تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
خلاصة الكتب

خلاصة الكتب

#265| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: بلال حسني 5 دقيقة قراءة

#جو عام

بطل هذه الحكاية الكتاب، وكاتبها لا هو بورخيس، ولا الدنيا مكتبة، بل يبحث بلال حسني عما تمثله الكتب، من كونها آفة مفيدة تنمي الوعي وتتغذى على البيوت والجيوب، سلعة تُباع وتُشترى، بالشرنك أو ساكند هاند، على الفرشة وفي السفر والمعرض والنبي دانيال.

#قراءة

دون قصد، خرّب أولاد وبنات أخوالي مخيّلتي في الطفولة عن الكتب وسحرها. قالوا إن قراء بعض الكتب تصيبهم لعنة، وهكذا بدأت الهلوسة.

كان الأمر يحتاج بحسبهم، إلى تكنيك دقيق: الاستحمام، الوقوف فوق الكتاب، القراءة بلغة غير مفهومة. كنا نلبس خرافة لكل شيء: الملائكة في هيئة بشر، الأرواح في فراشات رمادية، ونزلات البرد تعالجها عرائس من جرائد. أما الكتب، فكانت بوابة عبور، أو إيقاظ عوالم نائمة.

صنعت طقسي المضاد. من أثاث متهالك كونت مكتبة مظلمة يتدلّى منها قماش أحمر كأنه درع. ثم أرسلت قصيدة حوت كل مخاوفي الصغيرة إلى مجلة تصدر من قبرص. 

لم تُنشر القصيدة. في كل عدد ملاحظة تقول إن كتابات ستنشر قريبًا، ويأتي اسمي بينها. اسم المجلة: نهارك سعيد. كلما سألت عنها، يحمّر وجهي، وأتحمل رد الباعة: نهارك أسعد. 

في انتظار تحقق الوعد، تحرّكت بين ثلاثة أنماط لبيع الكتب في الإسكندرية: أكشاك صغيرة في محطات الترام والقطارات، مكتبات أنيقة في الأحياء الراقية، وشارع النبي دانيال. وكان نهاري سعيدا دائمًا.

في الأكشاك، كانت الكتب تتنفس غبار القضبان. يرشح لك البائع كتابًا بمزاج جديد، ويترك كتيبات الأذكار لباعة الرفايع في العربات. الركاب شبه النائمين يفككون كلمات التذاكر ويعيدون تركيبها. ربما هكذا يولد الشعر. ثم جاء ثعبان نوكيا، فلدغ الكلمات المتقاطعة، واحتل تسلية المواصلات، وبدأت الأكشاك تنكمش.

***

رسمتُ خريطة زمنية من تلك الأكشاك، محطة ترام شوتس أمام بيتنا، محطة قطار غبريال لأعداد مجلة الفن السابع. والملحق المسائي الذي أعاد نشر أولاد حارتنا. الغبار كان يمنح الكتب أثرًا زمنيًا إضافيًا، ويعفي الباعة من تنظيف الأغلفة.

على الإنترنت، بحثت عن «حدس اللحظة» لباشلار: حجز. تم التواصل.

عالم الكتب المستعملة دوائر مغلقة، تاريخ شفهي، وأرقام تتداول كتعويذات. كتاب «تنبؤات نوستراداموس» كنا نتبادله بإيجار. بعضهم يبيع مكتبته ومعها هاردات مفهرسة بالقارات والعقود، ذاكرة مذهلة وحدود معرفة ضيقة، جديد أم مستعمل، فكرة مركزية، اسم المترجم، تصميم غلاف. عالم يمكن ضغطه باستعارة. 

***

في محطة ترام باكوس- محطة الصين الشعبية- مقهى ملحق بمكتبة. صمت وسط صخب الركاب والسوق ومبنى الإذاعة، يتصفح الجالسون الكتب كما أوراق السبانخ، يلتقطون عودًا طازجًا ويكتشفون دودة بداخله. تركت كتابًا هناك مرة، كان سامي القهوجي يعيده بعد كل زبون إلى الطاولة نفسها، كأن الكتاب تذكار متجدد من مجهول. 

شرق المدينة، قرب البحر، أسرة تبيع الكتب بوعي غير منطوق بأن زبائنهم متزوجون حديثًا، انتقلوا إلى عمارات شيك. الجرائد فطور ثانٍ، والمعرفة تسهل الهضم. يرشحان الكتب السياسية وأمهات الكتب، وحين تسألهما إن كانا يقرآن، يصمتان بصرامة.

أما المكتبات الأنيقة في الأحياء الراقية، حيث تباع النوتس والستيكر والأقلام متعددة الرؤوس، فهي تحفزك على كتابة يومياتك، وصناعة نسخة محسنة منك: يشتري الورد، يذهب إلى الچيم، يفسح الكلب، يقرأ البيست سيللر، ويتألق في الزيارات العائلية وبريكات الشغل. فيتسلل إليك هوس الاقتباس، مقتطفات بلا نهاية، كأنك ببغاء ناسخ، فتحلم بتناسق لوني قد يحققه غلاف كتاب أرجواني مع خلفية حائط «الكوفي كورنر». منذ استُبدل دولاب النيش -حارس أدوات الطعام- برفوف خشب ذات عروق مكشوفة وطوطم صغير، لم تعد المكتبة مكان قلق، بل شهادة ذوق. 

في وسط البلد، حيث تنتهي خطوط الترام، ودجاج كنتاكي، المُقاطع، وسينما ستراند حيث عمل الكاتب محمد حافظ رجب، ونمت كائناته المتخيلة مع التسالي، وآيس كريم بالكمبيوتر، وأكشاك الرملي، لا تكفي المبيعات لستر الخسائر. الأمل أن تهاجم الكتب قارئها لحظة القراءة، وأن تكون قرصنتها ألذ من أرباحها. محطة مصر، بعد تجديدها، نظافة معلقة لا ينتظرها قطار. 

ظلّ هناك، لعقود، عائلات تعيش الميدان، وبانيكات الشاي، والباحثون عن علاقة غير عادية، والمسافرون التائهون، وكُتّاب المدونات منذ فجر بلوج سبوت.

شارع النبي دانيال صار يمشي. الواجهات دهنت، والحواري الجانبية تركت بطبقتها القديمة، كأن المدينة تسمح برؤية الزمنين معًا. هنا، لا موسيقى ولا راديو، البائع يعطيك ظهره. الصمت جزء من التفاوض. تسأل عن كتاب، فيصمت، كأن السؤال امتحان: هل نحن فريق واحد؟ التكنيك قد يكون رفضًا قاطعًا، أو جادًا لمعرفة سبب رغبتك. المطلوب ليس الثمن فقط، بل فهم قانون اللعبة.

الكتب الأكثر مبيعًا أعلى الكشك: ممتلئ بالفراغ، حكايات غرس القيم في البيت والروضة والمدرسة، قلق السعي إلى المكانة، لغات الحب الخمس، كيف تعبر عن حبك العميق لشريك حياتك؟ ( ده كتاب بجد). The happiness plan

ومع ذلك، قد يندهش البائع بمعرفتك بأحمد ناجي أو أحمد الفخراني، وينحني قليلًا ليفتش في كتب غير معروضة، كأنكما تختبران احتمال كتابة جديدة.

صممت المحافظة أكشاكًا وأحزانًا متماثلة على درجات مرتفعة، فصار الشارع عرضًا مسرحيًا متصلًا. عند التقاطع، ظهرت محلات الوجبات السريعة، أشهرها: برجر الفضاء، بينما اختفت صالة شاي فينوس، التي كانت متاهة مضاءة بعتمة، مكان غامض لقصص حب سرية بين الكتّاب واليساريين، وللكتابة، ثم لفقد الإيمان بها. يخرجون منها حاملين كتبًا مستعملة، ويهندمون ملابسهم عند الباب. 

في آخر الشارع عمارة مهدمة، دهنت بجدية تامة. عند الحد غير المنتظم للطلاء، تبدو العمارات ككائنات لها واجهة ومساحيق، ولها بطن بارز، مثل الكتب. 

***

حين لا تباع ولا تُشترى، كجديدة ولا مستعملة، تُباع الكتب بالكيلو، وتذهب إلى عجان مصانع الورق، فتُترك لمصيرها. بعد أن كانت تحمل أفكارًا راهن أصحابها عليها، وقُلّبت في الأكشاك والمكتبات والنبي دانيال، وعاشت لحظات علّم فيها قراؤها وظنوها ستبقى في مكتباتهم أو أعادوا بيعها هم أو ورثتهم. تلقى الكتب مصيرها عند العجان، فبعد الدوران والسحق، تخرج مناديل أو أكياسًا من ورق مقوّى.

تلك هي المكتبة الأخيرة: شيء نستخدمه يوميًا دون أن نسأل عمّا كان. 

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن