تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كيف اختفى طبق السلطة من على موائد المصريين؟

كيف اختفى طبق السلطة من على موائد المصريين؟

كتابة: أحمد خليفة، ندى عرفات 14 دقيقة قراءة

«من كام سنة كنا بننزل نجيب خيار وطماطم وجزر وأدفع 50 جنيه، دلوقتي بقيت أدفع 200 جنيه في كميات أقل. ده أنا بقيت ساعات الاقي الجزر بـ50 جنيه، والفلفل الأخضر اللي كان ببلاش بقى بـ20 جنيه، في حين أن الفلفل الألوان الرفاهية بـ25 جنيه. الأسعار دي لخضار استهلاك يومي كتيرة أوي.» تقول هبة إسماعيل، أم لطفلين. 

قبل ذلك بآلاف السنوات، حرص المصريون القدماء على تناول نظام غذائي متوازن على رأسه الخضروات. وعلى مدار قرون، تغيّرت الأطباق المصرية والأصناف المتوفرة، والطبقات القادرة على شرائها. وكان أبرز تلك التغيرات، اختفاء اللحوم والدواجن من موائد الفقراء إلا فيما ندر، فعرف الفقراء طعم الخضروات «الاورديحي»، وسموا الطماطم الغنية بفيتامين C «تفاح الغلبان»، واستعملوا الخيار لسد جوع أطفالهم مع «ساندوتش جبنة».

لم يستقر الحال على هذا التغيير فقط خلال السنوات الأخيرة. حتى الخضروات باتت صعبة المنال، وتقلص طبق السلطة من مائدة غذاء كثير من المصريين، واختفى من موائد البعض الآخر كلية. وأصبح طبق السلطة المجاني الشهير على عربة الفول يقدم بالطلب. 

كل هذا حدث بعدما ارتفعت أسعار الخضروات بشكل مضطرد، خلال السنوات الأخيرة. عوامل مختلفة ومتشابكة رفعت أسعار الخضروات خلال العقد الماضي، بعضها عوامل جذرية نتيجة لقرارات وسياسات زراعية هيكلية بدأت في رفع الأسعار على نار هادئة، ثم زاد عليها تدريجيًا عوامل طارئة، أججت النار تحت قدر الأسعار.

caption

كانت زراعة الخضروات للفلاحين ركيزة أساسية لحياتهم، على مدار عقود في تاريخ مصر الحديث لأهميتها الاقتصادية والغذائية.

يتذكر حمزة عبد الرؤوف (65 عامًا)، الذي يمتلك ثلاثة أفدنة بقرية الحميدية في الفيوم، كيف استخدمت عائلته المحاصيل المختلفة في إدارة شؤون منزلها، سواء لإطعام أفرادها أو لسد احتياجاتهم المختلفة من ناتج بيعها.

«القمح والقطن كانوا مهمين جدًا. القمح كنا نورد جزء منه للحكومة، والجزء الباقي ناكل منه طول السنة. والقطن، كنّا بنستنى موسم توريده لتزويج أولادنا، أو لبناء المنزل أو أي شيء يحتاج لمبالغ كبيرة. رغم كدة، كان من النادر أنه يتوفر معانا شيء (بعد صرف فلوس) القطن والقمح، علشان كدة كنا نعتمد على زراعة الخضروات؛ فدان طماطم أو خيار، أو خمس قراريط فلفل، أو كرنب وباذنجان. بيع الخضراوات كان بيخلي في إيدينا فلوس باستمرار» يقول عبد الرؤوف لـ«مدى مصر». 

بنت عائلة عبد الرؤوف هذه العملية الاقتصادية على عملية حسابية واضحة: المحاصيل الاستراتيجية؛ كالقطن والقمح والفول والذرة، وحتى البصل والثوم، تحصد مرة واحدة خلال أيام في نهاية الموسم. أما الخضروات، فيستمر جنيها لأسابيع أحيانًا مثل الخيار (مرة كل ثلاثة أيام)، أو لثلاثة أشهر مثل الطماطم (مرة كل أسبوع)، أو حتى لبضعة أشهر مثل الفلفل والباذنجان، واللذان يُجنيان كل يومين. جعل هذا لزراعة الخضروات أهمية مماثلة للزراعات الاستراتيجية، لأنها شكلّت مصدرًا لربح متجدد وطويل الأجل للفلاحين يتيح لهم الإنفاق اليومي على أسرهم. أما للمستهلكين، فقد وفرت لهم أنواع الخُضر المختلفة بأسعار مناسبة. 

ساهم في تلك الاستدامة وفرة مستلزمات الإنتاج أمام الفلاحين بسعر مناسب، بدءًا من الشتلات أو البذور، مرورًا بالأسمدة الكيماوية والمبيدات، وانتهاءً بتكلفة الجنيّ والبيع. كانت الحكومة توفر مستلزمات الإنتاج في الجمعيات الزراعية، مقابل مبالغ ضئيلة ضمن حصص مُدعمة لكل الفلاحين، فضلًا عن مدهم بالسُلف اللازمة لعمليات الإنتاج من مرحلة الزراعة وحتى الجني والتسويق. 

caption

لكن كل هذا تغير مع «تحرير الزراعة»، كجزء من برنامج الإصلاح الاقتصادي في مطلع التسعينيات. قررت الدولة رفع يدها عن كل ما يخص الزراعة، وتوقفت عن مد المزارعين بالبذور والشتلات والمبيدات المدعمة، وقصرت دعمها على تقديم حصة من الأسمدة لا تكفي الاحتياجات لأي محصول، ويضطر الفلاحون لشراء مثلها من السوق الحر.  

دفع ذلك عبد الرؤوف وأولاده الثلاثة للاتجاه لمسار اقتصاد زراعي مختلف عمّا انتهجته عائلتهم سابقًا، وتوقفوا عن زراعة الخضروات، واكتفوا بزراعة نصف قيراط من الكرنب والفلفل والباذنجان لاستهلاك المنزل.

caption

إحدى الركائز الأساسية لاستقرار السوق والتي توقفت أيضًا بتحرير الزراعة كانت «الدورة الزراعية»، والتي استخدمتها الحكومة على مدى عقود لرسم خريطة لمحاصيل مصر وإنتاجها السنوي، لهدفين: الأول، تحسين خصوبة التربة، عبر زراعة محاصيل مختلفة تمدها بالعناصر الغذائية المتنوعة. تنسيق تدوير هذه العناصر من المحاصيل المختلفة عبر التربة هو إحدى مهام الدورة الزراعية.

الهدف الثاني، تنظيمي واقتصادي وتخطيطي، إذ تبني الجهات المعنية خططها للأمن الغذائي والتصدير والاستيراد بناءً على معلومات الدورة الزراعية.

بإلغاء الدورة الزراعية مطلع التسعينيات، اكتفت وزارة الزراعة بإصدار تركيب محصولي إرشادي يوضح التوزيع النسبي للمحاصيل على مساحة الأراضي في مصر، بناءً على احتياجات الدولة من هذه المحاصيل. ومع الوقت، أصبح التركيب المحصولي غير مركزي؛ إذ تُصدره كل جمعية زراعية في كل منطقة على حدة. وبعد سنوات، توقف إصداره في جمعية تلو الأخرى، حتى اختفى تقريبًا، وتُرك التخطيط الزراعي إلى أهواء السوق. 

النتيجة كانت فوضى تامة، خصوصًا مع توجه الدولة للتصدير الزراعي، ودعم المستثمرين على حساب  صغار المزارعين، وتوسع الأسواق والطلب، إذ بدأت احتياجات السوق العالمي في الدخول كطرف جديد لا يدرك أبعاده أغلب الفلاحين، بعدما كانوا يعتمدون، سابقًا، في التعاطي مع احتياجاته بناء على توجيهات الحكومة. 

كل عام، يختفي نوع أو اثنان من الخضروات من السوق، ويرتفع سعرهما. في العام التالي، بحثًا عن الربح، تزيد مساحتهما بما يتجاوز احتياجات السوق، ويخسر المزارعون، ويقررون التوقف عن زراعتهما الموسم التالي. لكن في الموسم التالي، تطرأ أزمة عالمية في أحد المحاصيل المهمة كالبصل والبطاطس، أو تحظر أهم الدول المنتجة له تصديره، ويُفتح أمام مصر باب جديد ويتوجه معظم المحصول إلى التصدير ويُترك للسوق المحلي الفتات. 

تكرر هذا السيناريو مع الشبت والكزبرة. «من كام شهر، حزمة الشبت والكزبرة كشت وبقى فيها 3 أو 4 عيدان وبقت بخمسة جنيه، وعشرة جنيه في مناطق تانية. لو محتاجة خُضرة من دي مش هقول علشان المحشي، لا، علشان طبق السلطة، هحتاج واحدة كل يوم. خمسة جنيه كل يوم لمدة شهر كتير على الأسر البسيطة، وكتير حتى بالنسبة لدخل الفرد دلوقتي» تقول هبة

ما لم تعرفه هبة أن خلال هذه الفترة، توسعت مصر في تصدير الشبت والكزبرة بأسعار تجاوزت 130 ألف جنيه لمحصول الفدان الواحد، فيما لا تكلف زراعته أكثر من 20 ألف جنيه، حسبما يقول محمد الجوهري، مزارع لـ«مدى مصر». 

التوسع غير المدروس في زراعة الشبت والكزبرة وغيرها من المحاصيل لا يعد حلًا للفلاحين أو المستهلكين. المكسب الكبير الذي يحققه بعض الفلاحين من زراعة محاصيل بعينها يشجع بقية الفلاحين على زراعة نفس المحاصيل الرابحة. لكن لأن التوسع غير مدروس، تكون نتيجته خسارة المزارعين لموسم جديد كبدهم آلاف الجنيهات، بعد إغراق السوق ببضاعة لا مشتري لها، خصوصًا إذا انخفض الطلب العالمي من جديد، وتدور الدائرة نفسها كل عام.

غياب التخطيط، والتوسع في التصدير على حساب السوق المحلي، رفع معدلات تصدير الخضروات 393% على مدار نحو عشر سنوات ما بين 2010 و2021، في مقابل انخفاض حصة الفرد منها بـ46%، وفقًا «للتعبئة والإحصاء».

caption

مع توقف الدعم المادي والتخطيطي الحكومي للمزارعين، توقف تدريجيًا دعمها الإرشادي أيضًا بعد خروج آخر دفعة إرشاد زراعي بوزارة الزراعة من الخدمة عام 2020، وكف الحكومة عن تعيين دفعات جديدة. 

هذا الغياب جاء في أكثر الأوقات احتياجًا للإرشاد والتوعية، وبالطبع للدعم المادي والتخطيطي، في ظل أزمة التغيرات المناخية والتقلبات الطقسية العنيفة التي لم يعرفها الفلاحون من قبل ولا يعرفون طريقة مواجهتها أو حتى تقليل ضررها. 

عكس العقود السابقة والتي كان طقسها أكثر استقرارًا في مصر، تتعرض الزراعات خلال العقد الأخير لخسائر دورية.  كان أكثر الخسائر فداحة ما حدث في محصولي المانجو والزيتون عام 2021. ثم جاءت أشهر أخرى شديدة البرودة، ما تسبب في تلف محاصيل أخرى. توقع بحث صادر عن قسم الاقتصاد الزراعي بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، عام 2021، انخفاض في إنتاجية الخضروات بين 7 و11% تأثرًا بتغيرات المناخ. تزداد الخسائر حدة مع التغيرات المناخية بما تشمله من تغيير مواعيد بدء الفصول ومدتها، وتباين درجات الحرارة وامتداد الموجات الحرة حتى الخريف، أو موجات الصقيع المفاجأة في الربيع. 

caption

«من سنتين زرعت فدان طماطم، صرفت عليه 25 ألف جنيه، لكن الصقيع قضى عليه. الثمار سقطت، ولما الجو بدأ يدفى كان النبات شاخ. ثمن بيع المحصول بعد دفع أجرة الجمع والنقل مجابش نص تكلفة الزراعة. ده ماكنش وضعي لوحدي لكن وضع كتير من جيراني،» يقول إبراهيم محمد (45 عامًا)، والذي يمتلك فدان ونصف الفدان بإحدى قُرى محافظة المنيا.

تكرر الموقف مجددًا في العروة الشتوية للخيار، حسبما يقول محمد، «استمرار البرودة الشديدة حتى شهر مارس وأبريل منعت الأزهار من العقد وتكوين الثمار. كان المحصول ضعيف جدًا ويا دوب قدرت أجمع الفلوس اللي صرفتها». 

caption

الفلاحون ليسوا سواء في مواجهة هذه التقلبات. لدى بعضهم القدرة على استخدام الصوب الزراعية، التي تبدأ أسعارها من 200 ألف جنيه للفدان للصوب الصغيرة، وتصل إلى 2.5 مليون جنيه للصوبة الأحدث، والتي لا يجب أن تقل المساحة المقامة عليها عن فدانين ونصف، حسبما يقول مهندسون زراعيون ومزارعون لـ«مدى مصر». 

مشاريع صوب الخضروات بدأ جهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، متمثلًا في الشركة الوطنية للزراعات المحمية، في الاستثمار بها عام 2018 بهدف «المساهمة في سد الفجوة الغذائية بإنتاج وتوفير أصناف الخضر بجودة عالية وأسعار مناسبة وزيادة حجم الشراكة المصرية في السوق الخارجي من خلال مميزات تسويقية جديدة»، كما تصف الشركة هدف المشروع على موقعها. لكن لأسباب مختلفة يتعلق معظمها بسوء الإدارة ونقص الخبرات، لم ينجح المشروع في خفض أسعار الخضروات، كما يقول مهندسون ذو صلة بالمشروع لـ«مدى مصر».

«المزارعون الأقل ثراء وخصوصًا في الصعيد والدلتا بيستخدموا صوب زراعية بدائية أكتر. أقصر وأصغر، معمولة من الخشب والمشمع، وبالتالي تكلفتها بتكون أقل مقارنة بالصوب الكبيرة المجهزة بكهرباء ومسار للري والتهوية وقياس درجات الحرارة والرطوبة وغيره، وبتوفي الغرض بس على نطاق صغير، لكن لو الجو سيئ جدًا ممكن تنهار» يقول المهندس الزراعي علي سليمان لـ«مدى مصر». 

ارتفاع تكلفة الصوب ومساحتها الكبيرة يحدّان من قدرة صغار المزارعين، الذين لا تتجاوز حيازاتهم فدانًا واحدًا، ويشكّلون أكثر من 48% من حيازات الأراضي، على استخدامها. 

هؤلاء المزارعون، ومن بينهم محمد، يتركون زراعتهم «مكشوفة»، ما يجعلها أكثر هشاشة أمام  التقلبات الطقسية. لذلك، قرر محمد العزوف عن زراعة الخضروات، كالعديد من المزارعين، وهو ما ساهم في انخفاض إنتاج الخضروات في مصر بنسبة 20% بين عامي 2010 و2021، بحسب بيانات «الإحصاء».

صورة من ويكيميديا كومنز

تقلص الحيازات كان له تأثير أيضًا على زراعة الخضروات. «لما الأرض كانت بتاعة جدي كانت خمسة فدان، كنا بنزرع الأرز والقطن والقمح ونخلي فدان للخضار، لكن لمّا الأرض اتوزعت بعد وفاة جدي وأبويا بقى عندي 13 قيراط، مقدرش أغامر وازرعهم خضار، بزرعها قمح وقطن بشكل أساسي»، يقول السيد حسن، مزارع بالبحيرة. 

أدى تقلص الحيازات، الذي يعد أحد التبعات السلبية للقوانين المُنظمة للملكية الزراعية، وحجم الحيازة، والعلاقة بين المالك والمستأجر، إلى تقييد قدرة الفلاحين على زراعة الخضروات إلى جانب المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والأرز والقطن، بدافع الاستغلال الأمثل للمساحة المحدودة، في ظل عدم استقرار العوائد المادية للخضروات، فضلًا عن ضمان تسويق المحاصيل الاستراتيجية إلى الحكومة على عكس المحاصيل الأخرى التي لا يعرفون طريق لتسويقها سوى التجار.

caption

صعوبة تسويق الخضروات وتوزيعها، سبب آخر لارتفاع أسعار الخضروات، إذ أن قدرة معظم الفلاحين على توزيع إنتاجهم والنفاذ إلى السوق محدودة، حسبما يقول مزارعون وتجار في محافظات مختلفة لـ«مدى مصر»، مشيرين إلى أن صغار المزارعين لا فرص أمامهم لبيع محاصيلهم في أسواق الجملة، وبالتالي يضطرون لبيعها إلى تجار وسطاء بسبب ارتفاع تكلفة النقل مقارنة بحجم إنتاجهم الضئيل الذي قد لا يتجاوز طن طماطم، أو 800 كيلو خيار، أو 400 كيلو فلفل. 

يلجأ المزارعون عادة إلى ثلاثة مسارات لتوزيع الخضروات، وفقًا للمساحات التي يملكونها وقدرتهم على النفاذ للأسواق. الأول: مستثمر أو مزارع يملك مساحات زراعية كبيرة، وقدرة تسويقية واسعة، تمكنه من التواصل مباشرة مع تجار الجملة، وهي أكثر المسارات تحقيقًا للربح للمزارعين.

المسار الثاني والأكثر انتشارًا، يعرفه السوق بالبيع «كلالة» وهي عملية بيع المحصول قبل الجني، وفيها يتوقف دور المزارع على الزراعة فقط، فيما يتولى التاجر توفير العمالة الزراعية للجني والتعبئة، ويتكلف بالنقل أيضًا. أما المسار الأخير فهو البيع «على رأس الحقل»، وهنا يتكفل الفلاح بالزراعة والجني، فيما يتحمل التاجر مسؤولية النقل والتعبئة. وفي الحالتين يبيع التجار المحصول لتاجر آخر وسيط أو في سوق الجملة «الشوادر» بعد فتح مزاد على المحصول، ويتقاضى التاجر عمولة بيع من الفلاح تصل إلى 10%.

ترتفع نسبة ما يحصل عليه المزارعون من ناتج البيع النهائي لسلعهم إلى 75% في حال البيع مباشرة في أسواق الجملة، وتنخفض إلى 55% في حال البيع «على رأس الحقل»، وتصل إلى أقل من 45% في حال البيع «كلالة».*  

وفقًا للمصادر المختلفة، يلجأ صغار الفلاحين في مصر إلى مسار البيع «الكلالة»، و«على رأس الحقل»، لأسباب مختلفة، بخلاف حيازتهم الزراعية المحدودة، أهمها ارتفاع تكلفة العمالة الزراعية وندرتها حاليًا، حسبما يقول المهندس الزراعي، سليمان لـ«مدى مصر». السبب الآخر هو بُعد أغلب القرى عن أسواق الجملة والشوادر ما يرفع من تكلفة النقل.  

صالح أحمد، تاجر تجزئة، ونصف جملة، بمصر القديمة يوضح لـ«مدى مصر»، أن المزادات التي يشتري فيها تجار التجزئة الخضروات، تُحدد وفقًا للكمية المتاحة، وحجم الطلب عليها. «لما بيكون المزاد مفتوح على كمية قليلة ممكن ياخدها تاجر واحد، وده بيخليه يتحكم في سعر البيع للمحلات أو للتجار الأصغر. لكن لو كمية كبيرة، بتتقسم ما بين عدد من تجار التجزئة. وفي أوقات كتير بياخد المزاد تاجر نصف جملة ويوزعها بنفسه على تجار التجزئة بعد ما يرفع السعر من جنيه لاتنين على الكيلو، وده بيخلي تجار التجزئة يرفعوا السعر على المستهلك».

بخلاف ذلك، يسيطر على أكبر أسواق مصر للجملة «سوق العبور»، 70 تاجرًا فقط بسبب إمكانياتهم التجهيزية العالية؛ إذ يملكون ملايين الأقفاص والعبوات التي يمدون المزارعين بها لجمع المحاصيل ومن ثم شرائها. ولإحكام قبضتهم بشكل أوسع على إنتاج صغار المزارعين، الذين يُقرضهم هؤلاء التجار مبالغ مالية، بشرط أن يوردوا إنتاجهم لمحلاتهم، وهي القروض التي يحتاجها المزارعون في ظل ارتفاع تكاليف الزراعة، حسبما يوضح حسين. أ، مدير حسابات واحد من أكبر المحال بسوق العبور لـ«مدى مصر». 

caption

وفي الوقت الذي تنكمش فيه أعداد المزارعين القادرين على توريد محاصيلهم بأنفسهم للأسواق، وتوفير تكاليف السمسرة التي توزع على أكثر من تاجر وسيط قبل أن تصل إلى المستهلك، بدأ عدد من تجار الجملة بالأسواق الكبرى خلال السنوات الأخيرة في شراء أو استئجار مزارع خضروات وفاكهة، فيما استصلح بعضهم أراضٍ جديدة على طريق الإسكندرية، وفي الأظهرة المستصلحة بمحافظة المنيا وعلى طريق أسيوط الغربي، لزراعتها، في محاولة للسيطرة على سلاسل الإنتاج والتوزيع بالكامل، حسبما يؤكد لـ«مدى مصر» عشرة مصادر من مزارعين وتجار وعاملين بالأسواق الكبرى، وتجار جملة. 

ظهرت آثار هذا التغيير بالفعل، إذ تزايدت خلال السنوات القليلة الأخيرة واردات الخضروات لأكبر سوق جملة في مصر -سوق العبور- من المستثمرين الزراعيين لتتجاوز نصف الواردات تقريبًا، فيما تتضاءل واردات صغار المزارعين والتجار بشكل مستمر، حسبما تقول مصادر مختلفة بأسواق الجملة لـ«مدى مصر». 

تحول الزراعة من أيدى صغار المزارعين إلى كبار المستثمرين، الذين ينتهجون سبل إنتاجية أكثر كثافة وتكلفة من صغار المزارعين، رفعت سعر الخضروات، ورفعت أيضًا معدلات التصدير. 

caption

تفاقمت أزمة الأسعار في عام 2014، عندما تخلت الدولة عن دعمها للوقود في موجات متتالية ما رفع تكلفة نقل الخضروات من الحقول إلى الأسواق، وتكلفة استخدام ماكينات الري التي تعتمد على السولار. 

أخذت الأزمة منحنى أخطر بعد تحرير سعر الصرف وتعويم الجنيه عام 2016، والذي أعقبه موجات تضخم كبيرة، وفقد الجنيه 83% من قيمته في مقابل الدولار، تدريجيًا، حتى اليوم.

وبعد ست سنوات اشتعلت أزمة نقص العملة الصعبة، وكان إحدى نتائجها موجات تضخم جديدة، وأزمة استيراد غير مسبوقة أثرت على كافة الأصعدة، بدءًا من رغيف الخبز والأعلاف واللحوم والألبان وحتى الخضروات، إذ تستورد مصر 98% من بذور الخضروات، فضلًا عن مستلزمات الإنتاج الأخرى من المبيدات والأسمدة. 

موجات التضخم المتتالية، رفعت إيجارات الأراضي وأسعار مستلزمات الإنتاج بنسبة وصلت إلى 228% ما بين 2010 وحتى 2020، وفقًا لآخر تقارير صادرة عن التعبئة والإحصاء، وذلك دون حساب أثر موجات التضخم الأخيرة خلال الأعوام الثلاثة الماضية. 

في المقابل، توسعّت الحكومة في التصدير، بحثًا عن العائد الدولاري على حساب أسعار السلع المحلية، مثل البصل والبطاطس، وارتفعت أسعارهما لدرجة غير مسبوقة، فقط من أجل توفير العملة الصعبة.

«دلوقتى لو عايزة اعمل صينية بطاطس٬ هجيب بصل، البصل ب 50 جنيه، والبطاطس ب 20 جنيه، وشوية طماطم. صينية البطاطس هتتكلف حوالي سبعين جنيه علشان أسرة من أربع أفراد، من غير لحمة او فراخ ولا رز ولا سلطة.» تقول هبة.

caption

التأثير لا يتوقف فقط عند التجارة، وإنما يتجاوزها لصحة المصريين. التاريخ يحوي أمثلة كثيرة على تأثير تغير نمط الغذاء وتغيير السياسة الزراعية على الصحة العامة. في القرن التاسع عشر، تسببت السياسات الزراعية والمتمثلة في التوجه لزراعة القطن وتصديره، على حساب زراعة القمح، في اضطرابات غذائية وانتشار مرض البلاجرا (نقص فيتامين ب3) بين المصريين. 

آثار أزمة الغذاء التي تمتد لما هو أبعد من الخضروات بدأت تنعكس على الحاضر أيضًا. كشفت بيانات منظمة الأغذية والزراعة «فاو» ارتفاع نقص التغذية على مستوى مصر نحو 2% لأعوام 2020-2022، مسجلة 7.2% بعدما كانت 5.3% أعوام 2012-2014، فيما ارتفعت أعداد الأطفال المصابين بالأنيميا إلى 5.1 مليون طفل، مقارنة بـ2.7 مليون في عام 2014، وفقًا لتقارير وزارة الصحة. 

 لم تتمكن هبة من خفض استهلاك أسرتها من الخضراوات لأنها شيء غير قابل للاستغناء كما قالت في ظل احتياج طفليها للغذاء الصحي خلال نموهما، لكن حفاظها على توفير الخضروات جاء على حساب توفير الفاكهة في المنزل، وعلى حسابها هي وزوجها. «لو كنت بعمل حاجة لنفسي مبقتش أعملها أو بقيت أعمل جزء منها، لو هروح الكوافير مرتين بقت مرة. لو هشتري شوكولاتة كل أسبوع هتبقى كل أسبوعين»، تقول هبة. 

لكن آلاف النساء لا يملكن الرفاهية التي تملكها هبة، إذ استغنوا مضطرين عن الخضروات، في ظل تزايد معدلات الفقر، والذي وصل29.7% في آخر تقديرات الحكومة عام 2020، فيما قدرته دراسة مستقلة أعدتها أستاذة الإحصاء بجامعة القاهرة ومستشار الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، هبة الليثي، أنه بلغ 35.7% في عام 2023/2022.  

وقالت الليثي لـ«مدى مصر» في وقت سابق إن «الجانب الأكبر من الزيادة في معدلات الفقر سببه زيادة أسرع في تكلفة السلع التي تستهلكها الشرائح الأفقر عن تكلفة السلع التي تستهلكها الشرائح المتوسطة»، مضيفة: «بما أن نصيب الطعام أعلى في السلع التي يستهلكها الفقراء، فالفقراء يعانون بصورة أكبر بسبب التضخم (في أسعار الغذاء)».

«أنا مدخلتش طبق سلطة على ولادي من رمضان اللي فات»، تقول أم مصطفى عاملة نظافة، وأم لخمسة أطفال. 

*(تم حساب النسب بشكل تقريبي بواسطة المحرر استنادًا إلى المعطيات التي أدلى بها خمسة مزارعين).

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن