تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
قليل من العنف كثير من الحب

قليل من العنف كثير من الحب

كتابة: سلمى الطرزي، وائل قدلو 41 دقيقة قراءة

في أغسطس 2021 دُعيت لإدارة نقاش مع المخرج وائل قدلو بعد عرض فيلمه التسجيلي الطويل «طريق البيت» ضمن برنامج عروض الأفلام الذي أعدته مؤسسة اتجاهات الثقافية بالتعاون مع سينما زاوية بالقاهرة.

عند مشاهدتي للفيلم للمرة الأولى وبعد الاجتماع مع قدلو من أجل التحضير لنقاشه مع الجمهور في «زاوية»، شعرت برغبة ملحة في التحدث إليه مرة أخرى. كان عندي يقين غامض أن لدينا الكثير من الأسئلة المشتركة التي يمكننا التفكير فيها معًا. عقب انتهاء العرض والمناقشة أرسلت لقدلو نسخة من كتابي «محاولة لتذكر وجهي» واقترحت عليه، إذا منحه كتابي نفس الشعور الذي انتابني عند مشاهدة فيلمه، أن نقوم بتسجيل مناقشة مفتوحة بيننا، ونرى ما سينتج عنها. لسعادتي، تحمس قدلو للفكرة، وحددنا موعدًا لمناقشة استمرت خمس ساعات كاملة على تطبيق زووم. أشارككم هنا نص الحوار الذي دار بيننا بعد أن أجريت عليه بعض التعديلات التحريرية الطفيفة بغرض الاختصار والوضوح. 

ولكن قبل ذلك، أود إعطاء نبذة عن فيلمه وكتابي حتى يسهل فهم سياق الحديث. 

سلمى الطرزي ووائل قدلو

محاولة لتذكر وجهي  

هو كتاب نُشر في 2020، وينتمي لنوعية كتب الفنانين، ويحتوي على نصوص ورسومات. من خلال هذا الكتاب أقوم بمراجعة علاقاتي المركبة بأفراد عائلتي، وعلى رأسهم أمي، التي ماتت وأنا في أوج غضب المراهقة، فلم تُتح لي فرصة التصالح معها في حياتها. الكتاب هو أيضًا مراجعتي لمفاهيم مثل الفقد والحب والعنف والوحدة، ومحاولة للفهم والتصالح مع أحداث ثورة يناير وما بعدها.

caption

طريق البيت

هو فيلم تسجيلي طويل (65 دقيقة) من إنتاج لبناني-سوري عام 2018. ينتمي لنوعية الأعمال الذاتية، حيث يقوم قدلو بمراجعة أحداث طفولته ونشأته، في عائلة تربطها علاقات مركبة وشائكة، بهدف التصالح مع هذا الماضي، وربما أيضًا محاولة فهم السياق الأوسع للواقع السوري في السنوات الأخيرة، من خلال مجموعة من المواجهات التي يقوم بها قدلو مع أفراد أسرته، حيث يطلب منهم إعادة سرد أحداث الماضي، كلٌ من زاويته، تتكشف لنا الشخصيات والعلاقات التي تربطها تدريجيًا، فنفهم أن صياح (الأب) كان قد تزوج اتحاد (الأم) الشابة الجميلة المتحررة، إلا أنه بعد زواجهما زادت بينهما الخلافات بسبب خروجها عن التقاليد ورغبته في التحكم فيها حتى استحالت بينهما الحياة. تم الطلاق بناء على رغبة اتحاد عندما كان قدلو ما زال رضيعًا. إلا أن الظروف الاجتماعية والاقتصادية جعلت اتحاد غير قادرة على تربية ابن بمفردها، فاضطرت إلى أن تتركه لأسرة صياح الذي تزوج من أخرى تاركًا مسؤولية تربية الابن لأمه وفيقة (جدة قدلو) وأخيه أمين (عم قدلو). مع مرور السنوات، اتسعت الفجوة بين قدلو وأمه، بتأثير من عائلة الأب التي رسخت فكرة كونها أمًا مهملة هجرت ابنها. 

caption

الشجاعة

سلمى: أول حاجة كنت عايزة أعرف لو انت فهمت لما قريت الكتاب بتاعي إيه النقط المشتركة اللي ممكن تبقى لمّست عندي وحسستني إني عايزة أتكلم معاك.

وائل: أكيد! شو ها الكتاب يا سلمى؟ كتير عجبني اللي بيخبره، وكيف بيخبره، وكتير حسيت بالغبطة في أماكن إنو قد إيه قادرة تكوني حرة، وبأماكن قادرة تكوني شجاعة بهاي الطريقة. هالمخيلة اللي قدرتي بيها توصلي أشياء أنا عايشها، ووصفتيها بطريقة كان كتير منطقية بالنسبة لإلي، خصوصًا لما بتحكي عن التجربة لما بتكونوا عالصفوف الأمامية مع الموت في اشتباكات محمد محمود، هاي المشاعر اللي عندي إياها ياللي ما قدرت أوصفها بوقت من الأوقات. سلمى وصفتها بطريقة ما بدي غيرها، قريان غير توصيفات، وسمعت غير توصيفات وجربت وَصِف أنا، بس كيف ما إنتي وصفتيها هاي هي الطريقة… قصة الفقاعة ياللي بتحملوها… آآخ يا قلبي… استمتعت كتير بالكتاب وحسيت إنه عبر عني بمحلات ما كنت قادر أوصفها وحسيت بكمية من الحرية والشجاعة جَرِب أنا بشغلي إني كون، لأن فيه عامل مشترك في اللي عم بتعالجيه وهو الذاتي، وفعلًا هو بده كتير شجاعة وبده كتير جرأة أكتر منه تكوني بتشتغلي على شيء عام… هاي التعرية… فأنا حسيت إنه أنا صغير قدام هاي الجرأة وهاي الشجاعة اللي عملتيها.

سلمى: عايزة أعترفلك بحاجة، أنا عندي أزمة مع مصطلح الشجاعة. بحس إن الشجاعة هي آلية بقاء بشكل ما، يعني هي فعل بنضطر له لما بنمر بظرف قهري، مفيش شجاعة بتُنتج من إننا قاعدين مسترخيين عالبحر. نقدر نقول إن الشجاعة تروما ريفليكس مثلًا. لما بفكر في المواقف اللي الناس قالت عليا فيها شجاعة، بفكر إن لو كنا في عالم مثالي مكنتش هضطر أبقى شجاعة أصلًا. بمعنى إن الشجاعة ما ينفعش تتوجد من غير ظروف قامعة أو صعبة أو ضاغطة، فبحس إنه الاحتفاء بالشجاعة بيزنقنا في حتة كده. أنا عارفة إن كل مرة حد قال عليا إني عملت حاجة شجاعة، إن جوه المنطق بتاعي لو ما كنتش عملتها ما كنتش هعرف أكون متسقة مع نفسي. ففيها جانب ما براجماتي تمامًا، هي مش أفعال مجردة من الدوافع الشخصية. كمان بخاف إنه الاحتفاء بالشجاعة يكون جواه وصم مبطن للاستسلام أو التعب أو الهشاشة. أنا مش بعرف أتعامل مع فكرة الشجاعة.

 من ناحية تانية، كنت بقول لصديق إن أحد اهتماماتي بالفيلم بتاعك هو إنك عرفت تعمل مع والدتك، الخناقة اللي أنا ما لحقتش أعملها مع أمي في الحقيقة عشان ماتت، فعملتها في خيالي. ومش متأكدة أنهي فيهم أسهل، أعمل خناقة مع أشباح ولا مع ناس موجودة، هترد عليا ويبقى فيه عبء ومخاطرة تفجير كل المشاعر والتعقيدات والتراكمات اللي متخزنة طوال سنين، والتعايش مع نتيجة ده بعد كده. يعني مثلًا مش متأكدة لو كانت الظروف تسمح، إني كنت هقدر أعمل مواجهة فعلية مع أمي وأهلي زي اللي انت عملتها. ففيه مفارقة إنك تقول إن كتابي فيه شجاعة، وانت اللي كنت بتعمل مواجهة فعلية مع أهلك، بينما أنا كنت بتخانق مع صورتهم في دماغي، مش هم بجد.

وائل: يعني هي الشجاعة مش بس إنه تكوني قادرة تعري نفسك وتكوني منفتحة، إنك تشاركي نقاط ضعفك قبل قوتك، لكن كمان إن يكون عندك الجرأة والقدرة إنك تقدري تضلي محافظة على توازن ما، خلال هذا الشغل. 

نحنا عم نجرب نستخدم عقلنا، اللي هو حاوي هذه الذاكرة، إنه يرجع يحلل هادي الذاكرة ويفكفكها ويحطها ضمن سياق، فقد إيش انتي قادرة تحافظي على توازن نفسي خلال هذا الشغل يخليكي قادرة على التفكير؟ يعني الشجاعة ما هي بس إن الواحد يخوض هادي التجربة بمعنى إنه يشاركها، وإنما الشجاعة إنه يرغم نفسه يكمل رغم الاهتزازات اللي بيتعرضلها، خلال العملية، ليوصل لنوع من الهدنة مع الموضوع. 

شو الأسهل الأشباح ولا الأحياء؟ ما بعرف. بعدني عم فكر فيها. أنا ليش برأيي أصعب مع الأشباح؟ لأن المعركة مع ذاتك، وهاي أصعب المعارك، لما ما عندك مسافة من عدوك، أو خصمك، ما بدي قول عدوك... ما عندك مسافة. فبالتالي مشتبكة للآخر، وهاي بتكون ذروة المعركة. صعب لما تكوني ما تقدري تاخدي هاي المسافة، أو تاخدي استراحات لتشوفيها من منظور مختلف، خاصة لما المنتج هو كتاب مش فيلم، لأن الكتاب كمحتوى شغله فردي، لكن الفيلم انتي قد ما بتقدري تشتغلي بشكل مستقل بالنهاية انتي عندك شركاء هيفوتوا عالخط. هدول الشركاء بيفرضوا عليكي مسافة لمصلحة المشروع. لما يكون عندك شريك كمنتج أو مونتير أو مهندس الصوت أو شيء، هن بيسألوكي عن شو ما بتعملي وعن السبب، ويقولوا لك شو أخدوا منه لأن بدن يحطوا الinput،  تبعهم ليوصل الشيء ياللي بدك تقوليه. 

فهاي المسافة بتمنح الذاتي موضوعية أكتر، بتخليكي تشوفي الأشياء بزوايا في بعض الأحيان ما بتدركيها في العمل الفردي. بينما الكتاب انتي معظم الوقت -بتخيل هيك- لوحدك، فما بعرف لما وصلتي للمنتج النهائي شو كان في شركاء؟ 

من كتاب «محاولة لتذكر وجهي»

تيمة العنف

سلمى: فاهمة قصدك في سياق الفيلم، بشكل إجرائي. لكن ده أخد السؤال في سكة أنهي الأسهل: إننا نكتب كتاب ولا نعمل فيلم؟ لكن مش ده السؤال. تخيل. يعني لو عكسنا الوضع، لو أنا كنت بأكتب الكتاب عن أهلي وهمّ عايشين، وانت بتعمل فيلم عن أهلك وهم لا قدر الله مش عايشين، بغض النظر بقى أنا باكتب لوحدي ولا عندي محرر ومصمم وأصدقاء بآخد رأيهم، ولا انت معاك بروديوسر ومصور ومونتير، كان هيفضل سؤالي قائم، اللي هو سؤال مختلف. 

فيه جملة جودار قالها في فيلمه «كتاب الصور» Le Livre d’Images بما معناه إن أي فعل تمثيل هو في حد ذاته فعل عنيف Chaque acte de representation est un acte de violence par nature، وهي جملة أثرت فيا جامد، لإني مشغولة جدًا بسؤال التمثيل وموازين القوى، وقد إيه عندنا سلطة واحنا ورا الكاميرا، أو واحنا بنقرر السردية بتاعة أيا كان مين اللي بنصوره أو حتى بنحكي عنه. حتى لو بكتب كتاب، في النهاية it is a representation. 

لما عملت الكتاب بتاعي، مهما كنت انت كقارئ عارف إن اللي في الكتاب دي مش أمي، ولكن صورتي أنا عن أمي، لكن أنا برضو خلقت عندك تصور ما عنها. هي كمان مش موجودة عشان تتخانق معايا أو تعترض عالتصور ده. فحتى لو هي مش موجودة وحتى وهي غائبة، وحتى وكلنا عارفين إن تمثيلي ده هو مجرد التصور بتاعي أنا عنها، ما زال أنا كان عندي قوة أو سلطة لإني أنا اللي بأحدد السردية اللي بأمثلها من خلالها، حتى لو ده بيتم بحب وسواء بشكل إيجابي أو سلبي. 

وبالتالي تيجي فكرة إن فعل التمثيل ده في حد ذاته فعل عنيف، والعنف هنا بالمعنى الواسع مش بمعنى الأذى، لأنك حتى لو بتعمل فيلم لصالح الآخر اللي بتمثله، حتى لو بتعمل فيلم توعوي مباشر عن حق فئة مهمشة، بيفضل السؤال الأخلاقي بتاع قد إيه انت بتديلهم أهلية؟ قد إيه واعي لمكانك في موازين القوى؟ مش بس كصانع الصورة ومتحكم في السردية ولكن كمان موازين القوى اللي بينك وبين الشخص اللي بتمثله، سواء طبقيًا أو عرقيًا أو جندريًا أو أي سياق آخر. 

ده هو السؤال، سواء كانت الناس اللي بنمثلها ميتة أو عايشة، وسواء بنعمل كتاب ولا فيلم. بل حتى في سياق إن الناس عايشة ومدية موافقة consent بيفضل ضرورة لمراجعة شخصية مستمرة عن قد إيه احنا ممكن نبقى بنعمل تلاعب ما، سواء عاطفي أو غيره، للحصول عالموافقة دي. 

من كتاب «محاولة لتذكر وجهي»

وأنا مش قصدي خالص نعمل مراجعات بشكل فيه جلد ذات، ومظنش إن هيبقى فيه إجابة واحدة أبدًا للأسئلة دي. بس مهم على الأقل إنه يفضل السؤال محل مناقشة طول الوقت، بس الموضوع أعقد كمان لما تبقى حاجة شخصية وفيها علاقات مركبة.

يعني مثلًا الفيلم بتاعك، في أثناء صنع الفيلم انت عندك السلطة عشان انت اللي ورا الكاميرا، وانت اللي بتصور، وانت اللي في الآخر هتعمل مونتاج وتحدد السردية. آه صحيح هتاخد موافقتهم وكل حاجة بس في النهاية انت اللي هتصيغ القصة وهتحطها بشكل معين. وكمان انت موقفك في الفيلم هو موقف المُسائل، لأن بشكل ما انت عامل محكمة، وهم كلهم في وضع إنهم بيحاولوا يثبتوا برائتهم أو مشروعية، فده مخليك في موقف قوة إضافي. يمكن في ظروف تانية، كان موقفك ده من الفيلم والشخصيات هيكون موقف غير أخلاقي بالمرة.

لكن في السياق بتاعك انت تحديدًا، انت من ناحية صانع الفيلم اللي عنده سلطة التمثيل، لكنك في نفس الوقت الشخص اللي كلهم كان عندهم سلطة مطلقة عليه، في وقت كنت فيه في منتهى الهشاشة. كنت طفل وهم الكبار المسؤولين عنك، وبأشكال مختلفة هم مارسوا عليك عنف شديد. ده بيعقد السؤال، كأنها مرايا جوه مرايا جوه مرايا. 

واللي بيعقد الموضوع أكتر هو إن مفيش أي شك إن فيه من الحب ما يعادل كل هذا القدر من العنف. كأنهم قوتين متعادلتين في الكم، ولكن في اتجاهين عكس بعض. كل ده بيخلي أسئلة عن أخلاقيات التمثيل أو الحب أو العنف أسئلة مركبة أكتر، وبيخلي صعب إن الواحد يدفن راسه في الرمل ويختزل أخلاقيات التمثيل في الحصول على الموافقة، أو يعلب الحاجات في علب ساذجة، الخير هنا والشر هنا والحب هنا والعنف هنا. 

وائل: هو سؤال لا نهائي وبحث ما فينا نوصل فيه لجواب أو وصفة أو معادلة لكل ظرف. بدنا يبقى عندنا المبادئ نفسها وإذا موجودة عندنا، يبقى كيف نقدر نخلي هاي المشاريع حاضر فيها هاي الأخلاقيات؟ هل أنا قادر قول هاي الحكاية وخوض هاي الرحلة وكمان أحافظ على حقوق الآخرين معي، ولا بتجاوز حدودي؟ هو كتير صعب.

 بالسياق اللي اشتغلت فيه مثلًا، اتحاد (الأم) بتقول لي جملة مصورة لكن هي ما مستخدمة. في مقولة عندنا بتقول «شو بيضرالشاه سلخها بعد دبحها». اتحاد بتقول لي «هيك المقولة بتقول، بس انت شو الشيء اللي عملته فيني هو إنك سلختني وأنا عايشة»! رغم إنه هي عطتني كل الموافقة. صح هي ما كانت بالبداية موافقة بس بعدين وافقت تكون موجودة بهالمشروع، وبأحد أيام التصوير بتقوللي ها الجملة عالكاميرا، بتقول لي انت سلختني وأنا عايشة، وحتى هلأ يعني ما بدها تشوف الفيلم. أنا سألتها: «ما بدك تروحي تحضري الفيلم؟» قالت لي: «لا، أكيد لأ» وهدا شيء بيؤسفني حقيقة. يعني كانت الغاية إننا نوصل لمصالحة ما مع أنفسنا ومع الآخر، مصالحة مع هذا الماضي. 

من فيلم «طريق البيت»

يعني ما نقدر إنه نضل عايشين وعلقانين بهاي الماضي. كان بدي نوصل لمصالحة من نوع ما حتى نقدر نكفي. هلأ للأسف، على صعيد العيلة، ما قدرت أوصل لهاي النتيجة. بالنسبة لإلي عالصعيد الشخصي، بعد هدا الفيلم أكيد المنظور بتاع كل الموضوع صار كتير مختلف أو أوسع وفيه رضا وتفهم أكتر. صرت أفهم أكتر أسباب اتحاد (الأم) ، أسباب أمين (العم)، أسباب صياح (الأب)، أسباب وفيقة (الجدة)، وأسبابي أنا، فبطل عندي أنا أحكام. فهدا شيء أنا ممنون له.

 وبسمع كتير من ناس حضروا الفيلم وقدر الفيلم يساعدهم بهاي الطريقة إنو يعيدوا التفكير بقصص شخصية أو يشوفوها بطريقة مختلفة. هذا الشيء كان بالنسبة إليّ الغاية الأسمى من المشروع، لو بعض الناس تقاطع معهم المشروع بالشكل هاي.

 لكن على الصعيد الداخلي، صعيد العيلة، ما كتير حقق هدا الشيء. وأنا صرت بفكر يعني، يا ترى أنا كمدير للمشروع شو قدرت أحقق؟ إنه كوني كنت بأطلع عليه من زوايا مختلفة، قدرت آخد منه، وقدر يغير فيني، لكن لألهن ما قدر. وهذا سؤال جديد بالنسبة إليّ انفتح: إنه إذا قدرت أستفيد بس ما قدرت أفيد الناس الأساسيين بهاي القصة يا ترى هل يستحق المشروع؟ هدا أحد التساؤلات اللي أنا ما بعرف جاوب عليها. يعني شو الفائدة؟ هل يحق لنا احنا بها النوع من الأعمال اللي بتشتغل عالذاتي - أو ما بعرف كيف وصفها - إذا ما كنا ضمنانين إن النتيجة هتعود بالإيجاب على حاملين القصة بحد ذاتها؟ 

حقيقة هدا السؤال انتبهت له بعد الفيلم مش قبل. السؤال اللي انتبهت له قبل وخلال العملية، هو هاجس إنه ما كون عم أدفع المتلقي إنه يحكم على إحدى الشخصيات.. إنه ما أظهر حدا من الشخصيات بدور الضحية وحدا بدور الجلاد. 

كان همي إنه ما يكون عندي أنا شخصيًا حكم على حدا من الشخصيات. وهدا الشيء كان كتير أساسي بالنسبة إليّ إنه يكون واضح للشركاء بالعمل، وخصوصًا بالتصوير أو المونتاج. التصوير القسم الأكبر أنا اللي مصوره بس كمان كان في شركاء بالتصوير. ففكرة إنه يكون فيه محاكمة بالمشروع أو إني أكون بألعب دور القاضي بشكل غير واعي بحاول دايمًا أنتبه لها. دائمًا بسأل: أنا عم بحكم على حد يا جماعة؟ 

بأحد نسخ الفيلم المبكرة كان طالع إنه بقول هدا الشيء، وغيرته، لأني مش بس ما بدي أحكم عليهن لكن لأني ماني شايف حقيقة فيهن جلاد وفيهن ضحية. أنا شايفهم كلهم ضحايا. أنا شايفنا كلنا ضحايا. بس كمان ما بدي إني أحطهم بهاي الخانة، إنٌن ضحايا، لأنه بالنسبة لإليّ إني قول إنٌن ضحايا الشيء اللي بِوصَلُه بالنهاية هو إني بثير تعاطف المتلقي مَعُن، وأنا ما بدي ثير التعاطف لأنه ما بحس إن التعاطف بيجيب نتيجة. النتيجة اللي بدي أوصلها إني ثير التساؤل. إن ليش أحيانًا عم بنكون ضحايا وأحيانًا عم بنكون جلادين؟ ومع مين؟ مع أنفسنا!

أحيانًا كون بعمل ها الشيء مع نفسي أو بعمله مع أخي وأبي وأمي. أنا بالنسبة لإليّ المشروع خلاني إفهم أكتر وإقدر ما كون عم بأطلق أحكام سريعة أو بستستهل إنه أقول: إن السبب ورا هاي المشكلة هو فلان. أنا بشوف إن احنا أُجبِرنا إنو نلعب أدوار لأنو ما قدرنا يكون عندنا علاقة جيدة مع السلطة. هدا نقاش تاني. بس نحنا ضحايا هدي السلطة اللي بتمارس علينا قمع وديكتاتورية في مجتمع عالمي محكوم من هاي البطريركية، ولسه نحن هون محكومين أكتر بتعقيد أكتر مرتبط بالاستبداد وبالديكتاتورية وبالقمع وبالتسلط وبالكبت. هدا الشيء إجباري مش بيكون بيتمارس باتجاه واحد أو في علاقة بين طرفين. يعني مو بس السلطة من رأس السلطة تجاه كل الشعب. لأ، هو بيخلق مجموعة من الحلقات المعقدة اللي بتصير بتمارس هدا الشيء على بعض، وبيصيروا غرقانين بهدا الشيء وغير قادرين على إنو نشوف المشكلة الحقيقية. 

كان همي أكتر إنو قول إنو بهاي المعادلة صح في ناس إنظلمت أكتر من ناس، وناس انقهرت أكتر من ناس بس القصة مش بالمزايدة، مش مين أكتر من مين. القصة إنو إنتي امرأة، فانتي هتكوني حلقة أضعف بهاي المعادلة، بس لو انتي امرأة وربة عيلة وما عندك رجل، انتي الحلقة الأقوى، يعني انتي وفيقة (الجدة). انتي امرأة ومتمردة على هاي القيم والعادات وعم تجربي تكوني حرة فانتي هتنطحني مثل اتحاد (الأم). فأنا كنت جرب إنو قول أوكيه أنا باعرف إنو اتحاد هي الخاسر الأكبر بهاي الحكاية، لكن مو مَعْناَته إن البقية منتصرين. كُلُن خسرانين، لكن خسرانين بطرق مختلفة.

من فيلم «طريق البيت»

سلمى: أعتقد إنه انت كنت ناجح لحد كبير في إنه الفيلم ما يكونش بيدين حد على حساب حد، عالأقل للي بيتفرج بحد أدنى من الوعي بالسياق. يعني أنا بالنسبة لي، كان تعاطفي أكبر مع اتحاد لأن هي الشخصية اللي أقدر أشوف نفسي فيها، بس كمان واضح لي إنه فيه إدانة للنظام الأبوي والسلطة بمفهومها الواسع، اللي ما ينفعش فصلها عن بعضها مش للأشخاص. وده جزء عايزة أتكلم فيه وهو الربط ده بين عنف السلطة كسلطة سياسية مباشرة قمعية وتوازيها أو تشابكها اللي مع السلطة الأبوية دي. 

يعني في النهاية واحد زي صياح (الأب)، هو في الموقف ده مستفيد لصدفة إنه ذكر، لكن هو معندوش سلطة كصياح، هو سلطته مستمدة من السلطة الأبوية دي. يعني زي ما انت قلت، من غير ما نقول عليهم ضحايا، كل واحد منهم هياخد الحصة بتاعته من التقسيمة اللي هيسمح بيها النظام السلطوي ده. فأظن انك كنت موفق في انك تعمل المعادلة دي في الطرح حيث أنا مش بخرج من الفيلم بفكر قد إيه اتحاد كانت أم عظيمة واتظلمت أو قد إيه كانت أم سيئة، ولا قد إيه صياح كان راجل مجرم ولا قد إيه وفيقة كانت حماة بشعة. وإنما بخرج بفكر في مجموعة من البني آدمين المركبين بكل ضعفهم وغلطاتهم وأنانيتهم ومظلومياتهم كمان. 

بس الحقيقة هي إن لو فيه حد هقول عليه ضحية بدون تفكير فهو انت لما كنت طفل. الطفل ده أكتر حد اتظلم هنا، وما كانش مشارك في حاجة ولا عنده أي سلطة، وبتساءل لو انت فيه شيء من العنف مارسته عليهم بشكل من الأشكال بأثر رجعي، حتى لو بشكل غير واعي أو بشكل لا مفر منه، زي ما اتحاد قالت لك: انت سلختني وأنا عايشة. فيمكن دي برضو حصتك انت كمان من انك تبقى ضحية وتبقى جلاد. أو مش هقول جلاد...

وائل: يعني آخد دوري في دائرة العنف.

سلمى: صحيح.

وائل: بس نرجع شوية لموضوع الشجاعة. 

أنا فكرت إنه كيف بتقولي إنه ما عم بتحسي إن مشروعك يتوصف بإنه شجاعة وإنه بعالم مثالي ما كنت مضطرة أقوم بهيك فعل. السؤال هنا هو: هل الفعل اللي ينفع نوصفه كشجاعة ولا مو شجاعة هو فعل البقاء نفسه ولا فعل جعل الحياة أفضل؟ لما يكون واحد عم بيواجه الموت الفعلي اللي عم بيقوم فيه ليكون عم ينجو هو شيء، بس لما الواحد بيكون عم يشتغل على إنه يواجه الخلل اللي في نفسه والعطب والفساد اللي فيه فهو شجاعة، هو شيء تاني. يعني ما بيمنحك أفضلية لكن عندك شيء من الإحساس وصفتيه انتي بكتابك انك بتلاحقيه، فما بالك لما تكوني عم بتواجهي الظلام اللي جواتك. وتجربي تتعاملي معه. ما بعرف كيف فيكي توصفيه لو مش شجاعة، بس كان فيكي ما تعمليه. كان فيكي ما تعمليه أبدًا، أو تعمليه بدون ما يكون فيه هذا النوع من العنف مثل ما توصفيه.

من كتاب «محاولة لتذكر وجهي»

سلمى: أنا انبسطت وانت بتتكلم عن الكتاب انك ذكرت العنف، ودي النقطة اللي حابة نتكلم عنها أكتر، عشان انت استخدمت العنف في السياق ده بشكل إيجابي. أنا فكرت وأنا بتفرج على فيلمك إنه أنا معرفش البني آدم اللي عمل الفيلم ده بس أنا حاسة إن احنا مشتركين في علاقتنا بالعنف. زي ما قلت لك أنا متصالحة تمامًا مع العنف وعارفة إني عنيفة جدًا، وبأتكلم عن العنف بشكل أوسع من مفهوم التقليدي للعنف المقترن بـ«إلحاق الأذى» بآخر، لكن بمعنى إني بشوف إن العنف حاجة متأصلة جدًا في كل حاجة. حتى الحب بشوفه كشكل من أشكال العنف، بمعنى إن لو الشيء العنيف هو الشيء اللي بيهز كيانك ويفقدك توازنك، فالحب بيعمل كدة، بيهزك زي ما الزلزال بيهزك ويخبطك زي ما أتوبيس ممكن يخبطك، أو بيخليك طول الوقت في موضع هشاشة أو كأنك عصب مكشوف، فهو ده برضو العنف.

 زي لو فكرنا إن كل حاجة تانية بنتعامل معاها بشكل إيجابي فيه أمل وحياة وسعادة أنا بشوف في قلبها عنف، زي إن زرعة تطلع مثلًا، لما نفكر إنها بتبدأ كبذرة والبذرة دي لازم تتشق نصين ويطلع منها جذر يخترق قشرتها عشان الزرعة تنبت، فالعملية فيها هذا العنف يعني.

أنا بشوف إن العنف بمفهومه الواسع ده هو مش بس شيء لا مفر منه، ولكن كمان بشكل ما، شيء أنا بعتنقه embrace it، وما لقتش حل في التعامل معاه أو أفهمه أو أفهم الحب غير باعتناق العنف ده، سواء العنف تجاه الآخرين أو تجاه الذات. 

بتخيل إن كل ما بنحب أكتر كل ما العنف ده بيزداد أو إمكانية العنف ده بتزداد.. فلما كنت بقولك؛ انك عامل لهم محاكمة كنت بفكر في عنف اختيارك لطريقة السرد في الفيلم. يمكن الشكل أقرب لتحقيق النيابة، اللي فيه ممارسة إنك تخلي الناس تعيد حكي تفاصيل الأحداث والحاجات اللي هم نفسهم عملوها، وأنا شايفة إن ده اختيار مش بريء تمامًا، ومش قصدي إنه ضروري وحش، يعني يمكن لو كان الاختيار بريء كان يبقى ممل وخالي من الذكاء. 

من كتاب «محاولة لتذكر وجهي»

بس كمان في لعبة بتتلعب ما بين كل الأطراف، لعبة فيها قدر من السادية والمازوخية، وفيها اتفاق ضمني بين الشخصيات وبينك، إن الشخصيات هتلعب معاك اللعبة دي أو هتستسلم لها. احنا هنمتثل لك دلوقتي، فهيكون انت اللي عندك السلطة واحنا بقدر من المازوخية هنلعب دورنا ونعترف، عشان الاعتراف ده كمان فيه قدر كبير من التطهر. حتى لو أحيانًا هنتمرد في النص، زي ما اتحاد (الأم) أحيانًا بتعمل، بتتمرد على اللعبة ولكن بتكملها، ممكن جزء من ده بدافع إحساسها بالذنب أو رغبة في الحكي. ففيه مؤامرة ما حاصلة بينكم كلكم بشكل أو بآخر.

 أنا مش بقول ده بأي إدانة ولكن أنا شايفة قدر كبير من العنف في العملية دي، العنف اللي بتمارسه عليهم، العنف اللي بيمارسوه على نفسهم، والعنف اللي مارسوه عليك طوال طفولتك، وعنفك على نفسك انك تعيد سماع تفاصيل العنف اللي مارسوه عليك. 

حابة إني أتكلم عن الشخصيات، اللي يمكن أقلهم عنفًا الحقيقة هو صياح (الأب) ودي المفارقة. هو لعب دوره كذكر المجتمع الأبوي بيديله امتيازات تسمح له إنه ينفصل تمامًا عن الأحداث ماديًا وعاطفيًا. ولكن العنف الأكثر حدة كان من الناس اللي متورطة عاطفيًا بشكل أعمق. وفيقة (الجدة) واتحاد (الأم) وأمين (العم). دول اللي عنفهم كان مُفَعَل، بينما صياح عنفه كان سلبي، عنف عن طريق الغياب: أنا ما ليش دعوة بالقصة أنا مش موجود، أنا اتجوزت وخلفت واتطلقت، خُدُوا العيل واتصرفوا انتو. بينما وفيقة أو اتحاد أو أمين لما بيظهروا فالحب والعنف بيكونوا باينين قدام عينينا، ند لند بيتناطحوا. 

من ناحية تانية، طول الفيلم فيه إحساس بالفقد، غياب وفيقة حاضر، مش بس سيرتها وقصتها ولكن فقدها حاضر كشيء في حد ذاته، سواء بتصوير البيت وهو فاضي، أو تصويره في وقت معين من اليوم، مع التسجيلات الصوتية اللي كانت بتبعتها وفيقة لصياح. كل ده لمس عندي حاجة لأن خط الفقد خط واضح جدًا وأساسي في كتابي وهو واضح في الفيلم عندك، لأن حتى الناس اللي لسة عايشين وموجودين في الفيلم فكأنهم جزء من دائرة فقد مستمرة لآخر لحظة.  

من فيلم «طريق البيت»

وائل: الشي اللي صار كان أعنف مما كنت أتخيل. مش بس بالتصوير ولكن بالمونتاج كمان. العنف جزء لا يتجزأ من الحياة، العنف بالسياق اللي عم تحكي فيه مش العنف بالمفهوم السياسي الاجتماعي، وطالما المشروع هو عن الحياة فالعنف حاضر سواء أثناء صناعته أو بالمنتج النهائي، فما بالك إذا كانت الحياة اللي عايشينها هي نفسها عنيفة بدرجة كبيرة، فبالتالي انتي لما بدك تحكي عنها بيكون لا بد من العنف، سواء مع عيلتي أو مع نفسي. لما أنا بفتح موضوع المرض وبرجع حطه قدامي وبرجع ناقش فيه، هو المرض بحد ذاته شيء عنيف جدًا، والتعامل مع المرض فعل عنيف جدًا، إنه إرجع أحكي فيه هو فعل عنيف سواء لإليّ أو للناس اللي كانوا بيعنيهم إني بهاي الحالة وياللي عانوا منه لأنو موأنا بس عانيت، يمكن كون أنا عانيت بطريقة مختلفة بس هن كمان عانوا كونهن موجودين حواليا. هون بدي قول مثال خاص بالمقاربة عن المرض، كون السرطان مرض مَنُه فيروسي، بل هو خلايا الجسم ذاتها، فعلاجه بالعموم هو علاج راديكالي وقاسي، وما عندك خيارات كتير، بالتالي بيكون العلاج عنيف جدًا لحامل المرض والمجتمع الصغير اللي حواليه ومرهق، لأن هذا العنف يستمر على المدى الطويل.

أنا استخدمت هاي التيمة بالفيلم في محاولة إنه أحكي بطريقة غير مباشرة عن الوضع اللي إحنا عايشينه، بمعنى إننا وصلنا لمرحلة المرض فيه صار خبيث، وهذا في رأيي كتير مرتبط عضويًا بالمجتمع. هذا الشيء مرتبط بشكل عضوي بالمجتمعات اللي بتشبه مجتمعاتنا، بأي معنى عضوي؟ لأن إحصائيًا السرطان كمرض بيكتر أكتر بالدول اللي فيها فساد، بالدول اللي فيها هذا النوع من الأنظمة الشمولية، لأنها ما بتهتم بالجانب التعليمي أو البحث العلمي أو المنظومة الصحية، وما بتهتم بمشاكل البيئة، فبيزداد أعداد المرضى وتقل أعداد الشفاء، هذا الجانب المادي. أما الجانب المجازي، فهاي الأمراض الاجتماعية هي مؤلفة داخل المجتمع بحد ذاته، هي مانن عدو خارجي، مانن حرب أو مستعمر، وعشان تعالجيه بدك حلول راديكالية. 

أنا ما بدي قول إن الحل بسوريا لازم يكون الحرب، أكيد مو هدا اللي عم  قوله، بس لازم يكون راديكالي، والراديكالية أحيانًا فيها تكون عنف بمعناه الصدامي أو المعتاد للكلمة، وأحيانًا تكون بمعاني تانية متل إنه إحنا نكون قادرين نكون عنيفين مع ذواتنا وما نتخيل إن عملية التغيير فيها تقطع بسلاسة، لا المشوار هيكون صعب، وهيكون عنيف جدًا وهيشقلبنا فوقاني تحتاني. 

عم نحكي عن العلاقة بين الشأن العام والخاص، أنا بشوف بطبيعة الحال إنه هدا المرض يلي أنا أخدته فيه يكون بشكل أو بآخر نتيجة كل هاي القصص، نتيجة شو اللي صار بالعيلة، ونتيجة تأثير المجتمع الكبير على هاي العيلة. اللي كنت عم جرب قوله في الفيلم، إن ضروري إنه نتقبل هاي الأشياء، ونتقبل قساوتها، وما نخاف من إنه نرجع نحكيها، كأنه خلاص انت كان عندك المرض ونجيت ما فينا نحكي عنه، عدت القصة. لا ما عدت! تركت أثر فيني، إذا ما بواجهها وما بكون عنيف معها ما راح أعرف أتعامل مع المشاعر اللي مو فاهمها. 

بطبيعة الحال النتيجة هتكون فيها شيء من العنف في التواصل مع مكونات القصة بما فيهن أنا. فيه شيء خصه بإدراك أهمية تقبل العنف، العنف بهدا السياق، طالما أنا عم بسعى لتحرر أكتر، فلا بد إنه أقبل إنه بالبروسيس هيكون فيه عنف أكبر، وإلا فلأرضى بالقيد الموجود! إذا بدي أتحرر من أفكار أو من تركة هذا النظام الاجتماعي لازم شيء من العنف، لأكسر القيد بدي عنف لأكسره ما راح أقدر أكسره بدون عنف، فبهذا السياق العنف ضرورة للتحرر.

بما يخص التوصيف اللي قلتيه، إنه في نوع من المؤامرة إللي صارت بين الشخصيات، هو إن كلنا أهدافنا مختلفة، وهاي الطبيعي في رأيي. أنا مثلًا بهاي المشروع صح شرحتلن شو ايه أهدافي وهن وافقوا عليها، بس مش بالضرورة قبولهن للمشاركة معناه إنه بَدٌن يوصلوا لنفس الأهداف. هن موافقين يظهروا بهذا السياق بس عَندُن أهداف مختلفة. 

اتحاد مثلًا بتقول مثل الشيء ياللي قلتيه وكان كتير صائب، قالت لي: «أنا بعمل هدا الشيء حتى أعطيك حصتك، أنا بعمل هدا الشيء مش لأني مبسوطة إنه أعمله، هدا حقك عليا وأنا عم بعطيك إياه وخلصنا، ما عاد فيني أعطيك غير شيء بهدا السياق، أنا مني رضيانة، مني محبب لإليّ إنه إرجع إفتح هاي القصص لأنه ما عم بتقدم ولا عم بتأخر، لا هي عم بتأخر بالنسبة لإليّ، هي عم تتعبني، هي عم بتذكرني أكتر قديش أني مقهورة ومظلومة وقديش أني انهزمت، بس أنا بعمله لأن انت هذا الشيء انت عم بتقول بيساعدك، بيعنيلك». 

هدا الشيء هي قالته بعد ما خلص الفيلم بشكل كتير صريح وواضح، قالت: «أنا أعطيتك حصتك». إضافة... طبعًا لازم فيه إضافة، إنها كانت فرصة نجتمع أنا وياها. نحن كل حد فينا في بلد ومشتاقين، فكانت فرصة بتجمعنا. 

السؤال الأخلاقي

سلمى: طيب رجوعًا للسؤال الأخلاقي اللي طرحته بتاع لو احنا بنعمل أفلام ذاتية ما بتعودش على الأشخاص اللي في الأفلام بنفع فهل هي تستحق؟ أنا مظنش إن السؤال ده خاص بالأفلام الذاتية بس، ولكن أي أعمال بنتناول فيها آخرين. حتى لو الأعمال دي مش بالضرورة بتعود عليهم بنفع، بس هل بتسبب لهم أذى؟ يعني السؤال هو: هل أنا بأعمل فيلم من أجل «المنفعة الكبرى للبشر» على حساب الأربع بني آدمين اللي بصورهم؟  

من كتاب «محاولة لتذكر وجهي»

وائل: هو موضوع معقد، عشان انتي مثلًا تقولي إنو شو الأخلاقية؟ إنو مثلًا آخد موافقة فلان بإني أصور معه. طب أوكيه يا ترى انت قديشك واعية بسلطتك؟ لأن انتي بمكان مثل ما انتي قلتي هو بيمنحك سلطة، والسلطة بتمنحك إمكانية انك تتلاعبي، إذا بترغبي، لأن انت بالنهاية اللي عم بتديري العملية. فهي القصة بس اني آخد موافقة؟ 

وهدا مثلًا بالنسبة لي موضوع إشكالي في الأفلام اللي بتنشغل بمناطق حروب أو قصف. يعني كنت عملت مشروع مع صديق مخرج اسمه عروة المقداد، مشروع فيه مقابلات مع مخرجين عم يشتغلوا بهيك نوع من المواضيع، بالأفلام اللي في مناطق بها قصف، وانتي مثلًا بتروحي وبتقولي: أنا لقيتني عم بصور، ماسك الكاميرا، وهي هالقد كبيرة.  الكاميرا والناس اللي عم تتصور عم تشوفني وأنا بصور، وبعدين  كمان أنا بسألهم إذا فيني أستخدم المواد وبيوافقوا. بس السؤال هون هل بيكفي ناخد الموافقة وخلاص؟ يعني يا ترى الشخص اللي انت عم تسأله أو عم بيشوفك حامل الكاميرا في وسط قصف، هل هو بهاي اللحظة عنده الأهلية إنه يدي الموافقة إنه يكون بيتصور أم لا؟ ما هو عم بيواجه موت بهاي اللحظة فما عنده هاي الرفاهية إنه يفكر هل بدي أتصور؟ ويسألك الأسئلة ياللي بده يسألهالك: يعني كيف هتستخدمها هدول المواد؟ أو أنا ما عندي مشكلة انك تصورني بهدي اللحظة بس بدك تقوللي بعدين كيف بدك تستخدمها وشو بدك تقول بالنهاية... هاي الأسئلة كلها. 

مثل ما كنا بنقول بالبداية إنه ما فيه إجابات واضحة، ما فيه نموذج جاهز نستخدمه في كل الحالات، هو شيء بيعتمد على مدى مصداقية وأخلاقية اللي عم بيشتغل وقديش هو عامل خط مفتوح من النقد الذاتي المستمر، مثل الشهيق والزفير. إذا وقف نقدك الذاتي فانتي خسرتي بهاي المعارك. ولتحافظي على موضوعية بهاي النقد الذاتي فيكي تكوني مختارة مجموعة من الأشخاص، اللي بتوثقي فيهن وتشاركيهن الحوارات اللي بتعمليها مع ذاتك. 

أنا جربت قدر المستطاع بما يسعفني من قدرتي على التعبير الكلامية والجسدية بإني إشرح لأهلي ليش بدي أشتغل هدا المشروع. أنا كان حتى أفهم شو عم بيصير بسوريا، بالمنطقة كلها، بالعالم، بدي أفهم شو عم بيصير فيني، كيف صرت أنا هذا الكيان بكل ها التعقيدات الموجودة براسي. كيف أفهمها وأحلحلها.

 كنت بحاجة إنه أعمل هدا المشروع أو مشروع مشابه له. وأنا فعلًا أكون ناكر وكذاب إذا ما بقول إن أنا ما استفدت من هذا المشروع على هذا الصعيد. أنا أكتر راحة نفسية من قبل، صار فهمي للحياة أكثر من قبل. الاستفادة المادية خارج الحسبان لأن غالبًا بنخرج من هاي المشاريع علينا ديون. اللي بدي قوله اني جربت قدر المستطاع إنو إشرح لاتحاد (الأم) وأمين (العم) وصياح (الأب) ليش عم بشتغل هدي المشروع. يعني اتحاد (الأم) ضلت سنة ما عم تقتنع. ومع الآخرين في أوقات النقاش كان بيروح لمحلات غير مجدية أو فعالة.  

من فيلم «طريق البيت»

يعني حتى تصويري بالبيت ياللي هو بيتي، اللي عشت فيه ثلاثين سنة من حياتي، بيت وفيقة (الجدة)، أحيانًا كنت بتحط بموضع تساؤل إنه أنا ممكن تصويري للبيت يجيب خطر للبيت أو لساكنيه. كانوا خايفين من قصة إنه أنا ضد النظام، واعتُقِلت فيما سبق، وإن عندي أنشطة ضد السلطة، فهن كانوا خايفين إن هدا الفيلم يكون بهذا المنحى وبعرض البيت لخطر. وأنا كنت متفهم لهدي المخاوف لأنه أنا عندي إياها أو ما يشابهها. بس هنا إنه هون كيف فيكي تقنعيهم إنك ما تعرضيهم للخطر؟ هاي مثلًا خلاني آخد قرار من بداية المشروع، اتفقت معاهم إنه هذا الفيلم، بغض النظر على إنه ما هيكون مباشر سياسيًا ضد النظام - يعني هو فيه شي سياسي بطبيعة الحال، مثل أي فعل يومي هو سياسي - بس ما راح هيكون بروباجندا ثورية يعني. بس كمان قلت لهم إني بتعهد إنه هالفيلم ما يطلع على محطات تليفزيون عربية.. إذا صار فرصة أعرض بهاي المحطات ما راح أعرضه. وهذا الفيلم ما راح ينعرض بالسينما بسوريا، رغم اني بعرف إن هدا الفيلم إذا بينشاف من قبل النظام ما بيكون عندن مشكلة ضد عيلتي لأن ما عم يحكوا شي. هو موضوع معقد وصعب. 

مثلاً، رغم إن أمين (العم) وصياح (الأب) عطوني موافقتهم، لكن أمين وقت حضر الفيلم رجع معترض وعنده مجموعة من التساؤلات: مش إنه ليش هيك طلعته عم يحكي، ولكن ليش قبلت إنه اتحاد (الأم) تحكي هيك بالفيلم! إنه أنا كيف قبلت إنه اتحاد تحكي هيك على وفيقة (الجدة)! هو ما عنده مشكلة إنه يقول على اتحاد إنه هي مانا إم لأنه بالنسبة له هاي حقيقة. لكن اتحاد (الأم) ما كان عندها مشكلة إنه هو يتكلم، بس أنا بشوف إن اتحاد عندها تقبل أكثر من أمين للرواية الأخرى، مش إنه بتقول: «صح مضبوطة»، بس ما عندها مشكلة إن تسمعها طالما هي كمان كانت عم بتعبر، بينما أمين بده ما تقول هي هدا الشيء لأن «نحن اللي نعرف القصة».  

هاي هي المشكلة، إن كل واحد بيعتبر إنه أنا اللي بعرف القصة. حتى في نقطة أثارتها إحدى الحاضرات في المناقشة بسينما زاوية، إنه شو الصور الأرشيفية اللي استخدمناها؟ موضوع الصور القديمة بدون الحجاب موافقين عليه ولا مو موافقين عليها؟ هدا كمان سؤال إشكالي بالنسبة لي، أستخدم صورة وفيقة (الجدة) بدون حجاب ولا ما أستخدمها؟ أنا بالنسبة لي، كيف بآمن أكيد ما عندي مشكلة بس هاي ما خصني لأليّ، يعني الحق حقها لوفيقة، بس وفيقة ميتة! مثل هيك ظرف، كيف نوصل لجواب؟ إذا بالحالة الرسمية وكيف الدساتير والقوانين والشرائع قائمة عندنا بدنا نقعد نجتمع أنا وكل ولادها لوفيقة، يعني أنا وعمومي وعماتي وأبي ونقعد نستفتي عالموضوع لأن هن أولادها. هيك صار مشروع آخر بالنسبة لإليّ، هل أنا رايح أثير أسئلة حول الحجاب؟ 

وهذا سؤال بالمراحل الأخيرة من صناعة الفيلم حطني بمأزق لأنه أنا هدول الصور بدي أستخدمهن، عندن أهمية ضمن هذا السياق. فمثلًا خالتي زوجته لأبي، هي ظاهرة بالصور بدون حجاب، فكان الحديث بيناتنا بأنه لأ ما فيني أستخدم الصور، فقلت لها طيب أوكي خلينا نقعد نحكي يعني وأفهم وجهة نظرك وأشرح لك وجهة نظري. الشيء اللي توصلناله بالنهاية إنه إذا هدا الفيلم ما راح ينعرض عالتليفزيون أو إذا هذا الفيلم بيعود بمنفعة مادية لها حصة منها فهي ما عندها مشكلة! فأنا هون شو فيني أعمل؟ 

يعني نظريًا أنا اللي عندي الأفضلية إني أتلاعب فأنا صرت عم يتلاعب فيني! فقلت لها إنه انتي عن جد إذا بدفعلك مصاري ما عندك مشكلة؟ قالت: «إيه، قديش بتدفع؟» فقلت لها: «قديش ما بدك بدفعلك، ما خلاف بيناتنا». وهيك صارت القصة، وصار بيننا اتفاق إنه هالفيلم إذا انعرض بالتليفزيون أنا لازم أرجع أشتغل عليهن الصور وأحط لها حجاب أو إذا انعرض يكون في اتفاق مادي بيناتنا، بس الأفضل إنه ما يتعرض عالتليفزيون. والحقيقة أنا باتمنى إنه الفيلم يجيب مصاري عشان أقدر أشاركهم هذا الشيء وهاي الجهود والتعب يعني.

سلمى: عايزة أسألك على لقطة معينة في البداية خالص، لما انت سألت اتحاد: «انتي قابلتي صياح ازاي» فهي قالت لك: «وقف تصوير» بس انت ما وقفتش تصوير، وبرضو هي في النهاية كملت كلام، بس سؤالي عن اللحظة اللي انت قررت فيها انك مش هتوقف، سؤالي هو إيه الحاجة اللي كانت هتخليك هتوقف تصوير؟ هل وقفت في أوقات تانية؟ هل رجعتم للقطة دي واتكلمتوا عنها؟

وائل: هاي اللقطة حسب ما بتذكر كانت بأول يوم تصوير مع اتحاد. فيه كلام مش متأكد لو مسموع ولا لا بصوتي أنا لما بتقول وقف تصوير، الشي اللي بقول لها إياه كان: «أوك بوقف تصوير بس فيكي تقوليلي ليش؟». مثل ما قلت لك اتحاد ما كانت راضية وبعدين اقتنعت إنها تشارك بالمشروع وفيه عندها حالة تردد. الخطة كانت إنه ما يكون فيه طرح أسئلة مباشرة، ولكن فرصة لتداعي أفكار، صحيح أنا كان عندي كاميرا وهي عم تعطي سلطة، بس كنت عم جرب خلي الوضع بقدر الممكن أقرب للحديث الطبيعي، وبالتالي هدا خلاني أعمل التصوير بدون فريق ياخد صوت أو يصور عشان حافظ على الحميمية.

بالتالي وقت قالت اتحاد وقف التصوير وأنا بقولها تمام بس أفهم ليش نوقف التصوير، كان أيضًا عشان أفهم الوضع بالنسبة للأيام إللي جاية، كونه هدا أول يوم، فأنا عم قلها إنه ليش بدك يعني نوقف تصوير، وحتى لو ما وقفت التصوير الأشياء اللي حتى فيكي تقوليها وبعدين تقول لي لاحقًا ما بدي تحط إياها في الفيلم وأنا بحترم رغبتك. فأنا كنت عم جرب نبني هاي العلاقة. واللي استنتجته بعد فترة إنه نوع من الممانعة المبدأية دايمًا، لأنها بتقولي «بدي وقف تصوير لأن..»، وبتسرح، وبعدين بعد ما نخلص التصوير بقولها: ليه قولتيلي وقف التصوير، وبعدين قلتيلي كل هدول الأشياء، وكنتي عرفانة إني ما وقفت تصوير» فبتقول لي: «كنت مترددة أحكي بهدول المواضيع ولا ما بحكي».

فده بيرجعنا للسؤال الأخلاقي، شو الحل؟ يمكن أهم حاجة ما الواحد يخبى ورا اصبعه ويقول: «أنا عملت اللي عليا». بهيك نوع من المشاريع السؤال بيبلش لما بيبلش المشروع وما بيخلص، بيضل، يعني لساتي لهلأ عم واجه السؤال، ومن أحد تفرعاته إنه يا ترى الفيلم كونه ما عاد بالفائدة النفسية عالعيلة يا ترى هل كان بيحقلي أشتغله؟ يا ترى هل بيحقلي إنه كمل شغل على هيك نوع مواضيع ولا لأ؟ فهدا سؤال ما له جواب ولازم ما يكون  ماله جواب يمكن. لأنه إذا في إله جواب بيصير الناس تتخبى وراه. 

سلمى: صحيح، مثلًا أنا في بداية حياتي عملت فيلم تسجيلي قصير، أنا عارفة النهارده إني ارتكبت فيه قدر لا بأس به من الجرائم الأخلاقية، بس وقتها كنت بأدافع عنه باستماتة. موقفي منه قعد يتغير مع تغير وعيي ومع استمرار السؤال. أنا بطلت أعرض الفيلم ده في أي مكان وأنا بستخدمه بس في التدريس كنموذج لسوء استخدام سلطة المخرج. 

وائل: بس عالقليلة اتعلمتي منه وده يخليكي تصلحي الأشياء في المستقبل.

سلمى: حقيقي بس أنا عمري ما هصلحها مع الناس اللي كانوا في الفيلم. بيفضل دايمًا السؤال قائم عن تصوراتنا النرجسية عن أهمية الشغل اللي بنعمله، من أجل «الحقيقة»، من أجل «الفن»، بس على حساب البني آدمين يعني؟ 

وعلى صعيد آخر إزاي نطرح الأسئلة دي بشكل ما يستدعيش الرد الجاهز بتاع إن دي صوابية بتدخل الأيديولوجيا في الفن. زي مثال برتلوتشي في فيلمlast tango in paris وواقعة الزبدة اللي هو نفسه معترف بإنه تآمر مع مارلون براندو بطل الفيلم واتفقوا إنه يستخدم الزبدة في مشهد ينتهك الممثلة دون علمها، بس شوف كم الدفاع المستميت من «زملاءنا» عن مؤامرة الاغتصاب اللي تمت بين مخرج ضخم وممثل عملاق ضد ممثلة مبتدئة بمنطق إنه: ده نتج عنه مشهد أيقوني وفيلم عظيم! يعني أنا عشان أطلع مشهد حلو أعذِّب الممثلات؟ طب لو آه، هل كل الممثلين بينفع يتعذبوا عشان المشهد ولا فيه ممثلين «نقدر» نعذبهم وممثلين لأ؟ 

كنت عايزة كمان أعلق على كلامك عن التصوير وقت القصف أو الاشتباكات مثلًا، يعني ممكن ظرف سياسي بيضطرنا نتغاضى عن بعض الأسئلة في اللحظة الآنية وننزل نصور وخلاص، بس برضه بيفضل السؤال هنستخدم المادة دي إزاي؟ عشان نعمل بيها إيه؟

أنا كنت في مؤتمر في باريس عن الأراشيف وكان فيه تعاونية سورية للأفلام كان الممثل ليها بيتكلم عن المادة المصورة أثناء الثورة السورية والأحداث التي تليها، واللي وكالات الأنباء بتستخدمها باستباحة بدون الرجوع للمصور، وإنه لازم يكون فيه عائد مادي وحقوق ملكية للمصورين دول. بس يعني هو في اللحظة دي اللي بنتكلم فيها عن أرشيف ثورة مبني على صور معاناة وجثث ناس وانت بتتكلم بحرقة عن حقوق ملكية المصورين ومفيش حتى طرح للسؤال عن اللي في الصور دي نفسها وحقهم في صورتهم؟ معنديش إجابات للسؤال، بس غيابهم من المناقشة في حد ذاته إشكالي. 

إزاي المصادفة، أو حتى القصدية، إني أنا اللي معايا الكاميرا وبصورك في وضع كارثي تخليني عندي أحقية في صورتك انت! لما ده يتاخد كأمر مسلّم به في دوائر المفترض ثورية وتقدمية، بدون حتى طرح السؤال حول إمكانية إننا بشكل أو بآخر ممكن نتورط في ممارسة سلطوية زي دي، ولو حصل نعمل فيها إيه، وكل ده تحت شعار إن مجرد فعل التوثيق ده في حد ذاته عمل نبيل وفعل مقاومة، فده شيء مرعب. 

وائل: السائد اللي بيخلقه النظم الرأسمالية اللي بنعيش فيها لما الهدف الأساسي يكون مادي.

سلمى: أيوة معاك لكن هو مش بس هدف مادي، ده كان هيكون فهمه أسهل. هو الأعقد إنها بتروح في مناطق وقيم مجردة تبدو فيها حاجة سامية، زي قيمة الفن، قيمة الحقيقة، بفرض إن دي قيمة أكثر سموًا أو رقيًا من الاعتبارات اللي بنقولها، أو بمنطق إن فيه قضية أكبر تستحق إننا نضحي بحق كام حد.

وائل: أنا ضد مبدأ السينما أو الفن كقيمة أعلى من أي شي في حد ذاته.. يعني هدا بالنسبة لإليّ ماله أي معنى. يعني شو هو دافع الشغل؟ أو خليني بعيد صياغة، أنا متصالح بالأساس إنه الدافع بالأساس ما إذا بيكون ذاتي فهو لا يعوّل عليه أو ما فيه قيمة لعمله. يعني هو لازم فيه دافع ذاتي بالدرجة الأولى، ولكن كمان هذا الشيء ما بيعفيني من الالتزامات الأخلاقية. 

بفيلمي مثلًا، الدافع الذاتي إنه إفهم شو عم بيصير بهدا السياق، بسوريا، بالثورة، بعيلتي، بس كمان ما بدي نخلط بين الدافع الذاتي والأنانية. يعني هل فقط أرجو منفعة شخصية ولا شخصية وعامة؟ يعني هل أنا فهمان موقعي اجتماعيًا ولا ما فهمان؟ هل أنا مفكر حالي إنه أنا محور المجتمع اللي أنا فيه ولا أنا عنصر قادر يلعب هالدور فيتوجب عليا، أو أنا بوجب على نفسي إني ألعب هالدور؟ لأني كان عندي امتياز إني أتعلم ها الشيء أو أكتسب ها الخبرة أو عيش هدي الظروف وعندي رغبة في إني عيش حياتي بها الطريقة، إني إحكي عنها، وعندي أدوات أقدر إني أستخدمها. الدافع إني استخدمها بالدرجة الأولى ذاتي، بس ضمن إدراكي لمين أنا بدون ما كون  مضروب براسي. 

أنا سُئلِت في مرة: «انت عم تعمل مشروع عن قصة حياتك وانت موجود في الفيلم، وانت في المشهد الأول بتتوسط الكادر، ما بتشوف إن ده شيء أناني؟» أعتقد إن ده لبس بين الأنانية وبين إن المشروع ذاتي. يعني بنسقط مفاهيم على أشياء. لما بنربط سبب بنتيجة بدون منطق ربط. يعني أنا بكون أناني بس لما النتيجة تكون لنفسي بدون اعتبارات للآخرين. لكن ذاتي؟ هو أكيد ذاتي. 

لو بنروح لموضوع الالتزام بالقضايا، يعني لما بيجي حدن من أوروبا وبيروح بيشتغل عن شي عم بيصير بمصر أو سوريا، وعنده نوايا حسنة وكل شيء، قديش بيحترم الموضوع وهو عم يتعامل معه ويحتك فيه؟ كمان قديش بيكون مفيد؟ لأنه إذا انت ما كنت على احتكاك مع التجربة وما عندك هم أو التزام بالقضية، فبالتالي منتجك هيكون مُخِل. يعني مثلًا هتستهين بحقوق الناس في الصورة. هل انت أخدت موافقتن أو حطيتهم بظرف يقدروا فعلاً يكونوا موافقين ويعبروا عن موافقتن؟ يعني في أحسن الظروف، ناقشت معن وجودُن بهاي الفريم؟ لأن لو انت ما على احتكاك حقيقي مَعُن وموقعُن فانت بالنهاية بتعمل شيء مضر للقضية حتى لو نواياك حسنة وقصدك تفيدها.

سلمى: أو ممكن يكون من منظور أحدهم مفيد للقضية، بس في الحقيقة بيضر الناس اللي في الفيلم أو بيجي على حسابهم. 

وائل: أكيد. يعني طالما انتي عندك القدرة انك تشوفي شيء أو تضوي على شيء وانتي بتروحي تعمليه لتلبية متطلبات السوق أو الاتجاه الرائج اللي بلقى استحسان، يبقى بأحسن الظروف والافتراضات نقول إن ده كسل.

سلمى: بشوفه «تناسي آثم» أو «جهل لا يغتفر». عايزة أحكيلك عن نقاش كان حاصل -أو يمكن الأزمة الحقيقة إنه مكنش حاصل- من كام سنة المصرية الموهوبة هبة خميس صورت موضوع في الكاميرون عن ممارسة كي الأثداء للفتيات قبل البلوغ، وهي عملية بشعة بتعملها الأمهات لبناتها لتفادي تعرضهن للاغتصاب. فاز المشروع بجايزة World Press Photo وكان الاحتفاء بيها كبير باعتبارها أول مصورة مصرية تكسب الجايزة. لكن الموضوع في رأيي فيه كذا إشكالية: أولًا المصورة صورت صور «جميلة»، بمعنى إن عاملة لهم بورتريهات موقفاهم فيها في وضع معين قدام حيطة معينة، ومنوارهم بطريقة معينة. صور أبيض وأسود، صور فنية، صور دراماتيك وكل جمالياتها مدروسة ومحكمة.

إني أصنع صورة جميلة «للبؤس» بيطرح سؤال حوالين عن مدى انزلاق الشغل ده في فخ بورنوغرافيا البؤس. «جمال» الصورة ده مين اللي منتظر إنه يستسيغه أو يقدره ويتذوقه، أو حتى يدفعه للتأمل؟ هل البنت اللي في الصورة لما هتشوفها هتقول الله الإضاءة جميلة قوي؟ هل الأشخاص اللي البنت اللي في الصورة بتمثلهم مستهدفين كجمهور لجماليات الصورة دي؟ هل ينفع إن الشخص موضوع الصورة ميكونش خالص في حساباتك أو تصوراتك عن المتلقي اللي بتوجهله العمل؟ ده أول سؤال أعتقد المفروض نسأله لنفسنا.

يعني لو بصور جنرال نازي بيعذب ناس في قبو، فمش مهم خالص يوافق لا على تصويره ولا على رأيه في جماليات صورته، بس أنا أصلًا بصور «ضحايا» باعتبار إني بتعاطف معاهم وإني بعمل ده من أجل «قضيتهم». يعني الإنسانة دي  موضوع الصورة اللي مكملتش 12 سنة غالبًا اللي أمها لسه من كام يوم واخداها بالغصب وكوت لها صدرها، أقوم أنا جاية برضو  قايلة لها اقفي هنا عند الحيطة دي، وبصي يمين عشان أضرب في وشك اللمبة دي، وأصورك صورة حلوة عشان القضية؟ البنت اللي لسة متعرضة لكل هذا العنف والإهانة وسلب الإرادة قادرة على إعطاء الموافقة الحقيقية من أجل «القضية»؟ 

من ناحية تانية، كي الأثداء ممارسة بقالها كتير بتتمارس، يعني فيه ستات بالغات النهاردة تعرضوا لها في طفولتهم ممكن أصورهم ويكونوا قادرات على الموافقة  وعندهم أهلية حقيقية وعايزين يعملوا ده فعلًا «من أجل القضية». لكن اختيار إني أصور بنت عندها اتناشر سنة لسة معمولة لها العملية دي طازة هو اختيار فيه شيء إثاري جدًا، بيلعب على استدرار العواطف والصعبانيات والشفقة. 

في واحدة من الصور، البنت بتبص في العدسة نظرة كلها قهر، لكن تقديري إن القهر اللي في عين البنت هو قهر مزدوج، لعنف مزدوج، عنف العملية وعنف الصورة. لكن ده موضوع ما حدش اتناقش فيه، ولا طرحه، ولا أشار ليه، لما الصورة كسبت الجايزة. ما كانش فيه غير احتفاء كامل بانتصار أول مصورة مصرية. والحقيقة إن هبة خميس فعلًا موهوبة، وتستحق جايزة، ولكن تستحق كمان التعامل مع شغلها بجدية، فيها مساحة نقد حقيقي، يشتبك مع النوع ده من الأسئلة. 

لكن القصة مش بتخلص هنا، بل بتزداد تعقيدًا، لما خبر الفوز بيتنشر مصحوب بصورة توثق احتفال المصورة هبة خميس بالجايزة. في الصورة دي، المصورة واقفة قدام الصورة اللي صورتها للـ«ضحية»، الصورة مطبوعة بمقاس ضخم جدًا والمصورة ماسكة الجايزة وبتضحك بسعادة غامرة بينما الـ«ضحية» اللي في الصورة اللي في الخلفية بتبص لنا ببؤس وقهر العالم كله! ازاي ما حدش شايف مشكلة هنا؟ ازاي محدش بيتناقش في إن مش بس الصورة بقت أهم من الشخص موضوع الصورة، لا ده دلوقتي المصورة بقت أهم من الصورة والشخص موضوع الصورة! 

لما حاولت أفتح نقاش مع الأصدقاء اللي محتفين بالجايزة والمصورة، كان التبرير والدفاع من منطلق أهمية الصورة لتعريف العالم بجريمة كي الأثداء. فكان السؤال هو ماشي بعد ما عرفتوا، ده غيّر إيه في الجريمة أو في حياة البنت اللي في الصورة أو البنات اللي لسه هيتعمل فيهم كده؟ إيه القيمة إن حضرتك عرفتي؟ وهل قيمة معرفتك تبرر الانتهاك ده للبنت اللي في الصورة؟ وهل مفيش طريقة تانية العالم ممكن يعرف بيها؟ فبنخش في عبث جدل المعرفة كقيمة كبرى تبرر هذا الانتهاك، عشان «القضية».

وائل: كمان موضوع الاعتبارات بيتعلق بنقطتين: موضوع النظام واعتباراته وشو اللي بيسوقه، يعني شو هو الجمال بناء على السيستم شو بيقول؟ شو هو الفيلم الحلو؟ شو هي القصة المثيرة بناء؟ هاي المعايير العامة اللي بيفرضها وبتعطي الأشياء مصداقية، هدا هو السيستم أو النظام. يعني مثلًا فيلم واخد جائزة [في مهرجان] كان أو عشرين جايزة، بتيجي تقوليلي فيلم آخد ولا جايزة أحلى منه؟ الناس بتقولك انتي عم بتخرفي. لما بتقولي لحدن إن فيلم واخد ولا جايزة إنه مهم وبيستحق ينحضر، يمكن أحيانًا أكثر من فيلم واخد ميت جايزة، الناس بيصيروا يعملوا عنك قصص وحكايا، بيشككوا بمصداقيتك وبيحطوا هدا الكلام بخانة الغيرة من النجاح عشان ما قدرتي تاخدي جايزة. يا عمي فيه ناس وهي بتعمل مشاريعها بتعرف إنه ما عم تاخد جايزة، بس بتعمل مشاريعها بغض النظر! عم نحكي هون عن اعتبارات بيفرضها السيستم. 

من الناحية التانية، فيه قصة ها النفس الأبيض في التعامل مع المواضيع، يعني انتي عم بتكوني بتوضحيها أكتر لما بتعملي صورة هالقد جميلة عن موضوع إنه يالطيف، إنه شو عبالنا نساعد فيه؟ يعني يا ع**، بشو عم بتساعد انت غير إنك بتساعد نفسك؟ وهدا اللي عم نحكيه فيه إنه دوافعك الذاتية تكون ضمن إدراكك والتزامك بالقضية، وإن التزامك بالقضية مش بس إنه بتكون مخلص لها، ولكن واعي بالسياق ومدرك لموقعك، مش تيجي عالموضوع من بره وتقول أنا بدي أخدم هالقضية! إذا مثلاً انت جاي تعمل فيلم عن المخيمات السورية أو شو عم بيصير بلبنان أو التحرش بمصر، لو انت حضرتك سمعان بالموضوع وقاري كام مقالة وحاضرلي كام تقرير وبتيجي دوغري من المطار عندك جدول للتصوير ونازل تاني يوم تصور، ما يلعن ر** انت ومشروعك! ما انت إذا ما بدك تعيش التجربة وتكون على تلامس معها قبل ما انت تكتب ملاحظاتك عن اللي بدك تشتغله، شو منك ومن مشروعك انت؟ هالمشروع ما بيخدمني، هالمشروع بيخدمك لإلك بس، وبيخدم السيستم اللي انت أحد حلقاته. أنا مشروعي بالحياة منو سينما، أنا بقول هدا الشيء بكل وضوح وقناعة.

 أنا السينما بالنسبة لإليّ هي أداة بتمكني أتعامل مع هاي المواضيع وأشاركها. ولكن لما بيكون هدفك مش المحتوى بحد ذاته ولكن الأداة، فبالتالي إنه ترضي أنه بتلعب دور بهدا السيستم مقابل اللي عم بيوفره هالشيء من منفعة مادية أو جوائز أو شهرة، صرنا بتكلم عن شيء مختلف كليًا حتى لو هو يبدو كسينما ملتزمة بتحكي عن قضية. 

سلمى: حبيت مصطلح «النفس الأبيض» لأنه ممكن يشير لمجموعة قيم وتوجهات ومواقع «بيضاء» بمعنى منهجي بغض النظر عن عِرق أو جنسية الأشخاص، وربما يكون ده بدون قصد تمامًا، وربما بشكل لا مفر منه أحيانًا، لأن أوقات كتير مفيش أي نقد جاد أو نقاش بيشتبك مع شغلنا أو مع الأسئلة.

 أعتقد إن دي أحد مشاكل إن الواحد يستسهل الخطاب البوستكولونيالي وتبقى لبانة إنه المشكلة في الغرب الغرب الغرب والبيض البيض البيض، اللي هو صحيح وحقيقي لحد كبير، لكنه كمان ما بينفيش إن الحياة هي شبكة امتيازات كلنا بشكل ما في أماكن مختلفة منها، فبالتالي مفيش ضحية مطلقة وجلاد مطلق، بمعنى لو انت اتولدت أبيض إذن انت جلاد على طول الخط وفي كل السياقات، ولو انت اتولدت سوري فانت ضحية على طول الخط والسياقات، طب لو انت من جنوب السودان يبقى الوضع إيه وهكذا. أعتقد إن الخطر إننا نستخبى ورا الثنائية دي فما نشوفش امتيازاتنا والأدوار اللي بنلعبها. 

وائل: أنا كان فيه موقف شبيه صار معي وقت كنت بلبنان وكنت أشتغل مشاريع على تماس مع المخيمات، اللي استغربته من زملاء لإليّ إنه لما كنا نوصل عالمخيم يصيروا يتصوروا سيلفي على خلفية المخيم! وعم يطّلعوا تطليعات إنه كتير مبتسمين ومبتهجين كأنها رحلة! ويقولوا لي تعا أتصور، فأنا أتطلع فيهن إنه شو يعني فيني إتصور؟ ما بفهم عليكم، انتو نجيتوا من إن تكونوا بالمخيمات فجايين تساهموا أو تجربوا تشيلوا حمل بطريقة ما، تجربوا تقوموا بدعم هدول الناس اللي ما أتاحت لهم الظروف إن يكونوا برات المخيم مثلكم. شو هدا الاستمناء الغريب من نوعه، إنه عم بيتصوروا والمخيم بالخلفية وبيضحكوا؟ ما بفهمه الحقيقة لأنهم زملاء لإلنا، بمعنى أنا وياكي، زملاء لإلنا بيتشاركوا معنا المبادئ الأساسية! فليش عالتطبيق السيستم بيسرقكن؟ نحن مش عم نحكي عن ناس جايين من أوروبا بيتصوروا، نحن عم نحكي عن ناسنا، ليش فجأة بيسرقكم التيار السائد لكيف بنتعامل مع الصورة؟ ليش مالكم قدرانين تظلوا ملتزمين بالشيء اللي موجود بقناعاتكم؟ وهي دي المشكلة، يعني لو ما عندك المعرفة وبتعمل هاي الشيء بالنسبة لألي ما بيأثر فيا، لكن لما بيكون حدن قاعد عم بينظر بهاي القصص وعم بيعبر عن نفسه إنه شخص عم بيجرب يعمل قد ما فيه لنصرة هاي الفكرة أو ليحارب الظلم أو هيك، وبعدين هو حدن عنده هاي الامتياز إنه يكون عنده هاي المسافة ليشوف، وخايض أحاديث من هدا النوع، وحاكيين فيها ومفكفكينها، مش إنه حدًا مانّه منتبه، وفجأة بتقع بهدا الفخ!

نود التعبير عن خالص الشكر والامتنان للصديق وائل عشري لإسهاماته القيمة في تطوير الأفكار وإعداد النص.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن