تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
كل كوابيس هاني شاكر

كل كوابيس هاني شاكر

كتابة: شريف حسن 9 دقيقة قراءة

لم يصادفني مرة أن طلب أحد في أي جلسة أو تجمع لأصدقاء أن يستمع لأغنية لهاني شاكر، حتى في مرحلة السقوط في النوستالجيا لأغاني التسعينيات أو الألفينيات على مواقع التواصل أو في جلسات السمر، لا يظهر شبح شاكر إلا من باب الفكاهة والإيفيه. لم أقابل أي شخص يضعه ضمن قائمة المفضلين، حتى لو وصلت القائمة لعشرين مطربًا ومطربة، كان بالنسبة للجميع مثل الأخ الكبير أو عم والدك له احترامه من باب احترام كبار السن. 

لكن على الناحية الأخرى، يكاد لا تمر عدة أيام منذ تولي هاني شاكر منصبه نقيبًا للموسيقيين، إلا وقرأنا عن أخبار ومشاكل ومعارك، على رأسها القضية التي يجند لها كل قوته، وهي مهاجمة موسيقى وفناني المهرجانات. معركة لا يمل منها، بل ويثيرها كل فترة، ويعيدها للأذهان والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي. تخيلوا معي لو لم يكن هاني شاكر يحتل ذلك المنصب، هل كان سيكون له تواجد على الساحة الفنية بأي شكل؟ 

بعيدًا عن الأسئلة التخيلية، فالسؤال الأكثر منطقية وواقعية، لماذا يحمل شاكر كل هذه الكره والغضب من فن المهرجانات؟ الأمر أصبح موقفًا شخصيًا أكثر منه نقابيًا. شاكر وما يقدمه من لون موسيقى معيّن في مواجهة المهرجانات وما تقدمه من شكل مختلف ومغاير للصورة النمطية عن الأغاني والموسيقى.

وللإجابة عن ذلك السؤال والبحث عن الأسباب الحقيقية لحالة البغض الكامن في قراراته وتصريحاته، كان علينا العودة للوراء كثيرًا، والبحث في الأرشيف الصحفي عن هاني شاكر، لنرى هل موقفه من المهرجانات موقفًا فنيًا بحتًا للون غنائي معيّن، أم هي حالة عدائية عامة لكل ما هو مختلف عن تصوراته عن الفن الصحيح.

لنعد إلى البداية، وقت ثورة يوليو 1952 وتحديدًا نهاية عام 52، عندما رزق موظف مصلحة الضرائب عبد العزيز شاكر بطفل أسماه هاني، ومنذ الصغر تعلم الموسيقى والغناء في معهد الكونسرفتوار. مثل كل أطفال جيله، نشأ وتربى على شكل موسيقي كلاسيكي إلى حد ما، لأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وبالطبع الأقرب للجيل الأصغر عبد الحليم حافظ. شارك في كورال الأطفال في أغنية عبد الحليم «بالأحضان» عام 1963، ثم قام بدور سيد درويش في طفولته في فيلم «سيد درويش» عام 1966. 

هاني شاكر في فيلم «سيد درويش»

 استمر شاكر في السير وراء عبد الحليم، تلك التجربة الفنية الفريدة في تلك المرحلة، ومع بداية السبعينيات قدمه مكتشف النجوم ورفيق عبد الحليم حافظ، الملحن محمد الموجي في أغنية «حلوة الدنيا»، وبدأ هاني ينطلق في عالم الغناء، كصورة مصغرة من عبد الحليم، حتى إن حليم في ذلك الوقت قدم عماد عبد الحليم، كصوت جديد، ليقف أمام نجاحات هاني شاكر.

حوار مع الموجي

في غضون السنوات التالية، انطلق شاكر يقدم تعاونات مع الكثير من شعراء وملحنين تلك المرحلة، مثل مجدي نجيب وعبد العزيز سلام وفتحي قورة وصلاح فايز، ومن الملحنين بليغ حمدي ومنير مراد ومحمد سلطان وخالد الأمير. وأيضًا اتجه إلى السينما وقدم ثلاثة أفلام، هم «عندما يغني الحب» (1973)، «عايشين للحب» (1974)،  «هذا أحبه وهذا أريده» (1975)، وكلها أفلام غير ناجحة أو غير مشهورة على الأقل، أفلام نساها الجميع بعد عرضها.

واستمر شاكر في النجاحات وتقديم حفلات داخل مصر وخارجها في دول الخليج، وأطلق عليه لقب «العندليب الضاحك»، مثلما كتبت مجلة «الموعد» في عام 1978، في أحد أخبارها عنه. 

صفحة من مجلة الموعد، عام 1978، وفيها تلقب شاكر بـ«العندليب الضاحك»

وفي 1975 دخل شاكر الجيش، قبل أن يعود للساحة الفنية ليفاجأ بتغيرات كثيرة حدثت مع بداية الثمانينيات، وظهور نجوم الجيل الجديد مثل علي الحجار ومحمد منير ومدحت صالح وعمرو دياب وأنغام، بجانب الفرق الغنائية مثل «المصريين» و«الأصدقاء» و«طيبة» وغيرهم. كل تلك التجارب بمختلف أشكالها وطريقتها الغنائية اتفقوا على شيء واحد، التمرد على ما سبق، وتقديم أنفسهم بشكل جديد ومتماشي مع وقتهم، دون محاولة استنساخ التجارب السابقة لهم، خاصة تجربة عبد الحليم حافظ.

جزء من حوار مع شاكر، يتحدث فيه عن بداياته

أغلب الجيل الجديد تفّهم فكرة الزمن. الزمن شيء متحرك وعلى الفنان الباحث عن الاستمرارية والنجاح وخلق تجربة فنية ثرية، أن يسير معه لا أن يحاربه، وجميع الأساطير الفنية القديمة، نجحت في الخلود بسبب تفهم لفكرة الزمن، ومن أهم سماتها أن لكل فترة زمنية شكلًا غنائيًا يميزها، متأثرًا باللحظة والمكان المصنع فيهما، لذلك كان للثمانينيات شكلًا موسيقيًا وغنائيًا مختلفًا كثيرًا عما سبق، كان نقطة تحول هامة في شكل الأغنية المصرية.  

لم يتفهم شاكر الأمر بشكل كامل، رغم محاولاته الدائمة، حتى وقتنا هذا، وعلى مدار مشواره الفني أن يواكب العصر ويقدم تعاونات مع ملحنين وشعراء شباب، ونجح الأمر في أوقات كثيرة في نجاح أغاني وكليبات له، لكنه لم يغير رؤيته للفن وأبقى على نظرته الضيقة عن الموسيقى والغناء. وفي نهاية السبعينيات صرح عبد الحليم حافظ في أحد البرامج التلفزيونية، وهو يتحدث عن الموهبة الصاعدة، هاني شاكر، قائلًا: «أنا ماعرفهوش شخصيًا بس مايتهيأليش أنه شخص طموح».

مقال سيد إسماعيل، عن علاقة عبد الحليم بهاني شاكر، عام 1999

منذ الثمانينيات ويهاجم شاكر كل ما هو جديد على الساحة الفنية، فمع كل عقد، يبحث عن الفريسة الجديدة ويهاجمها بكل قوة. لم يستطع شاكر تقبل الأشكال الجديدة طوال مسيرته، لأنها بكل بساطة خارج مفهومه عن الأغنية، وبعيدة عن الشكل العاطفي الحزين الذي اشتهر به. 

البداية كانت مع ظهور شرائط الكاسيت، الصناعة التي سيطرت على السوق الغنائي، ومعها ظهر مطربون جدد بشكل كبير ومختلف ومتنوع. وقتها صرّح شاكر في مقابلة في التلفزيون السوري، عام 1982: «الكاسيت أصبح منافس خطير للإذاعة والتلفزيون، وهذا الشيء لازم يتاخد له موقف أو وضع معين ويتوضع له نهاية». وفي برنامج آخر عندما سُئل عن لو معه صاروخ ناسف إلى من سيوجهه، أجاب: «انسف بيه كل مرتزقة شرائط الكاسيت». تلك هي عقلية مطرب في بداياته الفنية، وهكذا يتحدث عن صناعة الكاسيت، كأنهم مجرمو حرب، كل ذلك لأنه يرى نفسه قادم من جيل الأساطير.

حتى إنه يرى كذلك أن أحمد عدوية لا يصلح للغناء من الأساس. في البرنامج نفسه، وفي سؤال عمّن يصلح أن يكون تلميذًا وأستاذًا في معهد الموسيقى، وعند طرح اسم عدوية، رد: «ده ما يدخلش أصلًا». عدوية، أحد أهم مطربي ومجددي الأغنية الشعبية في تاريخها الطويل، قال عنه: «تحس فيه قناع على وشه بيزول بعد فترة، والناس بتعرف أن الكلام الفارغ ده مش هو ده الفن ولا الأصالة؟»، عدوية الذي ما زالت أغانيه حاضرة حتى الآن، ويجري اكتشافه من قبل الأجيال الجديدة، وإعادة طرح منتجه بشكل مستمر. ما جعل عدوية يدخل في مشادة كلامية، كادت تصل للمشاجرة، مع شاكر، في أحد استوديوهات الإذاعة والتلفزيون.

خناقة عدوية وهاني شاكر

هكذا يتبنى شاكر رؤية محددة لشكل الغناء، وهو الشكل الذي تربى عليه وعاش طوال طفولته حتى عمر الثلاثين يحلم باعتلاء منصة وقمته الغنائية، والذي أصبح شكلًا قديمًا لا يتماشى مع الزمن والمكان، ولم يستطع شاكر أن يغير جلده ويكسر كل هذه التابوهات القديمة، فكانت الأغنية الشبابية الجديدة شيئًا يكرهه، لأنه حرمه من اعتلاء قمة الساحة الغنائية. كل ما يحصل عليه شاكر من تقدير هو تقدير للزمن، أكثر منه تقديرا لمجهوده الفني. 

وعندما نصل لمرحلة التسعينيات، فنرى شاكر يهاجم الجيل على رأسهم حميد الشاعري بضراوة، معتبرًا في حوار له، في جريدة «العربي»، عام 1999، أن «يوم القيامة قرب! للأسف أصحاب الأصوات المخنثة يقولون ذلك بأن الهجوم عليهم أمر طبيعي وسوف يتم الاعتراف بهم مثلما حدث مع كوكب الشرق أم كلثوم وعبد الحليم حافظ». 

حوار شاكر مع «العربي» عام 1999

وفي حوار آخر رأى أن «الموجة الشبابية جواز سفر لكل فن هابط»، رافضًا أن يرتدي المطرب ترنج أو كوتشي ويسمى ذلك تجديد، فهو يرى إن الالتزام بأجواء السبعينيات هو الشكل الحقيقي للغناء والطرب، وأي خروج عن تلك الحالة هو خروج عن حدود الأدب والفن. 

وبالطبع لم يسلم منه مطربو القمة مثل عمرو دياب ومحمد منير، فنجد في خبر صحفي عن مهرجان القاهرة للأغنية عام 1998 يصرح: «لن أشارك في مهرجان يكرم عمرو دياب». هذه الحالة العدائية التي دفعت منير مثلًا للرد على هجومه على المطربين المصريين ووصفهم بالكسل. 

مع الألفينيات وانطلاق قنوات الكليبات على الساحة الفنية، وسيطرة شركة روتانا على السوق، وضع بالطبع هاني شاكر الكليبات والرقص على قمة الموضوعات التي هاجمها، بجانب هجومه على شركة روتانا، بشكل واضح في الكثير من اللقاءات التليفزيونية. لكن الأمر الثابت معه منذ الثمانينيات هو العداء لما أسماه «الزحام الفني»، مع أنه أمر جيد أن تجد مطربين كثر يملئون الساحة الغنائية، فهذا مفيد للمشهد الموسيقي، لكن الأمر مختلف مع شاكر. يتمنى أن تظل الساحة الفنية مقصورة على عدد قليل من المطربين، مثلما كان وقت ظهوره في منتصف السبعينيات، الجيل الذي اختفى واعتزل أغلبه بعد قليل، حتى إنه يرى أن الزحام هو أهم سبب في عدم نجاحه بالشكل الكافي، وكان ذلك في بداية الثمانينيات. 

حوار مع «الجمهورية» عام 1991

حوار مع شاكر عام 1999
حوار آخر مع شاكر عام 1999

ونفس التصريح في بدايات الألفينيات: «وبسبب الزحام الذي نعيشه اليوم، فلو قارنت بين وقت ظهوري حيث كنت أغني بين عدد من المطربين لا يتعدون العشرين، هم المتميزون، في مصر والعالم العربي، وبين الآن، حيث شركة الإنتاج الواحدة لديها ضعف هذا العدد، فبالتأكيد هذا الزحام يؤثر تأثيرًا سلبيًا لأنه مع الأسف الشديد ليست كل هذه الأصوات تصلح للغناء». 

وفي حوار عام 2003، مع «صوت الأمة»، كرر التصريح مضيفًا إليه نغمة تحسُّر أخلاقية، كأنه يتكلم في 2021 عن المهرجانات: «الوضع الغنائي كله سيء، زحام غريب من المطربين، ورخص أغرب فيما يقّدم ويذاع، وللأسف هناك أصحاب منابر وقنوات يذيعون أشياء وسخافات، لا أعرف حيقابلوا ربنا بيها إزاي؟! بيخربوا عقول الناس وأحاسيسهم، هم مش عارفين إنه فيه حساب؟»

حوار مع هاني شاكر عام 1999
حوار مع شاكر عام 2000
حوار مع شاكر عام 2003 في جريدة «صوت الأمة»

صورة13: حوار مع شاكر عام 2003 في جريدة «صوت الأمة» 

في مرحلة الألفينيات أيضًا شارك شاكر في واحد من أسوأ تجارب برامج مسابقات الغناء، برنامج «صوت الحياة»، برنامج يمتلئ بالتنمر والسخرية من المتسابقين، ولم يقدم أي صوت جيد، تلك المشاركة بعد سنوات قليلة من تصريحه «أنا ضد برامج المواهب لأنها تجارية».

 ومع ثورة يناير وكل ما حدث من تغيرات أثرت بشكل كبير على المشهد الموسيقي، جاء شاكر نقيبًا للموسيقيين خلفًا لمصطفى كامل، ليجد نفسه يملك السلطة وقادر على المنع والحجب. كل المعوقات أو الكوابيس التي رآها شاكر تؤخر نجاحاته منذ الثمانينيات تجمعت في قالب المهرجانات، الشكل الشعبي وسهولة الإنتاج أكثر بكثير من مرحلة الكاسيت، ظهور المئات من مطربي المهرجانات ممن يخلق حالة من الزحام والنجاحات السريعة، وبالطبع الشكل المختلف في الموسيقى والكلمات، والثورة التكنولوجية في سهولة العرض واليوتيوب، والتمرد والتجريب الواضح والمستمر في عالم المهرجانات، وهما الأمران اللذان يكرههما منذ الثمانينيات. 

كل تلك الأمور جعلت شاكر كارهًا للمهرجانات بشكل شخصي وفني، وكان سيهاجمها، على أي حال، بكل شراسة في البرامج والحورات الصحفية، لكنه وجد نفسه ولأول مرة في يده سلطة لتنفيذ كل ما كان يحلم به منذ بداياته، فكانت المهرجانات هي من صب عليها غضبه وكرهه لكل الأشكال الغنائية غير الكلاسيكية العاطفية، والتي منعته أن يكون عبد الحليم لأي جيل أو لفترة قصيرة حتى. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن