تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
في حادث لم يتكرر في معتقل الواحات: إبراهيم هراري ومحمد عويضة يعبران المستحيل

في حادث لم يتكرر في معتقل الواحات: إبراهيم هراري ومحمد عويضة يعبران المستحيل

الحلقة  الثامنة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»

كتابة: محمود الورداني 15 دقيقة قراءة

 بالطبع ليس المصريون وحدهم هم الذين لعب السجن والمعتقل وآلات التعذيب والمحاكمات دورًا أساسيًا في حياتهم، فالقمع والانفراد والاستغلال وصراع الطبقات أمور لا تحتاج للتأكيد، بل هي واقع عاشته وتعيشه سائر المجتمعات منذ قرون وسوف يستمر أيضًا، وإن كنت أتمنى ألا يستمر حتى النهاية.

برنامج القراءة الذي أقترحه هنا يطمح للاقتراب من تلك التجربة المخيفة بكل ما فيها من بسالة وانكسار لمن عاشوا خلف الأسوار، من تعذيب وتنكيل اقترب في أحيان كثيرة من القتل، ناهيك عن أن هناك من قُتلوا فعلًا وتم تعذيبهم حتى الموت. ويطمح للاقتراب أيضًا من مستعمرات العقاب ذاتها ومعسكرات الاعتقال في سائر بقاع المحروسة. ومن بين ما يسعى إليه برنامج القراءة الذي أقترحه الكشف عن دهاليز وخفايا نظام التحقيقات والمحاكمات الذي أتاح وسمح بمساخر لا حصر لها، لا تتعلق فقط بإهدار سنوات طويلة من عُمر المعتقلين داخل مستعمرات الاعتقال، بل أتاح أيضًا وسمح بأن تعيش مصر ومثقفوها وقواها الاجتماعية عدة عقود متوالية، في أوهام وضلالات الحكم العسكري المطلق منذ عام 1952 وحتى الآن.

أود أن أؤكد أن التجارب التي توقفت عندها ليست كل التجارب بالطبع، وشهادات المعاصرين لتلك التجارب ليست هي كل الشهادات، لهذا كان لا بد من الاختيار، والحرص على أن يكون الاختيار ممثلًا للصورة العامة التي أسعى من أجل توضيحها والإحاطة بها. 

في الحلقة الأولى تناولت مؤامرة شبرا، التي اتهم فيها شباب بالتخطيط لقتل الجناب الخديو عام 1912. وفي الثانية والثالثة اخترت  كتاب سعد زهران «الأوردي .. مذكرات سجين» عن التجربة الدامية في «أوردي» أبو زعبل كنقطة انطلاق. وفي الحلقة الرابعة والخامسة تناولت تجربة «الواحات»، منطلقًا من كتابين هما «يوميات الواحات» لصنع الله إبراهيم، وكتاب «الحياة الثقافية في سجن الواحات» لعلي الشوباشي. وبالموازاة اخترت للحلقتين السادسة والسابعة «مذكرات إنجي إفلاطون» التي سجلّت التجربة المتزامنة مع تجربة «الواحات»، في سجن آخر هو سجن القناطر للنساء، وحوله وبجواره عدد لا بأس به من الشهادات. 

أما في هذه الحلقة أتناول تجربة نادرة لم تتكرر مطلًقا جرت في «الواحات»، قام بها اثنان من السجناء بالهروب ونجحا في محاولتهما، وذلك من خلال كتاب «الهروب الكبير من معتقل الواحات» لمحمد أحمد عويضة.

في سبعينيات القرن الماضي، أصدرت دار نشر لبنانية كان اسمها دار التنوير كتابًا ضخمًا يتضمن سيرة ذاتية لسجين يدعى هنري شاريير، أمضى ما يزيد على 20 عامًا يقوم بمحاولة تلو الأخرى للهروب من سجن يقع في إحدى الجزر الفرنسية في المحيط الهادي، وفشلت كلها، وتعرض بالطبع لعقوبات مخيفة، لكنه لم يتوقف لحظة واحدة عن محاولات الهروب.. وفي النهاية حصل على عفو من رئيس الجمهورية لسبب لا أذكره.. السيرة الذاتية تحولت إلى فيلم لا يُنسى باسم «الفراشة»، الذي كان يُطلق على هذا الذي لم يتوقف لحظة عن محاولات الهروب الفاشلة!

تذكرت هذا الفيلم وأنا أقرأ كتاب «الهروب الكبير من معتقل الواحات» الصادر عن دار الطناني للنشر عام 2018. صاحب التجربة لم يكف لحظة عن التفكير في الهروب، وأعاد صياغة حياته وعلاقاته ومهاراته للهروب من السجن، وظلّت أسرار المحاولة وكيف تمت ونجحت 53 عامًا غامضة، حتى تعاون بطلها -العامل النقابي محمد عويضة- وهو على فراش المرض في أحد بيوت المسنين بالإسكندرية، مع أحد أصدقائه، وهو مناضل شيوعي اسمه فؤاد مصطفى إبراهيم، بعد أن أقنعه بضرورة أن يتخلى عن صمته، ويكشف أسرار «حادث لم يتكرر» وهو على فراش مرضه الأخير، وعقدا معًا عدة جلسات مطوّلة لكتابة وتحرير هذا الكتاب -الوثيقة- التي تزيح الستار عن سر طالما حيّر أجهزة الأمن والرفاق في «الواحات» على السواء.

            *

اختار عويضة الذي يحكي فؤاد مصطفى على لسانه التجربة أن يبدأ منذ أواخر عام 1959، حين كان في سجن الإسكندرية، ينتظر الترحيل إلى «الواحات» لتنفيذ حكم بحبسه سنتين. ومنذ السطور الأولى، يكتشف القارئ أن عويضة كان موهوبًا على نحو استثنائي في توثيق علاقاته بالسجانة وأفراد الحراسة وموظفي السجن، حتى إن قرار ترحيله وصله من أحد السجانة قبل تنفيذه بيومين، مما أتاح له أن يبلغ والدته، ليتمكن من رؤيتها قبل أن يذهبوا به إلى «وراء الشمس» في سجن الواحات.

تم ترحيله أولًا من الإسكندرية إلى القاهرة، وقد عومل بطريقة خاصة بوصفه أقدم مسجون سياسي، وكان أمضى ست سنوات، واعتبر نفسه «أول العلامات الواضحة على قيام حكومة الضباط الأحرار بخيانة التحالف الوطني الذي كنا نظنه -لفرط وطنيتنا- موجودًا بيننا، فقد قُبض عليّ في منتصف يوليو 1958 وبذلك كنت أقدم مسجون سياسي بسجن الإسكندرية، وظللت بالحبس الانفرادي لمدة تزيد على سبعة أشهر تخللها صراعات عديدة مع إدارة السجن، وعدة إضرابات عن الطعام، لذلك كنت محل تقدير السجانة والسجناء» حسبما كتب.

سيعرف القارئ في ما بعد أن عويضة والمنظمة التي ينتمي إليها، وهي «حدتو» على الأرجح، اعتبر أنه كان هناك «قدر كبير من الوحدة الوطنية محققا بين الشيوعيين والقوى اليسارية» من جانب وسلطة الضباط الأحرار من جانب آخر. ويضيف: «كانت ثورة العراق قد انتصرت في 14 يونيو 1958 وازدادت لهفة عبد الناصر للسلطة المطلقة وتدعيم حكم الفرد، وفي 17، و18 يونيو تم القبض عليّ بتهمة توزيع منشور في شوارع الإسكندرية يتناول في وقت واحد تأييد الثورة العراقية وتأييد الوحدة العربية على أساس ديمقراطي مع حريات واسعة للشعوب العربية وإلغاء قوانين الطوارئ والأحكام العرفية».

*

في طريقه لسجن الواحات، قضى ليلتين في حجز قسم الخليفة. أمضاهما في حجز النساء، وكانت تشغله المحكوم عليهن بالمراقبة ممن أنهين سنوات سجنهن في قضايا دعارة على الأغلب، وفضّلن الحجز على أن ينفذن حكم المراقبة الذي يقضي بقضائهن الليل في بيوتهن، على أن تقوم الشرطة بالتفتيش في أي وقت من غروب الشمس حتى شروقها، وهو ما كان يعرّضهن للمشاكل في مساكنهن. 

ولأن عويضة لا يضيّع وقته، فقد حرص على أن يقوم بدوره كمناضل شيوعي منحاز للطبقات الفقيرة ومحاولة هدايتهن للطريق إلى الشرف والحياة النظيفة، وتسبب بالفعل في هداية إحداهن ولعب  دورًا في ذلك، بل وكان السبب في أن تتزوج على سُنة الله ورسوله.. هذه الحكاية التي يذكرها بالتفصيل، جزء من سردية عويضة، كما سنعرف بعد ذلك، لأنه سيحتاج بعد عدة سنوات إلى أنيسة التائبة التي تابت على يديه ولعب دورًا في زواجها من أحد المستورين، في رحلة هروبه الناجحة من أعماق الصحراء، مع رفيقه عالم الآثار اليهودي المصري، إبراهيم هراري، الذي كان نال درجة الدكتوراه في القانون الدولي، وكانت رسالته عن حق العودة للفلسطينيين، كما كان صاحب مكتب محاماة شهير وأحد كبار الشخصيات في منظمة شيوعية، واٌعتقل في تجريدة يناير 1959 الكبرى.

كان أهم ما يشغل بال عويضة ويسترعي انتباهه باستمرار هو توثيق علاقاته بكل من يتوسم فيه إمكانية الاستفادة به في رحلة هروبه، التي لم يتوقف عن التفكير فيها لحظة واحدة. 

       *

لا ينسى عويضة وهو في طريقه إلى سجن الواحات أن يستعرض بعض مناقشاته السياسية مع من اصطحبه من الضباط، ومناقشاته العميقة عن فائض القيمة في النظرية الماركسية أو الدور الذي تلعبه الإمبريالية وما إلى ذلك، والحقيقة أنه مولع بالكلام عن نفسه كمثقف وداعية شيوعي يقود الطبقات الفقيرة إلى الشرف والفضيلة، وليس ضروريًا أن يكون كل ما يذكره صحيحًا فقد يحلو له أن يشعر بالزهو فيضيف بعض التوابل البسيطة!! لكن هذا لا ينفي أنه كان مقنعًا إلى أقصى حد وروايته لقصة الهروب الأسطورية، متماسكة إلى حد بعيد، وثغرات تلك الرواية قليلة، وسأعرض لها في حينها.

ومنذ وصل إلى سجن الواحات، كانت مهمته الأولى دراسة طرق الهروب وإمكانياته. هناك أولًا «الجنزير» الذي يتكون من عدد كبير من الجنود حاملي البنادق، والبعض منهم يحمل مدافع ذات ثلاثة أرجل، ويقود الجميع عدد من الضباط والصولات. يسير الموكب ليخرج من بوابة السجن والمزرعة. ويضيف «يقوم الجنزير بمحاصرة المزرعة من كل الجوانب، وإضافة لكل ذلك تنتشر حول المزرعة أبراج أرضية بكل برج حارس بالسلاح، وبين كل أربعة حراس يوجد حامل البروجي، وتنصب المدافع بحيث تغطي كل المواقع» وإذا أضيف إلى كل ما سبق أن السجن في قلب الصحراء، وأقرب نقطة له هي أسيوط الي تبعد مائتي ميل.. كل ذلك كان يعني ببساطة استحالة الهرب».

لكن عويضة واصل نسج خططه ودرس الاحتمالات المختلفة. من بين ما تفتق ذهنه عنه، إحضار أربعة جرادل مياه، وصنع لكل منها «تلبيسة خيش» لتبريد المياه، واعتاد المرور على جنود الحراسة أكثر من مرة يوميًا، وهم يقفون في هذا الجو بالغ الحرارة، ويطوف عليهم جميعا ليتناول كل منهم ما يروي ظمأه في هذا القيظ. ووفق خطة مدروسة تعرف على جنود الحراسة ووثّق علاقته بهم، فكانوا هم الذين بدأوا بعرض خدماتهم عليه، مثل توصيل خطابات أو إحضار بعض الممنوعات مثل الأوراق والأقلام  وورق البفرة والشاي.

إلى جانب ذلك، كان هناك حماران لنقل السباخ في المزرعة استخدمهما في إشاعة جو التسيب عندما ينطلقان عشوائيًا، واعتاد جنود الحراسة عليه وهو يجري وراء الحمارين ليعيدهما إلى المزرعة.

(المزرعة كانت واحدة من مآثر الشيوعيين الكبرى، حيث قاموا باستصلاح سبعة أفدنة في الصحراء لم توفر طعامًا لسجن الواحات وحده، بل لسائر سجون مصر)

كذلك كان يتطوع للمساعدة في عرض من يشكو مرضًا من السجانة على الزملاء من الأطباء، وامتدت هذه الخدمة إلى عائلات السجانة وأفراد الحراسة. كتب عويضة:

«أصبحت سيطرتي كاملة على الحراسة الداخلية والخارجية، بحيث كنت أستطيع أن أدبر دخول أي شيء داخل السجن والمعتقل أو إخراج أي شيء. كان محظورًا على المعتقلين إرسال خطابات إلى أهاليهم أو تلقي خطابات فكنت أتولى تدبير ذلك». ويذكر أسماء عدد لا بأس به ممن أسدى لهم تلك الخدمة.

ومن المثير للدهشة، أنه حصل على «أطلس شامل لكل محافظات الجنوب وصحاريها المترامية وكذلك خريطة مفصلة عن» الخارجة (أقرب مكان مأهول) وقراها والطريق إلى السودان عن طريق درب الأربعين، وخرائط مفصلة عن «الداخلة وقراها ومنافذها والطريق إلى ليبيا» فمن أين حصل على كل تلك الوثائق النادرة؟ وربما كان ذلك من بين التوابل التي اعتاد أن يضيفها أحيانا، ولا تقلل أبدًا من المحاولة الأسطورية التي تكللت بالنجاح.

       *

وفي أوائل يونيو 1961، كان نفّذ الحكم الصادر ضده بالسجن سنتين، واصطحبته قوة الحراسة إلى سجن مصر، ثم تم ترحيله إلى سجن القناطر للرجال، المجاور لسجن النساء حيث كان هناك عدد لا بأس به من المناضلات الشيوعيات المعتقلات أو المسجونات. وأقام له زملاؤه حفلًا في السجن بمناسبة الإفراج عنه بعد قضائه مدة الحكم.

وفي اليوم التالي اصطحبته قوة إلى مبنى المباحث الذي يضم قيادات أمن الدولة. أمضى عدة ليال وهو يتعرض للترغيب والترهيب من جانب المسؤولين عن مكافحة الشيوعية، ومن بينهم اللواء حسن المصيلحي نفسه (مستشار جمال عبد الناصر لشؤون مكافحة الشيوعية). كان المطلوب منه أن يوقّع على ورقة تتضمن استنكار الشيوعية والحزب الذي ينتمي إليه، وفي المقابل يتم الإفراج عنه فورًا بل وتوفيرعمل له بإحدى الوظائف «المحترمة»! وعندما رفض تم ضربه وتعذيبه عدة مرات، أي حفلات متتابعة من التعذيب الذي يعقبه أيضًا الترغيب بكتابة الاستنكار وهو دائم الرفض حتى كاد أن يفارق الحياة وهو بين أيديهم.

وهكذا صدر قرار باعتقاله وعودته لسجن الواحات.

هذه الواقعة تحديدًا يذكرها الكثرة الغالبة من شيوعيي الحلقة الثانية التي امتد نشاطها من أربعينيات القرن الماضي وحتى منتصف ستينيات القرن نفسه، وبأشكال مختلفة، فقد تستخدم أجهزة الأمن أطفال وزوجات المعتقلين كوسيلة ضغط، أو التعذيب الذي يتضمن أولًا الاحترام وتوفير سُبل الراحة والوعود.. إلخ، ثم الانقلاب على كل ذلك والبدء في جرعات التعذيب.. ومن الثابت وحسب أغلب الشهادات والسير الذاتية فإن قلة نادرة فقط ضعفت واستجابت، فيما تمسكت الكثرة الغالبة بموقفها الرافض للاستنكار.

         *

أحد الملامح الأساسية في شخصية عويضة، كما سبق أن أشرت، التفكير الدائم ورسم الخطط للهروب وتوثيق العلاقات كافة من أجل تنفيذ الحلم بالهروب. لذلك فاتح الرفيق فخري لبيب المسؤول المركزي للمعتقل في موافقته على بحث خطة لهروب عدد من الزملاء، لكن لبيب استبعد نجاح الخطة.

أما عندما فاتح إبراهيم هراري فقد وافق على الهروب. وهنا ينبغي ذكر عدد من الملاحظات. من بينها مثلًا أن الهروب تم أواخر عام 1963، وفي وقت ظهرت فيه دلائل قوية على قُرب الإفراج (وهو ما حدث فعلًا عام 1964)، طبقًا لما ذكره لبيب مثلًا في جداريته الضخمة «الشيوعيون وعبد الناصر»، لذلك لم ير داع لمخاطرة كتلك. ومن بين الملاحظات أيضًا ما تُجمع عليه شهادات المعاصرين من أن إبراهيم هراري كان حريصًا على عدم الانخراط مع زملائه والاحتفاظ دائمًا بمسافة بينه وبين الجميع، واختار أن ينفرد بمهمة حمل الخبز من الفُرن إلى العنابر، لأن طاولة الخبز تكون ساخنة، ويستخدمها ككمادات ساخنة تلامس عظامه لعلاج الرطوبة القاسية في ليل الصحراء القارس. صحيح أنه ألقى محاضرة لفتت أنظار الجميع عن الحضارة الفرعونية التي كان أحد علمائها الثقات، لكنه أيضًا كان متباعدًا عن الجميع، ولم يكن بينه وبين زملائه أي علاقة خاصة باستثناء عويضة، على الرغم من أنهما كانا مختلفان في كثير جدًا من الأمور، طبعًا باستثناء الهروب الذي ظل سرًا لا يعرفه سواهما حتى تم تنفيذه.

ويذكر عويضة أنه اتفق مع هراري أن يكون هو المسؤول والقائد لمسار رحلة الهروب. واستخدم عويضة «ترسانة من العلاقات الحميمة النافعة. كانت لي صداقات مع عدد من جنود حراسة الحدود أتاني بهم الحظ بعد أن صارت خدمتهم بمحافظات الجنوب. كان هؤلاء قوتي الضاربة في حالة موافقة الحزب على تهريب عدد من كوادره. كانت مكانتهم وإمكانياتهم كبيرة تسمح وتساعد على ذلك. كان من بينهم بلوك أمين وسائق جيب وسائق لاند روفر» حسبما ذكر.

إلى جانب ذلك وصلته من أمه عن طريق الحرس نقودًا وبطاقة شخصية، كما كانت مراسلاته مستمرة مع السيدة التي التقاها في حجز قسم الخليفة وهداها إلى طريق الفضيلة، وكان سببًا أساسيًا في زواجها على سنة الله ورسوله (طبعا يبدو عويضة هنا متأثرًا بأفلام الأبيض والأسود!!) وعن طريق هذه التائبة وصلته قطعة قماش فصلها بنطلونًا لزميله في المعتقل محمد الليثي، ووصله أيضًا راديو ترانزستور صغير وبوصلة صغيرة ونظارة مكبرة.

كذلك أرسل عويضة مراسيله إلى بيت هراري لإحضار صور له وملابس أنيقة وعدد 2 بايب ليستخدم أحدهما في حالة وجود رعشة أو توتر أثناء رحلة الهروب، وحقيبة من خان الخليلي وبعض صور الآثار المصرية. كانت خطته أن يمثل هراري دور عالم آثار وباحث، فيما يشغل عويضةوظيفة السكرتير الخاص. وأوضح لهراري أنه في حالة القبض عليهما، سيتخذ موقفًا سياسيًا هجوميًا باعتبار اعتقاله غير قانوني، لأنه نفّذ الحكم ولم يُفرج عنه رغم انتهاء المدة. وطلب من هراري أن يزعم في حالة القبض عليه أنه باحث في الآثار، وهذه الهواية تستهويه لذلك نسى نفسه وسار هائمًا. لكن هراري رفض قائلًا بحسم: «يا زميل أنا لا أقلّ صلابة عن الطبقة العاملة (فعويضة طبعًا هو ممثل الطبقة العاملة!) فأنا فيها وعضو في حزبها الشيوعي وتحملت حكمًا بالسجن خمس سنوات دفاعًا عنها، سأكون مثلك يا زميل.. دفاعي سيكون سياسيًا وطبقيًا شجاعًا».

والأهم أنه قام بتجربة استطلاع في زي عسكري حراسة مع أحد أصدقائه الحراس إلى معبد هيبس الأثري القريب، وتناول الطعام مع خفراء المعبد، وتوصل في حديثه معهم إلى كل ما يريد معرفته.

*

وأخيرا تحددت ساعة الصفر: صباح الخميس 10/10/ 1963.

في أثناء سير موكب المعتقلين إلى المزرعة، تسلل هو وهراري، بعد أن دبّر حيلة منذ اليوم الفائت مع اثنين من الجنود بأن يشغلا الجنزير(جنود حراسة السجن) والموكب، ويمران على مكان كانا أعده سلفا بتخزين أدوات الهروب و«ملابس الجري». استخدم عويضة النظارة المكبرة لمعاينة جميع الاتجاهات، واتخذا طريقهما لأحد المدقات الموصلة إلى طريق متجه لمعبد هيبس. ارتديا ملابسهما وعلّق عويضة الراديو الترانزستور والنظارة المكبرة على صدره، وأمسك هراري بغليونه، وتلك هيئة السياح التي كان عويضة قد رسمها في خطته. وكان أيضًا أعد لمرورهما على معبد هيبس في اليوم السابق، وتعرّف بالفعل على الخفراء، كما أشرت، فكان مرورهما الآن ممهدًا له، وقدّم هراري باعتباره الدكتور سامي صاحب مكتب سياحي، وقدّم نفسه باعتباره من مساعديه.

ما حدث بعد ذلك يعد أحد نقاط الضعف الأساسية في رواية عويضة، وأشار إليها الكاتب الراحل نبيل زكي في التذييل المنشور في آخر كتاب عويضة. رواية الأخير أنه انتظر صديقه البلوك أمين، محمد عثمان، من حرس الحدود، وهي وظيفة عسكرية لمن يشتغلون بالأعمال الكتابية، على باب المعبد حتى جاء بسيارة جيب، فودعوا الخفراء وتوجهوا إلى مدينة الخارجة بالسيارة.

وعندما وصلوا إلى مدينة الخارجة، قال البلوك أمين إنه سيحضر سائق الأتوبيس العمومي الذي يعمل بين الخارجة وأسيوط ليفتح الباب ويجلسان بالداخل حتى موعد التحرك، مضيفًا أن معه مأمورية إلى معسكر منقباد، مما يتيح له متابعة الأتوبيس في رحلته عن قُرب تحسبا لحدوث أي طارئ.

الترتيب الأخير في خطة عويضة يبدو غير مقنع، أي ترتيب البلوك أمين والدور الذي قام به لم أستطع الاطمئنان لصدقه، ولعلي أتفق مع نبيل زكي كما ذكرت. ومع ذلك فقد سارت الأمور. عبر الأتوبيس أمام ثمان نقاط تفتيش، لكن هوية كل منهما كان تم تزويرها على نحو فائق الدقة: الدكتور سامي عدلي جرجس صاحب مكتب سياحي بالمعادي، وأبو السعود محمد محمد سكرتير بمكتب السياحة الخاص بالدكتور.

نقطة القوة في كامل خطة عويضة تكمن في ذكائه الشديد في اختيار الاتجاه. المتوقع والطبيعي للهروب اتخاذ طريق الشمال إلى القاهرة، لكن عويضة فكّرعكس الاتجاه، وببساطة شديدة اتجه جنوبًا. في ظني أن هذا هو أهم أسباب النجاح على الإطلاق، فقد تركزت كل خطط المطاردة الأمنية في الطريق إلى الشمال، بينما كان عويضة وهراري يتخذان طريقهما إلي مدن الجنوب حتى وصلا إلى أسوان.

السبب الثاني دبّره عويضة أيضًا. فالهروب صباح الخميس، كان يعني أن يسابق الزمن بالفعل، لأنه كان يعلم أن الرفاق لن يكتشفوا غيابهما إلا مساء الخميس، أثناء التمام الذي يجريه الزملاء، بعد أن توقفت الإدارة عن الاهتمام بهذه التفاصيل وتُركت للمعتقلين. وبعد اكتشاف الهروب يلزمهما يومان على الأقل لتخبئة كل الممنوعات وخصوصا الوثائق والتقارير والكتب المدونة على أوراق البفرة، والشاي والسكر والسجائر.. وغيرها وغيرها. وقد اضطروا لفك أحد الشبابيك من العنبر، ونقل الممنوعات ليلًا ودفنها بعيدًا عن العنابر، وهو أمر بالغ الصعوبة ويستغرق وقتًا طويلًا في ظل وجود الحراسة.

         *

كانت الرحلة من أسيوط إلى أسوان رحلة أسطورية بالفعل. مضى الدكتور سامي عالم الآثار وصاحب مكتب السياحة بغليونه، ومعه سكرتيره، من مدينة جنوبية صغيرة إلى أخرى. ينزلان في الفنادق الصغيرة، وعويضة يمارس هوايته الأثيرة في عقد الصداقات أو الاستفادة من المخزون الموجود لديه بالفعل.

لا أدري هل كان من المناسب أن يثير عويضة دون أي سبب أن الدكتور كان يلّح عليه أكثر من مرة في ضرورة زواجه من ابنته «ليلى» وهو لم يكن يعرفها تقريبًا. وإذا كان من الممكن استيعاب أن الفارق الاجتماعي والمادي بينهما يذوب في الشيوعية التي تعني المساواة الكاملة، إلا أنها حكاية عارضة جدًا ولم يكن ضروريًا الاهتمام بها، إلا في إطار عشق عويضة لأفلام الأبيض والأسود.

على أي حال رفض عويضة بحسم عروض الدكتور، كما أبلغه بعدم التزامه بالاتفاق السابق معه بالسفر إلى باريس، فارتباطه بمصر لا يمكن التفريط فيه، وحاول هراري أن يثنيه عن قراره دون جدوى.

من جانب آخر، ساعده أصدقاؤه الذين تنشق الأرض عنهم فجأة في كل مكان حتى وصلا إلى الميناء البحري لمحطة الشلال، وكان رئيس الباخرة الصلة بين زملاء عويضة والحزب الشيوعي السوداني، وعلم منه أن السفر دون أوراق أسهل من السفر بأوراق رسمية.. وهكذا ودّع كل منهما الآخر. وصل هراري إلى السودان، وكان أحد أعضاء الحزب الشيوعي السوداني أعد كل شيء، وسافر هراري إلى باريس في اليوم نفسه، وبعد يومين عقد مؤتمرًا صحفيًا ندد فيه باعتقال وتعذيب الشيوعيين في مصر، وطالب بالإفراج عنهم، ثم واصل بعد ذلك نضاله في الخارج للضغط وفضح ممارسات الحكم البوليسي.

أما عويضة فقد اتخذ طريقه إلى الوجه البحري، واستقر في شبين الكوم بالدلتا. لم يغيّر من ملامحه وملابسه فقط، بل من مهنته أيضًا حيث عمل تاجرًا صغيرا للخردوات واشترى حمارًا يحمل عليه بضاعته ويلف في أسواق القرى.

من المثير للدهشة أنه شاهد أمه وأباه في أحد الأسواق، وكاد يضعف أكثر من مرة ويلقي بنفسه في أحضانهما، لكنه تمسك بنجاحه في الهروب الكبير، ذلك المشروع الأسطوري الذي تحقق للمرة الأولى والأخيرة في تاريخ سجن الواحات.

وفي النهاية، ظل «الفراشة»، أو محمد عويضة مختفيًا ويعمل تاجرًا صغيرًا في قرى الدلتا حتى سقط قرار الاتهام.. عندئذ وعندئذ فقط ظهر الفراشة محمد عويضة! 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن