كيف أصبح سد النهضة مأزقًا لمصر بعد أكثر من عقد؟
من برقية قبل 13 سنة حتى الملء الثاني.. مسار سد النهضة في سياسة مصر العليا
في 2008، تلقى مكتب وزير الخارجية المصري برقية من السفارة المصرية في أديس أبابا، تحذر من أن الحكومة الإثيوبية بدأت في إجراء محادثات جادة مع شركاء دوليين محتملين لبناء سد كبير على النيل الأزرق لتوليد الكهرباء للاستهلاك المحلي.
«لم تكن البرقية مُستغربة، ولكنها كانت مثيرة للقلق» يقول دبلوماسي عمل في مكتب وزير الخارجية في ذلك الوقت لـ«مدى مصر»، شريطة عدم الكشف عن هويته «كنّا نعلم منذ فترة طويلة، منذ أوائل الثمانينيات، أن إثيوبيا تخطط لبناء سد على النيل الأزرق. لكن الأمر كان مزعجًا حقًا هذه المرة لأنه بدا جادًا، وفقًا لتقييم السفارة»
في ذلك الوقت، لم تكن مصر تتصور أن السد سيصبح في نهاية المطاف أكبر مشروع للطاقة الكهرومائية في إفريقيا بسعة خزان ضخمة تبلغ 74 مليار متر مكعب، وفقًا للدبلوماسي الذي يضيف «ما كانوا يتحدثون عنه في ذلك الوقت هو سد أصغر حجمًا بكثير، لكننا القلق ساورنا حينها»
هنا تحول السد الإثيوبي إلى معركة سياسية تدور حول حقوق دول حوض النيل في المياه وفي إقامة مشاريع على طول النهر.
بموجب شروط اتفاقية 1959 الثنائية التي وقعتها مصر والسودان -والتي استندت إلى اتفاقية 1929- تحصل مصر على 55 مليار متر مكعب مقابل 18.5 مليار للسودان من مياه النيل. كما منحت الاتفاقية مصر حق النقض على جميع المشروعات المُقترحة على النيل. لم ينص أي من الاتفاقين التاريخيين على أي مخصصات مائية لتلبية احتياجات الدول الأخرى الواقعة على ضفاف النهر، والتي لم تكن طرفًا في الاتفاقية.
كانت مصر، التي تعتمد على النيل في أكثر من 90% من مواردها المائية المتجددة على دراية -أكثر من أي دولة أخرى- بالجهود التي تبذلها دول حوض النيل لتعديل اتفاقيات الحصص التاريخية هذه في مطلع التسعينيات. في ذلك الوقت، استجاب الرئيس حسني مبارك لدعوة وزارتي الري والخارجية وأجهزة المخابرات لوضع اتفاقية إطارية لدول حوض النيل (ومجموعها عشر دول قبل استقلال دولة جنوب السودان في عام 2011).
«كنّا ندرك أن دول حوض النيل، خصوصًا دول المنبع، تتحدث مع بعضها حول كيفية التنصّل من الاتفاقيات التاريخية التي منحت مصر نصيبها السنوي. أردنا أن نتحرك بسرعة للتأكد من عدم توقيع أي اتفاق بهذا المعنى» يقول الدبلوماسي.

في عام 1999، وقعت مصر وبقية دول حوض النيل بالأحرف الأولى، في تنزانيا، على مبادرة حوض النيل، وهي مؤسسة انتقالية لإدارة نهر النيل حتى الانتهاء من المفاوضات وإنشاء مؤسسة دائمة. لا يتضمن نص المبادرة الإشارة المباشرة والواضحة التي كانت مصر تتمناها بشأن الحقوق التاريخية لدول المصب، إلا أن عدة بنود أشارت بالفعل إلى مبادئ الاستخدام العادل والمُنصف لمياه النيل دون إلحاق ضرر جسيم بأي من دول حوض النيل.
وفقًا لمصدرين دبلوماسيين سابقين آخرين ومصدر سابق بوزارة الري، في وقت مبكر من عام 1999، كانت إثيوبيا، وبدرجة أقل أوغندا، تعارض أي إشارة إلى «الاستخدامات الحالية» أو «الحقوق التاريخية» وهما مفهومان تحتاج إليهما القاهرة من أجل ضمان تعهدات دول المنبع بحصتها البالغة 55 مليار متر مكعب سنويًا.
بلغت العملية الطويلة حول مبادرة حوض النيل وإطار التعاون ذروتها في عام 2009، عندما تلقت وزارة الخارجية المصرية برقية من السفارة المصرية في العاصمة الأوغندية كمبالا تفيد بأن عددًا من دول المنبع تمضي قُدمًا في توقيع اتفاقية إطارية من جانب واحد. في مايو 2010، تم التوقيع على إنشاء مفوضية حوض النيل التي تم التفاوض عليها من قِبل خمس دول، هي إثيوبيا وأوغندا وكينيا ورواندا وتنزانيا.
عقد مبارك اجتماعًا مع كبار المسؤولين لدراسة الرد المصري على الاتفاقية. عارض جميع المسؤولين أي خطوة من جانب القاهرة للتفاوض تتصل باتفاقية المفوضية الجديدة، باستثناء فايزة أبو النجا، وزيرة مبارك للتخطيط الدولي ووزيرة الخارجية السابقة.
وفقًا للمصادر الدبلوماسية، أعربت أبو النجا عن مخاوف بشأن ثقة القاهرة المفرطة في قدرتها على ردع إثيوبيا ودول إفريقية أخرى عن مواجهة مصر بشأن قضايا مياه النيل.
وفقًا لمصدر حكومي سابق مطلع، اعتقدت أبو النجا أن أفضل استراتيجية للتعامل مع مفوضية حوض النيل هي التفاوض على اللغة الجديدة في الاتفاقية، على نحو يسمح لمصر بأن «تمنح» جزءًا صغيرًا من «حصتها الثابتة» -عن طيب خاطر- للمساعدة في مشروعات المياه «المُتفق عليها» التي يمكن أن تعود بالفائدة على دول حوض النيل الأقل نموًا. في حال نجاحها، فإن التسوية ستضع مصر في الاتفاقية، وتمنحها أيضًا درجة من السلطة في البت في كيفية إدارة مشروعات دول المنبع التي تؤثر على النهر.
ولكن اعترض رئيس المخابرات، عمر سليمان، بشكل قاطع على الفكرة، وجادل بأن تقويض حقوق مصر التاريخية في المياه بأي قدر سيكون «فضيحة كبيرة للنظام». رُفض اقتراح أبو النجا بحزم، واختار مبارك اتخاذ موقف حازم ضد المفوضية. وقرر مبارك أن أفضل استراتيجية هي أن يعمل فريقه على عرقلة الاتفاقية الجديدة من خلال القنوات السياسية والدبلوماسية لمنع دول حوض النيل الأخرى من التوقيع على الوثيقة، لضمان عدم دخولها حيز التنفيذ، وهو ما استمر إلى الوقت الراهن.
يقول أحد الدبلوماسيين السابقين «في ذلك الوقت، كان ذلك عملًا دبلوماسيًا مكثفًا. لقد فعلنا كل ما في وسعنا، بشكل غير قانوني وغير شرعي، لمنع الدول الأربع الأخرى من الانضمام للمفوضية. ثم اندلعت ثورة يناير، فضاع كل ما فعلناه»
وسط الاضطرابات التي سادت مصر بعد الإطاحة بمبارك من السلطة في فبراير 2011، بدأت إثيوبيا في بناء ما أطلقت عليه اسم «سد النهضة الإثيوبي الكبير»
بعد عقد من الزمان، أوشك السد الذي تكلف 4.8 مليار دولار أمريكي على الانتهاء، ومُلء الخزان جزئيًا، كما اكتمل الملء الثاني الجزئي هذا الصيف. انتهت سنوات من الجهود الدبلوماسية المتكررة بالفشل، ولا يزال توقيع اتفاق نهائي ملزم على بناء وتشغيل السد الضخم بين إثيوبيا ومصر والسودان احتمالًا بعيدًا مثل أي وقت مضى. كيف وصلت مصر إلى هذا الوضع بعد عشر سنوات من بدء بناء السد؟
تحدث «مدى مصر» إلى العديد من المسؤولين الحكوميين الحاليين والسابقين المشاركين مباشرة في العملية أو على دراية بالأحداث لفهم ما جرى طوال العقد الماضي من النزاع حول سد النهضة. يرسمون لنا صورة معقدة. في حين يُلقى جزء كبير من المسؤولية على إثيوبيا، بسبب تعنتها في عدد من الجوانب الهامة، فإن سوء إدارة القاهرة للأزمة، على مدى سنوات، ساعد كذلك على دفعها إلى طريق مسدود سياسيًا وإستراتيجيًا. عدم وجود استراتيجية متماسكة -وتأرجح اتخاذ القرارات بين تكتيكات التسوية والمواجهة- جنبًا إلى جنب مع الخلافات الداخلية المتكررة، كلها عوامل ساهمت في الأزمة التي تواجهها مصر في الوقت الراهن.
رهانات تعامل مصر مع سد النهضة تتجاوز الآثار المباشرة على حصة مصر من المياه لتمس علاقات القاهرة مع دول حوض النيل الأخرى، والآثار الجيوسياسية لأي مشروعات مياه مستقبلية على ضفتي أطول نهر في العالم.

في عام 2011، بعد الإطاحة بمبارك ووسط الانتفاضات في جميع أنحاء المنطقة، تم تجاهل مصالح مصر في حوض النيل إلى حد كبير، بسبب إلحاح القضايا الداخلية. وبحسب المصدر الحكومي السابق «ضعفت البلاد واستغل الإثيوبيون هذا الضعف الذي أعقب سقوط مبارك للبدء في بناء سدهم»
أعلنت إثيوبيا بدء بناء سد النهضة في أبريل 2011، ولم يكن سدًا ضخمًا في ذلك الوقت، وفقًا للبيانات الرسمية. ومع ذلك، تم استقبال الأخبار بقلق شديد في مكتب وزير الخارجية. بحسب الدبلوماسي الذي عمل في مكتب وزير الخارجية في ذلك الوقت، فقد أُرسلت مذكرة مطولة من وزارة الخارجية إلى «المكاتب المعنية» داخل الحكومة لشرح خطورة الوضع والضغط على «المعنيين» للتصرف بدون تأجيل لضمان تعليق المشروع لحين إجراء مفاوضات مع دول المصب، خاصة مصر بسبب مخاوفها من ندرة المياه. ومع ذلك، لم يرد أي رد على المذكرة بأي تعليمات.
«لكي نكون صادقين، لقد كان وقتًا صعبًا للغاية. أشياء كثيرة كانت تحدث. وكان العالم يتابع التطورات في مصر. اجتماعات لا تنتهي، ووفود لا تنقطع. كان الوضع متقلبًا للغاية مع استمرار المظاهرات والصراعات بين مختلف معسكرات ما يسمى بالثورة» يقول عضو مكتب وزير الخارجية.
بحلول سبتمبر 2011، طالبت الحكومة المصرية رسميًا إثيوبيا بتشكيل لجنة مشتركة لتقييم الآثار المحتملة للسد على دول المصب.
ومع ذلك، أهمل المسؤولون الحكوميون الاستفادة من علاقاتهم مع الحلفاء الدوليين لمحاولة جلب أديس أبابا إلى طاولة المفاوضات. «لا بد لي من الاعتراف بأن المسألة لم تكن دائمًا على رأس أولويات مسؤولي إدارة البلاد. لم يطرحوا الأمر بقوة مع محاوريهم الدوليين الذين كانوا يستطيعون، في ذلك الوقت، الضغط على إثيوبيا لتعليق البناء ريثما يتم التوصل إلى اتفاق» يقول عضو مكتب وزير الخارجية، مضيفًا أن الشاغل الأساسي للمسؤولين والمجتمع الدولي في ذلك الوقت كان استقرار مصر في عهد ما بعد مبارك، وعملية الانتقال السياسي.
هذه النقطة رددها العديد من الدبلوماسيين الذين خدموا في السفارات المصرية في العديد من العواصم المؤثرة في ذلك الوقت، ومن بينها واشنطن وباريس وبرلين، والذين أشاروا أيضًا إلى أن القاهرة لم تطالب المجتمع الدولي بالتدخل لحث أديس أبابا على التوصل إلى اتفاق بشأن سد النهضة.
من ناحيتها٬ لم تبدُ إثيوبيا على أي استعداد للتفاوض. «لا أعتقد أن الإثيوبيين كانوا جادين في التفاوض. لم يهتموا بالإجابة على الأسئلة التي طرحناها حول سلامة البناء أو الآثار البيئية للسد، أو أي من الأسئلة المهمة الأخرى» يقول أحد الأعضاء في فريق التفاوض المصري «كانوا يشترون الوقت فقط ويستغلون حقيقة أن مصر غارقة في شؤونها الداخلية»

في يونيو 2012، أدى محمد مرسي اليمين الدستورية كأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيًا في مصر.
ووفقًا لمصادر في وزارة الخارجية خدمت في ذلك الوقت، بعد أسابيع قليلة من تنصيبه أرسل مرسي مستشاره للأمن القومي، عصام الحداد، إلى وزارة الخارجية لعقد اجتماع حول أولويات السياسة الخارجية العليا للبلاد. وُضع سد النهضة، الذي أصبح آنذاك حقيقة واقعة على الأرض، على قائمة الاهتمامات الرئيسية.
«أخبرناه بإسهاب -وسمع ذلك أيضًا من جهاز المخابرات العامة- أن السد يشكل تهديدًا لحقوق مصر المائية واقترحنا اتخاذ إجراء للضغط من أجل دعم حق مصر في الأمن المائي وسلامة السد» يقول أحد مصادر وزارة الخارجية الذي عمل في الوزارة آنذاك.
ومع ذلك، مثل أسلافه، أعطى فريق مرسي الأولوية إلى حد كبير للوضع الداخلي في مصر على حساب السد، إذ كانت البلاد تجتاز عملية انتقال سياسي اتسمت بالشقاق والخلافات. «لا أستطيع أن أقول إن [الحداد] لم يول اهتمامًا بما كنا نقوله، ولكن أستطيع القول إنه يبدو أن التفكير في هذه المسألة لم يكن مُلحًا» يقول مصدر وزارة الخارجية.
لكن أكبر خطأ فادح ارتكبته حكومة مرسي فيما يتعلق بسد النهضة لم يأت بعد.
في أوائل يونيو 2013، عندما كان مرسي يواجه معارضة واسعة النطاق داخليًا، تصرف بناءً على نصيحة الحداد وعقد اجتماعًا مع شخصيات عامة من مختلف ألوان الطيف السياسي لاستطلاع آرائهم بشأن السد. جاءت هذه الخطوة بعد أسبوع من تصاعد التوترات بين مصر وإثيوبيا بعد تحرك إثيوبيا لتحويل جزء من مسار النيل الأزرق للسماح ببناء السد.
وفقًا لأحد مساعدي الحداد في ذلك الوقت، كانت الفكرة من وراء الاجتماع حث هذه الشخصيات على عرض آرائهم على الرئيس نفسه بدلًا من الاستمرار في انتقاده علنًا في الصحافة. ومع ذلك، دون علم الحاضرين، تم بث الاجتماع على الهواء مباشرة. وخلال الجلسة، تحدثت شخصيات مختلفة دون احتراز، واقترح بعضهم خططًا لتخريب السد، مثل نشر الشائعات حول ضربات جوية مصرية وشيكة على السد، وهجوم سري من القوات الخاصة المصرية، ودعم المتمردين الإثيوبيين للضغط على أديس أبابا.
اعتذرت مساعدة مرسي للشؤون السياسية، باكينام الشرقاوي، في وقت لاحق عن عدم إبلاغ الحضور، بمَن فيهم الرئيس، بأن الاجتماع كان يُبث على الهواء مباشرة. وقالت في صفحتها على فيسبوك «كان من المقرر في البداية أن يتم تسجيل الاجتماع الوطني وبثه في اليوم التالي كما هو الحال عادة، ولكن نظرًا لأهمية الموضوع تقرر في اللحظة الأخيرة بث الاجتماع على الهواء مباشرة. ولقد نسيت أن أبلغ الحضور بالتغييرات»
ومع ذلك، وفقًا لمصادر القصر الرئاسي في ذلك الوقت، لم تكن الشرقاوي نفسها على علم بأن الاجتماع كان يبث على الهواء مباشرة حتى منتصف الجلسة تقريبًا. قالت المصادر إن الشرقاوي تلقت مذكرة مُررت لها في قاعة الاجتماع من قائد المخابرات العامة الذي أُصيب بالصدمة، وأخبرها أن الاجتماع يُبث على الهواء وطلب إنهاء المناقشة على الفور.
ولكن الضرر كان قد حدث بالفعل. ردًا على البث، استدعت الحكومة الإثيوبية السفير المصري للمطالبة بتفسير «التصريحات المُعادية» وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية إن بلاده «لا تخشى الحرب النفسية المصرية ولن توقف بناء السد حتى ولو للحظة واحدة»
وفقًا لدبلوماسي خدم في السفارة المصرية في أديس أبابا في ذلك الوقت، فإن الاجتماع «كان كارثة كاملة بكل معنى الكلمة. لا شيء يمكن أن يبرر للسلطات الإثيوبية ما حدث على الهواء، وبالطبع كان من المستحيل إخبارهم بأن الرئيس لم يكن على علم ببث اجتماعه»
لقد تجاوزت التداعيات رد الفعل الفوري من السلطات الإثيوبية على الحادث. يقول الدبلوماسي إن أديس أبابا استخدمت هذا الخطأ الفادح في الترويج «المشاعر المُعادية لمصر» كما عملت أديس أبابا على حشد جميع دول حوض النيل والعديد من الدول الإفريقية الأخرى ضد القاهرة.
بعد شهر، أُطيح بمرسي من منصبه وستتبع الحكومة المصرية الجديدة مسارًا مختلفًا للتعامل مع السد.
***
بعد الإطاحة بمرسي، باشر وزير الخارجية الجديد حينها، نبيل فهمي، عمله في الاعتماد على استراتيجية تم تجاهلها طويلًا؛ وهي محاولة إقناع المجتمع الدولي للضغط على إثيوبيا بسبب السد. وفقًا لمذكرات فهمي المنشورة، فقد عقد اجتماعات في جميع أنحاء العالم وأجرى مكالمات مع جهات فاعلة مختلفة، خصوصًا في الدول التي تقدم المساعدة لإثيوبيا، للمطالبة بوقف أي مساعدات يمكن استخدامها في بناء سد النهضة في انتظار اتفاق بين أديس أبابا ودول المصب.
وبالتوازي مع ذلك، استأنفت مصر المحادثات مع إثيوبيا والسودان بهدف التوصل إلى نتيجة تعالج مخاوف ومطالب الأطراف المختلفة، هذه المرة بمشاركة الخبراء الأوروبيين المعنيين، بناءً على طلب مصر.
بعد عام، تولى عبد الفتاح السيسي منصبه كرئيس لمصر. وفقًا للعديد من مصادر وزارة الخارجية، يعتقد السيسي أن قضية سد النهضة تتطلب نوعًا من المبادرة السياسية الجريئة وقطع الطريق على الجولات المختلفة لما ثبت حتى الآن أنها مفاوضات غير مثمرة إلى حد كبير.
«كان [السيسي] يرى أن الاجتماعات الفنية لن تتقدم دون بعض الإرادة السياسية الجادة» يقول أحد الدبلوماسيين «لقد قرر أن الأمر يتطلب تحركًا سياسيًا جريئًا لمعالجة هذه القضية، وبما أن السد أصبح حقيقة واقعة، فمن الأفضل كسب الإثيوبيين والسودانيين بتقديم لفتة كريمة»
وفقًا لهذا الدبلوماسي، قرر السيسي أن توقيع وثيقة مشتركة مع إثيوبيا والسودان بشأن إدارة سد النهضة هو السبيل الوحيد للخروج من نزاع طويل كان من غير المرجح أن تتم تسويته من خلال المحادثات الفنية.
وتوّج هذا في نهاية المطاف بتوقيع إعلان المبادئ من قِبل الدول الثلاث في عام 2015 والذي حدد عشرة مبادئ تتعلق بسد النهضة.
في القاهرة، كان هناك خلاف كبير بين مساعدي الرئيس فيما يتعلق بفكرة الاتفاقية ذاتها والنص الفعلي للوثيقة، وفقًا لعدد من المسؤولين الحكوميين السابقين. كما أعرب بعض المساعدين عن تحفظهم بشأن تنازل سياسي دون مقابل، فيما دعم آخرون هذه اللفتة الكريمة، لكنهم أبدوا كذلك مخاوفهم بشأن الصياغة الفضفاضة في النص، والتي يمكن أن تنتهي بالمساس بحقوق مصر المائية.
يقول عضو فريق المفاوضات، الذي شارك في المشاورات المبكرة بشأن الوثيقة «منذ البداية، اتسم هذا النص بعدم التوازن. لقد أوضحت أننا سنوقع على نص قد يتسبب في ضرر جسيم لنا، ودون تحقيق مكاسب. جادلت بضرورة إجراء مزيد من المشاورات بشأن النص ولكن تم تجاهلي»
«من الواضح أنها لم تكن وثيقة مثالية على الإطلاق، ولكن الفكرة في ذلك الوقت لم تكن حول النص، بل حول كسب قلوب وعقول الشعب الإثيوبي كخطوة أولى نحو محادثات أكثر تحديدًا، بدلًا من المحادثات التي تدور في دوائر مغلقة منذ 2011» يقول أحد المسؤولين الحكوميين.
وقّع السيسي، والرئيس السوداني آنذاك، عمر البشير، ورئيس وزراء إثيوبيا في ذلك الوقت، هايلي مريام ديسالين، على إعلان المبادئ في مارس 2015 في حفل أُقيم في الخرطوم وسط ضجة كبيرة. في مصر، أشادت وسائل الإعلام الحكومية والخاصة بالقرار باعتباره نهاية للنزاع حول السد، بينما احتفلت إثيوبيا أيضًا بحصولها أخيرًا على موافقة مصر والسودان على بناء سد النهضة.

لمدة أربع سنوات متتالية بعد التوقيع على اتفاق المبادئ، عقدت وفود من الدول الثلاث اجتماعات منتظمة لمناقشة القضايا الفنية والقانونية المتعلقة بإنشاء وتشغيل السد، ومع ذلك قدمت اقتراحات في تصريحات متكررة من قِبل مختلف الأطراف بأن اتفاقًا نهائيًا كان قاب قوسين أو أدنى، إلا أنه لم يتحقق.
خلال هذه الفترة، ضرب زلزال سياسي السودان مع اندلاع انتفاضة جماعية في شوارع الخرطوم ومدن أخرى للمطالبة بإنهاء حكم البشير الذي دام 30 عامًا. كان من شأن موقف القاهرة أن يؤثر في النهاية على وضعها في المفاوضات الثلاثية بشأن سد النهضة.
«التقدير الذي أرسل من السفارة [المصرية] في الخرطوم إلى مكتبي وزير الخارجية والرئيس في القاهرة هو أن البشير سوف يسحق المظاهرات وينجو منها» يقول مصدر من السفارة المصرية في العاصمة السودانية في ذلك الوقت «لقد كان تقييمًا خاطئًا دفع [القاهرة] إلى الانحياز بشكل شبه علني إلى جانب البشير على أمل كسبه في المحادثات مع إثيوبيا»
في أبريل 2019، بعد شهور من المظاهرات الحاشدة، أطاح الجيش السوداني وقوات الأمن بالبشير واعتُقل. احتفل المتظاهرون، ولكن سرعان ما خرجوا إلى الشوارع مرة أخرى لمطالبة العسكريين بتسليم السلطة للمدنيين. دخل القادة المدنيون في مفاوضات مع قيادة الجيش تحت مظلة الاتحاد الإفريقي حول مرحلة انتقالية تشمل هيئة مدنية. ودخلت إثيوبيا في هذه العملية السياسية بمشاركة مكثفة من رئيس الوزراء آبي أحمد في المحادثات. من ناحية أخرى، استُبعدت مصر بسبب دعمها الصريح للبشير أثناء اندلاع الانتفاضة.
«إن سوء تقدير القاهرة بأن البشير سيبقى في السلطة وضع مصر في الجانب الخطأ بالنسبة للنظام السياسي الجديد في السودان» يقول مصدر السفارة في الخرطوم «في الواقع، تعرّضت السفارة المصرية في ذلك الوقت لهجوم من متظاهرين سودانيين غاضبين»
تعيّن على القاهرة أن تعمل بجدية لإعادة بناء علاقاتها مع حكام السودان الجُدد، بعد أن أصبح سد النهضة قضية مُلحة بشكل متزايد.
في سبتمبر 2019، خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، دعا السيسي علنًا لأول مرة إلى التدخل الدولي لحل الخلاف حول السد. بعد أسابيع قليلة، أصبح خطاب الرئيس المصري أكثر مباشرة وإثارة للجدل، بسبب تصريحات حول التزامه بحماية حقوق مصر المائية بأي ثمن. ردت إثيوبيا بغضب، ومع تصاعد الحرب الكلامية على الجانبين، بدأ المراقبون في التكهن علانية باحتمال نشوب صراع عسكري جرّاء السد.
في أكتوبر 2019، التقى السيسي وآبي أحمد خلال القمة الروسية الإفريقية في سوتشي وتعهدا باستئناف المحادثات بدفع من الزعيمين لمساعدة فرق التفاوض على التوصل إلى اتفاق. بعد رفض عرض من روسيا للتوسط في المحادثات، لجأت مصر إلى أقوى حليف لها: الولايات المتحدة الأمريكية.
«كان لدى السيسي ثقة كبيرة في الكيمياء التي كانت تقارب بينه وبين دونالد ترامب. لقد كان محقًا في اعتقاده أن الرئيس الأمريكي هو الأفضل لمساعدة الأطراف على إبرام الاتفاق، خاصة أننا قدمنا الكثير من التنازلات» يقول مصدر حكومي آخر شارك في المحادثات لفترة طويلة.
اجتمعت وفود من إثيوبيا ومصر والسودان ثلاث مرات في يناير وفبراير 2020 في واشنطن العاصمة، بحضور وزير الخزانة الأمريكي ورئيس البنك الدولي. مع ذلك، ظل عدد من القضايا الرئيسية دون حل، من بينها بروتوكولات التخفيف من الجفاف الملزمة قانونًا وآلية حل النزاعات. في النهاية، وقّعت مصر بالأحرف الأولى على الاتفاقية المطروحة. وانسحبت إثيوبيا من المحادثات في اللحظة الأخيرة وأعلنت أنها ستبدأ الملء الأول لخزان السد خلال موسم الأمطار المُقبل. في حين رفض السودان التوقيع على أي اتفاق لم توافق عليه إثيوبيا. رفض السودان كذلك الانضمام إلى مصر في رفع الأمر إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو إلى جامعة الدول العربية.
«في ذلك الوقت، كان رئيس الوزراء السوداني [عبد الله] حمدوك يضع قدرًا كبيرًا من الثقة في آبي أحمد. وكان يعتقد أنهما متوافقان، بصفتهما قائدين ديمقراطيين أفريقيين» يقول المصدر الحكومي الثاني في فريق التفاوض.
خلال تلك الفترة، شرعت القاهرة في تنفيذ استراتيجية لممارسة الضغط الدولي على أديس أبابا من خلال القنوات الدبلوماسية، وعن طريق مناشدة الحلفاء ذوي الاستثمارات الكبيرة في إثيوبيا مرارًا وتكرارًا إلى استخدام ثقلهم الاقتصادي لإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والالتزام باتفاق ملزم. ومع ذلك، قوبلت طلبات مصر المتكررة بالرفض من جانب كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لتعليق استثماراتهما في إثيوبيا من أجل تأمين موقف تفاوضي أفضل لمصر، واتخذت الصين الموقف نفسه.
«كان هذا وقتًا صعبًا للغاية، حقًا. لم نحصل على أي دعم على الإطلاق من [حلفائنا] في الخليج، الذين لديهم استثمارات كبيرة في إثيوبيا. طلبنا منهم استخدام الثقل الاقتصادي لتشجيع إثيوبيا على اتخاذ موقف أكثر تفهمًا، وخاصة وأننا قدمنا تنازلات لكنهم رفضوا» يقول المصدر الحكومي الثاني في فريق المفاوضات. ويضيف أن مصر تعرضت للخذلان من جانب «أصدقائها الأوروبيين والآسيويين» الذين لديهم شركات كبرى تعمل في سد النهضة. «كانوا يكتفون بالقول إنهم غير قادرين على التدخل لدى شركات القطاع الخاص أو خسارة علاقاتهم الجيدة مع إثيوبيا»
في هذه الأثناء، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، بدا من المرجح بشكل متزايد أن يخسر ترامب، ما تسبب في خسارة السيسي لحليف رئيسي أقام معه علاقة قوية، كما أدى إلى أن تصبح الاتفاقية المبدئية التي وقعتها مصر في واشنطن غير ذات أهمية.
في يونيو 2020، بمساعدة الولايات المتحدة وفرنسا، تمكنت مصر من إقناع مجلس الأمن الدولي بعقد جلسة لمناقشة النزاع حول سد النهضة. لم يكن من المتوقع أن يتخذ مجلس الأمن قرارًا لحمل الدول الثلاث على التوقيع على اتفاقية ملزمة قانونًا، إلا أن القاهرة شعرت بأنه من الضروري إضافة نوع من الوزن الدبلوماسي للعملية قبل الملء الأول.
في منتصف يوليو 2020، كان الاتفاق النهائي لا يزال بعيد المنال، واحتفلت إثيوبيا بالملء الأول للخزان، أقل قليلًا من خمسة مليارات متر مكعب. ردًا على ذلك، لم تقرر مصر استدعاء سفيرها في أديس أبابا أو حتى اعتبار السفير الإثيوبي في مصر شخصًا غير مرغوب فيه. في المقابل٬ اختارت فقط إدانة الملء باعتباره خطوة أحادية الجانب من قِبل أديس أبابا.
يقول مسؤولون حكوميون مصريون كانوا في الخدمة في ذلك الوقت إن هذا القرار كان محل خلاف كبير داخل مؤسسات الدولة. اعتقد البعض أن رد الفعل المعتدل سيرسل لإثيوبيا رسالة خاطئة بشأن «ضعف» القاهرة. في الوقت نفسه، اعتقد مؤيدو القرار أن إثيوبيا كانت سوف تستفيد من التوترات الدبلوماسية المتزايدة مع مصر إذا اتخذت الأخيرة موقف أكثر تشددًا، وتصبح قادرة على المضي قُدمًا في بناء السد وملئه دون الحاجة إلى عناء المفاوضات.

إبان عملية الملء الأول، بدأت مصر بنشاط في مغازلة السودان لكسب النفوذ على إثيوبيا في النزاع.
«كان علينا التفكير في خطوتنا التالية وكان تركيزنا هو كسب السودان إلى جانبنا، لاعتقادنا أن تماسك بلدان المصب حول نفس الموقف في المفاوضات، يدفع إثيوبيا إظهار بعض المرونة» يقول أحد المصدرين الحكوميين المطلعين على فريق التفاوض. «أعتقد أن هذا أحد أفضل القرارات التي اتخذناها في السنوات العشر الماضية [وهو] التنسيق بشكل أوثق مع السودان ومحاولة التغلب على استياء العنصر المدني في النظام بسبب الدعم الذي قدمناه للبشير»
في غضون ذلك، تصاعد نزاع حدودي طويل الأمد في منطقة الفشقة بين إثيوبيا والسودان، شهد اندلاع اشتباكات دورية بين الجانبين. ساعد ذلك على تقارب القاهرة والخرطوم. ووفقًا لمصادر مصرية وسودانية، فقد قدمت القاهرة «مساعدة كبيرة» للخرطوم في معركة الفشقة. وقالت المصادر إن هذه المساعدة تضمنت معلومات استخبارية ودعمًا لوجستيًا.
أصبحت إثيوبيا أيضًا غارقة في الصراع الأهلي في إقليم تيجراي، الذي أثار إدانة دولية لانتهاكات حقوق الإنسان وتفاقم الأزمة الإنسانية. ومع ذلك، تعهدت حكومة أديس أبابا بالاستمرار في ملء السد للمرة الثانية في موسم الأمطار لعام 2021.
كثف السيسي مرة أخرى لهجته. قال في أبريل 2021 «أقول للأشقاء في إثيوبيا، بلاش إن إحنا نصل لمرحلة إنك إنت تمسّ نقطة مياه من مصر لأن الخيارات كلها مفتوحة» رغم أنه تحدث لاحقًا بنبرة أكثر تصالحية، كما فعل المسؤولون المصريون.
وبحسب المسؤولين المصريين، قبل الملء الثاني للسد، فإن إثيوبيا ليست في وضع يمكّنها من ملء الخزان بـ13.5 مليار متر مكعب هذا العام، كما كانت تخطط، نتيجة التأخير في بناء السد بسبب الفواتير المتأخرة التي تدين بها الحكومة الإثيوبية للشركات الأجنبية.
«قد لا يتمكن آبي من ملء 13.5 مليار متر مكعب بالكامل، لكنه قد يحصل على أكثر بكثير من الـ4 مليارات متر مكعب التي حصل عليها العام الماضي» يقول أحد المصادر الدبلوماسية «إنه يحتاج إلى تشغيل أول توربينين لتوليد الكهرباء، لذلك سوف يبذل أقصى ما في وسعه للحصول على أكبر قدر ممكن من المياه في الخزان»
ويقول نفس المصدر «السؤال الآن، ماذا سنفعل بعد التعبئة الثانية. لا يمكن أن نتحمل تبعات أي تقديرات خاطئة»
وفقًا لأحد المصادر الحكومية٬ متحدثًا بعد وقت قصير من إعلان إثيوبيا انتهاء الملء الثاني، فإن مصر ستمنح المفاوضات «بضعة أشهر أخرى، ربما حتى نهاية هذا العام أو أوائل العام المقبل» مضيفًا أنه إذا «لم يتحسن موقف إثيوبيا بحلول ذلك الوقت، فقد يتعين اللجوء إلى خيارات أكثر صرامة.. آمل ألا نصل إلى ذلك الموقف، وأعتقد أنه كلما أدرك آبي أحمد بسرعة أن السيسي لا يمكنه قبول الهزيمة في معركة سد النهضة، كلما كان أفضل للجميع»
تقارير ذات صلة
فيضان النيل يُغرق أراضي طرح النهر.. الأهالي يستغيثون بالدولة والدولة تهاجم إثيوبيا
لم يعد هناك طريق آخر للخروج أو العودة، فالقارب الصغير أصبح الوسيلة الوحيدة التي تربط البيت بالعالم
كيف انتهى مسار تفاوض سد النهضة إلى «وضع مُرضي للجميع»؟
هذه ليست المرة الأولى التي تُعلن فيها مصر أو السودان أو إثيوبيا فشل المفاوضات حول السد
حوار| مع الباحث محمد بشير عن الآثار البيئية والاقتصادية لسد النهضة
محمد بشير، طالب دكتوراه وباحث هندسي في جامعة مانشستر.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن