، ستواجه الولايات المتحدة وإيران عقبات حين تجلسان إلى طاولة المفاوضات في 10 أبريل الجاري في إسلام آباد.
نقطة الخلاف الرئيسية تكمن في ماهية المقترح الذي سيجري الاتفاق عليه، إذ يشير إعلان عراقجي إلى أن المقترح الأمريكي يتألف من 15 نقطة، في حين يتكون المقترح الإيراني من 10 نقاط.
ورغم أن التفاصيل الكاملة للخطة الأمريكية لم تُنشر، نقلت شبكة «سي إن إن» عن مسؤولين إقليميين قولهم إنها على الأرجح تشمل التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووي، وتسليم اليورانيوم عالي التخصيب، وفرض قيود على القدرات الدفاعية لطهران، وإنهاء أنشطة «وكلائها» المسلحين في المنطقة، وإعادة فتح مضيق هرمز، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.
في المقابل، وعقب إعلان وقف إطلاق النار، أصدر المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران بيانًا عرض فيه خطة النقاط الـ10 التي قدمها، والتي تختلف بشكل ملحوظ.
جاء في البيان أن إيران «حققت نصرًا كبيرًا وأجبرت أمريكا الإجرامية على القبول بخطتها ذات النقاط الـ10، التي تلتزم فيها الولايات المتحدة مبدئيًا بعدم الاعتداء، واستمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، والقبول بالتخصيب، ورفع جميع العقوبات الأولية والثانوية، وإنهاء كافة قرارات مجلس الأمن ومجلس المحافظين، ودفع تعويضات لإيران، وسحب القوات القتالية الأمريكية من المنطقة، ووقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك ضد المقاومة الإسلامية البطولية في لبنان».
يقول دبلوماسي إيراني، تحدث صباح اليوم لـ«مدى مصر»، إن واشنطن لم توافق على العديد من النقاط الواردة في المقترح الإيراني، معتبرًا أن الهدنة فرصة لكلا الطرفين «لإعادة تنظيم صفوفهما وإعادة بناء قواتهما»، مضيفًا أن إيران قدمت إلى واشنطن، عبر الصين وباكستان، مقترحًا يقضي بالسماح بمرور ما بين 10-15 سفينة فقط عبر المضيق إلى أن تفرج الولايات المتحدة عن جميع الأصول الإيرانية المجمدة، إلا أن واشنطن لم توافق بعد على الشروط التي طرحتها طهران.
غير أن ما يجزم به الدبلوماسي هو أن «مضيق هرمز لن يكون 'مفتوحًا' بالطريقة نفسها التي كان عليها سابقًا، حتى بعد التوصل إلى اتفاق نهائي»
وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق خلال أسبوعي المفاوضات، «فستُستأنف الحرب»، يقول.
إلا أن مسؤول مصري مطلع على مفاوضات إسلام آباد، إلى جانب الدبلوماسي العربي السابق الذي يتمتع بصلات في عواصم غربية وخليجية، ليسا على نفس القدر من اليقين بشأن العودة إلى الحرب.
«أستبعد أن يرغب ترامب في استئناف الحرب. فعنده كأس عالم مقبل، والرأي العام في الولايات المتحدة يزداد تململًا من هذه الحرب. كما أن هناك عملية لسحب الثقة منه، حتى وإن لم يُعرها اهتمامًا كبيرًا، إلا أنها موجودة»، يقول المسؤول المصري.
يضيف المسؤول العربي السابق، «لا أعتقد أننا سنصل في النهاية إلى اتفاق شامل. ما حدث هو أن ترامب أراد سبيلًا لإنهاء الحرب، وكان الإيرانيون مستعدين لفتح المضيق كوسيلة لإنهائها، إذ إن ذلك كان سبب إغلاقهم له في المقام الأول».
كيف يمكن فهم هذه الحرب إذن؟ اتفاق غير حاسم يتضمن قرارًا لا يزال غامضًا بشأن ممر ملاحي عالمي بالغ الأهمية؟
الإجابة، وفقًا لدبلوماسيين ومسؤولين من معظم الدول التي طالتها الحرب، والذين تحدث إليهم «مدى مصر» على مدار الأسابيع الماضية، تكمن في الكيفية التي غيّرت بها الحرب ديناميكيات المنطقة.
تتركز أبرز هذه التحولات في دول مجلس التعاون الخليجي، وعلاقاتها بكل من الدول العربية الأخرى والولايات المتحدة.
على مدى شهر من الحرب، تغيرت المواقف، وتشكّلت تحالفات صغيرة، أولها ذلك التحالف الداعي إلى خفض التصعيد.
تضم تلك الكتلة كلًا من السعودية وباكستان ومصر وتركيا -التي اضطلعت جميعها بأدوار وساطة عبر تبادل غير مباشر للرسائل- بالإضافة إلى أصوات خليجية براجماتية في الكويت وقطر وعمان، سعت إلى الدفع نحو وقف إطلاق النار، وجسر الهوة بين المواقف المتشددة لدى جميع الأطراف -مع الإقرار بأن إيران لن تختفي- والعمل على إعادة فتح «هرمز» أمام حركة ناقلات النفط الدولية، ثم تقييم كل دولة منها لتداعيات الحرب داخليًا واحتواء آثارها الاجتماعية والاقتصادية.
ورغم تشكيك البعض في أن تدفع هذه الحرب دول الخليج إلى التخلي الكامل عن أنظمة الدفاع التي تهيمن عليها الولايات المتحدة، فإن التودد لكييف في الأسابيع الأخيرة للحصول على تقنيات أوكرانية مضادة للمُسيّرات، والدعوات داخل بعض الأوساط الخليجية إلى تطوير منظومات دفاع محلية، يعكسان إدراكًا بضرورة إعادة التفكير في ماهية الأمن.
لكن ومع تقدم الحرب، بدأ تيار آخر في صياغة موقف رسمي بحلول منتصف مارس الماضي.
يضم هذا التيار مسؤولي الإدارة الأمريكية وبعض المسؤولين من المنطقة ممن يعتبرون التراجع مستحيلًا. بالنسبة لهم، لا يمكن أن تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب، ولا يكمن الحل في خفض العمليات، بل في المضي قدمًا نحو تصعيد عسكري إضافي قد يشمل اجتياحًا بريًا، والسيطرة على جزر إيرانية في المضيق. خطوة كهذه قد تضع أنصار المقاربة البراجماتية داخل معسكر خفض التصعيد أمام خيارات صعبة: إما المشاركة، أو البقاء خارج أي ترتيبات محتملة لتقاسم المكاسب بعد الحرب.
لكن مهما تكن النتيجة التي ستسفر عنها الحرب، وبغض النظر عن توقيت انقضائها، فقد فرضت على المنضوين في كلا المعسكرين اتخاذ مواقف ستخلف آثارًا بعيدة المدى.
أجرى «مدى مصر» مقابلات مع دبلوماسيين ومسؤولين من معظم الدول التي طالتها الحرب، خلال الأسابيع الماضية، لفهم كيفية تعاملهم مع تبعات هذين المسارين، وكلاهما محفوف بالمشكلات، فضلًا عن العقبة الأكثر صعوبة على الإطلاق: غياب الاتساق داخل إدارة ترامب.
عندما انصرف المسؤولون من إيران وعمان والولايات المتحدة عن طاولة المفاوضات، أواخر شهر فبراير الماضي، كان هناك توقعٌ أن يواصلوا، خلال الأسبوع التالي، في فيينا، البناء على التقدم الذي أحرزته المحادثات بشأن رفع العقوبات، وما يخص برنامج إيران النووي.
ولكن بعد فترة وجيزة من هذا الاجتماع، وصلت للاستخبارات العمانية معلومات تفيد بأن أمريكا وإسرائيل يتملصان من المشاركة في جولة المحادثات التالية، وأنهما قررا شن الحرب، بحسب مصدر مطلع مقيم في الدوحة، نقلًا عن ثلاثة مسؤولين مختلفين من وزارة الخارجية الأمريكية.
سارع وزير الخارجية العماني، بدر بن حمد البوسعيدي، واستقل طائرة متجهًا إلى واشنطن، في محاولة لدرء الحرب. وكان من المقرر عند وصوله إلى العاصمة الأمريكية أن يلتقي وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، وكبير المفاوضين، ستيف ويتكوف.
يقول الدبلوماسي في سفارة غربية في عُمان إن البوسعيدي كان يدرك أن الهدف الأمريكي من إشعال الحرب هو فرض قيادة إيرانية جديدة تقبل بشروط تفاوضية أمريكية متشددة، مضيفًا، «كانوا يبحثون عن شخص ما من الحرس الثوري الإيراني، قادر على أن يكون الرجل القوي على غرار [الرئيس السوري الانتقالي] أحمد الشرع، لكن يقبل في الوقت نفسه العمل معهم».
يتابع الدبلوماسي أن البوسعيدي أبلغ الأمريكيين -وكان مستعدًا لإبلاغهم مرة أخرى في 27 فبراير في واشنطن- بأن الولايات المتحدة لا تستطيع التعامل مع إيران كما فعلت مع سوريا، لأن إيران ليس فيها أحمد الشرع، ولأن إيران دولة أكثر تعقيدًا بكثير من سوريا.
غير أن وزير الخارجية العماني لم تتسن له الفرصة لتقديم حجته.
فبحسب المصدر المطلع، لم يحضر أي من ويتكوف أو روبيو الاجتماع، ووصل بدلًا منهما نائب الرئيس، جي دي فانس.
«أبلغه فانس بما يعتقده شخصيًا: أنه يعارض الحرب، وأن الرئيس لن يشن الحرب»، يقول المصدر.
لكن بعد 24 ساعة تقريبًا، اندلعت الحرب.
بالنسبة لمعظم دول الخليج، فإن المسار الذي سلكته هذه الحرب هو سيناريو كابوسي. وما يزيده سوءًا أنه سيناريو سبق أن حذّرت منه قبل اندلاعها. فعلى غرار عمان، أعربت عدة دول خليجية عن قلقها إزاء الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة قبيل المواجهة.
بحسب دبلوماسي عربي في نيويورك خاض نقاشات مع مسؤولين سعوديين، فإن وزير الخارجية السعودي حذّر المسؤولين الأمريكيين من خوض حرب مفتوحة. «أبلغهم أنه إذا لم تكونوا واثقين من قدرتكم على إسقاط النظام، فلا تبدأوا الحرب، لأن إهانة النظام [الإيراني] ستجعله أكثر عدوانية بكثير، وسيصبح أشد خطرًا علينا جميعًا»، يقول.
لكن، سواء قبل اندلاع الحرب أو خلال أكثر من شهر من القتال، تجاهل صناع القرار الأمريكيون -وهم بشكل أساسي كوشنر وويتكوف وروبيو ووزير الدفاع بيت هيجسيث- تلك المخاوف الخليجية، بحسب المصدر المقيم في الدوحة.
مع اندلاع الحرب، ساد لدى كثير من المسؤولين الخليجيين في الولايات المتحدة انطباع بأن الأمريكيين قرروا التضحية بدول الخليج إرضاءً لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بحسب الدبلوماسي العربي في نيويورك.
«أقولها بوضوح: إسرائيل وواشنطن خدعوا دول الخليج، خاصة أن معظمها قرر عدم المشاركة في الحرب»، يقول مصدر سياسي قطري لـ«مدى مصر».
في محاولة لاحتواء الموقف، سارعت عدة دول إلى بذل جهود فورية لإنهاء الحرب.
تصدّرت السعودية هذا المسار، بحسب الدبلوماسي العربي في نيويورك الذي تحدث مباشرة مع ممثلي جميع دول الخليج في الولايات المتحدة.
«كان السعوديون يسعون للحصول على قرار من مجلس الأمن الدولي ينهي الحرب دون شروط، وفي أسرع وقت ممكن»، يقول الدبلوماسي، في إشارة إلى المداولات التي جرت في الأيام الأولى من اندلاعها.
غير أن تلك المساعي لم تحقق تقدمًا يُذكر. يوضح المصدر أنه لم يكن ممكنًا صياغة مشروع قرار دون التشاور مع الأمريكيين. وفي ذلك الوقت، في بدايات الحرب، كان أي شيء قد تطرحه واشنطن كمشروع قرار سيتضمن شروطًا لا يمكن للنظام الإيراني القائم القبول بها.
يؤكد دبلوماسي عربي سبق أن خدم في طهران على المساعي الدبلوماسية السعودية، «يؤخذ في الحسبان أن وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان، يلتزم حاليًا بابتعاده عن الصورة إلى درجة كبيرة، لإتاحة أكبر مجال ممكن أمام التدخلات الدبلوماسية»، وفقًا له.
كما أفاد الدبلوماسي، إلى جانب باحث مطلع على السياسة الخارجية الإماراتية، بأن السعودية -رغم الهجمات التي تعرضت لها في الأسابيع الأولى من الحرب- حافظت على قنوات تواصل خلفية مع الإيرانيين لتفادي التصعيد. «فتحت السعودية بالفعل قنواتها الدبلوماسية ليس فقط مع طهران، بل أيضًا مع الأذرع الإيرانية في مختلف أنحاء المنطقة، ومن ضمنها حزب الله».
وبعيدًا عن التهديدات الأمنية البديهية المتمثلة في الصواريخ والمُسيّرات الإيرانية التي استهدفت البنية التحتية الحيوية في الخليج، كان هناك على الأقل دافعان جعلا السعودية تتجنب الانخراط في الحرب والسعي إلى إنهائها سريعًا.
أولًا، كما أوضح مصدر سياسي سعودي لـ«مدى مصر»، فإن أي تورط أعمق في الحرب من شأنه أن يضر بالمكانة الاقتصادية لدول الخليج. وفي حين قد تضغط بعض الأطراف السياسية من أجل تدخل خليجي مباشر، يؤكد المصدر أن السعودية ستظل «ذات حكمة» وأنها «لم ولن تتخذ قرار الرد» لما يمثله ذلك من تهديد لموقعها بوصفها «أحد أهم الدول الاقتصادية في المنطقة».

أما الدافع الثاني فيتعلق بتصور لدى الرياض عن تهديد قائم منذ أمد، يتمثل في المجتمعات الشيعية في الخليج، التي تنظر إليها المملكة باعتبارها مرتبطة أو متعاطفة مع النظام الإيراني.
يقول الدبلوماسي العربي في نيويورك إن «السعوديون على وجه الخصوص خائفون للغاية لأن لديهم مجتمعًا شيعيًا كبيرًا يعاني أصلًا من مظالم عديدة».
للتعامل مع هذا التخوف، نشرت السعودية قوات أمنية في البحرين فور اندلاع الحرب تقريبًا، بحسب المصدر ذاته، ونائب برلماني بحريني. يقول المصدر الأخير إن السعودية تضطر إلى التدخل باستمرار لحماية العائلة المالكة السنية في البحرين، «لأن البحرين ضعيفة وعندها مخاوف كبيرة، و[استمرار] الضربات الإيرانية هذا يؤدي إلى مخاوف أكثر. والسعودية لديها قلق كبير، ولهذا أرسلت قواتها فور الضربات. ففي ليلة السبت [الليلة الأولى للحرب]، بعد منتصف الليل، دخلت القوات السعودية إلى البحرين».
يرى الدبلوماسي في عمان أن هذا القلق لا يقتصر على السعودية وحدها، «الخليج يخشى بشدة فوضى شاملة تهدد عواصمه. بالنسبة لهم، المسألة سياسية بقدر ما هي أمنية، وتتجاوز مجرد الخوف من الضربات، إذ قد تقوّض استقرار بعض الأنظمة في المنطقة»، يقول.
لكن بينما دفعت التهديدات الخارجية دول الخليج إلى التقارب، إلا أن إحدى المشكلات الجوهرية للحرب تكمن في التوترات الداخلية القائمة بالفعل داخل مجلس التعاون الخليجي، والتي تفاقمت بفعل الحرب، ما جعل جهود التفاوض صعبة.
في الأشهر الأخيرة، انخرطت السعودية والإمارات في مواجهة محتدمة في اليمن على خلفية دعم أبوظبي للمجلس الانتقالي الجنوبي، ما كشف عن سنوات من التوترات الكامنة داخل مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الذي يمثل تسوية سياسية بين قوى يمنية موالية لكل من الرياض وأبوظبي.
ورغم أن التحرك السعودي للسيطرة على مناطق خاضعة لفصائل «الانتقالي الجنوبي» الموالية للإمارات كان سريعًا، فإن الرياض واجهت صعوبة في رسم مسار عملي تمضي فيه اليمن قدمًا. واتسع نطاق الخلاف ليأخذ بعدًا إقليميًا، إذ صعّدت الرياض خطابها منتقدة ما وصفته بالطموحات «الانفصالية» للإمارات في السودان وليبيا ومنطقة القرن الإفريقي. ومع ذلك، لم يترجم هذا التصعيد الخطابي في أي من هذه الساحات إلى ما وُصف مرارًا بـ«إعادة اصطفاف استراتيجي» في المنطقة.
ارتبطت محاولات إظهار السعودية لهيمنتها بسياقات سياسية لعبت فيها الولايات المتحدة دورًا فاعلًا، وحضرت فيها الإمارات أيضًا. ففي السودان، حيث تشارك السعودية والإمارات في مبادرة «الرباعية» بقيادة الولايات المتحدة، لم يختلف المقترح السعودي-الأمريكي لوقف إطلاق النار، الذي جاء في يناير الماضي، كثيرًا عن واقع التقسيم الفعلي لمناطق سيطرة قوات الدعم السريع، وهو الوضع الذي سعت أبوظبي إلى تثبيته.
وهكذا، ورغم التباين الظاهري بين الطرفين، فإنهما -خارج اليمن- لم يواجها نقاط الخلاف الحادة التي أثارتها الحرب على إيران على طول خطوط الصدع السياسية. حتى في الأيام الأولى للحرب، انكشفت سريعًا انقسامات داخل الخليج، يقودها اللاعبون الأكبر فيه.
في مطلع مارس الماضي، تواصلت سفارة مصر في واشنطن مع البعثات الدبلوماسية الخليجية في العاصمة الأمريكية لعقد اجتماع بشأن الحرب. مسؤول مصري قال لـ«مدى مصر» آنذاك إن الهدف من الاجتماع هو «صياغة موقف لوقف الحرب»، مضيفًا، «نحن نتحدث مع الجميع، وخاصة دول الخليج، للتوصل إلى صيغة ترضي الجميع، ثم سنذهب إلى الأمريكيين ونقول إن هذا هو الموقف العربي لوقف الحرب. علينا أن نجد طريقة لوقفها، وإلا سيدفع الجميع ثمنًا باهظًا. المخاطر مرتفعة للغاية».
غير أن «الموقف العربي» المنشود سرعان ما تحول إلى انقسامات.
يقول الدبلوماسي في عمان إنه «لم يُتفق على شيء [في الاجتماع]. هناك رؤى كثيرة ومختلفة، ليس فقط بين دول مجلس التعاون وخارجه، بل حتى داخل المجلس نفسه. بعض الدول رأت أنه طالما بدأت الحرب، فلتستمر حتى تحقق هدفها، أي تغيير النظام في طهران. وحتى في هذه النقطة، لا يوجد توافق بشأن ما ينبغي أن تطرحه الدول العربية من شروط لضمان الاستقرار الإقليمي في اليوم التالي للحرب، سواء سقط النظام أو استمر بصيغة مختلفة».
في حديثه عن جوهر الخلافات، أشار الدبلوماسي العربي الذي خدم سابقًا في طهران إلى وجود معسكرين رئيسيين داخل مجلس التعاون الخليجي.
فمن جهة، «هناك الكويت وعمان، اللتان تسعيان في حقيقة الأمر إلى النأي بنفسيهما عن العراك، ولكن في الأثناء، تحاولان التفاوض»، بحسب المصدر. «وهناك السعودية وقطر، اللتان تريدان فعلًا إنهاء الحرب، ولا سيما السعودية التي تبعث برسائل إلى الإيرانيين تعبر فيها عن رغبتها في المساعدة على إنهائها».
في المقابل، تبرز كتلة أخرى، الإمارات والبحرين، اللتان تدفعان بشكل فاعل نحو تصعيد الحرب، بحسب الدبلوماسي.
يقول الباحث المطلع على السياسة الخارجية الإماراتية إن «الإمارات تسعى إلى إطالة أمد الحرب قدر الإمكان، حتى يضعف النظام في طهران إلى درجة يحتاج معها عقودًا لإعادة بناء قدراته».
أما البحرين، فقد تقدمت بطلب إلى مجلس الأمن الدولي لتفويض تدخل عسكري في إيران بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يتيح اتخاذ إجراءات عسكرية للحفاظ على السلم والأمن الدوليين في حال وجود تهديد أو خرق للسلم أو عمل عدواني.
يقول الدبلوماسي العربي في نيويورك إن البحرين «قدمت مشروعًا لفرض عقوبات على إيران بموجب الفصل السابع. وهي تدعو إلى تدخل عسكري فوري وحاسم، بمشاركة قوات عربية. يريدون قوات عربية، تمثل فيها دول الخليج، لتولي تشغيل مضيق هرمز».
ورغم أن مشروع القرار خضع لتعديلات متعددة شطبت أي صياغات تجيز عمليات عسكرية هجومية، فقد استخدمت روسيا والصين حق «الفيتو» لإسقاطه خلال التصويت الذي جرى أمس، الثلاثاء.

بلغت حدة الانقسامات خلال الحرب درجة دفعت السعودية إلى الشروع في محادثات مباشرة وحصرية مع الولايات المتحدة على أعلى المستويات، لعدم رغبتها في أن تطلع الإمارات على هذه الاتصالات، بحسب الدبلوماسي العربي في نيويورك. كما انضمت الرياض إلى مفاوضات غير مباشرة عُقدت في باكستان، إلى جانب مصر وتركيا وقطر والدولة المضيفة، في محاولة لإيجاد وسيلة لإنهاء الحرب.
واجهت الأطراف المتمسكة بخفض التصعيد والتوصل إلى تسوية؛ سؤالًا محوريًا في حساباتها: كيف يمكن التعايش مع دولة وجّهت إليك، على مدى أكثر من شهر، وابلًا من الصواريخ وأسراب المُسيّرات؟
تتمحور إجابة دول الخليج المتمسكة بهذا المسار حول تسوية تفاوضية تعترف بوجود إيران، وتسعى في الوقت ذاته إلى إعادة تصور منظومة الأمن الإقليمي.
هل يعني ذلك التحول بعيدًا عن الولايات المتحدة بوصفها المُقدم الرئيسي للأمن؟
في نظر الدبلوماسي في عُمان، من الواضح أن على دول الخليج التعامل بجدية مع هذا التساؤل، إذ «اعتمد الخليج على الولايات المتحدة في أمنه منذ غزو الكويت، واليوم بات لزامًا عليه إعادة النظر في جدوى هذا التحالف»، يقول.
يتفق معه الدبلوماسي العربي الذي خدم سابقًا في طهران، قائلًا، «عليك أن تتذكر أن الأمريكيين وقفوا متفرجين بينما كانت سفارتهم في السعودية تتعرض لهجمة إيرانية. لذلك فالسعوديون لا يشعرون بالقلق فقط حيال ما قد يحدث، بل أيضًا حيال ما يحدث بالفعل، ورد الفعل الأمريكي الفاتر تجاهه».
تشير ستة مصادر -من بينها مصدر سياسي قطري، ودبلوماسي سعودي، ودبلوماسي إقليمي على اتصال منتظم بالأمريكيين والإسرائيليين، والدبلوماسي في عُمان، ومسؤول مصري مطلع على محادثات الوساطة في باكستان، والدبلوماسي العربي الذي خدم في طهران- إلى أن أحد المطالب الأساسية لدول الخليج الملتزمة بمسار التفاوض في أي صفقة يتمثل في إنشاء نظام أمني جديد.

قد يأتي هذا من الولايات المتحدة، بحسب الدبلوماسي في عُمان والدبلوماسي الإقليمي.
يجري الحديث في بعض دول الخليج عن توسيع القواعد التي تستضيف قوات أمريكية، وتعزيزها بتقنيات إنذار مبكر وزيادة قدرات الاعتراض، وفقًا للدبلوماسي الإقليمي.
غير أن مصدرًا سياسيًا قطريًا ودبلوماسيًا سعوديًا أبديا تحفظًا أكبر حيال استمرار الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة. يشير الأول إلى أن دول مجلس التعاون قد تبدأ في استكشاف مسارات جديدة في مجال الصناعات الدفاعية.
يتقاطع التقييم بخصوص البحث عن أنظمة دفاعية متقدمة مع ما أفاد به المصدر الدبلوماسي السعودي، إذ يُرجح أن تُستورد أنظمة الدفاع من الولايات المتحدة والصين وروسيا، مع توقع تخصيص ميزانيات كبيرة في المستقبل لشرائها، لأن الخطر الإيراني في المنطقة «مجهول الملامح مستقبلًا»، خاصة إذا استمر النظام الحالي دون التوصل إلى حل جذري.
أما بدر السيف، الأستاذ المساعد للتاريخ في جامعة الكويت والباحث المشارك في «تشاتام هاوس»، فيرى أنه من غير الدقيق تحليليًا «توقع أن تندفع الدول إلى ترتيبات أكثر استدامة لمجرد الأزمة التي نمر بها».
يضيف لـ«مدى مصر» أن «بناء هيكل أمني يحتاج إلى وقت كي يُستوعب ويُنقل ويُنتج، فهو ليس عملية يمكن إنجازها بين ليلة وضحاها. لذلك نحن بحاجة إلى إجراءات فورية. ورغم اختلاف المنطلقات بين الولايات المتحدة وإيران، فإن القاسم المشترك بينهما هو أن كلاهما يقول إنه يريد حلًا شاملًا ودائمًا لكل الملفات. أنا أتفق. أعتقد أننا ينبغي أن ننظر إلى جميع الملفات معًا، ولهذا يجب أن نشرك مختلف الأطراف في المفاوضات. ما يُمكن أن نسعى له -ولا أريد أن أكون مبالغًا في طموحي- هو خطوات عاجلة تحول دون الانزلاق مجددًا إلى الحرب، سواء عبر اتفاقات واضحة لعدم الاعتداء أو ضمانات صريحة لحماية السفن في مضيق هرمز».
يرى السيف أن مثل هذا الحل المرحلي قد يتيح البناء التدريجي نحو استراتيجية كبرى أشمل، والتي سيتعين عليها مواجهة الميل القائم لدى الدول إلى اللجوء إلى المقاربات الثنائية.
«لم نكن الأفضل حين يتعلق الأمر بآليات الأمن الجماعي، سواء العربية أو غيرها، وهو أمر جرى التنبيه إليه منذ فترة»، يقول السيف لكنه يرى في نهاية المطاف أن السيناريو الأمثل يتمثل في «التوجه إلى المقاربات الإقليمية» أو «المحلية». بحسب رأيه، «أفضل أن نعزز ولايتنا على شؤوننا كمنطقة. لكننا لم نصل بعد إلى مستوى الاكتفاء الذاتي في تلبية احتياجاتنا الدفاعية، ولذلك سنضطر إلى التعاون مع دول أخرى، وسيستمر ذلك. غير أن هذا التعاون، في رأيي، ينبغي أن يكون جزءًا من استراتيجية نضعها نحن وبالشروط التي نحددها. لسنا على هذا المستوى بعد. هناك خطوات صغيرة في الإمارات، وكذلك في السعودية في ما يخص التصنيع الدفاعي المحلي، لكنها تحتاج إلى تعزيز وتسريع».
غير أن الدبلوماسي العربي الذي خدم سابقًا في طهران، والباحث المطلع على السياسة الخارجية الإماراتية، يشيران إلى عقبتين رئيسيتين تحولان دون قيام منظومة أمن خليجية أكثر تكاملًا تعيد بناء الثقة: إسرائيل، وانعدام الثقة مع الإمارات.
يقول الدبلوماسي إن دول الخليج تبحث عن «التزام واضح من واشنطن بأنه في حال فشل أي هدنة محتملة، فإن الولايات المتحدة ستتدخل لمنع تعرّض دول الخليج للخطر مجددًا. إنها تريد حماية». ويضيف أن العديد من هذه الدول تشعر بأنها لم تحظَ بحماية كافية من الأمريكيين، وهي تطالب الآن بضمانات صريحة بألا تُصاغ الهدنة على نحو يعفي إسرائيل.
التزام إسرائيل ذاتها بأي هدنة يظل موضع شك. فعندما وصلت إلى الإعلام، مساء الأربعاء الماضي، خطة ترامب المقترحة «لإنهاء الحرب»، قللت هيئة البث العام الإسرائيلية «كان» من الحديث عن تحقيق تقدم ملموس في المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
وبحسب الدبلوماسي الإقليمي الذي يتواصل مع الأمريكيين، فإن أولوية واشنطن كانت تتمثل في دفع إيران إلى وقف ضرباتها على إسرائيل، تمهيدًا لمطالبة إسرائيل بوقف هجماتها على إيران. غير أن إسرائيل سبق أن لعبت دور المخرب، إذ عمدت مرارًا إلى تقويض مسارات التفاوض خلال حربها على غزة.
أما المشكلة الثانية، وفقًا للباحث المطلع على السياسة الخارجية الإماراتية، فتتعلق بانعدام الثقة بين دول الخليج نفسه. يقول: «لن تضع السعودية خلافها مع الإمارات جانبًا، وبالتالي لا توجد فرصة لأن تنخرط الدولتان معًا في أي منظومة أمن جماعي. كل منهما يسعى إلى نظام أمني خاص به، وهما تتباحثان حاليًا مع الأمريكيين بشأنه».
في موازاة الحديث عن تسوية سياسية، برز مسار آخر محتمل للحرب: التصعيد العسكري.
يرى مسؤول عربي سابق خدم في الخليج ولا يزال على صلة بدوائر صنع القرار في العواصم الغربية أن الفجوات في المفاوضات لا تزال واسعة إلى حد يصعب معه تحقيق تقدم يُذكر.
«لن تنجح باكستان، مستحيل. لا توجد أرضية وسط يمكن التوصل إليها. لا توجد نقطة التقاء بين ما تريده الولايات المتحدة وما تريده إيران، فكلاهما يتبنى مواقف متطرفة. ولا أعتقد أن باكستان أو تركيا أو السعودية أو مصر قادرون على إقناع أي من الطرفين بخفض سقف مطالبه»، يقول لـ«مدى مصر».

وبينما بدا واضحًا أن القوات الأمريكية وإسرائيل ستكونان على استعداد لمزيد من التصعيد العسكري، بدأت بعض الأصوات تطرح فكرة مشاركة قوات عربية في العمليات.
كانت هذه الفكرة قد طُرحت بالفعل بحلول منتصف الشهر، وفقًا للدبلوماسي العربي في نيويورك، الذي قال لـ«مدى مصر» حينها إن بعض دول الخليج اقترحت إعادة سيناريو قوات عربية مشتركة للتدخل في إيران. «إنهم مجانين»، يقول المصدر.
يشير مسؤولان مصريان رفيعان ومصدر سياسي مصري مطلع إلى أن الإمارات عرضت على مصر إرسال قوات برية وبحرية للمشاركة في غزو محتمل لجزر قبالة السواحل الإيرانية.
وفي تفسيره للموقف الإماراتي، يقول مصدر إماراتي مقرب من دوائر صنع القرار في أبوظبي إن بلاده حسمت مشاركتها مع حلفائها لتحرير مضيق هرمز. وأضاف أن هذا التوجه لا يهدف فقط إلى إعادة فتح الممر الملاحي، بل يعيد إلى الواجهة أيضًا قضية جزر أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى، التي تسيطر عليها إيران منذ عام 1971.
بحسب المصدر، فإن واشنطن -الحليفة الأولى للإمارات بعد شعور الأخيرة أن دولًا عربية صديقة تخلت عنها في أوقات الصعاب- وعدت أبو ظبي أن هناك خيارات عسكرية تستهدف ما يصل إلى «ست جزر تسيطر عليها إيران» في الخليج، ضمن سيناريوهات تصعيدية محتملة، تشمل ضربات جوية وعمليات ميدانية. ويضيف أن سيطرة واشنطن على بعض الجزر التي «تسيطر عليها» طهران قد تمنح الولايات المتحدة موقعًا متقدمًا في مضيق هرمز، بما يعزز قدرتها على تأمين حركة الملاحة لضمان إمدادات الطاقة العالمية.
بحسب مصدر سياسي عُماني، فإن عمان والكويت تعملان بكل قوتهما لإثناء الإمارات عن المشاركة في الهجوم على «هرمز»، غير أن أبو ظبي لا تزال متمسكة بالمشاركة في هذا الحلف.
وفي مواجهة الضغوط المتواصلة للانضمام إلى الخطة الإماراتية، رفضت مصر المقترح بشكل قاطع.
«هذا مستحيل»، يقول أحد المسؤولين المصريين الرفيعين، «مصر لا تقوم بمثل هذه الأمور. إذا أرسلنا قوات إلى محيط الإمارات البحري، فهذا يعني أنها ستكون في مرمى الضربات الإيرانية. ماذا سنفعل إذا استهدفت إيران هذه القوات؟ سنجد أنفسنا مضطرين للدخول في حرب مع إيران. وماذا لو تعرضت هذه القوات لضربة عن طريق الخطأ من إسرائيل أثناء استهدافها مواقع إيرانية؟ سنضطر حينها إلى خوض حرب مع إسرائيل. هذا وضع شديد التعقيد، ولا أظن أن أحدًا قد يُقدم على فعل ذلك».
يقرّ المسؤول بأن العرض تضمن حديثًا عن حوافز ودعم مالي واقتصادي، لكنه يؤكد أن «مثل هذا القرار لا يتوافق مع عقيدة المؤسسة العسكرية. هذه المؤسسة لن تفعل ذلك. هذه المؤسسة لن تخوض حربًا تشارك فيها إسرائيل، ولا يوجد ثمن يمكن أن يعوض عن انتهاك عقيدتها أو عن سقوط جنود مصريين».
من جانبه، يشير مسؤول مصري ثالث إلى أن وضع مصر اليوم أكثر تعقيدًا مما كان عليه في التسعينيات، عندما شاركت في حرب الخليج الثانية لتحرير الكويت من الغزو العراقي وحصلت في المقابل على إعفاءات من سداد ديون تجاوزت 20 مليار دولار، مضيفًا، «اليوم هناك تحديات داخلية وخارجية تُقيد مثل هذه التحركات».
يؤكد المسؤول الثالث، إلى جانب مصدر مطلع على المحادثات في دوائر صنع القرار، أن موقف القاهرة دفع الإمارات إلى التلويح بوقف استثماراتها والمطالبة باسترداد الدعم المالي الذي قدمته لمصر في السنوات الأخيرة.
المصدر الإماراتي المقرب من دائرة الحكم في أبو ظبي قال لـ«مدى مصر» إن «الإمارات عاتبة جدًا على الدول العربية والإسلامية التي لم تحرك ساكنًا للدفاع عن منطقة الخليج في ظل الحرب القائمة عليها، في وقت كانت هذه الدول، وتحديدًا الإمارات، تقف إلى جانب جميع الدول التي عانت من الحروب والأزمات. دول مجلس التعاون الخليجي ستعيد النظر في علاقاتها مع الدول العربية أولًا، والإسلامية ثانيًا، بعد الإنتهاء من الازمة الحالية، وستكون هناك جردة حسابات طويلة».
من جهته، يقول مصدر قطري إن الخليج حين يقدم دعمًا ماديًا لمصر، فإنه يتوقع شيئًا في المقابل، غير أن القاهرة أكدت أنها لن تنخرط في تحالفات إقليمية أو دولية غير واضحة المعالم وغير معروفة التوجهات.
أمام هذا الغضب المتصاعد، طرحت مصر مقترحًا بديلًا يقوم على تشكيل قوة عربية مشتركة ذات طابع دفاعي لا هجومي، وهو ما تجسد في جولة وزير الخارجية بدر عبد العاطي إلى عواصم الخليج في منتصف مارس الماضي.
يقول المسؤول المصري الثاني إن الزيارة استهدفت تحقيق هدفين. أولًا، طرح عبد العاطي تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، المعروفة رسميًا باسم معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، الموقعة عام 1950، وإقناع دول الخليج بضرورة تشكيل قوة عسكرية مشتركة للدفاع الجماعي في مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية المتصاعدة في المنطقة.

في نفس الوقت، كُلّف وزير الخارجية المصري بالتحقق من موقف دول الخليج إزاء ودائعها لدى البنك المركزي المصري، ولا سيما ودائع السعودية والكويت وقطر والإمارات.
من جانبه، وجّه أستاذ العلوم السياسية الإماراتي والمستشار الحكومي السابق، عبد الخالق عبد الله، انتقادات لاذعة للفكرة، في تعليقات حملت تلميحات تجاه مصر، قائلًا «أثبتت الإمارات ودول الخليج العربي أنها قادرة على الدفاع عن نفسها بقدراتها الذاتية ولا تحتاج لمساعدة دول عربية هشة وتعيش أزمات داخلية خانقة ولا تستطيع حتى الدفاع عن نفسها. أما تشكيل قوة عربية مشتركة، فلم ير النور منذ 1952، ولسنا بحاجة لها الآن».
كثفت مصر كذلك جهود الوساطة لاحتواء الخلاف المتصاعد، حيث شاركت في اجتماع، عُقد في 19 مارس الماضي، إلى جانب السعودية وباكستان وتركيا، بهدف البحث عن طريقة لإنهاء الحرب. واعتمد الدبلوماسيون المشاركون على الاستخبارات المصرية لفتح خط تواصل مع الحرس الثوري الإيراني.
وبحسب المصدر المصري ذاته، فقد استخدم جهاز المخابرات العامة علاقاته التي بناها مع الحرس الثوري لمحاولة دفع مسار التفاوض قدمًا.
يقول المصدر إن الجهاز يعمل حاليًا على إقناع الحرس الثوري الإيراني بأمرين رئيسيين، وقف العدوان على دول الخليج العربية، ومحاولة صياغة ضمانات مقنعة بشأن فصائل المقاومة، لاسيّما حزب الله اللبناني والحوثيون في اليمن، رغم حالة العداء القائمة لدى هذين المكونين تجاه دول الخليج العربية.
في وجه احتمالية التلاشي الكامل لشريانها الاقتصادي الرئيسي، وفي ظل تصاعد الكلفة الاقتصادية نتيجة الحرب، تقدمت مصر بطلب للحصول على دعم مالي من الولايات المتحدة. حتى الآن، تلقت تمويلًا بقيمة ملياري دولار في شكل تأمين على الواردات، وذلك لدعم استيرادها للغاز الطبيعي المٌسال الأمريكي، بموجب اتفاق أعلنت عنه السفارة الأمريكية في القاهرة أمس.
على الرغم من أن تقارير أشارت إلى أن خطاب ترامب في 1 أبريل قد يتضمن طرحًا للخروج من الحرب، فإن الرئيس الأمريكي خالف هذه التوقعات، ملمحًا إلى إمكانية انسحاب الولايات المتحدة بعد أن أضعفت القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير، وترك مهمة إعادة فتح مضيق هرمز للدول المعتمدة عليه.
لا يزال المسؤول العربي السابق، وهو على صلة بدوائر صنع القرار في واشنطن، وتحدث لـ«مدى مصر» الأحد الماضي، يؤكد هذا التوجه، «يسعى الأمريكيون إلى الانسحاب وترك ما لم ينتهوا منه لإسرائيل»، يقول.
غير أن الرئيس الأمريكي، بطريقته الزئبقية المعتادة، غيّر نبرته صباح الأحد: «الثلاثاء هيكون يوم محطات الطاقة، ويوم الكباري، كله في يوم واحد، في إيران. لن يكون له مثيل!!! افتحوا المضيق اللعين يا أبناء الحرام المجانين، وإلا ستعيشون في جحيم - سترون! الحمد لله».

وفي ظل أن القدرات العسكرية الإيرانية -خلافًا لما يعلنه ترامب- لم تضعف بشكل كبير، أثارت هذه اللغة التصعيدية مخاوف واسعة في عواصم المنطقة.
حذر الدبلوماسي العربي الذي خدم سابقًا في طهران من أنه «إذا نفّذ ترامب بالفعل خطة فتح أبواب الجحيم يوم الثلاثاء، فإن الإيرانيين سيفرضون عليه ثمنًا باهظًا. سيذهبون إلى أقصى مدى ممكن، وسيستهدفون كل المنشآت التي يمكنهم الوصول إليها في الخليج، كما سيجعلون الحوثيين إلى إغلاق مضيق باب المندب».
يقول المسؤول الحكومي المصري المطّلع على المفاوضات المرتبطة بالمبادرة الباكستانية إنه رغم أن عدة دول «تمكنت في بداية هذا الأسبوع من صياغة ما يمكن اعتباره مقترحًا توفيقيًا لإنهاء الحرب، فإن الأمريكيين كانوا متشددين للغاية حياله، وهو علامة واضحة للضغط الإسرائيلي على الولايات المتحدة».
يضيف الدبلوماسي العربي أن مصر والسعودية كانتا تحاولان إقناع ترامب بتمديد المهلة التي حددها.
طرح الوسطاء، الإثنين الماضي، فكرة توسيع نافذة المفاوضات إلى 45 يومًا، غير أن إيران أعلنت أنها لن تقبل إلا بانهاء دائم للحرب.
«المشكلة أنه لا توجد مساومة مقبولة بالنسبة لترامب، الإيرانيون يكسبون، بينما يخسر ترامب»، يقول محلل مختص بالمنطقة لـ«مدى مصر» عقب الجدل الإعلامي الذي دار خلال يوم الإثنين، مضيفًا أن الإبقاء على الوضع القائم ليس خيارًا يمكن لترامب القبول به، «الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يظهر بها ترامب بمظهر المنتصر هو أن يُعاد فتح مضيق هرمز. لكن لماذا توافق إيران على إعادة فتحه وتشغيله وكأنها خسرت؟»
بالأمس، ومع اقتراب انتهاء المهلة الأمريكية، بدأت الولايات المتحدة استهداف مواقع داخل إيران، شملت أهدافًا عسكرية قرب منشآت النفط الرئيسية في جزيرة «خرج»، فيما استهدفت إسرائيل كباري وخطوط سكك حديدية في أنحاء البلاد.
يرى المصدران السابقان والدبلوماسي الذي عمل سابقًا في طهران أن تصعيد الثلاثاء، واحتمالات توجيه ضربات أمريكية واسعة، دفعا بعض المواقف بدول الخليج إلى التبدل.
في حديث سابق بأكثر من أسبوع على التصعيد، قال السيف إنه رغم كل ما جرى، يرى حتمية عودة العلاقات بين إيران ودول الخليج إلى أرضية مشتركة.
«أعتقد أن الحكمة ستسود. سنتمكن من العمل معهم. ليس نظامًا مجنونًا، فقد أظهروا براجماتية في السابق، ولا ينبغي أن ننسى أنهم كانوا على طاولة المفاوضات، وأن الولايات المتحدة هي من قلبتها مرتين. لقد واجهنا صعوبات معهم للأسف، وتدخلوا في شؤوننا، وهذا أمر سيئ. لكن علينا التعامل مع ذلك. لا خيار آخر. هم لن يختفوا، ونحن لن نختفي. هذه حقيقة أكيدة»، يقول.
غير أن مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ترى مصادر عدة أن العلاقات الخليجية-الإيرانية لن تكون أصعب شيء يُعاد إصلاحه.
في حديثه بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار، اليوم، يشير المسؤول العربي السابق صاحب الصلات في عواصم غربية وخليجية، إلى مستويين من الإشكاليات.
أولًا، هنالك «المشهد الخليجي-الأمريكي، الذي يكتنفه قدر كبير من انعدام الثقة وخيبة الأمل. وباستثناء الإماراتيين، الذين يسعون إلى تعزيز علاقاتهم مع الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر، فإن الآخرين جميعًا غير راضين، لكنهم في الوقت ذاته لا يعرفون ما الذي يمكن فعله، في ظل محدودية الخيارات».
وثانيًا، العلاقات داخل الخليج نفسه.

«تحتاج دول الخليج إلى منظومة أمنية إقليمية. لكن السعودية لن تسمح بأي شيء لا يمنحها اليد العليا. وهو أمر لن تكون أي من الدول الخليجية العربية مستعدة لقبوله. فبالنسبة لهذه الدول، القيادة السعودية هي شيء من الماضي»، يقول المسؤول السابق.
يضيف المصدر أن «هذه لحظة شديدة الصعوبة بالنسبة لمجلس التعاون الخليجي. إنه شيء لم يمروا به أبدًا منذ تأسيس المجلس. الغزو العراقي للكويت كان النقيض تمامًا لما يجري اليوم، إذ مثّل حينها لحظة وحدة خليجية. الآن، تلك لحظة انقسام خليجي».
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
كيف تهبٌّ علينا عواصف الاقتصاد العالمي؟ | حوار مع عمرو عدلي
يبدو من المناسب التوقف للتساؤل عن الدروس المستفادة من تجربتنا مع الحرب التي لم نكن طرفًا فيها
ما تحتاجه المفاوضات ويفتقر إليه ترامب: تقييم الجولة الأولى للمباحثات مع إيران
حتى وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد ثارت شكوك حول إمكانية انعقاد المحادثات من الأساس،
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن