«كراتين رمضان» التي صغّرها التضخم
حكايات العمل الأهلي في الشهر الكريم
ملايين لا يمكن حصرها من صناديق الغذاء الجاف المجانية «كراتين رمضان»، يجري تدويرها سنويًا، في مصر، في بداية شهر رمضان وخلاله، عبر كل مستويات العمل الأهلي، بدءًا بالأفراد ومرورًا بأصغر الجمعيات الأهلية لأكبرها، وصولًا حتى للجهات الحكومية.
هذه الكراتين هي النسخة الاجتماعية، غير الرسمية، من الدعم السلعي، والذي تحوّل في صورته الرسمية الى دعم نقدي، منذ 2014، في تحول مرتبط بالتقشف الحكومي. ولكن، كما اختفى الدعم التمويني السلعي الرسمي، قد تواجه نسخته غير الرسمية نفس المصير في ظل معدلات التضخم الاستثنائية.
الطفرة التي شهدتها معدلات تضخم الغذاء بصورة خاصة، خلال الشهور الماضية، والتي جعلت من مصر إحدى أعلى دول العالم في تضخم الغذاء، تركت أثرًا عميقًا على نشاط توزيع كراتين رمضان. شملت تلك الآثار تغييرات في نوعية المواد الغذائية داخل الكراتين، وخفضًا لكمياتها وعددها، بل وإلغاء بعضها. وفي مقابل تقلُص كميات الغذاء الجاف هذا، تحدث البعض، من العاملين على توزيع الكراتين، عن تراجع التبرعات واتساع دائرة من هم في حاجة إلى تلك الكراتين.
***
سلمى*، شابة ثلاثينية تعمل في نشاط توزيع كراتين رمضان بشكل فردي مع أسرتها في مدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية «من ساعة ما وعيت تقريبًا»، على حد تعبيرها. «السنة دي عملنا [الأُسرة] توزيع كراتين في ديسمبر بنية شفاء والدي، وقتها اشتريت البقالة لخمسين كرتونة بستة آلاف جنيه تقريبًا.. لما رُحت اشتري نفس المكونات قبل رمضان على طول اتكلفنا 17 ألف و650 جنيه»، حسبما تقول.
حافظت سلمى على مكونات الكرتونة كما هي: اثنان كيلو أرز، ومثلهما دقيق وسكر، بالإضافة إلى كيلو عدس، كيلو فول، كيلو لوبيا، نصف كيلو نشا، وعلبة سمن نباتي أو زجاجتي زيت، ودجاجة، لكن تكلفة الكرتونة الواحدة قفزت من 480 جنيهًا تقريبًا، في ديسمبر الماضي، إلى 908 جنيهات قبل رمضان، أوائل مارس الحالي. وبالرغم من حصول سلمى على التبرعات اللازمة لنشاط الكراتين السنوي، إلّا أن حساباتها تشير إلى أن عدد الكراتين التي يمكنها توزيعها، هذا العام، لن يزيد عن 100 مقابل 120 كرتونة، العام الماضي.

تضاؤل عدد الكراتين، تحدث عنه أيضًا رئيس مجلس إدارة جمعية أهلية، طلب عدم الكشف عن اسمها أو اسم الحي الذي تعمل به، «كان لازم اشتري [مكونات الكراتين] قبل رمضان بفترة، فاشتريت في شهر اتناشر وواحد [ديسمبر ويناير الماضيين] ولو مكنتش اشتريت وقتها مكنتش هستحمل ارتفاع الأسعار»، يقول أسامة*، رئيس مجلس إدارة الجمعية.
بالرغم من نجاح أسامة النسبي في تأمين نشاط توزيع الكراتين، عبر تجنب صدمات الأسعار، مع اقتراب شهر رمضان، إلّا أن عدد الكراتين المُعدة للتوزيع لن يتجاوز، على الأرجح، هذا العام، ألف كرتونة مقابل ثلاثة آلاف كرتونة، العام الماضي، كما يخبرنا، مضيفًا «تغيرت تركيبة الكراتين. رمضان اللي فات كان جمع التبرعات لنموذجين من الكراتين.. الأولاني فيه 2 كيلو سكر و2 كيلو رز وإزازتين زيت 700 مل وكيلو مكرونة، والتاني نفس المكونات بالإضافة لكيلو لحمة. السنة دي بقى اضطرينا نستحدث نموذج تالت عبارة عن كيلو واحد سكر وكيلو مكرونة وكيلو رز وإزازة زيت بالإضافة لعلبة جبنة صغيرة وصلت لنا كتبرع عيني. النموذج الصغير ده استحوذ دلوقتي على غالبية التبرعات».
الفارق الكبير للغاية في الأسعار، بين ديسمبر الماضي، وبداية رمضان في مارس، صاحبه تراجع التبرعات، مما ترك أثره على نشاط أسامة وسلمى. فوجئت سلمى للمرة الأولى، هذا العام، بتراجع الشريك الوحيد للأسرة في نشاطها الخيري، ابن عم والدها، للمرة الأولى، عن المشاركة في هذا النشاط، وهو ما عوّضه اشتراك ستة من أصدقائها المقيمين في انجلترا، للمرة الأولى.
من ناحيتها ولتأمين نشاط إطعام الفقراء في رمضان، والذي اعتبرته الجمعية أولوية، كان من الضروري اللجوء لحيلة تقوم على توجيه جانبًا من التبرعات لصالح نشاط الكراتين، وهي تبرعات لم تكن أًصلا موجهة للكراتين وإنما لأنشطة خيرية أخرى تقوم بها الجمعية، من قبيل مد خطوط المياه للمنازل، حتى يتسنى للأهالي الحصول على مياه صالحة للاستخدام.
«التبرعات في الموسم ده ضعيفة جدًا.. ده أضعف موسم شفناه»، يقول أسامة، «لو كان مثلًا بيجي لنا خمس قروش في رمضان اللي فات دلوقتي بييجي قرشين ونص فعلًا. السبب إن الناس أصلًا مبقتش بتحصّل نصاب الزكاة»، يقول أسامة، معقبًا في إشارة إلى الحد الأدنى من المدخرات سنويًا التي تفرض عليه الزكاة ويمثل قيمة 80 جرامًا من الذهب ويفرض عليها ما يوازي 2.5% كزكاة. «طبعًا الفلوس اللّي الناس شايلاها مبقتش تجيب كمية الدهب دي، والناس في الحالات دي بقت تقول عيالي أولى».
أزمة التبرعات نفسها تعرضت لها جمعية أهلية في منطقة مدينة العمال بحي إمبابة. بحسب حنان*، عضوة مجلس إدارة الجمعية، تقول: كان اعتماد الجمعية في توفير كراتين رمضان سنويًا قائم على مصدرين أساسيين هما، أحد كبار المتبرعين، وجمعية أهلية أخرى تمثل وسيطًا بين جمعية حنان وبنك الطعام المصري، وهي ممارسة منتشرة في أوساط العمل الأهلي، خلال شهر رمضان، تقوم على توفير جانب من المساعدات التي تصل إلى الجمعيات الأكبر والأكثر شهرة، وقد تزيد عن قدرتها على التوزيع، لتصل إلى الجمعيات الأصغر التي تتولى توزيعها. ويعتمد توفر هذه التبرعات للجمعيات الأصغر على وجود فوائض من التبرعات العينية أو النقدية لدى الجمعيات الأكبر من عدمه.
هذا العام، تراجع هذا المتبرع عن تقديم تبرعه، المعتاد سنويًا، من كراتين رمضان من ناحية، وصول رد من الجمعية الوسيطة بعدم وجود فوائض للتوزيع. اضطرت جمعية حنان إلى إلغاء توزيع الكراتين، هذا العام، مع الارتفاع الكبير في أسعار الغذاء بصورة خاصة، بحيث تآكلت معه القدرة الشرائية. كان أصعب ما على حنان أن تتعامل نفسيًا عند مواجهة جمهور الكراتين بالحقيقة الأليمة، خاصة وأنه جمهور يمثل دائرة واسعة من معارف شخصية لها بسبب العلاقة الممتدة معهم، منذ سنوات، حسبما تخبرنا.
***
التبرعات لم تنخفض قياسًا للعام الماضي في حالة أحمد*، وهو متطوع في أسرة طلابية خيرية بجامعة طنطا، تستهدف بنشاطها الريف في الأساس. تأسست المجموعة قبل 11 سنة، وشبكة المتطوعين فيها بطبيعتها تتمدد سنويًا مع تخرج دفعات جديدة يستمرون في التبرع وانضمام دفعات جديدة لقوائم الناشطين في المجموعة والمتبرعين لها. وهكذا ارتفعت التبرعات هذا العام بنسبة 20%.
لكن هذه الزيادة لم تتمكن من تغطية تكاليف 50% فقط من الكراتين التي تمكنت الأسرة من تأمينها، العام الماضي، إذ تراجع عدد الكراتين من 240 كرتونة، العام الماضي إلى 115 هذا العام، بسبب ارتفاع تكلفة الكرتونة. ارتفعت تكلفة الكرتونة من 450 جنيه إلى ألف جنيه بنفس المكونات، التي تشمل أربعة كيلو أرز، أربعة كيلو مكرونة، زجاجتي زيت، كيلو ونصف بلح، كيلو ونصف لوبيا، كيلو ونصف عدس، نصف كيلو سمن، كيس ملح، علبة صلصة، ربع كيلو شاي، نصف كيلو جبنة، وكيلو فول.
التضخم لم يترك أثره فقط على تكلفة الكرتونة، بل اضطر الأسرة إلى إضافة اثنين كيلو من البطاطس كمكون إضافي على كرتونة هذا العام، لأن ارتفاع أسعارها لتصل إلى 15 جنيهًا للكيلو أدى لتوقف ممارسة كانت متبعة في القرى وهي توزيع الأسر الريفية التي تزرع البطاطس جزءًا من المحصول مجانًا على بقية الأسر، قبل رمضان.
أزمة تراجع أعداد الكراتين زاد من حدتها انتقال عدد كبير من الحالات التي تعتبرها الأسرة في الفئة الرابعة، الأقل استحقاقًا، إلى الفئتين الأولى والثانية الأكثر استحقاقًا لتلقي المساعدات بما فيها الكراتين.
يوضح أحمد نمط التصنيف هذا قائلًا «كل طالب بيشوف إيه الحالات اللي في قريته محتاجة لأن معظمنا من سكان القرى، وبنعمل شيت إكسيل بنسجل فيه الحالات وعندنا عناصر محددة زي مثلًا إذا كان حد عاجز، أو الأب متوفى، وهكذا. بندي لكل حاجة منها نقطة والنقاط بتتجمع من عشرة وبعد كدة بندي لكل حالة عدد نقط ومن الإجمالي بنقسم الناس اللي معانا لأربع فئات من المستحقين: الفئة الأولى هي الفئة شديدة الفقر، ودي اللي بشكل أساسي بنحاول نكفيها من التبرعات للشهر كله في الشنط، ولو كان فيه فائض من التبرعات بندي للي واخدين أكبر قيم من الفئة الثانية وهكذا لحد ما تخلص التبرعات اللي جمعناها. بنحاول في الجامعة نحدد القرى والعِزب اللي مش بتوصلها الجمعيات الخيرية بشكل ما لأن دي مش بيوصلها أي دعم من أي نوع وده بيبقى جزء من التصنيف بردو».
هذا التغير في «شدة الفقر»، إذا جاز التعبير، لاحظته سلمى بدورها، موضحة «دي أول سنة نوصل الكراتين لموظفين.. كل سنة كانت الكراتين بتروح أساسًا لعمال التراحيل والأرامل، وعشان هنا الناس عارفة بعض فسهل اسأل واعرف. السنة دي اكتشفت إنه فيه أسرتين محتاجين الكراتين، منهم أسرة موظف في الإدارة التعليمية، وموظف في مجلس المدينة. كنت فاكرة وانا بخبط عليهم الباب إنهم هيطردوني ويرفضوا المساعدة لكن قبلوها عادي.. ده وضع جديد علينا لأن الناس دي كانت عايشة كويس وشبهنا كده لحد وقت قريب».
أما حنان، من الجمعية الخيرية في إمبابة، فقد وقفت على حجم الأزمة وأبعادها مع الاتصالات التي بدأت في تلقيها مبكرًا للغاية للسؤال عن الكراتين، «الناس بدأت تتصل عليّ من شهر رجب تسألني عن الكراتين وكأن قلبهم كان حاسس»، تقول في إشارة إلى اضطرار جمعيتها إلغاء توزيع الكراتين**.

بعد إلغاء الكراتين لجأت حنان إلى حل بديل. بزيارة مقر الجمعية في شقة صغيرة بالطابق الأرضي في إحدى بنايات المنطقة، وجدنا صواني وحلل ضخمة من الألومنيوم الرخيص تمتلئ بالمكرونة وأصابع الكفتة تُجهز للتوزيع. كانت حنان تشارك صباح*، وهي إحدى المتطوعات، في تجهيز أصابع الكفتة، وبهذا تضمن صباح ليس فقط ثواب المشاركة في تجهيز إفطار الفقراء في رمضان بل أيضًا حقها في الحصول على وجبات لأسرتها استنادًا للحكم الشرعي باعتبارها من «العاملين عليها»، كما تخبرنا حنان وصباح في صوت واحد. «العاملين عليها» مفهوم يشير إلى إحدى فئات مستحقي الزكاة، وهم العاملين على جمع أو تجهيز الزكاة أو الصدقات أو توزيعها.
اختلف الوضع تمامًا عما كان معتادًا، في شهور رمضان السابقة، فتلك الوجبات الجاهزة المعدة للتوزيع كوجبات إفطار، يومًا بيوم، كانت موجهة، العام الماضي والأعوام السابقة، لا لسد حاجة مستحقي المساعدات التي توفرها الجمعية وإنما للتوزيع لهدف ديني هو «إفطار صائم». وكان المنطق الذي تستند إليه الوجبات الساخنة كمساعدات يرتبط بـ«كفارة الإفطار»، بحيث تمثل كل وجبة كفارة عن إفطار فرد لا يمكنه الصيام ليوم من أيام رمضان. بغض النظر عن شدة فقره، كانت توزع الوجبات على المارة في الشوارع المحيطة، وقت آذان المغرب، بالإضافة إلى من يأتي إلى مقر الجمعية طالبًا تلك الوجبات، إلى جانب لعدد محدود من الحالات الأكثر استحقاقًا للمساعدات، والمسجلين في قواعد بيانات الجمعية بناء على معاييرها، وهي الحالات التي كانت تحصل على كراتين رمضان.
من ضمن هؤلاء، صابرين*، السيدة التي وصلت مقر الجمعية قبل موعد الإفطار بساعتين لاستلام الوجبات اليومية المخصصة لأسرتها، وهو ما تبقى لها من مساعدات، بعدما اختفت الكرتونة الرمضانية هذا العام.. «كانت حلوة كدة [كبيرة] فيها اتنين كيلو رز واتنين كيلو سكر وكيس بلح وكيس لوبيا واربع أكياس مكرونة وازازة زيت وكيس سمنة»، هكذا تصف صابرين الكرتونة التي أصبحت جزءًا من الماضي، بحزن مغلف بابتسامتها التي لا تغيب.
وبسبب اختفاء الكراتين، تحولت الوجبات الساخنة تلك نفسها إلى بديل وأصبحت موجهة بشكل كامل إلى مستحقي المساعدات دونًا عن غيرهم ويمكن الحصول عليها وفقًا لجدول معلق على الحائط يحدد للغالبية العظمى من المستفيدين، يومين في الأسبوع فقط، لتلقي الوجبات، باستثناءات قليلة يسمح فيها بتلقي الوجبات يوميًا، من ضمنها صابرين.
كما اختفت الكراتين، تغيّرت الوجبات الجاهزة من حيث مكوناتها.. «بقينا مثلًا بنعتمد على المكرونة بدل الرز»، تقول حنان، بينما العمل على توزيع المكرونة في الأطباق يجري على قدم وساق مع اقتراب موعد الإفطار، مضيفة «الرز موجود عندنا بس الرز عاوز خضار ولحمة والمشكلة طبعًا في اللحمة إنما المكرونة تنفع مع الكفتة والكبدة والسجق.. اللحمة دلوقتي هنجيبها بكام؟ فوق الـ300 جنيه ولحمة مستوردة كمان».
***
أشرف*، مدير الجمعية الذي وصل إلى المقر ليحاول مع حنان تدبير وسيلة لـ«حشر» ست وجبات إضافية في قائمة الوجبات، في نفس اليوم أو اليوم التالي، كان يقاطع خططه ليوضح لـ«مدى مصر» أبعاد التهديد الذي يحدق بما تبقى من نشاط إطعام الفقراء قائلًا «السنة اللي فاتت تقريبا كنّا بنقدر نصرف في اليوم حوالي تسعة آلاف جنيه على الوجبات في المتوسط، السنة دي مفيش غير خمسة آلاف جنيه».
مسؤول بارز في جمعية صنّاع الخير، وهي جمعية ضمن التحالف الوطني للعمل الأهلي، يقول إن ثمة سياسة عامة في التحالف، هذا العام، توجهت أيضًا إلى المزيد من الاعتماد على الوجبات الساخنة وموائد الرحمن على حساب الكراتين، نظرًا للتكلفة الأعلى للكراتين، «الكراتين بتكلف أكتر لو حسبنا تكلفة التعبئة نفسها والطباعة والنقل، أمّا موائد الرحمن فالناس هي اللّي هتيجي. الوجبات السخنة بتتوزع في فروع الجمعية في كل محافظة، عكس الكراتين اللي بتخرج بشكل مركزي من المركز الرئيسي في القاهرة للمحافظات، وده برضه بيقلل التكلفة».
ومع ذلك، يرسم لنا هذا المسؤول صورة مغايرة تمامًا لواقع نشاط كراتين رمضان، حيث تمكنت الجمعية من زيادة أعداد الكراتين، هذا العام، من 75 ألف، العام الماضي، إلى 200 ألف، هذا العام. كما أن الجمعية تمكنت من الحفاظ على نفس مكونات الكراتين، مقارنة بالعام الماضي، بالرغم من ارتفاع تكلفة الكرتونة، من 250 جنيه، العام الماضي، إلى 460 جنيهًا، العام الجاري، وهي كرتونة تحتوي على مواد غذائية جافة يصل إجمالي وزنها إلى 15 كيلو.
ولأسباب تتعلق بحجم مشترياتها الضخم، تتمكن الجمعية من شراء المواد الغذائية الجافة بأسعار منخفضة نسبيًا لأنها تشتري عبر مناقصات، حسبما يقول المصدر، موضحًا أن عضوية الجمعية في التحالف الوطني للعمل الأهلي، تسمح بسهولة التوزيع في المحافظات، بمساعدة الإدارة المحلية، على نحو يسمح للجمعية بإجراء بحوث حالة وترتيب الأسر من حيث مدى الأحقية في الحصول على الكراتين. وكان رئيس الجمهورية قد أعلن، في رمضان قبل الماضي، خلال إفطار الأسرة المصرية، في أبريل 2022، عن تنفيذ أجهزة ومؤسسات الدولة «مبادرة التحالف الوطني للعمل الأهلي والتنموي»، قائلًا في كلمته وقتها إنه كلّف تلك الأجهزة بدعم المبادرة لتقديم الحماية الاجتماعية لتسعة ملايين أسرة. وكان «مدى مصر» قد نشر تقريرًا، في فبراير من العام الماضي، حول ارتباط التحالف برغبة النظام السياسي في «تأميم» العمل الأهلي.
ولكن الزيادة في توزيع الكراتين لا تعبر إلّا عن زيادة تبرعات الجهات الراعية والتي تشمل شركة المصرية للاتصالات المملوكة للدولة، كراعي رئيسي يموّل 150 ألف كرتونة ضمن برنامجه لتمويل 750 ألف كرتونة، بالإضافة لعدد من البنوك انضم معظمها لقائمة الرعاة، هذا العام، حسبما يقول المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه. ويوضح المصدر بأن ثمة انخفاض، لم يحدد حجمه، في تبرعات الأفراد عمومًا والتي يقول إنها لا تُمول إلّا جانبًا هامشيًا من تكلفة الكراتين، مضيفًا أن الكثير من المتبرعين من الأفراد أصبحوا يحجمون عن التبرع لأسباب تتعلق بالصورة الذهنية عن التحالف ككيان رسمي يعتبره الناس كيانًا سياسيًا تابعًا للدولة. ويسمح قانون تأسيس التحالف بانضمام كيانات اعتبارية عامة «جهات تابعة للدولة» ما يسهم في منح التحالف بالفعل صورة الكيان التابع أو المقرب من الدولة.
يقول المصدر إن إجمالي عدد الكراتين الموزعة من قبل كل جمعيات التحالف الوطني قد يصل، بنهاية رمضان، إلى مليوني كرتونة تقريبًا. وبالرغم من ضخامة الرقم، إلا أن مقارنته بما انجزته مبادرة «كتف في كتف»، في رمضان من العام الماضي، والتي أعلنت عن توزيع ستة ملايين كرتونة، عبر جمعيات التحالف الوطني الأهلي، برعاية رئيس الجمهورية، يشير إلى تراجع.
وهو التراجع داخل التراجع.. تراجع في توزيع السلع الغذائية في صورتها الرسمية المستمرة (التموين) وصورتها الخيرية المتقطعة والتي جاءت أحيانًا لتبدو وكأنها بديل وقتي للتموين المستمر، وتراجع في قدرات الجمعيات المدعومة من جهات رسمية، وتلك غير المدعومة، على توزيع الكراتين، حتى وإن كان الانضمام لتحالف الجمعيات يسهل من مهمة العمل الخيري إجمالًا.
*أسماء مستعارة
** [تمت إعادة صياغة هذه الفقرة للتوضيح الأربعاء 7 أبريل الساعة 12 ص]
تقارير ذات صلة
السيطرة على الأسعار بـ«التهويش»
لا وجود لجريمة تدعى «التلاعب في الأسعار» في أي من القوانين المصرية
سوق الدواجن «للكبار فقط»
حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد
هكذا اشتعلت الأسعار واختفى «الدخان»
لماذا اختفت السجائر وماذا حدث في السوق؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن