تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حوار| مع الباحث محمد بشير عن الآثار البيئية والاقتصادية لسد النهضة

حوار| مع الباحث محمد بشير عن الآثار البيئية والاقتصادية لسد النهضة

كتابة: عالية المراكبي 20 دقيقة قراءة
صورة لخزان سد النهضة الإثيوبي الكبير تم التقاطها في 6 نوفمبر 2020 تصوير: NASA/METI/AIST/Japan Space Systems, and U.S./Japan ASTER Science Team

بعد أن بلغ حجم المياه في خزان سد النهضة الإثيوبي الكبير حوالي سبعة مليار متر مكعب، لا يزال اتفاق ملئه وتشغيله بعيد المنال، ولا تزال مصر والسودان يشعران بالقلق بشأن الاستخدام المستقبلي لمياه النيل. لجأت مصر إلى الجهود الدبلوماسية لممارسة الضغط على إثيوبيا من جانب المجتمع الدبلوماسي الدولي، بما في ذلك مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لكن هذه الجهود لم تسفر عن تأثير ملموس على الموقف الإثيوبي فيما يتعلق بالتوصل إلى اتفاق مع دول المصب.

لا تزال المفاوضات والمخاوف الأمنية هي محور الاهتمام، إلا أن الآثار البيئية والاقتصادية المتوقعة لسد النهضة تستقطب الاهتمام على نحو متزايد. هناك أسئلة متعلقة بتوليد الطاقة والتنمية المُستدامة والتنوع البيولوجي ومستقبل الزراعة، وهي أمور مرتبطة بكيفية إنشاء سد النهضة الذي سيشكل سابقة جديدة في إدارة المياه العابرة للحدود في حوض النيل. دارت المداولات حول الآثار البيئية (وهي قضية من المُحتمل أن تمهد لحدوث حوار أكثر تعاونًا حول مستقبل إدارة المياه في حوض النيل) داخل عالم مغلق إلى حد كبير بين الخبراء الفنيين والسياسيين رفيعي المستوى، في حين دخلت المحادثات العامة حول السد طريقًا مسدودًا يغلب عليه التوتر السياسي.

غالبًا ما ينحصر التمثيل الإعلامي لعلماء حوض النيل في شكل شخصيات نموذجية: الكاهن، والنبي وعين الرب، كما كتب «إيمانويل فانتيني» من جامعة «دلفت» في فصل من كتاب عن الخطاب الإعلامي المحيط بالنيل. «الكاهن» هو العالم المعروف على المستوى القومي أو الوزير السابق الذي يعرض البيانات والأرقام «لإضفاء الشرعية على ادعاءات محددة وخطابات رسمية حكومية عن تقاسم وإدارة مياه النيل» بينما النبي «'يشير إلى' أو 'يحذر من' القضايا الرئيسية المنسية أو التي قد يتم تجاهلها في النقاش العام أو في المفاوضات الدبلوماسية». ويوفر منظور عين الرب «حلولًا تأتي من خارج الحدود السياسية للجدل... من خلال أصوات العلماء الدوليين أو من خلال الاستشهاد بالدراسات أو المجموعات البحثية الدولية»

بعيدًا عن التحيز، وفي محاولة لإيجاد أساس أكثر واقعية لتحليل التأثيرات التي سيُحدثها سد النهضة، تحدث «مدى مصر» مع محمد بشير، طالب الدكتوراه والباحث الهندسي في جامعة مانشستر، والذي عمل بشكل أساسي على إعداد نماذج رياضية لحوض نهر النيل لأكثر من عقد من الزمن، لدراسة كيفية تأثير استراتيجيات إدارة المياه المختلفة على استخدامات المياه في الحوض. شارك بشير في إعداد دراسة مهمة العام 2016 حول نهج الملء التعاوني لسد النهضة، ونشر العديد من الأوراق مؤخرًا حول السد الضخم وآثاره البيئية والاقتصادية على إثيوبيا والسودان ومصر. يعمل بشير حاليًا على نماذج الاقتصاد الكلي المرتبطة بهيدرولوجيا النهر لقياس التأثيرات المستقبلية لسد النهضة على البلدان الثلاثة.

في الحوار التالي، يوضح بشير الآثار البيئية للسدود، وطرق التفكير في الطاقة والغذاء وموارد المياه في حوض النيل بشكل أكثر شمولية، والتأثيرات الاقتصادية التي قد يخلفها سد النهضة على مصر والسودان وإثيوبيا.

مدى مصر: لنبدأ بنظرة عامة إلى حد ما، من خلفيتك متعددة التخصصات كمهندس مدني وباحث في إدارة المياه، وقبل أن ندخل في تفاصيل حوض النيل وسد النهضة. هل يمكن أن تشرح ما هي المعضلات الرئيسية في مجال إدارة المياه؟

محمد بشير: في إدارة المياه هناك ثلاث مشاكل رئيسية. إما أنها «كثيرة جدًا، أو قليلة جدًا، أو ملوثة جدًا». إذا كان لديك الكثير من الماء، فسوف تتعرض للفيضانات والدمار. إذا كان لديك القليل جدًا من المياه، فستواجه مشكلات تتعلق بكيف وأين ومتى تستخدم موارد المياه المحدودة، وإذا كانت المياه ملوثة جدًا، فسوف تتسبب في آثار سلبية على البيئة ومستخدمي المياه. المشاكل الثلاث موجودة في حوض النيل، ولكن وجود «القليل جدًا والكثير جدًا من المياه» هو الأكثر حدوثًا ودراسة، وذلك ببساطة لأن تدفق مجرى النيل متغير بدرجة كبيرة. في بعض الأحيان، تحصل على الكثير من المياه في وقت قصير، ما يتسبب في حدوث فيضانات. وفي المتوسط ​​، يكون تدفق مجرى النيل محدودًا، ما يسبب مشاكل حول استخدام المياه.

م.م: عندما نناقش القضايا المحيطة بسد النهضة، كيف نفهم القضايا الهندسية/الفنية فيما يتعلق بمسائل «كثيرة جدًا أو قليلة جدًا» في سياق الصراعات السياسية الظاهرة التي شاهدنا رحاها في الصحافة على مدار العقد الماضي؟

م.ب: بعض القضايا المتعلقة بشأن سد النهضة تقني وبعضها سياسي أو مزيج من الاثنين. تبدو بعض القضايا فنية على السطح، لكن لها أثرًا سياسيًا. على سبيل المثال، ستؤدي إدارة فترات الجفاف متعددة السنوات على المدى الطويل إلى تبعات سياسية على تخصيص حصص مياه النيل. كذلك بعض القضايا العالقة الأخرى ذات طبيعة فنية إلى حد ما، مثل مشاركة البيانات وتقييم الأثر الاجتماعي والاقتصادي وسلامة السدود.

م.م: ماذا تقصد بالسلامة؟

م.ب: أحد فروع دراسة الهندسة يُسمى بسلامة السدود. هذا ضروري للغاية، لأنه إذا تحطم السد، فقد يؤدي إلى دمار هائل. أنا شخصيًا لم أدرس هذا الجانب من سد النهضة، لكن «إعلان المبادئ» بين إثيوبيا والسودان ومصر، الموقع عام 2015، ينص على أن إثيوبيا اتخذت تدابير لضمان سلامة سد النهضة. ولكن وثائق السلامة النهائية للسد لم تقدم بعد إلى السودان ومصر لمتابعة هذه الإجراءات، وفقًا لوزير الري السوداني.

ولكن، من زاوية مختلفة عن السلامة، وهي زاوية أعرف عنها أكثر، فإن إدارة السد ستؤثر بالتأكيد على دول المصب، سواء بشكل إيجابي أو سلبي. سد النهضة ضخم للغاية، يبلغ حجم الخزان حوالي 1.5 ضعف متوسط ​​التدفق الطبيعي السنوي للنيل الأزرق في موقع السد، وبالتالي، يمكن أن يغير نمط التدفق طوال العام ومن سنة إلى أخرى. سينتج عن ذلك بعض التحديات لكل من مصر والسودان، وبعض الفرص للسودان.

بالنسبة لمصر، يمكن أن يؤثر السد على توافر المياه خلال فترات الجفاف متعددة السنوات. فلنأخذ على سبيل المثال الجفاف في الثمانينيات. إذا نظرنا إلى بعض البيانات الخاصة بالسد العالي في أسوان أو بحيرة ناصر، سنرى أن مستوى المياه في بحيرة ناصر كان منخفضًا للغاية في تلك الفترة. أدى انخفاض التدفق إلى الخزان إلى انخفاض مستويات المياه. لذلك، إذا حدثت فترة جفاف مماثلة مع وجود سد آخر في أعلى المنبع، ولم يطلق هذا السد كمية كافية من المياه في اتجاه مجرى النهر، فسوف يصبح التأثير أكبر على مصر. هذه هي نقطة الخلاف الرئيسية بين إثيوبيا ومصر: كيفية إدارة فترات الجفاف مُتعددة السنوات. 

لكن التأثير على السودان سيختلف تمامًا عن التأثير على مصر. لا يوجد في السودان سد كبير مثل السد العالي. لذلك، بالنسبة للسودان، ما يهم حقًا هو توقيت التدفقات خلال العام، وما إذا كان التدفق منتظمًا أم لا، وكيف سيتغيّر من يوم إلى آخر، ثم تأتي كيفية تنسيق التشغيل بين سد النهضة وسد الروصيرص في السودان الذي تقع بحيرته على بعد حوالي 15 كيلومترًا من سد النهضة. من الضروري الإبلاغ عن أي إطلاق للمياه من «النهضة» إلى «الروصيرص» في وقت مبكر وبالتشاور مع القائمين على تشغيل الأخير.

م.م: قمتَ وفريق من الباحثين بدراسة مستفيضة حول آثار الجفاف على الخرطوم. هل يمكنك أن تطلعنا على وصف أساسي للجفاف في حوض النيل، بناءً على بحثك؟

م.ب: حالات الجفاف شائعة في حوض النيل. إنها تؤثر على استخدام المياه خصوصًا حينما ترتبط تقلبات هطول الأمطار وتدفق الأنهار ارتباطًا وثيقًا بالزراعة، بالري و/أو على ماء المطر. لذلك، عندما يحدث جفاف، يمكن أن ترى أثره في الإنتاج الزراعي بوضوح. على سبيل المثال، في السودان وإثيوبيا، تُمارس الزراعة المطرية على نطاق واسع وهي مصدر رزق لنسبة كبيرة من سكان البلدين. ويؤثر الجفاف الناتج عن الأحوال الجوية بشكل مباشر على تلك الزراعة.

إذا نظرت إلى ما حدث في ثمانينيات القرن الماضي، سترى أن إثيوبيا تعرضت لمجاعة شديدة. هناك العديد من الصور لمشاهد الأراضي القاحلة والمجاعة في هذه الفترة. ما تراه في الصور هو ما يحدث في الواقع. السؤال هو ما إذا كان يمكننا التخفيف من هذه الآثار من خلال تحسين البنية التحتية وتحديث قطاعات المياه والطاقة والغذاء. 

خريطة هطول الأمطار في حوض النيل وتركيز الري والسدود
تصوير: محمد بشير

م.م: ترابط المياه والطاقة والغذاء (water-energy-food nexus) هي إطار يمكنك من خلاله دراسة آثار السدود وكيفية التخفيف من آثار الجفاف. هل يمكنك أن تعطينا وصفًا موجزًا ​​لما يتضمنه إطار العمل هذا؟

م.ب: الفكرة الرئيسية وراء ترابط المياه والطاقة والغذاء هي أن القطاعات الثلاثة مترابطة بقوة. التغير في أي منها يؤثر على القطاعين الآخرين. لذلك، على سبيل المثال، إذا تدخلنا في نظام المياه عن طريق بناء سد على نهر، فسيؤثر ذلك على كمية الطاقة المولدة، وسيؤثر أيضًا على كمية الطعام التي يمكن إنتاجها. يعتبر السد العالي في أسوان مثالًا جيدًا على تدخل أدى إلى تغيرات في طريقة إنتاج مصر للطاقة والغذاء. 

يستهلك الغذاء أيضًا المياه، وهو ما يؤثر على توافر المياه، وبالتالي على توليد الطاقة الكهرومائية. يمكن أن تساهم الزراعة كذلك في إنتاج الطاقة من خلال الطاقة الحيوية. هذه مجرد أمثلة لبعض الروابط المحتملة، لكن في الواقع هذه الروابط معقدة للغاية. قد تؤدي مراعاة هذه الروابط المتداخلة في عمليات التخطيط والتشغيل لأنظمة الموارد الثلاثة إلى اتخاذ قرارات أفضل في إدارة الموارد المحدودة التي تتعرض لضغوط بسبب النمو السكاني والنمو الاقتصادي وتغير المناخ وما إلى ذلك. بشكل عام، هذه هي طبيعة العلاقة بين الجوانب الثلاثة، ولهذا هي مهمة.

على سبيل المثال، بحثت دراسة حديثة، شاركتُ في إعدادها، في كيفية تأثر الترابط بين المياه والطاقة والغذاء في ظل الأخطار البيئية المختلفة كالفيضانات والجفاف. ركزت الدراسة على الخرطوم، وهي أكبر مدينة في السودان وواحدة من أكبر مدن إفريقيا. يبلغ عدد سكانها من 6-7 ملايين نسمة، أي حوالي 17% من سكان السودان. توجد في الخرطوم الزراعة المروية على ضفاف النيل الأزرق والنيل الأبيض والنيل الرئيسي. كما تقوم محطات معالجة المياه بسحب المياه مباشرة من نهر النيل للاستخدام المنزلي. وتأتي بعض استخدامات الطاقة في المدينة من محطات الطاقة الكهرومائية التي تعتمد على نهر النيل. لذلك، يمكن أن نرى في نيل الخرطوم كل عناصر هذا الترابط.

الموقع الجغرافي للخرطوم مثير للاهتمام أيضًا. تقع الخرطوم عند التقاء النهرين الرئيسيين للنيل: الأزرق والأبيض. لذلك لديك مناطق مختلفة تحكم تدفق النيل في ذلك الموقع.

وعندما يتعلق الأمر بالجانب الحضري، فالخرطوم مدينة سريعة التوسع، والسودان دولة مركزية تمامًا. معظم الخدمات، مثل التعليم والصحة تتركز في الخرطوم. وهذا يسبب النزوح إليها من أجزاء أخرى من السودان. 

توضح دراستنا لولاية الخرطوم أن الضغوطات البيئية، مثل الفيضانات والجفاف، لها آثار على الترابط بين المياه والطاقة والغذاء، من خلال التأثير على جودة المياه ومعالجتها، واحتياجات الطاقة لضخ مياه الري وتوليد الطاقة من الطاقة الكهرومائية.

تم تطوير رسم تخطيطي لنموذج النظام النهري اليومي لحوض النيل الشرقي أثناء الدراسة.
تصوير: محمد بشير

م.م: في دراسة الترابط الحضري هذه، كان التركيز على الفترة ما بين 2006-2010. ما هي أهمية دراسة تلك الفترة؟ ما هي النتائج المهمة التي يمكننا استقراءها من هذه الفترة، خاصة عندما نفكر في تغير المناخ بشكل أوسع في حوض النيل؟ 

م.ب: الشيء الأكثر إثارة للاهتمام في هذه الفترة هو أن فيها سنة فيضان وسنة جفاف. كان هناك فيضان في عام 2007-2008 لكن عام 2009-2010 كان جافًا. لذلك تضمنت الفترة الزمنية الإجمالية كلا النوعين من المخاطر البيئية. لهذا السبب اخترنا هذا الإطار الزمني المحدد.

وفيما يتعلق بسؤالك حول تغير المناخ، إذا نظرنا إلى دراسات تغير المناخ على نهر النيل، فإن العديد منها يُظهر تقلبًا متزايدًا في تدفق النهر. هذا يعني أننا سنواجه حالات جفاف أكثر تواترًا وفيضانات أكثر تواترًا في المستقبل. 

م.م: يُظهر عملك أيضًا أن السدود لا تقع في سياق بيئة متغيرة فحسب، بل لها تأثير على البيئة. هل يمكنك إطلاعنا على بعض الأفكار التي يتحدث عنها بحثك حول الآثار البيئية لسد النهضة؟

م.ب: السدود لها تأثيرات بيئية. هذه حقيقة. تعتمد هذه الآثار على حجم السد وتصميمه وموقعه وتشغيله. يتضمن تصميم السد موازنة المخاطر والفرص التي ستنجم عنه. لذلك، عندما نتحدث عن آثار السد، هناك فوائد مثل الطاقة المائية والري، ولكن هناك أيضًا تأثيرات اجتماعية واقتصادية وبيئية سلبية.

فيما يتعلق بالآثار البيئية المتوقعة الخاصة بسد النهضة: أولًا، إذا نظرنا إلى تصميم السد نفسه، فإن خزانه كبير من حيث الحجم والعمق. أكثر نقطة في الخزان انخفاضًا هي حوالي 510 أمتار فوق مستوى سطح البحر، وأعلى نقطة هي حوالي 640 مترًا فوق مستوى سطح البحر. لذلك، يبلغ أقصى عمق للمياه حوالي 130 مترًا عند امتلاء الخزان. سيؤثر هذا العمق الكبير على العديد من الخصائص الفيزيائية والكيميائية لمياه الخزان. كما أن حجم الخزان كبير، ما يعني أنه عندما تدخله المياه سوف تقضي فيه فترة طويلة قبل أن تغادره. يؤثر هذا على بعض معايير المياه، مثل درجة الحرارة ومحتوى الأكسجين. كما تحبس الخزانات الكبيرة العناصر الغذائية الطبيعية التي تفيد النظام البيئي في اتجاه مجرى النهر. 

تعتمد التأثيرات البيئية أيضًا على مكان وجود منافذ السد. إذا كان لديك منافذ تطلق المياه في اتجاه مجرى النهر من طبقات الخزان العميقة، فستكون نسبة الأكسجين في هذه المياه منخفضة وستؤثر سلبًا في النظام البيئي. أيضًا، عندما يكون الخزان عميقًا، ستختلف درجة حرارة الماء في الطبقات العميقة عن درجة الحرارة الطبيعية للنهر. إذا قمت بتغيير نمط درجة حرارة الماء، فسيؤثر ذلك على النظام البيئي للنهر.

التأثير البيئي الآخر المتوقع لسد النهضة هو تأثيره على ملوحة المياه. عند تخزين الماء في الخزان، تزداد ملوحته بسبب التبخر. هذه الزيادة في الملوحة لها آثار سلبية على النظام البيئي في اتجاه مجرى النهر. من المتوقع أيضًا أن يزداد التبخر من الخزانات في السودان مع تشغيل سد النهضة، ما يزيد كذلك من ملوحة المياه.

م.م: لكن هل يتحدث الناس في مجتمع البحث العلمي عن كيفية قياس هذه التأثيرات؟ أم أن هذه مجرد مخاوف لدى بعض الباحثين ولا توجد طريقة لقياسها أو مراقبتها. هل هناك هيئات حالية يمكنها القيام بهذا العمل في المستقبل؟

م.ب: هناك طرق لنمذجة جودة المياه. لكن في الوقت الحالي، لا يوجد تركيز كبير على قياس هذا النوع من تأثيرات سد النهضة. لكن هذه القضايا خطيرة للغاية، خاصة مع مثل هذه السدود الكبيرة. 

في ورقة بحثية شاركتُ في إعدادها مؤخرًا، حاولنا التأكيد على أن السدود ليست صديقة للبيئة تمامًا كما يعتقد الكثيرون. يعتقد الكثير من الناس أن الطاقة الكهرومائية هي مصدر طاقة نظيف ومصدر للطاقة الخضراء. لكنها ليست كذلك. يعتقد الكثير من الناس أن السدود لا تساهم بشكل مباشر في تغير المناخ، لكن هذا ليس صحيحًا. تنتج السدود أيضًا غازات الاحتباس الحراري، خاصة في المناطق الاستوائية.

تنبعث من خزانات السدود غازات تساهم في الاحتباس الحراري، وخاصة الميثان وثاني أكسيد الكربون. يتم إنتاجها لسببين: الأول هو غمر الخزان، ما يؤدي إلى تحلل المخلفات البيولوجية. الثاني هو أن الخزانات تحرر الكربون من التربة. كلا السببين يساهمان في تغير المناخ.

م.م: هناك الكثير من الحركات البيئية حول العالم التي تعمل في الوقت الراهن ضد بناء السدود بشكل عام، وحتى لو لم يتحدث الناس عن ذلك علنًا في مصر، فهناك من ينتقد السد العالي في أسوان وتأثيراته البيئية. مع ذلك، عندما ننظر إلى مستقبل حوض النيل، يبدو أن لا مفر من بناء السدود. هل السدود أبدية؟ هل توجد أي تقنية بديلة، ربما نوع آخر من الهندسة الأكثر وعيًا بالبيئة؟

م.ب: إذا نظرنا حول العالم (على سبيل المثال، الولايات المتحدة)، هناك حملات ضد السدود. يتم الآن إزالة العديد من السدود التي أقيمت في الولايات المتحدة وأوروبا في القرن الماضي. هناك جهود تُبذل لاستعادة النظام البيئي الطبيعي للعديد من الأنهار. عند إزالة سد، لن يعود النظام البيئي إلى طبيعته مرة أخرى إلا بعد سنوات. وهذا أيضًا هو الجانب الآخر لبناء السدود. عندما تبني سدًا، فإنك لا ترى الآثار البيئية على الفور، ولكن عند إزالة السد، لا يستعيد النظام نفسه على الفور. 

لكن القضية هي: إذا أردت التوقف عن بناء السدود، فما هو البديل؟ إذا كنت تبني سدودًا لتوليد الطاقة الكهرومائية، على سبيل المثال، فإن البديل هو بناء محطات طاقة حرارية، ولكنها تساهم أيضًا في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وهناك ضغط عالمي ضدها. بديل آخر هو تطوير مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ولكن مرة أخرى، يأتي هذان المصدران مع بعض المشكلات لأنهما متغيران للغاية، ولا يمكنك توليد طاقة الرياح إلا عندما تهب الرياح، ويمكنك فقط توليد الطاقة الشمسية عندما تكون الشمس مشرقة.

م.م: لكن هناك الكثير من ضوء الشمس في مصر والسودان. 

م.ب: نعم، لكن هذا بالنهار فقط. هناك مجال مهم ومتزايد يركز على دمج الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في مصادر الكهرباء. يرى العديد من الباحثين أن السدود وسيلة تكميلية لمصادر الطاقة المتجددة. لذلك، إلى جانب توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، يمكن أن تقيم سدًا يعمل كمولد احتياطي عندما لا يمكنك الحصول على طاقة متجددة. أيضًا، يبحث الباحثون في ما يسمى بالتخزين بالضخ كوسيلة لدمج مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة. طريقة عمل هذه التقنية هي أنه يمكنك توليد الكهرباء عندما يتوفر لديك الكثير من الطاقة المتجددة، وأن تستخدم هذه الطاقة لضخ مياه من مستوى منخفض إلى مستوى أعلى. وعندما لا تتوفر الطاقة المتجددة، فإنك تطلق تلك المياه من المستوى الأعلى عبر توربينات لتوليد الطاقة. هناك العديد من التقنيات الجديدة التي تتطور. يصبح السؤال بعد ذلك، هل هناك جدوى من بناء السدود الآن أم هل يجب أن نستثمر في تقنيات متجددة سريعة التطور لمساعدتنا في إنتاج الطاقة بطريقة «صديقة للبيئة» أكثر؟ هناك شكوك كثيرة في هذا الشأن ولذلك تنتظرنا قرارات صعبة. 

م.م: لماذا لم يحدث مزيد من الاهتمام بالآثار البيئية على مستوى مفاوضات الدولة؟ 

م.ب: إذا نظرنا إلى تاريخ سد النهضة، في عام 2013 شكلت إثيوبيا والسودان ومصر كيانًا يسمى فريق الخبراء الدولي، والذي ضم علماء من الدول الثلاث للنظر في تقارير تصميم سد النهضة وتقييمها. وكانت إحدى توصياتهم هي إجراء دراسات من قِبل جهات محايدة، من بينها دراسة تقييم الأثر البيئي لسد النهضة. كانت الفكرة هي اختيار هيئة مستقلة إلى حد ما أو اتحاد هيئات لإجراء هذه الدراسات، لكن هذا لم يتم بسبب خلافات حول الشروط المرجعية للدراسات.

م.م: من المثير للاهتمام أن هناك على الأقل نية معلنة للقيام بذلك وإن لم تتحقق، أو ربما كان بعض الأشخاص يحاولون، لكن لم يتم منحهم الفرصة. 

م.ب: نعم، هذا ما حدث بالفعل. لقد كان طلبًا منذ عام 2013. من وجهة نظر إثيوبية، يقولون إنهم أجروا دراسات بيئية بأنفسهم. لكن هذا لا يكفي. عندما يكون النهر عابرًا للحدود، يجب إجراء دراسة بواسطة جهة مستقلة. 

بشكل عام، تكمن مشكلة التكاليف البيئية في أنها تظهر على المدى البعيد وليس على الفور. لذلك ليس من الصعب الترويج للسد على أنه إيجابي بحت، لأنك لن ترى الآثار السلبية على الفور. بالطبع، يعتمد الأمر على الطرف الذي يتحدث عن هذه التأثيرات. في كثير من الأحيان، سيقول البيئيون إن الأمر لا يستحق بناء السدود، بينما سيقول المهندسون إن السدود لا تزال مهمة للغاية وتساعد في التنمية الاقتصادية وانتشال الناس من براثن الفقر وما إلى ذلك. ولكن غالبًا ما يتم تهميش التأثيرات البيئية، خاصة في البلدان النامية، بسبب الفوائد الأخرى للسدود. عندما تبني حكومة سدًا وتبدأ في توليد الطاقة الكهرومائية أو إنتاج منافع أخرى، تحصل على دعم وزخم سياسي حين يرى الجمهور هذه الفوائد. هذا هو السبب في أنه من الأسهل الترويج لسد كبير، بدلًا من سد صغير، للرأي العام.  

م.م: لماذا تقول أنه من الأسهل الترويج لسد أكبر للرأي العام؟

م.ب: الأمر يتعلق بالفوائد التي تجلبها السدود. إذا بنيت سدًا بقدرة 300 ميجاوات، فسوف تحصل على دعم جماهيري عام أقل مقارنةً ببناء سد بقدرة ستة آلاف ميجاوات. تبلغ الطاقة الكهرومائية لسد النهضة 5150 ميجاوات في الوقت الحالي. هذا هو أحدث تصميم، لكنه لن يولد هذا القدر من الطاقة إذا تم استخدامه لتوليد الحمل الأساسي (baseload generation). سيولد نحو ألفي ميجاوات أو أقل في معظم الأوقات.

م.م: حقًا؟ لماذا تقول هذا؟

م.ب: بسبب هيدرولوجيا النهر. تخيل أنك تشتري سيارة فيراري. إنها سريعة للغاية، تصل سرعتها إلى 500 كم في الساعة بأقصى سرعة. ولكن إن انطلقت بها في منطقة جبلية، فلن تستطيع الوصول إلى هذه السرعة القصوى. قد تجد بعض المناطق المستقيمة في الطريق حيث يمكنك الوصول إلى 500 كم، ولكن لمدة دقيقة أو دقيقتين فقط. لا يمكنك حقًا استخدام السيارة بكامل طاقتها طوال الوقت. الأمر مشابه لقدرة الطاقة الكهرومائية التي تولدها السدود. يمكننا تركيب أكبر عدد نريده من التوربينات، ولكن إذا كانت هيدرولوجيا النهر لا تدعم تشغيل كل هذه التوربينات، فسيتعين عليك العمل بقدرة أقل. 

م.م: لكن لماذا لا تدعم هيدرولوجيا النيل الأزرق هذا المستوى من العمل؟

م.ب: لنتخيل أن سد النهضة ممتلئ. تم الانتهاء من الملء، ويحاولون الآن تحديد مقدار الطاقة التي يجب توليدها. في يوم معين، إذا كنت تريد توليد خمسة آلاف ميجاوات، فأنت بحاجة إلى إطلاق كمية معينة من الماء، وإذا كنت تريد توليد ألف ميجاوات، فستحتاج إلى إطلاق كمية مختلفة من الماء. في كلتا الحالتين، يعتمد هذا القرار على مستوى الخزان. إذا كنت ترغب في توليد 5150 ميجاوات على مدار العام، فسيتعين عليك إطلاق الكثير من المياه، ما يؤدي إلى إفراغ الخزان بسرعة كبيرة، حتى قبل أن ينتهي العام في بعض الظروف الهيدرولوجية. وهذا يعني أن هيدرولوجيا النهر نفسه، وكمية المياه التي ينقلها النهر إلى موقع السد، لا تكفي لدعم توليد 5150 ميجاوات طوال الوقت. 

م.م: كما أنه شديد التغير بسبب تقلبات هطول الأمطار والاضطرابات المناخية، أليس كذلك؟ أتخيل أن هذا التغير سيُحدث تأثيرًا

م.ب: نعم. بحث العديد من الدراسات -على وجه التحديد- في أفضل السبل لتشغيل سد النهضة لتوليد الحمل الأساسي. لأنه إذا حاولت توليد 5150 ميجاوات طوال الوقت، فهذه فكرة سيئة. وإذا حاولت توليد 500 ميجاوات، فهذه أيضًا فكرة سيئة. يجب توليد مقدار ما بينهما، والنطاق الذي سيتم توليده غالبًا بين 1500-2000 ميجاوات. أعتقد أنه من الأفضل وصف سد النهضة بناءً على إمكانات توليد الطاقة بدلًا من سعة مولدات الطاقة التي تم تركيبها. يبلغ توليد الكهرباء المتوقع سنويًا لسد النهضة 14 ألف جيجاوات/ساعة، بافتراض أن تشغيل السد يهدف إلى تعظيم توليد الطاقة المضمونة (firm power). للمقارنة، يتراوح توليد الطاقة السنوي للسد العالي بين حوالي 8-10 آلاف جيجاوات/ساعة.  

م.م: وما علاقة ذلك بقضية دعم الرأي العام التي ذكرتها أعلاه؟

م.ب: أنا متأكد من أن المهندسين والعلماء الإثيوبيين يعرفون أنهم لا يحتاجون إلى كل هذه القدرة لتوليد الحمل الأساسي. قد تكون هذه القدرة مفيدة لرفع مقدار توليد الكهرباء على المدى القصير. لهذا من المهم التفكير في المكاسب السياسية التي يحققها تقديم مشروع ضخم للجمهور، بدلًا من مشروع متواضع.

م.م: هل كانت أرقام التصميمات الأولية واقعية، ولكنها زادت لتحقيق الزخم الوطني؟ 

م.ب: تعود التصميمات الأولية لسد النهضة إلى عام 1964 (كان السد يُعرف وقتها باسم «سد الحدود»)، وكانت سعة التخزين في ذلك الوقت حوالي 11 مليار متر مكعب بسعة طاقة تبلغ 1400 ميجاوات. تطور التصميم حتى أصبح 74 مليار متر مكعب، وهو التصميم الحالي. أعتقد أنه حتى عام 2009، كانت إثيوبيا والسودان ومصر تناقش سعة تخزين تبلغ حوالي 15 مليار متر مكعب.

م.م: لنتحدث قليلًا عن الاقتصاد.. هل قمت بنمذجة التأثيرات الصناعية والاقتصادية لسد النهضة؟ 

م.ب: أجريت بعض التحليلات حول الآثار الاقتصادية لسد النهضة. استعنت بنماذج الاقتصاد الكلي لمعرفة مدى تأثير سد النهضة على البلدان الثلاثة. ومن خلال هذه النماذج، يمكننا النظر إلى أشياء مثل الناتج المحلي الإجمالي والتوظيف ومخرجات القطاعات المختلفة وربطها بالنموذج البيوفيزيائي لنظام النهر. وما يمكن عمله من خلال هذا الإطار هو دراسة كيف يمكن للتغييرات في نظام المياه والطاقة والغذاء أن تؤثر على أداء الاقتصاد الكلي. لذلك، على سبيل المثال، قمنا بوضع نموذج لسيناريو لا تقوم فيه إثيوبيا ببناء سد النهضة، وسيناريو تقوم فيه إثيوبيا ببناء السد، لمعرفة تأثيره على الأداء الاقتصادي لكلٍ من مصر والسودان وإثيوبيا. 

م.م: كيف تبدو هذه السيناريوهات للدول الثلاث؟

م.ب: في أحد السيناريوهات، حاولتُ تحديد كيفية تأثير سد النهضة على مصر. هذا على افتراض أن سد النهضة سيتم تشغيله من جانب واحد لتعظيم توليد إثيوبيا للطاقة. من حيث الناتج المحلي الإجمالي، سيكون التأثير على مصر صغيرًا نسبيًا، وذلك ببساطة لأن القطاع الزراعي يشكل نسبة صغيرة من الاقتصاد المصري، الذي يعتمد بشكل أكبر على الخدمات والصناعة. لكن من سيشعر بالتأثير هم الفقراء الذين يعتمدون على الزراعة لتوفير دخلهم. لذلك، عندما نظرنا إلى دخل الأسر الريفية الفقيرة ودخل الأسر الغنية، وجدنا أن دخل الفقراء سيتأثر بشكل كبير أكثر من دخل الأغنياء. أعتقد أن هذا هو أحد الأشياء التي تحاول مصر تجنبها. وهذا يسمى بالتأثير المُوزّع (distributional impact) في لغة الاقتصاد، والذي يعني أنه عندما تتدخل في النظام الاقتصادي، سيكون هناك رابحون وخاسرون.

بحثتُ أيضًا في كيفية تأثير كهرباء سد النهضة على اقتصاد إثيوبيا. ستكون التأثيرات إيجابية لأن الكهرباء ستحفز القطاعات الاقتصادية المختلفة على زيادة الإنتاجية، ما ينتج عنه تأثير إيجابي شامل على الاقتصاد.

أعددتُ مؤخرًا ورقة بحثية مع بعض الزملاء، بحثنا فيها سيناريو يتم بموجبه تشغيل سد النهضة بالتعاون الكامل مع السودان. في هذا السيناريو، سيحصل السودان على بعض الفوائد لأن التدفق سيصبح أكثر انتظامًا. يمكن للسودان التوسع في الزراعة المروية وزيادة توليد الطاقة الكهرومائية، ما يعود بالنفع على الاقتصاد السوداني على المدى الطويل.

أخيرًا، في بعض تحليلاتي الأخيرة، بحثتُ مع بعض الزملاء سيناريوهات أخرى لتشغيل سد النهضة. استند أحد السيناريوهات إلى اقتراح تم التفاوض عليه مؤخرًا في واشنطن، وتضمن السيناريو الآخر زيادة مستوى التعاون بين البلدان الثلاثة، حيث تم التخفيف من الحدود السياسية مع الاحتفاظ ببعض الأهداف الوطنية. تضمن السيناريو التعاوني، الذي اشتمل على تخيل عملية تشغيل تعاوني للسد، تشغيل السد العالي في أسوان وسد النهضة بطريقة متزامنة خلال فترات الجفاف وفترات التدفقات العالية.

وجدنا أنه عند اتباع نهج التنسيق، ستشهد كل من إثيوبيا ومصر تأثيرات اقتصادية إيجابية، في حين أنه لن يتأثر السودان مقارنة بالسيناريو الأقل تعاونًا. تشير نتائجنا إلى أن التعاون مفيد للغاية، ويجب أن يصبح هو السبيل لإدارة مياه النيل. من الناحية المثالية، ينبغي أن يستند التعاون بين البلدان الثلاثة إلى المزايا النسبية لكل بلد، وأن يتطور على أساس تقاسم المنافع، بدلًا من تقاسم المياه. 

مع اتباع نهج التنسيق فقط، ستتوفر موارد مائية كافية لتلبية الطلب المتزايد باستمرار على المياه والطاقة والغذاء للدول الثلاث.  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن