قرار مفاجئ بزيادة أسعار الوقود لمواجهة تداعيات الحرب
قررت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، فجر اليوم، رفع أسعار جميع أنواع الوقود بنسبة تتراوح بين 15-22% تقريبًا بدءًا من الساعة الثالثة من صباح اليوم، في خطوة مفاجئة وسط الأسبوع، على عكس ما اعتادته الحكومة خلال السنوات الماضية من تطبيق الزيادة في نهاية الأسبوع.
وتأتي الزيادة الجديدة بعد خمسة أشهر من آخر زيادة شهدتها أسعار الوقود في أكتوبر الماضي، حين أعلنت الحكومة وقتها أنها تنوي تثبيت الأسعار بعدها لمدة عام.
بيان وزارة البترول الذي نشرته على صفحتها على «فيسبوك»، قبل موعد بدء تنفيذ القرار بدقيقة واحدة، أشار إلى أن القرار يأتي «في ظل الظروف الاستثنائية» التي تمر بها أسواق الطاقة عالميًا. وعلى الرغم من أن مصر وقعت عقود تحوط لتأمين موقفها ضد مخاطر تقلبات أسواق النفط العالمية، إلا أن هذه العقود لا تغطي سوى 60% من إجمالي الواردات.
وبموجب القرار، ارتفعت الأسعار بقيمة:
- ثلاثة جنيهات لكل لتر سولار أو بنزين بجميع أنواعه.
- 50 جنيهًا لأسطوانات البوتاجاز زنة 12.5 كجم، و100 جنيه للأسطوانات زنة 25 كجم.
- ثلاثة جنيهات لكل متر مكعب من غاز تموين السيارات.
القرار جاء بعد اجتماع حكومي الخميس الماضي لبحث خيارات مواجهة أزمة طاقة محلية تلوح في الأفق مع استمرار الحرب على إيران، عُرض فيه خيار رفع أسعار الكهرباء والبنزين وزيادة الاعتماد على المازوت في إنتاج الكهرباء، بحسب مصدرين مطلعين آخرين تحدثا لـ«مدى مصر».
بحث رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، هذه الخيارات في الاجتماع مع مجموعة من الوزراء من بينهم؛ وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، فيما قال المصدران إن الحكومة لم تتخذ خلال هذا الاجتماع قرارًا نهائيًا بزيادات الأسعار.
وجرى الاجتماع بعد أيام من اندلاع الحرب التي دفعت أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود. خلال الساعات القليلة الأولى من فتح أسواق التداول العالمية، صباح اليوم، قفزت أسعار النفط عالميًا بنحو 20%، ليُسجل سعر خام برنت 110 دولارات للبرميل، فيما بلغت نسبة الزيادة خلال عشرة أيام من الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران نحو 64%.
تأتي تلك القفزة، الأعلى خلال أسبوع، منذ صدمة أسعار النفط في السبعينيات، نتيجة مباشرة للحرب، التي سرعان ما تبنت فيها إيران استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج المستضيفة لقواعد عسكرية أمريكية، ونظيرتها في إسرائيل مثل مصفاة تكرير النفط في حيفا، ردًا على الهجمات الإسرائيلية-الأمريكية، ما أدى إلى غلق جزئي أو كلي في بعض منشآت إنتاج النفط والغاز الطبيعي في المنطقة. كما استهدفت إيران ناقلات النفط والغاز في مضيق هرمز في الخليج العربي، ما ضاعف الضغوط على منتجي النفط والغاز في الخليج، الذين يعتمدون على المضيق لنقل صادراتهم، في ظل محدودية قدراتهم التخزينية.
أجبر هذا الوضع بالفعل عددًا من المنتجين، من بينهم «قطر للطاقة» وشركة نفط الكويت، على إعلان «القوة القاهرة»، وهو الإجراء القانوني الذي يسمح للشركات بالاحتجاج بظروف خارجة عن إرادتها تحول دون الوفاء بالتزاماتها التصديرية. كما خفضت العراق إنتاجها بنحو 1.5 مليون برميل يوميًا، في حين أفادت منصات إعلامية، اليوم، بأن عملاق الطاقة الإقليمي، «أرامكو» السعودية، ستقلص بدورها من الإنتاج في حقلين نفطيين.
ومع استمرار الضربات، توقع وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي، أن تتفاقم الأزمة وتستمر الإغلاقات، لتتوقف دول الخليج عن الإنتاج «في غضون أيام»، مضيفًا في حديثه لصحيفة «فايننشال تايمز»، أمس: «سيتعين على جميع مصدري الخليج إعلان القوة القاهرة»، ما رجّح أنه سيدفع الأسعار إلى 150 دولارًا للبرميل، و40 دولارًا للمليون وحدة حرارية من الغاز الطبيعي، خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.
وعلى الرغم من التحذيرات الصادرة من مختلف الأطراف، إلا أن رد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حتى الآن اقتصر -إلى جانب وعد أطلقه الأسبوع الماضي بضمان جزء محدود من أقساط التأمين المتعاظمة على السفن العابرة لـ«هرمز»- على التقليل من شأن الأزمة، واصفًا إياها بقفزة «قصيرة الأجل سرعان ما ستنهار بمجرد الانتهاء من تدمير التهديد النووي الإيراني»، مُعتبرًا الارتفاعات الجنونية في أسعار الطاقة مجرد «ثمن بسيط جدًا مقابل أمن وسلامة الولايات المُتحدة والعالم»، فيما وصف من يخالفونه الرأي بـ«الحمقى».
غير أن الأزمة ستظل قائمة ما دامت الحرب مستمرة، وبحسب الكعبي، الذي يتولى أيضًا رئاسة «قطر للطاقة»، فإن «استمرار الحرب لبضعة أسابيع سيؤثر على الناتج المحلي الإجمالي حول العالم. أسعار الطاقة سترتفع للجميع» ما سيُلقي بظلاله في نهاية المطاف على سلاسل الإمداد، مختتمًا حديثه: «سيؤدي هذا إلى انهيار اقتصادات العالم».
بدأت حكومات الدول عقد اجتماعات لبحث إجراءات التعامل مع أسوأ السيناريوهات المحتملة، بما في ذلك مجموعة الدول السبع، التي اجتمعت اليوم لدراسة إطلاق إمدادات من احتياطات النفط العالمية لتحجيم الأزمة المتفاقمة، دون التوصل إلى اتفاق نهائي، إلا أن هذه المناقشات ساهمت في تهدئة موجة الارتفاع في الأسعار في أسواق الطاقة.
في المقابل، حذرت أطراف أخرى، من بينها الاتحاد الأوروبي، من أن الأثر الثانوي لتراجع إمدادات الطاقة قد يكون التحدي الأكثر إلحاحًا، مع اضطرار الحكومات إلى إعادة توجيه موازناتها لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة وتداعياته عبر سلاسل الإمداد العالمية.
بحسب مصدرين مطلعين تحدثا لـ«مدى مصر»، فإن هذه السيناريوهات نفسها كانت محور اجتماعات عقدتها الحكومة المصرية خلال الأيام الماضية.
كونها مستوردًا صافيًا للطاقة، تجد القاهرة نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب خططها لتأمين احتياجاتها من الطاقة خلال الأسابيع المقبلة، وما يترتب عليه من تكلفة ضخمة، في وقت تجد فيه دول الخليج -التي اعتمدت عليها مصر في أزمات سابقة للحصول على إمدادات طاقة منخفضة الكلفة أو بشروط ميسرة- نفسها في قلب الأزمة الحالية.
لا يوجد حتى الآن نقص فوري في إمدادات الغاز في مصر، بحسب المصدرين المطلعين، اللذين أكدا، كل على حدة، أن الحكومة ما زالت قادرة على تزويد القطاع الصناعي كثيف الاستهلاك بالغاز الطبيعي.
إلا أن أحدهما، وهو مصدر مقرب من مجلس الوزراء، قال إن مصر اضطرت بالفعل إلى اللجوء إلى السوق الفورية لتأمين كميات إضافية من الغاز.
بالنسبة لمصر، الأثر الفوري للحرب يقع على إمدادات الغاز الطبيعي، الذي يمثل نحو 49% من إجمالي مزيج الطاقة في البلاد، ويشكل قرابة 70% من الطاقة المستخدمة في توليد الكهرباء.
ومع تراجع إنتاج الغاز الطبيعي محليًا خلال السنوات الأخيرة، أصبحت مصر تعتمد بشكل متزايد على واردات الغاز لتلبية الطلب المحلي.
تلقت هذه الواردات ضربة مباشرة منذ اليوم الأول للحرب عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما وسارعت الأخيرة إلى إغلاق الإنتاج في حقل «ليفياثان»، أكبر حقولها والمورد الرئيسي لمصر. اعترفت الحكومة المصرية بهذا التطور باقتضاب في بيان صدر في 28 فبراير، وصفت فيه ما حدث بـ«توقف إمدادات الغاز من شرق المتوسط عبر الخطوط» بسبب «المستجدات الحالية نتيجة الضربات العسكرية الأخيرة وما نتج عنها من تداعيات». وتمثل الإمدادات الإسرائيلية 15ـ 20% من استهلاك مصر السنوي للغاز.
تفاقم تأثير الحرب في الأيام التالية، إذ كانت مرافق تشغيلية تابعة لـ«قطر للطاقة» في مدينة «رأس لفان» من أولى المنشآت التي وصلت إليها الضربات الإيرانية، وبعد إغلاق أولي لتفقد الأضرار، أعلنت الشركة بعد يومين فقط «القوة القاهرة»، ووقف الإنتاج بالكامل.
بالإضافة إلى إنتاجها نحو 20% من الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي -في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة- تُعد قطر أحد الموردين الرئيسيين للغاز الطبيعي المسال الذي تعتمد عليه مصر لتخفيف عجز الطاقة.
كانت الحكومة وقعت اتفاقيتين لضمان إمدادات منخفضة التكلفة من الغاز الطبيعي المسال خلال العام الجاري، الأولى لتوريد 80 شحنة من الولايات المتحدة، في اتفاق قيمته أربعة مليارات دولار، وُقع شهر نوفمبر الماضي، تلتها صفقة مع قطر مطلع العام لتوريد 24 شحنة. وخططت لطرح مناقصة لتوفير 75 شحنة إضافية خلال العام.
بحسب المصدر المقرب من مجلس الوزراء، فإن قرار إغلاق «قطر للطاقة» له تأثير كبير على مصر.
يتمثل البديل الوحيد في اللجوء إلى السوق الفورية، مرتفعة التكلفة وقصيرة الأجل، وهي خطوة اضطرت الحكومة بالفعل إلى اتخاذها في الأيام التي تلت اندلاع الحرب، لتأمين شحنة واحدة على الأقل توردها شركة «tender»، من المُفترض أن تصل اليوم إلى ميناء دمياط، بحسب جدول الشحنات الذي اطلع «مدى مصر» عليه. وبحسب المصدر الثاني، وهو مسؤول سابق بوزارة البترول، فإن العجز في الإمدادات سيدفع الحكومة على الأرجح لزيادة الاعتماد على السوق الفورية، خاصة إذا طال أمد الحرب.
كما طلبت الحكومة أيضًا تسريع تسليم كميات أخرى سبق التعاقد عليها، بحسب المصدر الأول.
ورغم أن الحكومة تبنت خطابًا مطمئنًا أكدت فيه للمصريين أن «الخطوات الاستباقية» التي اتخذتها ستضمن عدم نفاد إمدادات الطاقة في البلاد، فإن المصدرين أشارا إلى أن الحكومة تنظر بقلق إلى الكلفة غير المخطط لها لتوفير إمدادات الغاز الطبيعي من السوق الفورية.
ما يزيد الوضع تعقيدًا هذه المرة، بحسب المصدر الحكومي السابق، هو وجود دول الخليج -التي اعتمدت عليها مصر في أزمات متعاقبة خلال السنوات الأخيرة لتلبية احتياجاتها من الطاقة والتمويل- في قلب الأزمة الحالية. فقد زودت دول الخليج، ولا سيما السعودية، مصر خلال السنوات الماضية بشحنات طارئة من الغاز الطبيعي ومشتقات البترول، بما في ذلك خلال ذروة الأزمة الاقتصادية في السنوات الأولى من حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، كما تحملت جزءًا من كلفة الواردات خلال أزمة الطاقة في 2024، أو قدمت ترتيبات دفع ميسرة، من بينها الاتفاق الأخير مع قطر.
مع تنامي فاتورة الاستيراد، كانت مصر تخطط لزيادة في أسعار الكهرباء في شهر يوليو المقبل، مع بداية السنة المالية الجديدة، وهو القرار الذي أرجأته الحكومة عدة مرات على مدار العامين السابقين وذلك رغم وجود توصيات بالزيادة ضمن برنامج الإصلاح الهيكلي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي لعدة سنوات.
ورجح المسؤول السابق أن تلجأ الحكومة إلى زيادة الأسعار للقطاع الصناعي، متوقعًا ارتفاعًا يصل إلى أربعة دولارات للمليون وحدة حرارية، لا سيما أن بعض المنتجين في القطاع الصناعي قد يكونون أكثر قدرة على استيعاب التكاليف عبر تصدير جزء من إنتاجهم، بحسب المصدر، الذي أشار إلى أسعار تصدير الأسمدة -وهي من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة- التي تشهد بدورها ارتفاعًا بفعل الحرب.
كانت «البترول» قدمت بالفعل مُقترحًا لمجلس الوزراء بضرورة زيادة أسعار الغاز للصناعة، شهر ديسمبر الماضي.
سيكون من الضروري أيضًا ضمان إمدادات النفط ومشتقاته، إذ تعتمد مصر فيه كذلك على الاستيراد مع تراجع إنتاجها النفطي إلى أدنى مستوياته منذ عقود.
قال المسؤول السابق إن الحكومة ستواصل اعتمادها على المازوت، وهو من مشتقات النفط الخام، لاستبدال أكبر قدر ممكن من الغاز الطبيعي المستخدم بتوليد الكهرباء، ومن المقرر رفع استهلاك المازوت إلى المستويات القُصوى المُمكنة في محطات إنتاج الكهرباء.
في حديث سابق لـ«مدى مصر»، قال الرئيس السابق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، حافظ السلماوي، إن محطات الكهرباء في مصر قادرة على استهلاك نحو 35 ألف طن يوميًا، ما يوازي توليد نحو 24% من طاقتها القصوى باستخدام المازوت.
أما بالنسبة إلى قفزة الأسعار العالمية للنفط، فليس ذلك مصدر القلق الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى مصر، بحسب المصدرين، مشيرين إلى أن جزءًا من التخطيط الحكومي لاستيراد النفط يتضمن آليات التحوط تحد من تأثر مصر بتقلبات الأسواق العالمية، إذ وقعت الحكومة عقود تحوط لتأمين 60% من إجمالي الواردات. لكن كلما طال أمد الحرب، كلما زادت الشكوك حول إمدادات النفط.
أعلنت الحكومة، مساء اليوم، عن حزمة جديدة من الاجراءات لترشيد الإنفاق والاستهلاك، من بينها «مراجعة استهلاك الوقود في مختلف القطاعات».
تقارير ذات صلة
بعد رفع أسعار الوقود.. متى تتخلى الحكومة عن دعم غاز المصانع؟
الاعتراض الأول على خطط التحرير سيأتي من المستثمرين الخليجيين بكبرى شركات الأسمدة في مصر
ماذا تفعل الدولة بين مطرقة التضخم وسندان انخفاض النقد الأجنبي؟
تظل مرونة سعر الصرف هدفًا مستمرًا للحكومة في محاولة للحفاظ على الاستثمارات الأجنبية
مجددًا.. حرب إيران تهدد الاقتصاد المصري الهش بعد أشهر من الاستقرار
قوة التداعيات على الاقتصاد بكل مستوياته مرهونة بالأمد الذي قد تصل إليه الحرب
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن