ما تحتاجه المفاوضات ويفتقر إليه ترامب: تقييم الجولة الأولى للمباحثات مع إيران
يعتبر المسؤولون الذين أُطلعوا على المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، التي جرت السبت الماضي، في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، أن مجرد جلوس الجانبين إلى طاولة المفاوضات كان نجاحًا باهرًا.
كانت هناك فجوة كبيرة في الثقة بين الطرفين، بعد 40 يومًا من الحرب، قصفت خلالها الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بلا هوادة، وردّت إيران بدورها باستهداف منشآت نفطية وقواعد أمريكية وبنية تحتية عسكرية في الخليج، فضلًا عن قصف إسرائيل، وإغلاق مضيق هرمز شريان الطاقة العالمي.
تطلّب جمع الطرفين معًا جهودًا دبلوماسية مُكثفة من الدول الأربع التي لعبت دور الوساطة -مصر وتركيا والسعودية وباكستان- بالإضافة إلى ضغوط غير مباشرة من دول أخرى، من بينها الصين.
لكن حتى وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد، ثارت شكوك حول إمكانية انعقاد المحادثات من الأساس، وفقًا لمصدر في فريق الوساطة الباكستاني ومسؤول مصري مُطّلع على مشاركة القاهرة في العملية.
إلى جانب غياب الثقة عمومًا بين جميع الأطراف، أصرّت إيران، في اختبار حقيقي لنفوذها بعد الحرب، على وقف إطلاق النار في لبنان قبل بدء المفاوضات. ضغطت الولايات المتحدة على رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لوقف حربه على لبنان، إلا أن الضغط كان ضعيفًا، ما سمح لإسرائيل بمواصلة الضربات تحت أي ذرائع ممكنة.
«توترت الأجواء للغاية فيما يتعلق بمشاركة الوفدين بسبب الوضع على الجبهة اللبنانية. لكن جرى تدارك هذا الأمر من خلال التواصل الأمريكي مع إسرائيل»، يقول مصدر باكستاني مُطّلع على موقف الوساطة.
بعد ساعات من التأخير، وصل الوفد الإيراني أخيرًا، وجلس الطرفان لعقد أعلى مستوى من المفاوضات بين طهران وواشنطن، منذ عام 1979.
وصول الوفد الإيراني إلى قاعدة نور خان العسكرية في باكستان، 10 أبريل. المصدر: مراسلة شبكة CNN الدولية، صوفيا سيفي، على إكس.
ترأّس نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، صاحب الدور المحوري في التوصل إلى وقف إطلاق النار، والعضو الأكثر معارضة للحرب في الفريق الأساسي لصُناع القرار الأمريكيين، وفدًا كبيرًا يضم ممثلين لمؤسسات أمريكية مختلفة.
وترأّس الوفد الإيراني رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية، عباس عراقجي، وضمّ محافظ البنك المركزي الإيراني وممثلين عن مجلس الدفاع، والمجلس الأعلى للأمن القومي، بالإضافة إلى ممثلين عن البرلمان.
وفقًا لمصدر باكستاني ومسؤول عربي سابق ذي صلات في العواصم الغربية والإقليمية، لم يكن الوسطاء ولا الأمريكيون يتوقعون اتفاقًا شاملًا. «الأمريكيون قالوا إن الهدف من محادثات إسلام آباد ليس التوصل إلى اتفاق بشأن جميع النقاط المُعقدة، بل الوصول إلى اتفاقٍ إطاريّ، لأن مثل هذه الأمور تتطلب وقتًا طويلًا ومفاوضات شاملة»، بحسب المسؤول العربي السابق.
يؤكد المصدر الباكستاني هذا الرأي، قائلًا إن الوسطاء كانوا يأملون، قبل بدء المحادثات، في الحصول على «مجرد إعلان مبادئ أو إعلان نوايا».
اجتمع الجانبان في جلسة محادثات ماراثونية استمرت 21 ساعة. ووفقًا للمصدر الباكستاني، شهدت الجلسة لحظات ودية ولحظات توتر، فقد كان البعض يخرج من الغرفة لإجراء مكالمات هاتفية ثم يعود. وكان رئيس الوزراء الباكستاني مشاركًا بشكل مباشر في المحادثات، وكان يخرج من الغرفة لإجراء وتلقي مكالمات هاتفية.
قدّمت سفارات الدول الأخرى الأعضاء في اللجنة الرباعية دعمًا سياسيًا للمجموعة الباكستانية التي تقود المحادثات، إلى جانب وفود رفيعة المستوى أُرسلت لتعزيز الثقل السياسي للوساطة.
وبعد انتهاء المفاوضات الماراثونية، في الساعات الأولى من صباح الأحد الماضي، عقد فانس مؤتمرًا صحفيًا مُقتضبًا.
«استمرّت المفاوضات 21 ساعة، وأجرينا خلالها عددًا من المناقشات الجوهرية مع الإيرانيين. هذا هو الخبر السار. أما الخبر السيئ فهو أننا لم نتوصل إلى اتفاق، وأعتقد أن هذا يُعدّ خبرًا سيئًا لإيران أكثر بكثير من كونه خبرًا سيئًا للولايات المتحدة الأمريكية. وهكذا، نعود إلى الولايات المتحدة دون التوصل إلى اتفاق. لقد أوضحنا بجلاء ما هي خطوطنا الحمراء، وما هي الأمور التي نُبدي استعدادًا للتنازل عنها، وما هي الأمور التي لسنا على استعداد للتنازل عنها. وقد أوضحنا ذلك بأقصى قدر ممكن، لكنهم اختاروا عدم قبول شروطنا»، قال نائب الرئيس الأمريكي.
تلقى فانس بضعة أسئلة قصيرة من عدد من الصحفيين المرافقين للوفد، ثم حزم الوفد الأمريكي أمتعته، وسارع عبر شوارع إسلام آباد، واستقلّ طائرة للعودة إلى الولايات المتحدة.
نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحفي في إسلام آباد، 12 أبريل. المصدر: قناة داون نيوز على يوتيوب.
لم يعقد الوفد الإيراني مؤتمرًا صحفيًا، لكن نبرتهم منذ انتهاء المحادثات عكست التشاؤم الذي عبّر عنه فانس.
كتب عراقجي على منصة إكس: «في محادثات مكثفة على أعلى مستوى منذ 47 عامًا، انخرطت إيران في التفاوض مع الولايات المتحدة بحسن نية لإنهاء الحرب. ولكن عندما كنّا على وشك توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد، واجهنا تشددًا، وتغييرًا مستمرًا للأهداف، وحصارًا. لم نتعلم أي دروس لأن حُسن النية يولد حسن النية، والعداوة تولد العداوة».
من جانبه، وفي خطوة تصعيدية، أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فرض حصار بحري على مضيق هرمز.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث إلى الصحافة، 12 أبريل. المصدر: Rapid Response 47 على إكس.
هذا هو الوضع الراهن، بعد مرور يومين على اختتام المحادثات.
تحدث «مدى مصر» مع مسؤولين مصريين مُطّلعين على المحادثات في إسلام آباد، ومصدر في الأوساط الدبلوماسية الأمريكية في الخليج، ودبلوماسي إيراني، إضافة إلى المسؤول العربي السابق، والمصدر الباكستاني، لفهم ما جرى في المفاوضات وإلى أين تتجه الأمور.
يسعى الباكستانيون إلى صياغة أفكار جديدة، والتوصل إلى حلول وسط، وطرحها على الجانبين، وتوضيح الخسائر التي سيتكبدها كل طرف في حال استئناف الحرب، إلا أنهم لم يُحددوا بعد أي جدول زمني واضح لاستئناف المفاوضات.
علاوة على ذلك، تتفق جميع المصادر على أن هذه العملية المُعقدة من المفاوضات حول قضايا أكثر تعقيدًا تجري في ظل مواقف تتسم بالتشدد من جانب إيران، رئيس أمريكي متقلب المزاج ومتسرع، يصغي باهتمام إلى دعوات إسرائيل للحرب، ويمزج بين القوة العسكرية والسياسة بشكل لم يسبق له مثيل بين صنّاع القرار الأمريكيين البارزين.
بالنسبة للمصدر الباكستاني، لم يكن التشاؤم الذي ساد في ختام المحادثات أمرًا جللًا.
عند سؤاله عن تصريحات فانس، قال المصدر: هذه «أمور تفاوضية معتادة».
أضاف المصدر أن الباكستانيين «توقعوا من كلا الجانبين طرح أفكار واستخدام لُغة محسوبة، وغير ذلك مما تشهده المفاوضات. إنها عملية مستمرة، ونحن ملتزمون بها. ما نقوم به مدعوم من دول الخليج العربي، خاصة السعودية وعُمان. ونُجري محادثات مع تركيا ومصر».
ويؤكد المصدر أن المحادثات لم «تفشل»، حتى وإن لم يتحقق هدف الخروج من المفاوضات باتفاق إطاري أو إعلان نوايا.
«كنا بحاجة إلى هذا الدعم الإعلامي لإعطاء العملية دَفعة. لا أعتقد أن أحدًا توقع أن يتم هذا الأمر بين عشية وضحاها، بعد عقود من الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. لا يمكن تسوية مثل هذه الأمور بين عشية وضحاها.. لا يبدو هذا منطقيًا في الواقع»، يقول المصدر.

لكنّ المناقشات الفعلية في غرفة المفاوضات لم تكن مجرد استعراض، وفقًا لما قالته مصادر مُطلعة لـ«مدى مصر». تمكنت الوفود من الاتفاق على عدة قضايا رئيسية، إلا أن وجهات نظرها كانت متباينة بشكل كبير فيما يتعلق بالأهداف الاستراتيجية والمواقف العلنية والمضمون.
يرى المصدر الباكستاني ومصدر آخر في الأوساط الدبلوماسية الأمريكية في الخليج أن الجانبين تمكنا من إحراز تقدم ملحوظ بشأن مضيق هرمز.
يُعد إغلاق المضيق أهم ورقة ضغط في يد إيران، وقد تم تصويره في وسائل الإعلام على أنه القضية الأكثر خلافًا بين الجانبين، إلا أنه، بحسب المصدر الباكستاني، يُعتبر مسألة ثانوية.

يقول المصدران إن الأمريكيين والإيرانيين اتفقوا على العمل معًا لإزالة الألغام التي زرعها الإيرانيون هناك خلال الحرب، إلى جانب مساعدة من البريطانيين. وأضاف المصدر الباكستاني: «هذا ما كان يناقشه رئيس الوزراء البريطاني خلال جولته الخليجية الأخيرة».
مع ذلك، يقول مصدر في الأوساط الدبلوماسية الأمريكية إن هذه النوايا الحسنة لا تعني بالضرورة إمكانية التوصل إلى اتفاق. ويرجع ذلك في معظمه إلى اختلاف أهداف كل طرف في المفاوضات.
يرى المصدر أنه من الممكن «التوصل إلى اتفاق محدود النطاق يركز على مُقايضة فتح مضيق هرمز برفع تجميد الأصول الإيرانية».
«كان الأمريكيون على استعداد للإفراج عن أصول إيرانية، ليس فقط في قطر، بل أيضًا في كوريا الجنوبية، وكانوا على استعداد للإفراج عن المزيد من الأصول في دول أخرى شريطة أن يركز الاتفاق على مُقايضة فتح مضيق هرمز برفع تجميد الأصول»، يضيف المصدر.
لكن المصدر الباكستاني والمصدر في الأوساط الدبلوماسية الأمريكية في الخليج يؤكدان أن مناقشة الملف النووي في المفاوضات أدت إلى طريق مسدود.
أثار فانس هذه القضية في مؤتمره الصحفي من إسلام آباد. «الحقيقة البسيطة هي أننا نريد أن نرى التزامًا صريحًا من جانبهم بأنهم لن يسعوا إلى امتلاك سلاح نووي، ولن يسعوا إلى امتلاك الأدوات التي تُمكّنهم من تحقيق ذلك بسرعة. هذا هو الهدف الأساسي لرئيس الولايات المتحدة، وهذا ما سعينا إلى تحقيقه من خلال هذه المفاوضات»، هكذا صرّح نائب الرئيس. «السؤال ببساطة هو: هل نرى التزامًا راسخًا من جانب الإيرانيين بعدم تطوير سلاح نووي؟ ليس الآن فقط، ولا بعد عامين فقط، بل على المدى البعيد. لم نر ذلك بعد».
الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، يتحدث إلى الصحافة حول محادثات إسلام آباد، 10 أبريل. المصدر: Rapid Response 47 على إكس.
بالنسبة للمصدر في الأوساط الدبلوماسية الأمريكية، وللمسؤولين المصريين المُطّلعين على المحادثات، فإنّ المسألة النووية كشفت جوهر الاختلاف في مواقف الوفدين.
يقول المصدر في الأوساط الدبلوماسية الأمريكية في الخليج إن فهم الولايات المتحدة لعملية صنع القرار الإيرانية في الوقت الراهن هو أنّها قيادة مشتركة بين المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الذي أُصيب بجروح بالغة في الحرب، والحرس الثوري.
يعزو المصدر الموقف المتشدد إلى تعليمات الحرس الثوري الإيراني، ويصوّر قاليباف وعراقجي على أنهما الأكثر استعدادًا للعمل ضمن منطق مقايضة ضيقة النطاق، وتأجيل المحادثات النووية إلى مرحلة أخرى.
«صدرت تعليمات من الحرس الثوري الإيراني بعدم التوصل لاتفاق لا يتضمن موقفًا واضحًا بشأن البرنامج النووي الإيراني، وضمان حق إيران في التخصيب. أثار هذا غضب الأمريكيين بشدة، فتبنوا موقفًا متشددًا للغاية، إذ رفضوا أي برنامج نووي على الإطلاق، مدنيًا كان أم عسكريًا. تعقدت الأمور بسبب إصرارهم على مناقشة البرنامج النووي وصياغة موقف واضح بشأن وضع حلفاء إيران. لم يكن من المُفترض مناقشة هذين الأمرين في المرحلة الأولى»، يقول المصدر.
يؤكد مسؤول مصري مُطّلع على المحادثات أن الأمريكيين، في نهاية المطاف، تبنوا نهج «إما القبول أو الرفض».
يرى المسؤول العربي السابق، الذي يتمتع بصلات في العواصم الغربية والإقليمية، أن هذا التباين في النهج يعكس فشل الأمريكيين في إدراك أن الحرب قد غيّرت الموقف التفاوضي الإيراني.
يقول إنه «كان من المتوقع أن يتبنى كل طرف موقفًا متشددًا. ويتصرف كل طرف وكأنه المنتصر في الحرب. لكن الأمريكيين لا يدركون أن هناك أمورًا كان بإمكان الإيرانيين قبولها قبل الحرب، لكنهم لن يقبلوها الآن». ويشير المسؤول العربي السابق إلى مسائل تتعلق بتخصيب اليورانيوم، ومستواه، ومكانه، ومصير الكميات المُخصبة، والصواريخ الباليستية الإيرانية ومنصات إطلاقها، وحلفاء إيران.
ووفقًا لدبلوماسي إيراني، شعرت طهران بأنها قدمت مبادرات بناءة لم تلقَ استجابة كافية.
أفاد مسؤول مصري ثانٍ مُطّلع على المحادثات بأن عدم الانخراط في نقاش هذه القضايا يعود إلى موقف الوفد الأمريكي، مشيرًا تحديدًا إلى مكانة فانس في الدائرة المقربة للرئيس الأمريكي.
وأضاف أن «عدم التوصل إلى اتفاق، ليس بسبب عدم إمكانية ذلك، بل لأن فانس لم يرغب في التوقيع على اتفاق منذ البداية، لأن ذلك سيُفسّر على أنه استسلام تام للإيرانيين، وهذا ما لا يرغب فانس في أن يكون مسؤولًا عنه، خاصةً أنه يُنظر إليه على أنه الشخص الأكثر معارضة لهذه الحرب في الإدارة الأمريكية. لذا، فهو يُريد اتخاذ موقف متشدد».
وتابع المصدر أن الأمريكيين كانوا يراهنون على انقسام داخل الفريق الإيراني المفاوض، لكن جميع الجهات التي تواجد ممثليها في إسلام آباد «تخضع لتوجيهات الحرس الثوري الإيراني، ولا يُمكنها الاختلاف معه»، على حد قول المصدر.
يشير المصدر الباكستاني إلى مشكلة أخرى في المحادثات: إسرائيل.
يؤكد المصدر أن التواصل بين الولايات المتحدة وإسرائيل مستمر. «أكبر مشكلة نواجهها ليست مسودة منقوصة، أو إقناع السعوديين أو القطريين بالانضمام، أو الحصول على دعم تركيا أو مصر أو حتى الأوروبيين. كلا، إن أكبر مشكلة تواجهنا هي منع الإسرائيليين من التأثير على عملية صنع القرار الأمريكي، لأن إسرائيل لن تقبل بأي اتفاق من أي نوع»، يضيف المصدر.
عند سؤاله عن الجدول الزمني لاستئناف المحادثات، أعرب المصدر الباكستاني عن ثقته في استئنافها والحفاظ على وقف إطلاق النار. «ربما خلال الأسبوع أو الأسبوعين المقبلين، لكنها سوف تُستأنف»، طبقًا له.
كذلك لم يستبعد المسؤولان المصريان والمصدر في الأوساط الدبلوماسية الأمريكية استئناف المحادثات، مؤكدين أن مصر تُجري محادثات مع مسؤولين من واشنطن وباكستان في محاولة للحفاظ على استمرار عملية التفاوض.
يرى المسؤول المصري الثاني أن الولايات المتحدة قد تُغير موقفها في المفاوضات المقبلة، باستبدال فانس بأحد أعضاء الدائرة المقربة من ترامب، ولكن من الفريق الأكثر تأييدًا للحرب.
أما الدبلوماسي الإيراني، الذي تحدث بعد فرض ترامب حصارًا بحريًا على مضيق هرمز، فكان أقل تفاؤلًا، إذ نفى إمكانية عقد جولة جديدة من المفاوضات، وهدد بإمكانية إغلاق الحوثيين لممر باب المندب لزيادة الضغط.
على الرغم من أن الأمر يبدو غير سياسي، إلا أن جميع المصادر تتفق على أن الكثير مما سيحدث لاحقًا سيتوقف على موقف رجل واحد: ترامب.
لكل مصدر تفسيره الخاص للعوامل التي قد تؤثر على قرارات ترامب.
يرى المسؤول العربي السابق ذو الصلات في الولايات المتحدة أن ترامب سيسعى جاهدًا لإبرام صفقة نظرًا لحاجته إلى ضمان فوز حزبه في انتخابات التجديد النصفي القادمة، فضلًا عن شعور الجمهوريين بالإحباط الشديد من تأثير الوضع في المنطقة على شعبيتهم، خصوصًا مع تداعيات الصراع على التضخم وأسعار الوقود. «يحتاج ترامب إلى إيجاد مخرج دبلوماسي لتقليل خسائره»، يقول المصدر.
ويضيف المسؤول السابق أن التوصل إلى اتفاق لن يكون بالأمر السهل.
«لا أعتقد أن الإيرانيين في عجلة من أمرهم للتوصل إلى اتفاق الآن، لأنهم يدركون أن ترامب سيجد صعوبة بالغة في استئناف الحرب، وقد تكون إسرائيل أكثر استعدادًا للحرب من ترامب. ولذلك، سيأخذون وقتهم في المفاوضات تماشيًا مع النهج الإيراني التقليدي في المفاوضات»، كما يقول. «لكن من الصعب توقع أن يتحلى ترامب بالصبر والحكمة اللازمين لعملية مفاوضات طويلة الأمد كهذه قد تُفضي إلى اتفاق شامل. ترامب يريد اتفاقًا من صفحة واحدة يقرأه في ثلاث دقائق ويتوصل إليه في غضون أيام قليلة».
ويتفق المسؤول المصري الأول مع هذا التقييم، قائلًا إن المفاوضات مع إيران تتطلب براعة وصبرًا، وهما صفتان يفتقر إليهما ترامب.
ويتفق المسؤولان المصريان، والمسؤول العربي السابق، والمصدر في الأوساط الدبلوماسية الأمريكية في الخليج، على أن إيران هي صاحبة اليد العليا حاليًا، ما يقلل من شأن آثار فرض ترامب حصارًا بحريًا.
بحسب المسؤول العربي السابق، فإن الحصار لن يُضيف شيئًا لم تُحققه الحرب بالفعل.
من جهة أخرى، يرى المسؤول العربي السابق، الذي يُجري محادثات مع مسؤولين عسكريين أمريكيين في واشنطن، ويتفق معه المسؤوليّن المصريّين، أن المشكلة الأخرى التي تُعيق الحصار أو أي تصعيد أمريكي آخر تكمُن في قلق البنتاجون بشأن كيفية الانتشار العسكري.
يقول المسؤول المصري الأول إن الحصار سيكون صعب التنفيذ للغاية، وهذا ما أبلغه الجيش الأمريكي لترامب، مُضيفًا أنه سيضع السفن الأمريكية مُباشرةً في مرمى نيران إيران، وأن الجيش الأمريكي يتباطأ في تنفيذ هذه الخطوة.
يقول المسؤول المصري الثاني إن «البنتاجون مُستاء للغاية من طريقة سير الأمور. لا أقول إنهم لا يُريدون القضاء على القدرات النووية والصاروخية الإيرانية. قد يتفقون على الهدف، ولكنهم يختلفون مع طريقة تنفيذه، ومع طريقة ترامب ووزير دفاعه في إدارة الأمور».
يقول محلل باكستاني إنه إذا قامت الولايات المتحدة بالفعل بحصار المضيق، فقد يؤدي ذلك إلى توتر العلاقات بين واشنطن وبكين، إذ استمرت الصين في تلقي شحنات النفط من إيران طوال فترة الحرب عبر مضيق هرمز.
لكن المسؤول المصري الأول ومصدر في الأوساط الدبلوماسية الأمريكية في الخليج، أقل ثقة في استمرار الوضع الراهن رغم كل العقبات، نظرًا لتهور الرئيس الأمريكي ونفاد صبره. ويعود ذلك إلى ما يصفونه بسوء تقدير إيران لترامب.
في حديثه عن مساء يوم الأحد، قال المصدر في الأوساط الدبلوماسية الأمريكية في الخليج إنه «على مدار الـ12 ساعة الماضية، أجرت دبلوماسيات دول المجموعة الرباعية محادثات مع الأمريكيين والإيرانيين، وفيما بينها، في محاولة لإنقاذ وقف إطلاق النار قبل أن يفقد ترامب صوابه».
وأضاف «يعتقد الحرس الثوري الإيراني أنه يضغط على ترامب بشدة بسبب أزمة الطاقة وانتخابات التجديد النصفي، وهذا صحيح. لكن من الصحيح أيضًا أن الولايات المتحدة قوة عظمى عالمية، وأن ترامب ليس كأي رئيس آخر، ولا حتى مثل جورج دبليو بوش. كما أن ترامب متأثر بشدة بنتنياهو، وباستثناء فانس، لم يعارض أحد من الدائرة المقربة لترامب الحرب».
أكد المصدر أنه ليس من المُستبعد أن يمضي الرئيس الأمريكي قدمًا في تنفيذ «سيناريوهات كارثية».
ويضيف المصدر أنه «إذا فشل الوسطاء، وتمسك الطرفان بموقفهما المتشدد، وإذا فشلت المفاوضات -وهذا سيناريو وارد الحدوث- فقد تنفجر الأوضاع. وأنا على يقين تام بأن الإيرانيين لا يدركون أن هذه الإدارة ليست كغيرها من الإدارات. إنها ليست إدارة تقرأ وتُحلّل وتحسب. وإلا لما كانت قد شنّت الحرب أصلًا».

ووفقًا للمصدر ودبلوماسي عربي في نيويورك، يدور حديث بالفعل في الأوساط الدبلوماسية عن إصدار قرار جديد في مجلس الأمن الدولي لفتح مضيق هرمز بالقوة، بعد فشل مشروع قرار بحريني مماثل في الحصول على الدعم اللازم رغم جولات عديدة من التنقيح.
«إذا تم رفض مثل هذا القرار مرة أخرى، فستتمكن الولايات المتحدة بسهولة من تشكيل تحالف من الراغبين، بمن فيهم البريطانيون وربما آخرون، وستمضي قدمًا في فتح مضيق هرمز بغض النظر عن احتمال وقوع خسائر بشرية كبيرة»، يقول المصدر من الأوساط الدبلوماسية الأمريكية.
يقول المصدر الباكستاني إنه «في الوقت الراهن، الأهم هو استمرار عملية التفاوض».
يضيف أن هناك مساعٍ لعقد جولة أخرى من المحادثات في إسلام آباد خلال ثلاثة أو أربعة أيام، معتبرًا أن الأهم حاليًا هو المضي قدمًا في عملية بناء الثقة تدريجيًا، إذ يعمل رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، من جهة على تجنب الضغوط الإيرانية والإسرائيلية لتوجيه العملية نحو اتفاق شامل فوري، وهو أمر شبه مستحيل، ومن جهة أخرى على كبح جماح المعرقلين في المعسكر الأمريكي، مثل المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف.
ويأمل الدبلوماسي الإيراني أن تبقى الهدنة سارية كإطار عمل لمنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة.
يقول المسؤول المصري إن «هناك عدد كافٍ من الأشخاص في واشنطن يدركون أن هذه الحرب يجب أن تتوقف ليس فقط من أجل الاقتصاد الأمريكي، بل أيضًا من أجل الجيش الأمريكي». لكن المشكلة الحقيقية، طبقًا له، تكمن في أن «أحدًا لا يعلم ما يدور في ذهن ترامب».
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
كيف تهبٌّ علينا عواصف الاقتصاد العالمي؟ | حوار مع عمرو عدلي
يبدو من المناسب التوقف للتساؤل عن الدروس المستفادة من تجربتنا مع الحرب التي لم نكن طرفًا فيها
ضمن محاولاتها لإفشال محادثات إسلام آباد: إسرائيل تطوق «بنت جبيل»
تحمل «بنت جبيل» أهمية رمزية واستراتيجية وتاريخية لجيش الاحتلال الذي فشل منذ 2006 في السيطرة عليها
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن