كل شيء لا يعجبني
خلال نزوحه داخل قطاع غزة، قبل إعلان وقف إطلاق النار، استعاد محمود الشرقاوي قصيدة محمود درويش: لا شيء يعجبني، بترشيح من المحرر. هكذا أعاد الشرقاوي قراءة شعر درويش وكتب هذا النص، وسط أجواء عصيبة، حرب وجوع وآمال، ثم تفاعل معه فلسطيني آخر هو الرسام جمال قبطان برسومه.
على جانب الطريق، حيث تتراكم العربات المهجورة، والخيام المُهترئة التي لا تُجدي في صد الأمطار الغزيرة، أقف مُتكئًا على قطعة قماش تقي جسدي سهام المطر، علّها تحمي قلبي المثقل. مياه عادمة تسيل بين قدميّ، والوجوه التي تمثل صراع الحياة اليومي، لا تختلف عن بعضها كثيرًا، الجميع ينتظر، نحن جميعًا ننتظر شيئًا ما: بعض الدقيق، الأكياس التي حلمنا بها، لكن هل تكفي ليومين؟ في هذه اللحظة، يدور في ذهني شريط من الذكريات، أيام كنت أسير في شوارع المدينة بلا هم، أبحث عن غدٍ أفضل، لكن اليوم، لا وجود للغد، كل شيء يبدو مشوشًا ومثقلًا بالهموم.
كنت أفكر في هذا، حينما عبرت في ذهني كلمات غريبة، لا أدري إن كانت من أغنية قديمة أو من حديث قد مر بي يومًا: «عالخيمة كتبنا الوعد، راح نستنا رجعتنا، خبينا كوشان الأرض، بين سنين غربتنا» كانت الكلمات تلوح أمامي، كأنها تحاصرني، تطوف في الهواء حول خيمتي الهشة التي بالكاد تحمي أجسادنا من برد أو حر، وكأن كل شيء قد انتهى، حتى الخيمة لم تعد كما كانت.
أسمع أنين أطفالي من الخيمة القريبة، صوتهم يشق فوضى المكان، كأنني أسمعها تأتي من زمن بعيد، حيث لم تكن هناك خيام ولا مياه عادمة، فقط ابتسامات بريئة وكلمات كانت تعبق بالأمل، لكن اليوم، لا مكان للأمل، كل شيء هنا يعكس واقعًا يشبه الضباب الذي يغلف هذه الأرض، وسط هذه الفوضى تصطف سيارة صغيرة تجر ورائها عربة حمار، يصارع بعضنا بعضًا لضمان مكان في السيارة الأمامية أو في تلك العربة اللعينة، كالعادة أنا ذو الحظ السيء لم أحظ بمكان داخل العربة الأمامية، مسرعًا امتطيت صهوة عربة الحمار قاصدًا مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يقولون إن الدقيق قد وصل إلى هناك، إشاعة كهذه جعلت كل رواد الخيام في مواصي خانيونس يسافرون نحوها.

أتأمل الطريق الممتد أمامي، وأتساءل: هل سيتغير شيء؟ هل ستكون هذه الحزمة الصغيرة من الدقيق لو حصلنا عليها كافية لتحملنا يومًا آخر؟ ولكن، في كل مرة أمد يدي، أرى الوجوه نفسها: باعة متجولون، مسافرون غير حالمين، كل واحد منهم يحمل جرحه الخاص، وكل واحد منهم يترقب أن تُفتح له نافذة أمل، كانت العربة تهتز مع كل حركة رغم أن السائق يسير ببطء، إلا أن الطريق الساحلي كانت وعرة بشكل كبير، من بعيدٍ أسمع صوت السائق يسألني عن وجهتي، كالغريق أخبره قصتي مع الدقيق والأمل، وقبل أن استرسل يقاطعني بحديثه مع الجابي، خذ منه أجرة الطريق إلى سوق دير البلح واسأل الباقين عن وجهتهم، سمعته بصوت محمود درويش حين قال: «يقول السائق: 'انتظرِ الوصولَ إلى المحطةِ، وابكِ وحدك ما استطعت'».

الرجل الذي يجلس بجانبي يمسح وجهه بأكمامه، ثم ينظر إلي بتعب ثقيل، ويسألني عن الدقيق فأجيبه: يقولون أنه وصل.
أجابني بقهقهة متهكمة: «وصل! وصل كالأمل».

لكن تلك الإجابة لم تكن سوى وهم، فقد أصبحت كلمات الأمل شعارنا. الكلمات التي نطلقها في كل مرة نغادر فيها خيامنا على أمل أن يكون الطريق أفضل من الأخير، رغم أننا نعلم أن الواقع لن يتغيّر.
«لكن، يوجد أمل»، قال أحدهم فجأة، محاولًا تجميل الواقع، «لا يوجد غير الأمل لنحيا به» لكنني أعرف في أعماقي أن الأمل الذي يتحدث عنه هو ذاته الذي لا يأتي أبدًا. «الدقيق؟ وصل! وصل كالأمل» كانت ضحكته تعبيرًا عن السخرية التي يشعر بها الجميع. ألسنتنا محمّلة بالكلمات، لكننا نعلم أنها مجرد وهم.
تبادلنا النظرات الحائرة. أحدهم، شاب في العشرينات، شعر باليأس الذي يراود كل واحد منا. قال: «إذا حصلنا على الدقيق، فهل من الطبيعي أن نعيش هكذا، أنا لا أريد دقيقًا، أريد حياة، أريد عمل، أريد أمل»
الأصوات ارتفعت قليلًا. أحدهم رد قائلاً: «أنت لست وحدك. الجميع يعيش المعاناة. لا نريد إلا الطعام لأطفالنا، ولكن من أين؟» كان الركاب الآخرون يلقون كلماتهم في الهواء كما لو أنهم يحاولون إقناع أنفسهم قبل أن يقنعوا الآخرين.

أصوات المحرك كانت كأنها تردد في أذهاننا: «لا فائدة». ولكن شيئًا ما في داخلنا يرفض الاعتراف بذلك، يرفض الاستسلام. «كل يوم نفس الطريق، نفس الوجوه، نفس العطش»، قال أحدهم وهو ينظر إلى الأفق البعيد، وكانت العربة تسير ببطء شديد، كأنها لا تتحمل عبء الأحلام المكسورة التي حملها الركاب، لا فائدة. لكن شيئًا ما في داخلنا يرفض الاعتراف بذلك، يرفض الاستسلام، رغم أننا نعلم في أعماقنا أننا نسير في حلقة مفرغة.
كل شيء يتكرر، قلت في نفسي، وكأن محمود درويش يردد في داخلي مثل طيف بعيد: «يقول الجامعي: لا شيء يعجبني. درستُ الأركيولوجيا دون أن أجد الهوية في الحجارة. هل أنا حقًا أنا؟».
دخلنا مدينة دير البلح أخيرًا، وكل ما فينا كان يشع شعورًا بالانتظار. في الأسواق، كان هناك ازدحام، أصوات الناس تحاول ملء الفراغ الذي يتركه غياب الحلول. ولكن، لا أحد يستطيع أن يخفي حقيقة أن الدقيق غير موجود، كان التاجر يبتسم ابتسامة باهتة ويخبرنا بأن الدقيق لم يصل، ربما يصل غدًا.
غدًا؟ ردد الجميع السؤال، بل لمحته في عيونهم. غدًا الذي لن يأتي أبدًا. فهمت ما تحمله نظراتهم وهم صامتين. رجعنا من حيث أتينا، كأننا لم نغادر أصلًا. العربة تهتز مرة أخرى، ونحن نتجه إلى خانيونس.
في الطريق كانت الوجوه نفسها، لكننا شعرنا بعبثية اللحظة أكثر من أي وقت مضى. لا شيء تغيّر، لا جديد. مثل درويش خاطبت السائق «أمّا أنا فأقول: أنزلني هنا. أنا مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبت من السفر»، لكنه تجاهل ذلك، حتى وصلنا إلى دوارٍ بعيد عن المكان المنشود، طلب منّا السائق النزول لأنه لا يستطيع التقدم أكثر لأن بركة المياه العادمة تمنعه. نزلت من السيارة تاركًها سائقها العصبي، كما سائق قصيدة درويش.
وانتهت الرحلة. لا وجدنا دقيقًا، ولا أملًا، سوى أن نعيش يومًا آخر في نفس المكان، مع نفس الوجوه.

تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن