تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
قضية مروة عرفة: حين يكون العمل الإنساني جريمة

قضية مروة عرفة: حين يكون العمل الإنساني جريمة

كتابة: هدير المهدوي 9 دقيقة قراءة

منذ إلقاء القبض على ابنتها مروة عرفة وحبسها منذ نحو عامين، كافحت وفاء محمد حسن لتحمل جميع المسؤوليات الجديدة المُلقاة على عاتقها. يذهب جزء كبير من دخل الأسرة بما في ذلك راتبها، من عملها في جامعة الأزهر، حيث تدرّس الأدب ثلاث مرات أسبوعيًا، نحو إعالة ابنتها في السجن بالطعام والملابس النظيفة والمستلزمات الأخرى. وهي الآن مسؤولة أيضًا عن حفيدتها وفاء، التي سُميت باسمها، وتبلغ من العمر ثلاث سنوات ونصف. تتقاسم مسؤولية رعاية الطفلة مع زوجها وأولادها الثلاثة الآخرين.

«حياة جديدة علينا. الأولوية هي وفاء. مين هيصحيها، ومين هيعمل بوتي ترينينج، ومين هيأكل، ومين هيجيب من الحضانة. احتواء عائلي. وده مخلي الدنيا ماشية»، قالت الأم وفاء لـ«مدى مصر»، وأضافت: «ماليًا بقى بهدلة. راتبي كله بيروح. بخلص الزيارة بفضل أحضر للزيارة التانية. خراطيش سجاير ومصاريف ليها وفلوس في الكانتين. وكل زيارة أكلة سخنة وخضار وفاكهة ولبس. غير علاج وفاء ومصاريفنا إحنا كأسرة. أعباء مالية كبيرة». 

ألقت قوات الأمن القبض على عرفة، المترجمة البالغة من العمر 29 عامًا، في 20 أبريل 2020 من منزل إحدى صديقاتها، حيث كانت تقيم. اختفت قسرًا واحتُجزت بمعزل عن العالم الخارجي لمدة أسبوعين في مقر جهاز الأمن الوطني بمدينة نصر قبل أن تمثل أخيرًا أمام نيابة أمن الدولة في 5 مايو 2020.

أضافتها النيابة إلى القضية رقم 570 لسنة 2020، التي ضمت أكثر من 40 متهمًا، بحسب محاميها مختار منير في حديث لـ«مدى مصر»، وأمرت بحبسها احتياطيًا بتهمة «الانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها». ونُقلت عرفة إلى قسمي شرطة قبل نقلها إلى قسم شرطة مدينة نصر أول، حيث قضت قرابة ثلاثة أشهر، وأخيرًا نقلت إلى سجن القناطر في يوليو 2020، الذي حُبست فيه منذ ذلك الحين.

في 10 فبراير الماضي، دعت جمعية دراسات الشرق الأوسط -مجموعة قوامها قرابة 2800 باحث ومُعلم- للمرة الثالثة للإفراج عن عرفة وخلود سعيد -رئيس قسم الترجمة في مكتبة الإسكندرية. اعتقلت بعد اعتقال عرفة بيوم، ومحبوسة احتياطيًا على ذمة التحقيق- في رسالة موجهة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي وإلى النيابة العامة. وجاء في الرسالة: «نكرر دعوتنا للإفراج الفوري عنهما ونحثكم على اتخاذ خطوات لإنهاء اعتقال جميع الباحثين وسجناء الرأي». 

تواصلت أسرة عرفة مع شخصيات توسطت من قبل لدى السلطات في قضايا السجناء، بحسب زوج مروة، تامر موافي. لقد تلقوا وعود بأن اسم عرفة سيدرج في قوائم من يُنظر في الإفراج عنهم، إلا أنها لا تزال في السجن. «أنا نفسي فعلًا أعرف هي محبوسة ليه. القضية نفسها إحنا منعرفش عنها حاجة»، قال موافي. 

وبحسب منير، تم استجواب عرفة بشأن أسرتها وطفولتها وتعليمها وعملها كمترجمة، وكذلك التهمة الرئيسية -تمويل جماعة إرهابية- بناءً على اتهام بأنها كانت تدعم السجناء ماليًا، وذلك في المرة الوحيدة التي حققت فيها النيابة معها. نفت عرفة التهمة، على حد قول منير، وأبلغت النيابة أنها كانت تحاول فقط مساعدة المحتاجين، ومن بينهم عائلات السجناء الذين ربما فقدوا مُعيلهم الوحيد، وحتى ذلك الحين، لم تقدم أي مساعدة مالية، بل قدمت إمدادات مثل الطعام والملابس فقط. «مش كل مساعدة هي تمويل»، يقول منير.

«الحاجة اللي كانت في ذهنها أنها بتحب الناس كلها وعايزة تخدمهم. هي سخية وخدومة. ماتستحملش حد يبقى مش طايل. وده اللي وداها في داهية»، تقول والدة عرفة. وتؤكد صديقتها سارة الشريف لـ«مدى مصر» على ذلك: «هي شخص ما بتتأخرش عن حد خالص. موضوع المساعدة ده امتداد لشخصية مروة، لأنها كدة مع أصحابها ومعارفها ومع أي شخص محتاج مساعدة، حتى لو كانوا من أهالي المساجين، اللي من حقهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة، لأن استمرار حبس ذويهم بيعرضهم لالتزامات كبيرة. حتى الشخص اللي بيتعاقب ماينفعش يتحرم من الأكل والشرب. هي ماعملتش حاجة غلط». 

أخبرت عرفة والدتها في إحدى الزيارات أنها تشعر بأنها في مأزق بسبب تهمة «التمويل»، وأنه لولا هذه القضية، لكانت قد حصلت على الإفراج، مثل عدد من المعتقلين البارزين الآخرين الذين حُبسوا احتياطيًا خلال العام الماضي. «هي حاسة إنها محشورة. عندها خوف من إحالة القضية. وبتخاف كل ما حد ياخد أحكام كبيرة»، قالت أمها. 

منذ طفولتها، لدى عرفة مجموعة واسعة من الاهتمامات. لقد التحقت بالعديد من الجامعات حيث درست طب الأسنان والعلاج الطبيعي والعلوم السياسية والأدب الإنجليزي، رغم أنها لم تتخرج من الجامعة. وبحسب والدتها، كانت تحب القراءة ومتابعة اهتماماتها الفكرية الخاصة، والاشتراك في ورش العمل وحضورها في مجموعة متنوعة من المجالات.

في حياتها المهنية، عملت عرفة في البداية كمترجمة مستقلة، وفقًا لموافي، على الرغم من أنها تشعبت أيضًا في مجالات أخرى، حيث أسست مجلة ثقافية على الإنترنت قبل عدة سنوات. وعملت أيضًا كمستشارة أعمال، حيث شاركت في عدد من الشركات الصغيرة مع أشخاص كانت تحاول مساعدتهم. عندما ولدت ابنتها وفاء في يونيو 2018، اقتصر تركيزها فقط على عملها كمُترجمة، لتجد الوقت الكافي لرعايتها. كما واصلت عملها التطوعي للأشخاص المحتاجين.

ويعد سبب اعتقال عرفة في 20 أبريل 2020 غير واضح، لكنه كان حدثًا صادمًا للأسرة. في منتصف الليل تقريبًا، قُرع جرس باب منزل صديقة عرفة، حيث كانت تقيم. كانت عرفة وشقيقتها الصغرى تُقى تأكلان البيتزا وتشاهدان فيلم «The Walking Dead»، فيما كانت الطفلة وفاء نائمة. عندما فتحت عرفة الباب، دخل ضابطا شرطة في ثياب مدنية وخمسة رجال يرتدون الزي العسكري الشقة، بحسب تُقى. «كان فيه ناس تانية علي السلم، ماسكين سلاح. مروة دخلت قالتلنا نلبس الحجاب أنا والمربية. مكناش فاهمين إيه اللي بيحصل»، قالت تُقى لـ«مدى مصر». 

تمكنتا من الاتصال بوالدتهما وإرسال رسائل نصية لمحاميهما قبل أن تصادر قوات الأمن هواتفهما المحمولة وأجهزة iPad وبعض متعلقاتهم الأخرى أثناء تفتيش المنزل. «في اللحظة دي وفاء كانت صحيت، في الأول كانت مخضوضة وعيطت شوية، وبعدين فضلت ماشية ورا مروة وجابتلها الجزمة بتاعتها فاكرة انهم هيخرجوا. واحد من الضباط قالنا أنا والمربية ووفاء نخش أوضة وفاء. مروة برة كانت بتهندل الدنيا وكانت متعاونة معاهم. بعد شوية مروة دخلتنا الأوضة تلبس وحضنتنا وقعدنا نعيط». 

كان والدا عرفة قد وصلا إلى المنزل، وحاولا مناقشة الأمر مع الشرطة. كانت الطفلة وفاء قد ظنت أن والدتها ستخرج بدونها، فشرعت في البكاء، حتى تفاوضت الجدة لاسترجاع واحد من الـ iPads لإلهاء الطفلة. عند لحظة تقييد يد مروة، طلبت من العائلة اصطحاب ابنتها إلى غرفتها لكي لا تشاهد هذا المشهد. بمجرد تقييد يديها، تم اصطحابها إلى خارج الشقة. قالت والدة عرفة: «قلتلهم هاجي معاكم، رفضوا. حاولت اجري وراهم بالعربية، زاغوا مني عند مقر أمن الدولة اللي في الحي السادس في مدينة نصر. اليوم ده جاب رعب لوفاء ولغاية دلوقتي ما بتتكلمش. هي في تروما». 

نُقلت عرفة في البداية إلى قسم شرطة التجمع الخامس، ثم إلى قسم آخر في الدقي، قبل نقلها إلى قسم شرطة أول مدينة نصر، حيث احتُجزت في ظروف قاسية. قالت والدتها إنه لم يُسمح لها بأي زيارات خلال احتجازها الذي دام ثلاثة أشهر في قسم شرطة مدينة نصر أول. تم احتجازها في زنزانة مكتظة، مساحتها ثلاثة أمتار مربعة. رجال الشرطة في القسم «كانوا بيسلطوا عليها الجنائيات. والراجل كان يسرق الحاجة قدامي»، تقول والدتها. لتحسين ظروف احتجازها، كانت والدة عرفة تطهو لجميع المحتجزين في الزنزانة، وفي بعض الأحيان تغسل ملابسهم. قالت والدتها: «كانت فترة متعبة جدًا لمروة وليا. كانوا مقعدينهم، 50 واحدة،  في أوضة من غير تهوية. جالها التهاب رئوي، وواحدة زميلتها جنائية طببتها. أما أنا  جالي التهاب في  الأعصاب، واستُنزفت ماليًا. أكل كل يوم وغسيل القسم». 

كانت ظروف حبس عرفة في سجن القناطر بعد نقلها إلى هناك في يوليو 2020، جيدة في الأشهر الأولى، ثم ساءت لاحقًا، بحسب الأم. ذكرت الصحفية سُلافة مجدي، التي كانت محبوسة في سجن القناطر من أواخر 2019 حتى إطلاق سراحها في أبريل 2021، أنه في أغسطس 2020، نقل ضابط شرطة جديد إلى سجن القناطر، للإشراف على السجن، وأنه اختص عددًا من المعتقلات بمعاملة قاسية، ومن بينهن عرفة

في أوائل عام 2021، زعمت سلطات السجن أنها عثرت على هواتف محمولة داخل العنبر الذي احتُجزت فيه عرفة، بحسب مجدي التي قالت إن عرفة وأخريات عوقبن بنقلهن إلى عنابر أخرى، حيث وُضِعت عرفة بجوار دورات المياه، وأُجبرت على النوم على الأرض، ولم يُسمح لها إلا بتناول طعام السجن لعدة أسابيع، ومُنعت من الاتصال بالسجينات الأخريات. 

وقالت والدتها إن التواصل الوحيد المسموح لعرفة خلال العام الماضي كان مع والدتها أثناء الزيارة التي تستغرق 20 دقيقة مرة واحدة في الشهر. ونتيجة لعزلتها، كرّست عرفة كل وقتها لدراسة الحقوق، وأنهت ثلاثة فصول دراسية في الجامعة المفتوحة. 

وقالت الشريف، إن قضية عرفة قد تكون تعقدت أيضًا بسبب نسب عائلتها باعتبارها حفيدة حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من عدم ارتباطها بـ«الجماعة المحظورة». «الدولة زنقاها في الحتة دي لأنها تهمة جاهزة، مش هيتعبوا فيها. حفيدة حسن البنا. بس الناس اللي يعرفوا مروة عارفين أنها مش مزنوقة في الحتة دي». وتضيف الشريف: «مروة متمردة، هي اختارت ماتبقاش زي أسرتها، وده احتاج منها شجاعة كبيرة، وخلاها في عزلة».

ويتفق زوجها مع هذا الرأي. «نشأتها في أسرة إخوانية خلاها تقرر ماتبقاش مسيسة، معندهاش انتماءات سياسية. مروة ما بتحبش الإخوان»، قال موافي، مضيفًا «طول عمرها كانت مهتمة بمساعدة الناس اللي في ظروف صعبة. هي كانت بتعمل ده لوحدها مش كجزء من أي مجموعة. عمل خيري. كانت بتساعد الناس بصرف النظر عن جايين منين أو خلفياتهم أو معتقداتهم السياسية؛ وكانت بتعمل كدة طوال حياتها، حتى قبل الثورة». 

ومن أصعب آثار حبس عرفة، هو ما أصاب ابنتها وفاء. قالت والدة عرفة إن لحظة الاعتقال الأولى تسببت في صدمة للطفلة، أدت إلى تأخرها في النطق وإصابتها بمشاكل في التواصل. كلما رأت الابنة وفاء شخصية بوليسية في رسم كارتون، فإنها تخاف. الطفلة البالغة من العمر ثلاث سنوات ونصف تعاني أيضًا من مشاكل سلوكية، وهي الآن تذهب إلى حضانة خاصة متخصصة في علاج التوحد.

«من ساعة ما وفاء اتولدت، مروة اديتها كل وقتها، ماغابتش عنها لحظة. مروة كانت رمانة الميزان بالنسبة لوفاء، وفجأة اتحرمت منها، تروما في السنين الأولى من عمرها»، قالت الشريف. 

تصطحب والدة عرفة حفيدتها وفاء لزيارة أمها في السجن مرة في الشهر. قالت الجدة إن وفاء كانت تبكي من الملل والإرهاق، إلا أنها اعتادت على التجربة في النهاية، وبدأت تبتكر ألعابًا أو تقطف الزهور أو تجلس على كرسيها المفضل، الأحمر القطيفة، في باحة السجن. ومع ذلك، لم تكن الزيارات خالية من الصعوبات. ذات يوم، عندما ركضت وفاء نحو والدتها في قاعة الزيارات، طاردها أحد الحراس وصرخ في وجهها لأنه لم يتم تفتيشها بعد، ما تسبب في إصابة عرفة بانهيار عصبي، بحسب المحامية ماهينور المصري التي كانت محبوسة في سجن القناطر لأكثر من 20 شهرًا، قبل الإفراج عنها في يونيو 2021. 

قدم منير، محامي عرفة، طلبات إلى نيابة أمن الدولة للسماح بقضاء طفلتها يوم الزيارة الكامل مع والدتها في حضانة السجن بدلاً من 20 دقيقة فقط، لكن السلطات سمحت فقط لوفاء بدخول الحضانة بشكل متقطع ولفترات قصيرة، بحسب منير.

في مرافعاته أمام القاضي في جلسات تجديد الحبس، يطالب منير بالإفراج عن عرفة، استنادًا إلى عدد من الأسس القانونية، من بينها عدم وجود دليل يدعم أي من التهم الموجهة إليها، وأن ابنتها بحاجة إلى رعاية خاصة منها.

«المفروض تاخد إخلاء سبيل، حتى لو بتدابير احترازية، لرعاية طفلتها. الحبس الاحتياطي هو إجراء احترازي يمكن استبداله بتدبير تاني للأمهات السجينات، يضمن رعاية الأطفال بشكل كافي»، يقول منير. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن