حسام مؤنس: سردية لسياسي.. من «هنعمل إيه؟» لسجن «الأمل»
فجر يوم 25 يونيو 2019، ألقت قوة من الشرطة القبض على حسام مؤنس، المدير السابق لحملة المرشح الرئاسي حمدين صباحي، من منزله في المنيل، حيث يعيش مع زوجته وطفليه فيروزة ومجد. بعد خمس دقائق، توجه الباحث أحمد كامل البحيري إلى بيت مؤنس فور تلقيه اتصالًا من زوجة الأخير لتخبره بالواقعة. كان مؤنس أعد مُسبقًا قائمة بأسماء من يجب على زوجته الاتصال بهم فور القبض عليه، في محاولة لترتيب مشهد، كان يعرف أنه سيغيب عنه لفترة.
في ساعة مبكرة من صباح اليوم نفسه، تلقى الناشط السياسي والعضو السابق بالتيار الشعبي فادي إسكندر اتصالًا هاتفيًا من زوجة مؤنس لتطلعه على خبر القبض على زوجها. كان ذلك قبل ساعات قليلة من إعلان وزارة الداخلية أنها نجحت في إحباط مخطط زعمت أنه جرى تنسيقه بين قيادات جماعة الإخوان المسلمين خارج مصر وممثلي القوى السياسية المدنية تحت مُسمى «خطة الأمل»، لتمنح تلك القضية اسمها الإعلامي ورمزيتها.
في تلك الليلة، ألقت الشرطة القبض على سبعة آخرين على الأقل من بينهم المحامي والبرلماني السابق زياد العليمي، والصحفي هشام فؤاد، وعمر الشنيطي، المدير التنفيذي لشركة «مالتيبلز للاستثمار»، قبل أن تستمر في إضافة المزيد من المتهمين لنفس القضية. قضى مؤنس وزملائه حتى الآن عام ونصف في سجن طرة قيد الحبس الاحتياطي.
يقف إسكندر أمام لحظة تلقيه خبر القبض على صديقه مؤنس. يتذكر عدم قدرته على التصديق في أول الأمر. قضى مؤنس قرابة عشرين عامًا فاعلًا سياسيًا دون القبض عليه لساعة واحدة، حتى تحول الأمر إلى مزحة بينه وبين أصدقائه.
في مساء نفس اليوم، التقى إسكندر بعدد من أصدقاء مؤنس المقربين ليكتشف أن صديقه حدد لكل منهم دوره بعد حبسه: أحدهم مسؤول عن توصيل والدته لزيارات السجن، آخر مسؤول عن متابعة المحامين، ثالث للاعتناء بأسرته وأطفاله.
أدار مؤنس تبعات حبسه بتركيز ودأب كما اعتاد أن يفعل طوال سنوات من العمل السياسي: عارفًا بقدرات كل شخص، وقادرًا على اختيار المهام لكل منهم بحساسية شديدة. تلك القيمة جعلته أكبر من مجرد ناشط سياسي، وأقرب إلى مُحرّك قوي لأي مجموعة يرتبط بها. تلك القيمة التي يعرف أصدقاؤه وزملاؤه في العمل السياسي أهميتها، وكذلك من قرروا القبض عليه هذه المرة.
في كل عمل سياسي منظم، يوجد خلف الهتاف والظهور الإعلامي والحديث في المؤتمرات أعمالًا أخرى، أكثر مللًا وإنهاكًا واستهلاكًا للوقت والطاقة، لكنها ضرورية لتدوير الماكينة التنظيمية للسياسة: إدارة اجتماعات بين أطراف يحتاج كل منهم إلى الحديث لساعات عرضًا ودفاعًا عن وجهة نظرهم، توليف قوائم لأشخاص فاعلين كل في مكانه وحسب خبرته وفائدته، تنظيم مؤتمرات وفعاليات بكل ما في ذلك من تفاصيل لوجستية وصياغة بيانات وبرامج للتعبير عن مواقف يجب أن تتوازن بين فرقاء سياسيين. في كل المراحل التي مر بها مؤنس، كان دائمًا الأكثر إخلاصًا ودأبًا في القيام بالأعمال الشاقة غير الملهمة، مشكلًا بذلك مصدر الإلهام للآخرين.
من حزب الكرامة الناصري، إلى ائتلاف شباب الثورة، إلى حملتي حمدين صباحي الرئاسيتين، ثم الحملة الشعبية للدفاع عن جزيرتي تيران وصنافير، وصولًا لتحالف الأمل الانتخابي، الذي قُبض عليه بسببه، امتدت سنوات مؤنس في العمل العام بهدوء حتى أصبح اسمه مرتبطًا بقضية «الأمل».
السنوات الأخيرة للعالم القديم
في نهاية عام 2003، بدأ إسكندر في رؤية مؤنس بشكل شبه يومي من شباك الميكروباص الذي يقل الأول إلى جامعة 6 أكتوبر حيث يدرس إدارة الأعمال. يقف مؤنس في نفس التوقيت الصباحي بالقرب من نهاية كوبري 15 مايو على أطراف جزيرة الزمالك، يُعدّل من وضع ربطة عنقه ويحمل حقيبة يده، ليمضي في طريقه إلى مكتب المحاسبة الذي عمل به متدربًا لمدة ستة أشهر. كان مؤنس تخرّج لتوه في كلية التجارة بجامعة الزقازيق، ولا يزال يعيش في بيت أسرته بميت غمر في محافظة الدقهلية، ويرتحل بشكل منتظم إلى القاهرة.
بداية الألفية كان زمنًا مختلفًا عما سبقه، انهار فيها جمود التسعينيات مدويًا. فشلت المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية لتندلع الانتفاضة الثانية في الأراضي المحتلة، وتنفجر معها المظاهرات بالآلاف في الجامعات المصرية وأمام نقابتي المحامين والصحفيين، وتتشكل اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة التي سيلتحق بها مؤنس ضمن كثيرين ممن سيصبحون لاحقًا قادة المشهد السياسي بعد الثورة.
استمر العالم القديم في التداعي بعد أحداث 11 سبتمبر وبدء الغزو الأمريكي للعراق، ليحتل المتظاهرون ميدان التحرير في 2003 للمرة الأولى منذ السبعينيات. وفي 2005، أُعيد انتخاب مبارك على صدى مظاهرات حركة «كفاية» الرافضة لتمديد بقائه في السلطة أو توريثها لنجله جمال. احترق قطار الصعيد بركّابه، واحترق قصر ثقافة بني سويف بمن فيه، وغرقت عبّارة السلام 98، وقفز سعر الدولار من ثلاثة جنيهات ونصف إلى ستة جنيهات، وسُجن مسؤولون في وزارة الزراعة لإدخال مبيدات مسرطنة إلى الأسواق المصرية، وانتحر الشاب عبدالحميد شتا بعد فشله في الالتحاق بوزارة الخارجية لأنه «غير لائق اجتماعيًا».

وسط كل هذا الصخب، التقى مؤنس بإسكندر في عام 2002، في معسكر بالإسكندرية لأعضاء أندية الفكر الناصري في الجامعات. وخلال الفترة نفسها تقريبًا، التقى مؤنس بالبحيري، الطالب وقتها في كلية التجارة بجامعة حلوان، ضمن اتحاد الأندية الناصرية.
كان الثلاثة أعضاءً في ذلك التنظيم الطلابي، الممتد منذ السبعينيات، والمرتبط بحزب الكرامة، الذي سينضمون إليه عقب تخرجهم في الجامعة. الحزب كان تحت التأسيس وقتها، ويُعد انشقاقًا عن الحزب العربي الناصري الذي سيطرت عليه مجموعة من سياسيي الستينيات، ضجّت بـ«طيش جيل الشباب» في التسعينيات، على حد وصف حمدين صباحي، المرشح الرئاسي السابق وأحد هؤلاء الشباب وقتها، فجمّدت عضويتهم في الحزب. فخرجت تلك المجموعة وحاولت تأسيس «الكرامة».
صحيح أن فتحي المغربي، جد حسام لأمه، كان أحد مؤسسي «الكرامة» بعد تاريخ طويل من عضويته في الاتحاد الاشتراكي ورئاسته له في محافظة الدقهلية. غير أن البحيري لا يرى أن انضمام مؤنس للحزب جاء من خلال جده أو على أرضية فكرية محضة، بل بسبب ارتباطه بالعمل العام المفتوح وقتها، وبكل ما طرحته السنوات الأولى للألفية من أسئلة على جيل جديد من المهتمين بالسياسة، وبالعالم الذي ينقلب فوق رؤوسهم.
ربما لم يكن المغربي، الذي كان مقربًا لحسام طوال السنوات التي تلت الوفاة المبكرة لوالده، هو السبب وراء انضمام مؤنس إلى «الكرامة». لكنه قد يكون من نبّهه إلى أن بعض التنظيمات قد تخنق السياسة وتُغلق الأبواب أمام الجديد. كان المغربي من نفس الجيل السياسي القديم الذي سيطر على الحزب العربي الناصري، غير أنه فضّل دعم جيل أصغر وأكثر حداثة لم يجد له مكانًا ضمن ذلك الإطار المُنغلق. فعندما غادر صباحي وجيل الشباب في التسعينيات الحزب العربي الناصري بعد تجميد عضويتهم، اختار المغربي منفردًا أن يفارق جيله وينضم لحزب الكرامة. ربما كان ذلك الانتباه المبكر الذي انتقل من المغربي إلى حفيده هو ما دفع مؤنس سنة 2006 إلى المشاركة مع آخرين، من بينهم البحيري وإسكندر، في طرح وثيقة للنقاش داخل حزب الكرامة لتجديد الحزب على مستوى المفاهيم والإطار التنظيمي.
كانت أسئلة العالم الجديد هي الأمر المُلح على مؤنس، وهي الأسئلة التي لم تكن بالضرورة مرتبطة بخبرة من سبقوه من السياسيين في نفس الحزب المنتمي إليه. فمع احتكاكه الدائم بمجموعات سياسية متنوعة ليبرالية ويسارية، أدرك أن تجديد ما تحتاجه الأفكار الناصرية. ومع رؤيته لآلاف المواطنين يشاركون في مظاهرات دعم الانتفاضة ورفض الحرب على العراق والاحتجاج على سلطة مبارك الأبدية، فهم أن هناك جمهورًا أكبر مما يمكن استيعابه في الأُطر الحزبية المطروحة وقتها. وحاول طرح كلتا الفكرتين في وثيقة تطوير حزب الكرامة.
يقول البحيري إن الوثيقة اعتمدت على سلسلة من النقاشات شملت كوادر الحزب في المحافظات المختلفة واستمرت لمدة سنة ونصف تقريبًا. وكانت تهدف إلى تجديد المفاهيم الناصرية لتصبح أكثر ارتباطًا بالأسئلة المطروحة في ذلك الوقت، مثل الديمقراطية والمواطنة والمجتمع المدني والحريات العامة والشخصية. تنظيميًا، تحاول الوثيقة بناء حزب أكثر ديمقراطية وانفتاحًا، بعيدًا عن الشكل النخبوي الذي اتخذته معظم الأحزاب السياسية المُعارضة وقتها.
يذكر البحيري أن الوثيقة لاقت انتقادًا عنيفًا من بعض الأشخاص داخل الحزب، وصل إلى اتهام المجموعة التي تبنتها بـ«الخروج عن المشروع الناصري»، أو وصف الوثيقة بـ«الشيء المائع والسطحي». لكن كل ذلك النقاش نجح في النهاية في خلق حالة من الفرز أو ما يصفه البحيري بالتمايز بين حسام ومن يمثلهم من جيل يوصف أحيانًا بالناصريين الجدد، وبين مجموعات أكثر تشبثًا بالأفكار والأشكال التقليدية.
أراد مؤنس، ومن شاركوه من شباب الكرامة، طرح بدائل، غير أن النتيجة التي وصلوا إليها لم تكن مرضية لهم وقتها، بحسب وصف إسكندر، الذي يقول إنه «في المؤتمر العام للحزب، جرى تبني بعض جوانب الوثيقة، لكن لم يتغير الهيكل التنظيمي كما أردنا، وهو ما جعل بعضنا محبطًا لفترة». وربما كانت تلك هي المرة الأولى التي بدأ فيها مؤنس مجموعة بريدية بعنوان «هنعمل إيه؟».
يقول إسكندر إنه في كل مرة كنا نتعرض فيها لخسارة ما، كان مؤنس يبدأ مجموعة بريدية بعنوان «هنعمل إيه؟»، ليتحول ذلك السؤال إلى بداية جديدة، يتبعها نقاشات واجتماعات تخرج بمبادرة ما تبدأ دائمًا من السؤال الذي ربما كان يطرحه مؤنس على نفسه قبل الآخرين.
البحث عن مخرج
لم ينتقل مؤنس للعيش في القاهرة إلا في عام 2010. في السنوات التي سبقت ذلك، كان يعيش في بيت أسرته بمدينة ميت غمر، ويعمل في أحد البنوك بمدينة طنطا، وينتقل يوميًا بين المدينتين، بينما يحضر إلى القاهرة بانتظام أيام الخميس والجمعة والسبت لمباشرة مهامه السياسية في العاصمة.
حتى عام 2008، كان مؤنس يرفض شراء سيارة خاصة لأنه يستغل الوقت الذي يقضيه محشورًا في ميكروباص السفر في الكتابة. وفي كل مرة كان إسكندر يسأله عن السبب وراء عدم شراء سيارة ليوفر على نفسه عناء المواصلات، يرد مؤنس «لو اشتريت عربية مش هكتب حاجة». يتخيل إسكندر أنه لو أتيح لصديقه في محبسه ما يكفي من أوراق لكتب كثيرًا طوال عام ونصف. يعرف أصدقاء مؤنس عنه عادته في الكتابة بشكل شبه يومي، حتى إن أغلبهم على ثقة أن مؤنس يحتفظ في مكان ما بمذكرات عن كل ما حدث وكل من شاركوه من أحداث واجتماعات ومواقف، ولم يتوقف عن تلك العادة إلا في السنوات الأخيرة، ربما خوفًا من أن تقع في اليد الخطأ.
خلال السنوات الأولى من ارتباط مؤنس بالعمل العام، نشط في اجتماعات اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة الفلسطينية، ثم حركة «شباب من أجل التغيير»، إحدى مكونات حركة كفاية. وبالتزامن كان يحضر اجتماعات لجنة الإنترنت التي شكّلتها مجموعة من شباب حزب الكرامة، الذي أصبح مؤنس عضوًا بمكتبه السياسي بعد تخرجه في الجامعة بسنوات قليلة.
وبحلول عام 2010، كان زخم «كفاية» قد تراجع، وتمكن النظام السياسي من كسر موجة الإضرابات العمالية مع القمع العنيف لانتفاضة مدينة المحلة في 6 أبريل 2008. وبقي سؤال «هنعمل إيه؟» مُعلقًا، دون إجابة.
وفي واحدة من زيارات مؤنس المنتظمة للقاهرة، طرح أحد أصدقائه المقربين من كوادر «الكرامة» فكرة تدشين حملة لجمع 100 ألف توكيل شعبي للمطالبة بتعديل مواد الدستور بما يسمح لحمدين صباحي بالترشح لانتخابات الرئاسة. لم يكن الغرض الفعلي من الحملة هو ترشيح صباحي، وإنما محاولة تقديم إجابة على السؤال الذي يُطرح في كل مرة تُناقش فيه سلطة مبارك الأبدية: «إيه البديل؟». لم تكن إجابات مثل إطلاق يد الديمقراطية وبناء دولة مؤسسات وخلافه كافية للرد على هذا السؤال، بحسب إسكندر، الذي يتابع أن مؤنس تحمس للفكرة وكان رأيه «إننا محتاجين نجاوب على السؤال بالدفع بشخص يمثل ويدافع عن كلامنا وأفكارنا. وهذا الشخص بالنسبة لنا هو حمدين». التقت تلك المجموعة بصباحي لاحقًا، الذي أعجبته الفكرة وقرر دعمها داخل حزب الكرامة، الذي يقول إسكندر إن أغلب قياداته وقتها لم يكن متحمسًا لخوض تلك التجربة.
كان صباحي وقتها اكتسب شهرة كنائب مُعارض في البرلمان لدورتي 2000 و2005، فضلًا عن مشاركته في مظاهرات رفض الحرب على العراق وكذلك فعاليات حركة «كفاية» الرافضة لسلطة مبارك ونجله. غير أن ترشح صباحي في الانتخابات الرئاسية لم يكن ممكنًا بسبب الشروط التعجيزية في الدستور وقتها. وكان أمام من يريد الترشح للانتخابات مسارين: إما أن يجمع 250 توقيعًا لأعضاء في مجالس الشعب والشورى والمحليات، أو أن يكون عضوًا في الهيئة العليا لأحد الأحزاب التي مضى على تأسيسها خمس سنوات قبل الانتخابات، وحصلت على 5% على الأقل من مقاعد مجلسي الشعب والشورى في آخر انتخابات نيابية.

الدعوة لجمع توقيعات بغرض تمكين صباحي من خوض الانتخابات الرئاسية لم تكن الوحيدة سنة 2010. كانت فكرة جمع التوقيعات عمومًا هي المخرج المطروح لوضع سياسي مُغلق، وهي نفسها الأداة التي اعتمدتها الجمعية الوطنية للتغيير، التي تأسست في فبراير من العام نفسه برئاسة المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي، لجمع توقيعات على بيان التغيير.
بحسب ما يتذكره أحد أصدقاء مؤنس، ناصر عبدالحميد، القيادي وقتها بحزب الجبهة الليبرالي ثم لاحقًا بحزب «الدستور»، كان الكل يحاول فتح ثغرة ما يصل بها للشارع، للحديث مع الناس وخلق صلات وعلاقات معهم. لم يكن غريبًا في ذلك الوضع أن تكون المجموعات المرتبطة بـ«الجبهة» الليبرالي في مدينتي نجع حمادي وقنا والتي جمعت توقيعات على بيان التغيير، هي نفسها التي جمعت توقيعات لدعم ترشح صباحي الناصري. وتكرر السيناريو نفسه في أكثر من محافظة، ليتحول الأمر إلى مزحة مشتركة بين عبدالحميد ومؤنس في ذلك الوقت.
يحكي إسكندر عن واقعة شبيهة، عندما ذهب إلى أسوان للاجتماع بمجموعة هناك للمساهمة في جمع توقيعات لترشح صباحي، وجد أن المقر الذي يجتمع به يحمل ثلاث لافتات واحدة لحزب الوفاق القومي، وأخرى للحزب العربي الناصري، وثالثة لحزب الكرامة، وأن المجموعة نفسها تنشط في جمع توقيعات على بيان التغيير، وبيان حملة ترشح صباحي.
يتذكر عبدالحميد أنه في تلك الفترة كان يتبادل مع مؤنس الخبرات العملية والمعلومات المختلفة عن كل محافظة ينشطان فيها: من يمكنه المساعدة في استضافة اجتماع أو فعالية، أي المناطق أكثر ترحيبًا بنشطاء الحملات السياسية المختلفة، وأي المناطق يجب تجنبها.
ففي المحافظات المختلفة خارج القاهرة والإسكندرية، لم تبدو الخلافات الفكرية أكثر أهمية من محاولة فتح ثغرة بأي طريقة في ذلك التوقيت. يرى عبدالحميد أن هذا ما جمعه مع مؤنس: محاولة البحث عن مخرج. لكن حتى مع اختلاف الظروف السياسية بعد الثورة، والانفتاح السياسي الذي دام لفترة قصيرة، ظل مؤنس أقرب لفكرة البحث عن مساحات مشتركة للتنسيق مع آخرين.
يقول الناشط اليساري خالد عبدالحميد إن «حسام شخص هادئ، قليل الكلام، يُفضّل أن يكون كلامه لدفع النقاش خطوة للأمام. سيعرض وجهة نظره بالتأكيد ويدافع عنها، لكنه سيفعل ذلك لمرة واحدة في أول جولة من النقاش، ثم يركّز في الجولة الثانية على اكتشاف المساحات المشتركة والوصول لاتفاقات عملية، طالما لا يوجد خلافات جذرية». يرى عبدالحميد أن ذلك ما جعل مؤنس «حد فارق في السياسة، لأنه من أشطر الناس اللي بتفكر في المساحات المشتركة».
كان مؤنس في تلك الفترة قريبًا من دوائر مختلفة داخل الطيف السياسي: من مجموعة شباب حزب الجبهة الليبرالي، إلى حركة العدالة والحرية اليسارية، بالإضافة إلى كوادر حزب الكرامة والدوائر القريبة منه. وكانت حملة جمع توكيلات لصباحي هي الإجابة التي توصل لها، مع المجموعة الأقرب إليه، على سؤال «هنعمل إيه؟»، وحاول توظيف كل طاقته وما يمتلكه من قدرات على التواصل وخلق صلات مع دوائر أوسع من حزب الكرامة لتفعيلها. لكن عام 2010 انتهى بما بدا وقتها انسداد تام في السياسة الرسمية.
جاءت انتخابات البرلمان في نهاية 2010 لتقول بشكل واضح إن النظام السياسي لن يسمح بأي شكل من أشكال المعارضة الرسمية. وشهدت الانتخابات سيطرة تامة للحزب الوطني على كل المقاعد وطرد لكل مرشحي المعارضة تقريبًا من مجلس الشعب. حضر مؤنس مشاهد من تلك الانتخابات، عندما ذهب إلى مدينة بلطيم، معقل صباحي الانتخابي، ليقيم هناك طوال ثلاثة أسابيع حتى إعلان النتيجة. أعلن صباحي وقتها انسحابه وسط الانتخابات احتجاجًا على التزوير واسع النطاق، والعنف الذي واجهه أنصاره أثناء محاولتهم الوصول لمراكز الاقتراع وحماية الانتخابات من التزوير.
يستبعد إسكندر أن يكون مؤنس لعب دورًا في هذه الانتخابات، فيقول «إحنا كنّا بنروح يوم دايمًا بمنطق المساندة، لأن طبيعة الانتخابات دي لم تكن تسمح لنا بالقيام بأي شيء». في النهاية كانت خبرة مؤنس وإسكندر والبحيري غير انتخابية، هي خبرة العمل الجماهيري في تنظيم المظاهرات والفعاليات والمؤتمرات السياسية. يرى إسكندر أن سبب بقاء مؤنس لثلاثة أسابيع أنه أراد مشاهدة الانتخابات كما تحدث على الأرض. وربما كان لتلك الأسابيع الثلاثة أثرًا على الدور الذي لعبه مؤنس لاحقًا.
«شكلها بتحصل»
يحكي البحيري أنه في السنوات الأخيرة قبل الثورة، جلس أكثر من مرة مع مؤنس إحداها على مقهى ستراند الشهير في باب اللوق، وقال ضاحكًا لمؤنس «إحنا مفيش حاجة بنحاول نعملها مع بعض إلا لما تفشل فإحنا آخرنا السنة دي وبعدها ملناش شغل سياسة مع بعض تاني، نبقى نتقابل على القهوة وبس». دار ذلك الحوار في عام 2008، ثم تكرر أكثر من مرة في السنتين التاليتين، وآخرها يوم 23 يناير 2011. بعد مغادرة الاثنين أحد الاجتماعات لترتيب مظاهرات يوم 25 يناير، قال البحيري لمؤنس «أنا معاك لغاية آخر الشهر بس، وآخرنا الترتيبات اللي بنعملها اليومين دول».
لم ينقطع العمل السياسي بين مؤنس والبحيري أبدًا، فما تصورا أنه سيكون مظاهرة 25 يناير تحول إلى الحدث الأضخم في حياة ذلك الجيل. كان مؤنس وإسكندر مسؤولين عن ترتيب مظاهرة في دوران شبرا، واتفقا وقتها على أن تبدأ المظاهرة من داخل سوق شعبي ثم تتحرك في الشوارع الجانبية حتى تكتسب أكبر زخم ممكن بعيدًا عن قوات الأمن. بينما كانت هناك مظاهرة مُعلن عنها بالفعل في تقاطع دوران شبرا نفسه، حاصرها الأمن واعتدى على المشاركين فيها دون السماح لهم بالمغادرة.
انطلقت المظاهرة، واكتسبت زخمًا كبيرًا بالفعل. وقضى مؤنس وإسكندر ساعات في كر وفر مع الأمن، حتى فُضّت المظاهرة في النهاية، وغادر كلاهما حي شبرا مستقلّين أتوبيس نقل عام متّجهًا إلى التحرير. طوال الطريق لم ينطق مؤنس بكلمة، حتى شاهدا مظاهرة ضخمة بالقرب من ميدان عبد المنعم رياض، فغادرا الأتوبيس وانضمّا لها، وقتها فقط نظر مؤنس إلى إسكندر وقال «شكلها بتحصل»، ليعود إلى صمته المصدوم لباقي اليوم.
بين حملتين
عقب تنحي مبارك مباشرة، انضم مؤنس إلى ائتلاف شباب الثورة الذي تشكل أثناء اعتصام ميدان التحرير، ضمن توسيع الائتلاف ليشمل مجموعات سياسية لم يكن يشملها في البداية. استمر الائتلاف فاعلًا حتى بداية عام 2012، عندما بدأ في التفرق تدريجيًا حتى أُعلن عن حلّه بعد انتخابات الرئاسة سنة 2012.
ظل مؤنس طوال تلك الفترة فاعلًا ضمن الائتلاف بفعالياته ومواقفه المختلفة، لكن كان اهتمامه الأساسي هو بناء حملة رئاسية مُحترفة لدعم صباحي في الانتخابات. وقتها، كانت علاقة صباحي بالجيل الشاب الذي يتزعّمه مؤنس قد توطدت بما فيه الكفاية ليصبح من بينهم مستشارين أساسيين له، على رأسهم مؤنس نفسه. كما يقول إسكندر، اختبر صباحي هذا الجيل بما فيه الكفاية في مواقف عديدة، في لجنة الإنترنت داخل حزب الكرامة، وفي فعاليات حركة كفاية وشباب من أجل التغيير، وفي حملة دعمه كمرشح شعبي، وبالتالي قرر أن يربط تحركاته بهذا الجيل. فما يقوله البحيري إن ثورة 25 يناير قفزت بتطور صباحي السياسي بشكل ملحوظ، وجزء من هذا التطور هو قربه من هذا الجيل ومما يطرحه من خطاب، بدأ على سبيل المثال في إعطاء الأولوية للحرية والديمقراطية بمفاهيمها الحديثة، مبتعدًا عن الميراث المرتبط بالسلطة الناصرية، ولكن دون أن يغفل قضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

بدون خبرة سابقة سواء لديه أو لدى أي شخص أو مجموعة سياسية آخرى، بدأ مؤنس في التحضير للحملة الرئاسية منذ 2011، وكان مشغولًا بكيفية توسيعها لتشمل أكبر تحالف سياسي ممكن يتجاوز عضوية حزب الكرامة. كان يرى أن طرح صباحي كبديل رئاسي يستلزم تجاوز الكرامة كتنظيم، والتعبير عن تحالف سياسي أكبر.
تحرك مؤنس لشهور بين محافظات الدلتا وشمال الصعيد، في سلسلة لقاءات لا تنتهي مع أفراد ومجموعات يمكنها الانضمام لحملته. استقال من عمله بأحد بنوك القاهرة في تلك الفترة ليتفرغ للحملة الرئاسية. استغل كل رصيده من العلاقات التي نسجها داخل حزب الكرامة خلال سنوات ما قبل الثورة، ومعرفته بالمجموعات السياسية المختلفة في كل محافظة، وخبرته كمحاسب يجيد تنظيم البيانات والمعلومات.
يقول إسكندر إن مؤنس كان على استعداد للسفر إلى محافظة أخرى فقط لمقابلة شخص واحد يعرف أنه قد يكون مفيدًا. في تلك الفترة، كان هناك قلب رئيسي للحملة، من بينه البحيري وإسكندر، الذي يذكر أنه قبل سفره لأسوان لمقابلة المجموعة التي ستُشكل نواة الحملة هناك أعطاه مؤنس ملفًا يضم ثلاثة قوائم: الأولى للأشخاص الرئيسيين المنضمين للحملة، والثانية لأشخاص محتمل انضمامهم ويحتاجون إلى نقاش، والثالثة تضم معلومات رئيسية عن الأشخاص الذين لا يجب التنازل عن كسبهم إلى صف الحملة، لما يمكن أن يلعبوه من دور بارز.
لم تكن محاولات مؤنس لتوسيع نطاق الحملة لتشمل آخرين من خارج الكرامة أمرًا سهلًا، بل كانت هناك معارضة له حتى من بعض أصدقائه المقربين. يقول إسكندر «كنا ننتقده أحيانًا بالإشارة إلى أن اختياراته للناس خطأ وأنه يثق في الناس بسهولة، بينما كان يرد بقوله خلينا نشوف الجانب الإيجابي فيهم ونشتبك معه، والتجربة هي المحك الرئيسي».
طوال كل تلك الشهور من العمل المستمر، يمكن تخيل مؤنس جالسًا في ركن بمقر الحملة في منطقة المهندسين بالجيزة، أمامه صف من أكواب الشاي وجهاز اللابتوب الخاص به، يرتب كل البيانات في قوائم وجداول ويجري اتصالاته الهاتفية لمتابعة ما يحدث في المحافظات المختلفة، بينما يزدحم المقر بالملصقات واللافتات وأعضاء الحملة الذين يتحركون جيئة وذهابًا.
حلّ صبّاحي في المركز الثالث بعد حصوله على 4.8 مليون صوت، بشكل مخالف لاستطلاعات الرأي التي وضعته في المركز الرابع بعد أحمد شفيق وعمرو موسى وعبدالمنعم أبوالفتوح. ورغم النتيجة الكبيرة غير المتوقعة، لم يكن مؤنس راضيًا. كان يرى أن النتيجة حققها صباحي بخطابه وأدائه السياسي، وليست الحملة، التي رأى أنها كانت تحتاج إلى المزيد من التنظيم والتنوع في عناصرها السياسية.
كانت نتيجة الحملة الرئاسية التي أدارها مؤنس مذهلة ودرامية إلى أبعد حدود. فبعد أن أوشك صباحي على دخول الإعادة، تراجع إلى المركز الثالث ليصل إلى الجولة الثانية كل من محمد مرسي وأحمد شفيق. وهي النتيجة التي جعلت تباين المشاعر هائلًا بين أعضاء الحملة، حيث فصلت ساعات قليلة بين ارتفاع أسهم صباحي وتراجعها. لكن ظل من الصعب التعرف على مشاعر مؤنس، الذي يُجمع أصدقاؤه على أنه لا يظهر الكثير منها علانية. ظل إسكندر لثلاثة أيام مُنغلقًا على نفسه لا يتحدث لأحد بعد إعلان النتيجة، في نفس الوقت الذي كان مؤنس يُعد مؤتمرًا أمام مقر الحملة بالتزامن مع الإعلان الرسمي عن نتيجة الانتخابات. بنهاية ذلك اليوم، بدأت الحالة التي خلقتها الحملة في التفكك، لينسحب كل فرد إلى جانب تحت وطأة خسارة الانتخابات وطبيعة الاختيارات الصعبة التي تطرحها الإعادة، ليبدأ مؤنس في اليوم التالي في تكوين مجموعة بريدية جديدة، مرة أخرى، بعنوان «هنعمل إيه؟».
دارت النقاشات مجددًا عبر الرسائل وخلال الاجتماعات لينتج عنها في النهاية «التيار الشعبي»، الجبهة الواسعة التي يقول البحيري إنها إلى حد كبير ابنة الرؤية التي طُرحت قبل الثورة لتطوير حزب الكرامة. لم يكن الهدف هو خلق حزب أيديولوجي جديد، كما يطرح البحيري الذي كان شريكًا في بناء التيار الشعبي، بل وضع برنامج سياسي يهدف إلى جمع أكبر قدر ممكن ممن دعموا صباحي في انتخابات 2012، داخل إطار جبهوي، شبكي أكثر منه هرمي.
بطبيعة الحال، كانت النواة الرئيسية للتيار من كوادر حزب الكرامة خاصة الشباب منهم، غير أن مؤنس ومن شاركوه بناء التيار الشعبي، حاولوا جعله متجاوزًا الكرامة كإطار تنظيمي وسياسي. انعكس ذلك على سبيل المثال في تكوين المكتب التنفيذي للتيار الذي ضم أفرادًا من خارج أوساط الناصريين بشكل كامل.
لم تكن فكرة بناء حزب «عابر للأيديولوجيات» قاصرة على التيار الشعبي فحسب. في نفس التوقيت تقريبًا، بدأ تشكيل حزب الدستور بقيادة محمد البرادعي، لكنه اتخذ شكلًا حزبيًا واضحًا منذ البداية. وإلى حد كبير، كانت الفكرة نفسها مطروحة في بداية تكوين حزب مصر القوية برئاسة المرشح الرئاسي السابق عبدالمنعم أبوالفتوح. وفي كل هذه التجارب، كان هناك صف ثاني من نفس جيل مؤنس، يحاولون تأسيس أحزاب جماهيرية ببرامج سياسية مختلطة بشكل أو بآخر، لتناسب قطاعات أكبر من الجمهور، في انعكاس لحالة السيولة السياسية التي أعقبت الثورة، وفي مجتمع مُفرّغ من أي تنظيمات سياسية جماهيرية باستثناء جماعة الإخوان المسلمين.
بدأت دورة أخرى من العمل لمحاولة تنظيم واستيعاب عشرات الآلاف ممن طلبوا الانخراط في أنشطة التيار الشعبي، مارس فيها مؤنس نفس الدور الذي لعبه خلال الانتخابات من تشكيل لجان ومتابعة أدائها وفعالياتها المختلفة والسفر إلى المحافظات، ومحاولة ضبط الأداء في المجمل. غير أن عامي 2012 و2013 لم يكونا الأسهل على الإطلاق لبناء حزب سياسي. فالصراع المتفجر بين الإخوان المسلمين في السلطة وكل من عارضهم، كان يزداد احتدامًا بشكل متسارع، مؤديًا إلى مظاهرات 30 يونيو الواسعة، التي أعقبها عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، وتعطيل العمل بالدستور، وسنوات من الانقسام السياسي الحاد والعنف الدموي.
لم يكن الانقسام من نصيب المجتمع فحسب، بل أدى عنف تلك الفترة إلى تفجير أغلب هذه التجارب الحزبية من الداخل. يقول البحيري إنه مع دعوة وزير الدفاع آنذاك عبدالفتاح السيسي إلى مظاهرات شعبية يوم 26 يوليو 2013 لتفويض القوات المسلحة للتعامل مع ما وصفه بـ«الإرهاب المحتمل»، بدأ الانقسام داخل التيار الشعبي. ففي أول اجتماع للمكتب التنفيذي للتيار الشعبي، عبّر تيار عن رؤيته بضرورة تأييد «مظاهرات التفويض»، بينما حاول مؤنس وآخرون من جيل الشباب الدفع في اتجاه عدم تأييدها لما يمكن أن تنتجه في المستقبل من أزمات. تدريجيًا، بدأ ذلك الشرخ يتسع، حيث بدأ بالفعل ما يُقدّره البحيري بـ80% من الشخصيات البارزة داخل التيار الشعبي في إعلان تأييدهم للسيسي مرشحًا للرئاسة، مبتعدين عن صباحي المرشح الطبيعي للتيار الشعبي. وبدا واضحًا أن الاستقطاب الحاد يضرب الجميع.
يرى ناصر عبدالحميد أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه مؤنس والمجموعة المؤسسة للتيار الشعبي أنها سمحت لوجوه كثيرة أن تكون جزءًا من مشروعهم لمجرد أنهم ناصريين وداعمين لصباحي، وهي الوجوه التي تسببت في خلق ذلك الانقسام داخل التيار، على حد قوله. ومنذ اللحظات الأولى لطرح فكرة تشكيل التيار الشعبي في 2012، كان عبدالحميد ينتقد الفكرة، ويرى أن ذلك الوقت هو لبناء أحزاب تنافس على السلطة وتبني قواعد جماهيرية لها، وليس تيار مرن أو جبهوي واسع، معبرًا عن هذه الفكرة بقوله «يجب ألا تشكل الجمعية الوطنية من أجل التغيير مجددًا». بحسب رأيه، فإن طبيعة «التيار الشعبي» كما تبنتها المجموعة التي أسسته هي ما أدى في النهاية للموقف العصيب في النصف الثاني من سنة 2013.
طوال سنوات، كان مؤنس والبحيري وآخرون ضمن ما يمكن وصفه بالناصريين الجدد يحاولون دفع «الناصرية» بعيدًا عن الميراث السلطوي المرتبط بسنوات تكونها كأيديولوجية، ونجح الخطاب الأكثر ديمقراطية وانفتاحًا الذي قدمه صباحي والوجوه الجديدة في تلك المهمة إلى حد كبير. غير أن النصف الثاني من عام 2013 كان يسير بهم في عكس ذلك الاتجاه. من هنا جاء الطرح الذي دافع عنه مؤنس بضرورة خوض صباحي انتخابات 2014، يدعمه في ذلك جيل الشباب من الناصريين الجدد. كما قال البحيري، كان طرح صباحي بديلًا يُعبّر عن التمايز عن هذه السلطة وعن من يدعمونها، حتى من داخل التيار الشعبي، من اللحظة الأولى.
يعود إسكندر إلى تلك اللحظة ليقول إن مؤنس حاول تجنب عيوب الحملة السابقة في انتخابات كان يعلم الجميع أنها الأصعب. لم تكن حملة صباحي تتخيل أن الفوز ممكنًا، إلا أن أفرادها أملوا في الخروج من الانتخابات بتيار معارض قوي ومنظم يمكنه تمثيل المتبقى من قوى 25 يناير، والتفاوض على مساحة تواجد معقولة.
بحسم، طرح مؤنس تشكيلًا للمكتب السياسي للحملة يجعل من المجموعة القديمة التي أدارت الحملة السابقة أقلية، على حد قول إسكندر، ويوسّع المكتب السياسي ليشمل آخرين من خارج أوساط الناصريين والكرامة. وعندما انعقد اجتماع في اليوم الثاني للتصويت لمناقشة قرار انسحاب صباحي، اعتراضًا على القبض على مندوبي حملته وكذلك مد مهلة التصويت ليوم ثالث، حضره مؤنس وإسكندر والبحيري فقط من المجموعة القديمة التي أدارت حملة 2012، أما باقي الحضور فكانوا من خارج هذه المجموعة.
سياسيًا، كانت المهمة التي يضطلع بها مؤنس، كمدير ومتحدث باسم الحملة أيضًا، غاية في الصعوبة. اتهم الكثير من التيارات السياسية المنتمية إلى ميراث 25 يناير صباحي وحملته بأنهم ارتضوا لعب دور الديكور السياسي لانتخابات محسومة مُسبقًا، وهي الاتهامات التي ستلقي بظلالها على علاقة داعمي صباحي بالتيار اليساري تحديدًا، وخاصة من دعموا موقف المرشح السابق خالد علي بالانسحاب من الانتخابات مبكرًا احتجاجًا على الأجواء السياسية التي لا تسمح بمنافسة حقيقية. كما أن انتقاد السيسي دون انتقاد حراك 30 يونيو كان صعبًا على تيار سياسي كان أحد صُناع 30 يونيو نفسها. فضلًا عن أن وجود أعضاء من «التيار الشعبي» ضمن حكومة حازم الببلاوي الانتقالية، التي تشكّلت بعد الإطاحة بالإخوان المسلمين، كان يجعل من انتقاد طريقة إدارة المرحلة الانتقالية غير مقنعًا.

انتهت الانتخابات بهزيمة عنيفة، حيث حصل صباحي على نحو 750 ألف صوت فقط. تبعات الهزيمة الفادحة والموت الطويل للسياسة والقبضة الأمنية في السنوات التي تلت الانتخابات ألقت بظلالها على التيار الشعبي، مثلما فعلت مع كل الأحزاب التي تشكلت بعد الثورة. بدأ التيار الشعبي تراجعه حتى أصبح يضم فقط مجموعات الناصريين، ليبدأ مؤنس نقاشًا حاول خلاله الدفع بفكرة اندماج عدد من أحزاب المعارضة في كيان تنظيمي واحد، وهي الفكرة التي لم تتحقق. وبدلًا منها، تشكلت الحركة المدنية الديمقراطية كإطار تنسيقي فقط. وارتفعت تدريجيًا الأصوات التي ترى ضرورة دمج التيار الشعبي والكرامة، وهو القرار الذي عارضه مؤنس حتى لا يعود لنفس الإطار التي انتقده قبل الثورة في وثيقة تطوير «الكرامة». غير أن الدمج حدث في نهاية الأمر ليتشكل حزب «تيار الكرامة» في 2017.
يرى أكرم إسماعيل، القيادي بحزب العيش والحرية، أن «مشروع حسام تعرض لضربة قوية مع وصول السيسي للسلطة»، ليس فقط بسبب الهزيمة الفادحة في انتخابات 2014، لكن كذلك بسبب هزيمة مشروع تأسيس تيار ناصري ديمقراطي جماهيري. يمكن العودة إلى مايو 2017، عندما احتاج مؤنس إلى الدفاع عن سمعة ذلك المشروع أمام أحد قيادات حزب الكرامة. ففي تصريح منسوب لمحمد سامي، القيادي بحزب تيار الكرامة، أشار إلى أن مشاركة صباحي في الانتخابات سنة 2014 جاء لضمان شرعيتها وتحسين صورتها. وهو ما اضطر مؤنس إلى القيام بمداخلة تلفزيونية قال فيها إنه يحترم تاريخ سامي لكنه يظن أن تصريحه بخصوص صباحي لم يكن موفقًا. وأضاف «صباحي لم يكن كومبارس حتى يترشح في انتخابات يعلم أنه سيخسرها»، متابعًا أن «رهان صباحي كان على أجيال جديدة من حقها التعبير عن نفسها [...] وأن لا أحد يستطيع أن يحكم أو يدعي أن صباحي خاض الانتخابات لإكمال الصورة»، مشيرًا بشكل سريع في مداخلته إلى أنه ليس متحدثًا باسم حزب تيار الكرامة أو يحتل موقعًا قياديًا فيه يخوله الحديث باسمه، ليبدو ذلك إعلانًا عن مرحلة جديدة في حياة مؤنس السياسية.
سنوات الشتاء الطويل
في السنوات التي أعقبت انتخابات 2014 وتراجع التيار الشعبي، بدأ مؤنس في وضع كل طاقته في العمل الجبهوي والتنسيقي مع باقي الأحزاب السياسية المُعارضة. وشكّل التوقيع على اتفاقية نقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية في إبريل 2016 مشهد العودة لتلك الأحزاب.
يقول إسماعيل إن مؤنس لعب دورًا «مهم جدًا في تأسيس حملة مصر مش للبيع لرفض الاتفاقية، كشخص كان عنده شبكات اتصالات وعلاقات وقادر على إيقاظ الناس اللي ابتعدت عن العمل السياسي. في النهاية، ورغم تراجع التيار الشعبي، ظل مؤنس قلب شبكة علاقات حملة صباحي في انتخابات 2012 و2014».
الحملة التي يشير إليها إسماعيل هي الجبهة التي تشكلت لرفض الاتفاقية من عدة أحزاب، منها الدستور، والمصري الديمقراطي الاجتماعي، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والعيش والحرية، والتيار الشعبي، والكرامة، وحركات سياسية مثل الاشتراكيين الثوريين و6 إبريل. بالإضافة إلى طيف واسع من الشخصيات العامة.
من ناحية، دخلت الحملة في مواجهة قانونية ضد الاتفاقية في مجلس الدولة، وتحولت قاعة المحكمة إلى ساحة لعرض الحجج والوثائق والدفوع، وحظيت بتغطية إعلامية كبيرة وقتها. ومن ناحية أخرى، بدأت الحملة في النزول للشارع بمظاهرتين على الأقل، والثالثة مُنعت بقوة الأمن، غير أنها استمرت في إصدار بياناتها، وطرح خطاب مُعارض للاتفاقية.
يذكر إسماعيل أن مؤنس خاض هذه المعركة بتركيز أساسي على «الجانب الديمقراطي فيها، ممثلًا في عودة السياسية، واستدعاء النشطاء، وعودة الناس طرفًا في الموضوع، وتراجع السطوة الحاسمة للسلطة، ورفض تمرير الاتفاقية دون رقابة شعبية»، بحسب تعبيره.
انتهت معركة تيران وصنافير، بفوز قانوني في مجلس الدولة للفريق الرافض للاتفاقية، غير أنه لم يُترجم على الأرض بعدما ألغت المحكمة الدستورية العليا في مارس 2018 كل الأحكام الصادرة بخصوص الاتفاقية، كما أن البرلمان أقرها في يونيو 2017 قبل حتى صدور حكم الدستورية العليا. وبين عامي 2016-2017، توسعّت الشرطة في القبض على عدد ضخم من النشطاء السياسيين والمواطنين الرافضين للاتفاقية.
يذكر إسماعيل وجه مؤنس في تلك الفترة متألمًا وواجمًا، غير أنه حاول مرة أخرى، في نهاية 2017، البناء على ما حققته المعركة السياسية حول الاتفاقية من عودة للسياسة عندما دافع عن دعم خالد علي مرشحًا في الانتخابات الرئاسية لسنة 2018.
كان علي هو المحامي الرئيسي في قضية تيران وصنافير ووجهها الإعلامي، فضلًا عن كونه وكيل مؤسسي حزب العيش والحرية في ذلك الوقت. وقبل نهاية 2017، كانت حملته الرئاسية قيد التشكّل. وحاول إسماعيل الذي كان ضمن نواة الحملة التوجه لحزب تيار الكرامة، ضمن أحزاب أخرى، للحصول على دعمهم لعلي. لكن آثار الهجوم الذي تعرضت له حملة صباحي في انتخابات 2014 من قِبل بعض المؤيدين لموقف علي بالانسحاب، كانت باقية.
يذكر إسماعيل وخالد عبدالحميد، وكلاهما كانا ضمن حملة علي، إن مؤنس رتب لقاء لهما مع مجموعة من شباب «الكرامة»، وطلب منهما أن يكونا اعتذاريين في مواجهة الانتقادات التي ستوجه لهما. يقول إسكندر إن مؤنس كان من أكثر المدافعين داخل أوساط «الكرامة» عن ضرورة دعم علي في انتخابات الرئاسة، وكما فعل الكثيرون، نشر صورته وأسرته على صفحته بموقع فيسبوك بعد تحريرهم توكيلًا لعلي لخوض الانتخابات، وكذلك فعل صباحي. غير أن مؤنس لم يكن لديه الكثير ليقدمه تنظيميًا هذه المرة بعد تفكك التيار الشعبي.
يقول إسماعيل «فيه حاجة مؤلمة في قصة الجيل ده. حزب مصر القوية اتصفى، وحسام مقدرش يعمل «التيار الشعبي»، وحزب العيش والحرية على الحافة». تمثل الأحزاب التي طرحها إسماعيل مشاريع لثلاثة تيارات رئيسية في السياسة المصرية، ويمكن إضافة «الدستور» و«المصري الديمقراطي الاجتماعي» لها، وجميعها اعتمدت إلى حد كبير على سياسيين بدأوا حياتهم مثل مؤنس في العقد الأول من الألفية. وفي تجربة التيار الشعبي ومصر القوية، نسج هذا الجيل علاقة قوية مع فاعلين رئيسيين من جيل معارضي السبعينيات: حمدين صباحي وعبدالمنعم أبوالفتوح. وكلاهما، على اختلاف موقعهما في طيف السياسية المصرية، كانا من أبناء الحركة الطلابية والجماهيرية في عصر السادات.

يتخيل البحيري مسارًا مختلفًا لحياة صديقه، لو كان السياق السياسي مختلفًا في مصر. يرى أن مؤنس كان سيصبح عضوًا في البرلمان خلال السنوات الحالية، قبل أن يصبح مرشحًا رئاسيًا وهو في الأربعين من عمره، ليتحرك سياسي الصف الثاني إلى الصف الأول هذه المرة.
غير أن السياق السياسي الحاكم في مصر كان له ترتيبًا مختلفًا، حيث أُلقي القبض على مؤنس بعد مشاركته في عدد من اللقاءات التي حدثت في النصف الأول من عام 2019، لتنسيق تحالف سياسي يخوض الانتخابات البرلمانية في 2020. كما يقول ناصر عبدالحميد، ظل مؤنس يرى فرصة وإمكانية لخوض معركة سياسية من خلال انتخابات برلمان 2020، رغم التضييق السياسي.
حذّر عبدالحميد صديقه، في نقاشاتهما التي سبقت القبض عليه، من خطورة البدء في تشكيل هذا التحالف قبل أكثر من عام على الانتخابات، وأن رد الفعل سيكون عنيفًا، لأن البعض سيراه يشكل أكبر من مجرد تحالف انتخابي. غير أن مؤنس ظل مُصرًا على أن هناك فرصة ينبغي محاولة دفعها للأمام. وشارك في النقاشات التي كانت في بدايتها، وشملت أطرافًا من الحركة المدنية الديمقراطية وأعضاء بالتكتل البرلماني «25-30».
يقول أحد المشاركين في اجتماعات هذا التحالف لـ«مدى مصر» إنه «لم يكن هناك شيء غير عادي في هذه الاجتماعات، أو ما يدعو للاستنفار الأمني والقبض على عدد كبير من الفاعلين في هذا التحالف، غير فقط إرسال إنذار إلى جيل السياسيين الذين بدأوا حياتهم في العقد الأول من الألفية. إنذار فحواه أنه ليس مسموحًا لكم بالعمل العام مرة أخرى». يقول المصدر: «في النهاية، أشخاص زي حسام مؤنس وزياد العليمي [وكلاهما ضمن المقبوض عليهم في قضية الأمل] وآخرين من هذا الجيل أصبحوا رموزًا لشيء أكبر منهم.. شيء لم يعد مسموحًا له بالتواجد».
تقارير ذات صلة
القبض على 4 من «شباب الوفد».. ومصادر: «الاستقالة مقابل الإفراج» | القبض على موظفين اعترضوا على «لائحة الموارد البشرية» | برلمانيون أوروبيون يطالبون السيسي بالإفراج عن السجناء السياسيين
صندوق استثمار اقتصادي «إسرائيلي-إماراتي-أمريكي» قد يهدد قناة السويس
حبس الصحفية بسمة مصطفى 15 يومًا.. ومحاميها: «أمن الدولة» منعتنا من حضور التحقيق
نفذت مصلحة السجون، أمس، أحكام إعدام أربعة مسجونين على اﻷقل.
«نزع الملكية» وليس «المقاول».. لماذا تظاهر أهالي غرب سهيل
ألقت الشرطة القبض على أربعة، على الأقل، من أبناء القرية الأحد 20 سبتمبر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن