تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
في شهادة  تأخرت  ثمانين عامًا (2-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة

في شهادة  تأخرت  ثمانين عامًا (2-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة

حلقة جديدة من برنامج قراءة «شهود عيان»

كتابة: محمود الورداني 12 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة. وهنا يضيف محمود الورداني حلقات جديدة إلى برنامج القراءة الذي اقترحه علينا، «شهود عيان»، والذي يختار فيه سيرًا ذاتية لكتاب شهدوا على الأحوال السياسية والاجتماعية لمصر في القرنين الماضي والحالي. يمكنكم قراءة حلقاته السابقة هنا، والمقدمة كاملة هنا.

اقرأوا الحلقة الأولى من مذكرات توماس راسل هنا

مازال كتاب راسل حافلًا بالكثير، وإلى جانب فائدته كوثيقة اجتماعية وسياسية من الداخل، ومن واحد لعب دورًا أمنيًا خطيرًا، وأمضى على رأس المؤسسة الأمنية نحو عقدين من الزمان. إلى جانب ذلك مكتوب بمهارة ويحتوي على العديد من المغامرات ويخلو من أي ادعاء زائف بالتعاطف مع الشعب المصري، فهو في النهاية صوت الاحتلال وكرباجه أيضًا.

إلى مكسيكو سيتي

 على سبيل المثال، قادته إحدى جرائم القتل حتى المكسيك على بُعد آلاف الأميال، متتبعًا شبكة للاتجار في الرقيق الأبيض، عندما وُجد رجل يهودي مقتولًا في بيته بالقرب من «وش البركة». وكشف التحقيق أن أقرب صديق للقتيل اختفى وغادر البلاد. وبمراقبة بريده، أمكن العثور على رسالة منه إلى زوجته عليها طابع بريد المكسيك، تتضمن طريقة للمراسلة بينهما عبر باريس إلى مدينة مكسيكو سيتي التي وصل منها الخطاب. وبادر راسل بإبلاغ رئيس شرطة مكسيكو سيتي بمضمون القضية وطلب تعاونه، وهو ما يكشف إلى أي حد كانت الأساليب متطورة وعابرة للحدود.

  وتم التعاون بين الشرطة في كلا البلدين، والقبض فعلًا على المتهم، والمشكلة أنه لم تكن هناك اتفاقية لتبادل المتهمين بين مصر والمكسيك، فما كان من راسل إلا أن أرسل مندوبي شرطة ليعبرا المحيط، وهما كونستبلان أحدهما مصري والثاني  إنجليزي، ويحملان خطاب توصية من الخارجية المصرية.

  بعد وصولهما أبلغتهما سلطات المكسيك الأمنية أن المتهم على وشك الإفراج عنه، ولم يعد هناك سبب قانوني لاحتجازه. وبلغ التعاون بين الشرطة في كل من مصر والمكسيك حدًا يفوق التصور، عندما أعادت القبض على المتهم بمجرد صدور الحكم بالإفراج عنه، وقبل أن تتمكن الشبكة الإجرامية التي يقودها من الاتصال بالمحامين كما حدث عندما قُبض عليه في المرة السابقة.

  يروي راسل بالتفصيل مغامرات الكونستبلين للإفلات من القوانين المكسيكية التي تحول بينهما وبين العودة بالمتهم، والأهم أن الشرطة المكسيكية قدّمت لهما كل مساعدة ممكنة لاستلام المتهم، وبقيت مشكلة أكبر، وهي المرور به عبر سلطات الهجرة دون أن تكون معهما الأوراق الرسمية لصيدهما الثمين. وعبر سلسلة أخرى من المغامرات على متن السفينة التي أقلّتهما في نهاية الأمر إلى لندن، قاما بخداع كبار موظفي الهجرة، ووصلا إلى لندن سالمين، وعاونتهما شرطة سكوتلانديارد في الإبحار ومعهما المتهم إلى مصر.

  كتب راسل في نهاية المغامرة: «ووصل القاتل إلى مصر، وحوكم أمام محكمة الجنايات وتلقى حكما بالسجن مدى الحياة، ومثّلت هذه القضية ضربة موجعة لسوق تجارة الرقيق في مصر، حيث عرفوا أنه يمكن القبض على القاتل بعد سبعة شهور والإتيان به من مسافة بعيدة مثل مكسيكو سيتي»

اندلاع ثورة 1919

  أما ثورة 1919 فقد عاصرها راسل وكان في الخدمة أثنائها. ولم يكن الرجل غبيًا بحيث يقف إلى جانب الاحتلال بلا قيد أو شرط. فهو يرى مثلًا أن  سعد باشا زغلول، البطل الوطني عومل بطريقة غير حسنة من بريطانيا. كما يرى أن الفلاحين تم إجبارهم وإبعادهم عن حقولهم وقراهم إلى خطوط القتال والاستيلاء على مواشيهم، ومات الكثيرون منهم في أرض غريبة وفي حرب لا تخصهم.

  يشير راسل إلى أنه اضطر لطلب النجدة من السلطات العسكرية البريطانية، في الأيام الأولى للثورة لأن المتظاهرين قاموا بشق حفرة كبيرة في الطريق وسقط فيها بعض قواته بخيولهم ومعداتهم. والمؤكد أنه لم يعد ممكنًا مواجهة غضب المتظاهرين من الطلاب وأبناء المدن، وخرج الأمر عن السيطرة في الريف والمدن الكبرى مثل طنطا وقليوب، ثم امتدت الثورة إلى الصعيد. والخطورة كانت في الأوروبيين الذين كان يتم التعرف عليهم، وكان يجب حمايتهم، على الرغم من أن ملامحهم تزيد من عنف المتظاهرين بعد أن انفلت الزمام وبدأ التحرش يزداد، وقثُل بعض الإنجليز سواء كانوا مدنيين أو من جنود جيش الاحتلال، وتم مثلًا تدمير جميع خطوط الهاتف والتلغراف وتخريب خطوط السكك الحديدية.

على أي حال كان عليه أن يتدخل بشخصه ويستعمل الحيلة، مثلما حدث يوم 17 مارس الذي يعتبره يومًا لا يُنسى عندما قرر طلبة الأزهر الخروج في مظاهرة وطلب وفد منهم السماح لهم، فكان على راسل أن يصطحب الوفد في سيارته ويحاول التأثير في الجموع بدلًا من الاصطدام بهم وهو مايعني حدوث مذبحة لا يمكن وقفها. وهنا قرر الانسحاب بدلًا من الصدام.

  وفي أحد الأيام تسلّم أمرًا من القائد العام باحتلال الجامع الأزهر، وكان يعرف أنه من المستحيل تنفيذ الأمر وإلا فإن الخسائر لايمكن مواجهتها، وطلب الاحتكام إلى اللورد اللنبي القائد الأعلى والتقى به بالفعل واقتنع الأخير بوجهة نظر راسل.

والمشاهد التي أوردها لجنازات الشهداء في ميادين القاهرة من أكثر المشاهد تأثيرًا. تدخل راسل في بعضها متحدثًا ومحاولًا تهدئة الثوار. كانت مهمته عسيرة في حقيقة الأمر. كتب: «قمتُ بإرسال رسالة إلى القيادة العامة قلت فيها إنني أسعى لإخراج جنائز الموتى جميعا (من المستشفى) وأنه يجب إنباء جميع الثكنات العسكرية للسماح لنا بالمرور. وبعد وقت قليل وصل فريق شرطي راكب ومسلح تابع لي للإشراف على المسيرة. وأخبرت الثوار أن من حقهم عمل جنائزهم وأنني على استعداد لأصحبهم في ذلك، وأن أجعل القوات البريطانية تسمح به بشرط واحد هو أن تكون المسيرة سلمية، وألا يحمل أي شخص مشارك فيها أي سلاح من أي نوع».

  راسل عاقل فعلًا. بالقطع لم يكن متعاطفًا مع الثوار، ومهمته الأولى هي حفظ الأمن قدر الإمكان في ظروف عصيبة، والواقع أنه كان من الحصافة بحيث منع حدوث بعض المذابح وحاول إطفاء بعض الحرائق.

  كما يُفرد راسل مساحة لا بأس بها لمظاهرة السيدات التي كان أحد المكلّفين بفضها. قابل أولًا وفدًا منهن جئن للحصول على تصريح بالمظاهرة، وأبلغهن بمنع المظاهرات نهائيًا، لكنه فوجئ في اليوم التالي بأنهن اتجهن بسياراتهن إلى شارع قصرالعيني. ثم غادرن السيارات وتوجهن على الأقدام إلى منزل سعد زغلول. وتم حصارهن بكردونات البوليس التي أغلقت عند إشارة معينة لتجد السيدات أنفسهن أمام طريق مغلق بعساكر الشرطة المصرية، وفي الوقت نفسه أعطى أوامر مشددة للجنود بعدم استعمال العنف، علمًا بأن هناك مصادر عديدة معاصرة تؤكد استعمال العنف مع المظاهرات النسائية. وجرى حوار بينه وبين شابة مصرية يُرجح أنها هدى شعراوي وعدد من زعيمات المظاهرة. وأثناء هذا الحوار فكّر في حيلة يطفئ بها الحريق المشتعل. قال لهن إنه لا يستطيع عصيان الأمر بمنع المظاهرة، لكنه يستطيع العودة لقائده ويحاول الحصول على موافقته.

  وبالفعل غادرهن وراح يتسكع لأكثر من ساعة، وكان كل ما يريد أن يحققه أن يكسب وقتًا، ويترك المتظاهرات يصطلين بشمس الصيف الحارقة أطول وقت ممكن، حتى نال منهن التعب والإنهاك بالفعل، وفشلت المظاهرة، لكن راسل باشا لم يستطع أن يواصل خداعه بعد ذلك، فمن الثابت خروج مظاهرات نسائية ناجحة لا حصر لها.

عن الجريمة السياسية

  يخصص راسل فصلًا لما أسماه الجريمة السياسية، وهي عنده لا تتجاوز الاغتيالات على وجه الحصر. ربما لم يكن هناك نشاط سياسي آخر يعاقب عليه القانون، رغم أنه معروف جيدًا الحملة التي قادها سعد باشا زغلول ضد أول حزب شيوعي مصري في أوائل عشرينيات القرن الماضي، وتم حلّه والقبض على أعضائه ومات سكرتيره أنطون مارون في السجن، ومعروف أيضًا أنه جرت متابعة للمحاولات التي قام بها بعض مناضليه لإحياء الحزب، وكان هناك أحد عملاء البوليس السياسي الذي اندس بينهم وكان السبب المباشر للإيقاع بمن كانوا يُرسلون من جانب الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي السابق للاطلاع على أوضاع الحزب في مصر بعد الضربة القاصمة التي وُجّهت إليه.

  تجاهل راسل كل هذا ولم يشر إليه بحرف واحد، واقتصر جهده على حصر الاغتيالات السياسية، منذ ما اعتبره أول اغتيال عام 1910 وراح ضحيته بطرس غالي رئيس الوزراء. ومنذ هذا التاريخ وحتى عام 1925 جرت عمليتا اغتيال وفشلت 14 محاولة، من بينها محاولة لاغتيال السلطان حسين كامل. هذا فيما يتعلق بالمحاولات المستهدف فيها مصريون. أما المحاولات التي استُهدف فيها الإنجليز فقد نجح منها 12 عملية، بينما فشلت 21 محاولة انتهاء بأكثر العمليات شهرة، وهي اغتيال سردار الجيش الإنجليزي السير لي ستاك، التي أطاحت بسعد زغلول ووزارته وخرج الوفد إلى الشارع.

  من جانب آخر، يعتبر راسل أن الفترة من 1910 وحتى 1946 شهدت مرحلتان من مراحل الجرائم السياسية، انتهت المرحلة الأولى منها باغتيال السردار عام 1924 ثم توقفت تلك الجرائم -حسبما يرى- حتى عام 1937، وبين هذا العام وعام 1946 يحدد مرحلة ثانية للاغتيالات السياسية، حيث اغتيل بالفعل اثنان من المسئولين المصريين، وتعرّض ثلاثة لمحاولات فشلت. أما بالنسبة للمحاولات الموجهة للبريطانيين فبلغت سبع محاولات نجح منها ثلاث استهدفت الجيش البريطاني طبعا، وفشلت أربع محاولات.

  يتناول راسل مسألة الاغتيالات السياسية كرجل أمن محترف بطبيعة الحال. ومن بين كل المحاولات المذكورة لم يتول منها هو شخصيا إلا محاولة اغتيال السردار، ويعتبر أن الشرطة حققت بواسطته نجاحًا فريدًا بسبب الحرية التي منحنا إياها وزير الداخلية والمدعي العام ويضيف: «وكانت السرية التامة هي أهم سماتنا في القضية، إذ درسنا المشتبه بهم جميعًا واخترنا أضعفهم ليعترف. وكان أقل إهمال أو كلمة خاطئة يمكن أن تنسف لنا الأدلة التي اعتمدنا عليها. كانت الضغوط تنهال علينا من كل اتجاه لمعرفة ما يحدث، لكننا قاومنا ذلك بقوة، وتقريبًا هي الحالة الوحيدة التي حُفظت كسر ميت».

مكتب سي إن آي بي

  يكاد الثلث الأخير من الكتاب أن يغطي أهم إنجازات راسل الكبرى، وهي تلك المتعلقة بمكافحة المخدرات. وحسبما أكد فإن العقوبة في تلك القضايا كانت تافهة طبقًا للقوانين المعمول بها آنذاك. فلم تتجاوز الغرامة البسيطة جنيهًا واحدًا أو السجن لمدة سبعة أيام، ولم يتم تعديل تلك القوانين إلا بعد أن استفحل الأمر، وانتشر الكوكايين والهيروين على نحو فظيع. وعاصر الظهور الأول للهيروين في مصر عام 1916 وكان أول من باعه كيميائي من القاهرة لم يلبث أن صارت لديه سريعًا عربات مطهمة، تبيع المخدر خارج الصيدلية، لقد دخلتُ -والكلام لراسل- لشراء بعض الأدوية ورأيتُ المخدر الذائع إلى جوارها جاهزًا للبيع لشباب المدينة من الأثرياء. في هذه الأثناء كانت الرقابة على المحلات الكيميائية خارج نطاق عمل الشرطة، وتكرر فشل سلطات الصحة العامة في إحالة هذا الكيميائي وإثبات اتهاماتي له .

  وشهد عام 1925 صدور أول تشريع حازم وفعّال، حيث أصبح مجرد امتلاك المخدر جريمة شأنه شأن المروّج، وأصبحت العقوبة مؤثرة حيث وصلت العقوبة إلى سنة سجن وغرامة مائة جنيه، ونشط راسل في جمع المعلومات وفي خلال عام تم تسجيل بيانات 5600 تاجر مخدرات في القاهرة وحدها، وبحلول عام 1929 عقد وزير الداخلية محمد محمود محادثات مع راسل انتهت بقبول طلبه بتشكيل مكتب مركزي لاستخبارات المخدرات، وهو نقلة حاسمة وكيفية في مكافحة المخدرات، ومُنح هو حق اختيار العاملين معه، وكذلك حق التعامل مع جميع إدارات الحكومة المصرية وسلطات الأمن العام الأجنبية، مع تحديد ميزانية سنوية قدرها عشرة آلاف جنيه سنويا( بأسعار ذلك الزمان) ووضعها في حساب خاص بالمكتب الذي أصبح معروفًا باسم سي إن آي بي.

  كان تأسيس المكتب طفرة، وأهدافه لاتقف عند تعقّب مصادر المخدرات المستوردة من أوروبا فقط، بل وتقديم الحقائق إلى عصبة الأمم، على الرغم من أن مصر -تحت الاحتلال- لم تكن عضوًا في المنظمة الدولية، إلا أنه أقام علاقات وثيقة مع المندوب البريطاني الممثل لحكومته في عصبة الأمم.

  من جانبه، قام راسل أولا بشراء أحد أنشط المهربين الذي يتوزع عمله بين المخدرات السوداء -أي الحشيش والأفيون- وبين المخدرات البيضاء -الكوكايين والمورفين والهيروين- وعقد معه اتفاقًا غير مكتوب يتضمن توقفه عن بيع المخدرات البيضاء، ويتجاهل المكتب تعاملاته في المخدرات السوداء، مقابل أن يُمدّ المكتب بمعلومات مهمة عن مستوردي المخدرات البيضاء، لكن المهرب لم ينفذ اتفاقه إلا عام واحد، ثم عاد للسموم البيضاء لأنها أكثر ربحًا، ومع ذلك كانت الخيوط قد بدأت تتضح.

من بينها مثلًا تاجر أرمني يدير محل بيع سجاد يُخفي نشاطه الأصلي. بعد القبض عليه انتزعت منه معلومات تفيد بأن المخدرات تأتي من تاجر أكبر في سويسرا. وتم إرسال أحد المساعدين إلى سويسرا، وبالتعاون مع السلطات هناك تم التوصل للمصدر الرئيسي وهو أحد المصانع الكبيرة، كما كان هناك مصنع آخر في فرنسا، وهكذا سرعان ماكشفت التحقيقات عن وجود شبكات ضخمة ومنظمة.

وتعاونت السلطات الأمنية في أكثر من بلد أوربي، وكشفت التحقيقات عن وجود شبكات منظمة لتجارة ضخمة من وسط أوروبا إلى موانئ البحر المتوسط. بسبب ذلك النشاط وتأثير المكتب المصري للاستخبارات، تم اختيار راسل لحضور اجتماعات اللجنة الاستشارية التابعة لعصبة الأمم. وكان لكل هذا العمل العابر للحدود أثر واضح، حيث تم مثلًا وقف تصدير أطنان من المخدرات البيضاء من موانئ تركيا، والتوصل لأربعة مصانع في بلغاريا، يملك أكبرها واحد من ذوي النفوذ.

بارونات المخدرات

وهكذا شاركت مصر بقوة في الأجهزة الأمنية الدولية سواء من خلال عصبة الأمم أو العلاقات الثنائية مع الدول المختلفة، وأمكن الإيقاع بعدد من بارونات المخدرات من بينهم مجموعة في فرنسا وفي اليونان وفي تركيا. وهنا يجب أن يأخذ القارئ في اعتباره أن هذا النشاط استلزم سفر عدد من العاملين في المركز المصري للاستخبارات. وحسب راسل يعود الفضل في اكتشاف وثيقة يصفها بأنها أهم مستند يتم كشفه في تجارة المخدرات إلى المكتب المصري، فقد تم تعقب أحد كبار البارونات من بريطانيا إلى بورسعيد إلى الإسكندرية، والحصول على أوراق تتضمن قائمة شفرية بأسماء أكبر عصابة في أوروبا والصين واليابان.

  كتب راسل في ذلك الشأن: «كان هناك- في الأوراق المكتشفة- كود خاص بكل مخدر على حدة، بدءً من الأفيون وحتى المواد المخلطة والقلويات الأخرى بالإضافة إلى قائمة بأسماء خطوط الملاحة».

  يورد أيضا معلومات مذهلة في دقتها من خلال الكونستبلات والضباط المنتشرين في أوروبا، ووصل الأمر إلى حضور أحدهم احتفالات الإفراج عن كبار المهربين في فرنسا، ومتابعة مهربين في أمريكا.

  ويضيف: «بنهاية عام 1939 نجحنا في طرد بارونات المخدرات من سويسرا وفرنسا ثم من تركيا والمستعمرات الأجنبية بالصين، وأخيرا من بلغاريا. لقد بقيت لهم دولة وحيدة، وأعتقد انهم التقوا فيها مجرمين أخطر منهم، هي اليابان وبعد أن احتلت اليابان الصين، أصبحت الأخيرة الدولة الوحيدة في العالم التي ترسخ سياساتها المدروسة زيادة تعاطي المخدرات».

  ومن بين ماركّز عليه هو المرشدين الذين كانت خدماتهم ضرورية لكن أكثرهم كاذبين. كما يشير إلى أن معظم الضبطيات التي تتم في الموانئ المصرية كانت بناءً على معلومات قدّمها المرشدون.

  يشغل راسل نفسه كثيرًا بالطرائف بل هو مولع بها. من بينها مثلًا تجنيد إحدى الفتيات للعمل مع البوليس، لكن رئيس العصابة وقع في غرامها. أو ضبط رجل وامرأة مهربين يتنكران في زي راهب وراهبة وغيرها وغيرها. يمكن التوقف على سبيل المثال عند أكبر تاجر مخدرات في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو اليوناني لامبروس يانوكوس.

  نبدأ الحكاية بالمصادفة عندما تم القبض على بحار اسكندنافي قادم من إسطنبول ومعه كيلو جرام هيروين، والأهم أن معه أيضا شفرة سرية لقواعد بيانات جميع الموزعين والتجار. المثير للدهشة أن البحار وافق على الفور على التعاون مقابل إفلاته من المحاكمة. وبواسطته أمكن التعرف على عدد من مقرات يانوكوس السرية بالقاهرة. وفي أحد المقرات عُثر على سجلات وملفات جميع المتعاملين وكلها مكتوبة بالشفرة. كما تم القبض على الكاتب السري ليانوكوس الذي كان لديه من الكراهية لياكونوس مايكفي لترجمة السجلات والملفات المختلفة وتم تقديم كل ذلك للمحكمة.

وداعًا للقاهرة

وأخيرًا يختتم راسل حياته الحافلة بالقاهرة بعد 44 عامًا أمضاها في عمل متواصل، وآن له أن يستريح ويعود إلى بلاده بعد أن خدم مع 32 حكومة متعاقبة، وكحكمدار لشرطة القاهرة تلقى الأوامر من 29 وزيرًا للداخلية، والمثير للدهشة أن تقلبات السياسة في مصر جعلته يُلقي القبض أحيانًا على من كان يتلقى منهم الأوامر من قبل، وبعض هؤلاء كانوا في عداد أصدقائه.

  وفي السطور الأخيرة بشير إلى أن كتابه ليس مجرد تسجيل لحياة ضابط بوليس بل تسجيل لجانب من حياة الناس.

  وأظن أن الجملة الأخيرة صائبة بشدة فقد كان راسل شاهد عيان وشهادته موثّقة، وعلى الرغم من أنه تم تجاهلها عدة عقود ولم تُترجم للغفلة فقط وليس لأي سبب آخر، إلا أنها ترجمت أخيرًا وجرى اهتمام ملحوظ بالترجمة العربية التي طُبع منها أكثر من طبعة.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

خلاصة الكتب

#265| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

بلال حسني 5 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن