تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
في أوراق أحمد عباس صالح: تغريبة بغدادية وأخرى لندنية (2-2)

في أوراق أحمد عباس صالح: تغريبة بغدادية وأخرى لندنية (2-2)

الحلقة الحادية عشر من برنامج قراءة «شهود عيان»

كتابة: محمود الورداني 14 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة.

راعيتُ عدة اعتبارات في برنامج القراءة الذي اخترته هنا. فليست السير العشر التي أوردتها هي أهم السير، كما أنها ليست لأهم الكُتّاب، والوقائع والأحداث الواردة في ثناياها ربما ليست هي أيضًا أهم الأحداث.

راعيتُ في المحل الأول التنوع، وأن تمتد هذه السير على مساحات زمنية مترامية وتغطي حقبا تاريخية مختلفة. ليست كلها مشهورة ومعروفة، بل ربما كان بعضها غير معروف كثيرًا، أو مضى على نشرها سنوات طويلة، لكنها مع ذلك كانت مؤثرة وجاءت في مفصل من المفاصل التاريخية الكبرى. 

في الحلقة الأولى تناولت «مذكرات عباس حلمي الثاني» آخر من شغل منصب الخديوية. وفي الثانية مذكرات هدى شعراوي، وفي الثالثة «الأيام» لطه حسين التي لا يمكن تجنبها، و«مذكرات عريان يوسف سعد» أقدم سجين سياسي في الرابعة. أما في الخامسة والسادسة تناولت مذكرات خالد محيي الدين، ثم مذكرات رفعت السعيد في السابعة. وفي الثامنة، كتاب نادية كامل «المولودة»، عن مذكرات والدتها نايلة كامل. وفي التاسعة مذكرات د. محمد أبو الغار. وهنا أقدم، على حلقتين، مذكرات أحمد عباس صالح «عُمرفي العاصفة»، فقد امتدت تجربته ككاتب وصحفي إلى خارج مصر، وكان جزءًا من ظاهرة الطيور المهاجرة التي غادرت مصر بعد انقلاب السادات في مايو 1971، وتوزعت تلك الطيور بين المنافي العربية والأوروبية.

اقرأوا هنا الجزء الأول من شهادة عباس صالح. 

caption

 ..وهكذا.. كانت مصر قد تغيّرت تحت حكم السادات، ولم تؤجَل ثم تُمنع مقالات أحمد عباس صالح من النشر في الصحيفة التي يعمل بها فقط، بل أيضًا سُحبت منه مجلة الكاتب الرصينة المحترمة، التي كان قد أسسها قبل أكثر من عشر سنوات وتولى رئاسة تحريرها طوال هذه الفترة، ثم اختار هو وهيئة تحرير المجلة أن يقدموا استقالاتهم، ويخرجوا بكرامة مرفوعي الرؤوس. وفي النهاية أَمَرَ السادات بالتحقيق معه بواسطة أمين عام الاتحاد الاشتراكي، بسبب مقالات نشرها في جريدة الثورة العراقية. وقد ذكرتُ ماجرى بشيء من التفصيل، في الجزء الأول من هذا العرض.

  ولما كان قد زار بغداد أكثر من مرة في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وعُرض عليه التدريس في معهد الفنون المسرحية، في أكاديمية الفنون بجامعة بغداد أستاذًا لمادتي الدراما والنقد التطبيقي، فقد وافق في نهاية الأمر، وتبدو موافقته نوعًا من اليأس، بعد سلسلة المواقف والإجراءات التي أشرت إليها.

وهكذا غادر مصر في خريف 1975.

كان العراق، بعد سلسلة من الانقلابات العسكرية تحت حُكم حزب البعث، وهو حزب تدعو أفكاره للقومية العربية والوحدة على نحو عاطفي يشبب بالأجداد والأفكار الوطنية المحلّقة، وقد أسسه المفكر السوري ميشيل عفلق، والذي انتقل في تلك الفترة إلى بغداد، وعاش هناك بوصفه مفكر الحزب، وإن كان لم يتول منصبًا رسميًا.

 كتب عباس صالح: «لم أكن بعثيًا، ولكني كنت وحدويًا. ومع ذلك فقد دخلت إلى عالم الثقافة عن طريق التراث العربي والإسلامي». وكان قد التقى بمؤسس الحزب في القاهرة، في خمسينيات القرن الماضي، عندما زار مجلة صباح الخير التي كان يعمل فيها صالح. وكان ما قرأه لعفلق من كتابات غير مقنع بالنسبة له، إلا أنه يذكر أنه كان لحزب البعث نشاط في مصر في ذلك الوقت، واجتذب إليه بعض المثقفين المصريين ولم يكن صالح من بينهم.

 وفي بغداد، حاول بعض كوادر البعث تجنيده، لكنه رفض بوضوح، مثلما رفض بعض المثقفين والكتاب المصريين، الذين كانوا يعملون في العراق مثل الدكتور محمد أنيس، ونبيل زكي، وجلال السيد. كما توقف صالح عن النشر في جريدة الثورة، لأنها جريدة الحزب الرسمية، وحرص على أن يُظهر حياده معتبرًا نفسه ضيفًا مستقلًا.

 من جانب آخر، كان مستقبل العراق كبلد نفطي يبدو واعدًا، ويعوم على احتياطيات ضخمة، ورأى صالح أن العراق يضع أمام الشعب مشروعًا للنهضة قريب الشبه بالمشروع المصري (الناصري طبعًا)، وأنه يمكن أن يكون بديلًا للمركز المصري، بل وبدا أن لدى العراقيين الرغبة، في أن يرثوا المشروع المصري، وأن يمضوا به، في الوقت الذي كان فيه السادات يقفز قفزات واسعة في اتجاه معاكس تمامًا، نحو ما أسماه بالانفتاح الاقتصادي، والتفريط في المكتسبات التي تحققت في سنوات الناصرية، إلى جانب الارتباط بالولايات المتحدة، وبِدء حل منفرد مع إسرائيل.

 لم يمض وقت طويل، حتى تبين لصالح، وكثير من المثقفين والكتاب العرب، أن هناك مشكلة أمنية ضخمة، وأن حزب البعث جهاز أمني أكثر منه حزب سياسي، وأن هناك خللًا في النشاط السياسي، وكثيرًا ما كانت هناك أيادٍ خفية تتدخل لتغيير ما يكون قد تم الاتفاق عليه، في قرارات اللجان والهيئات التي يعملون بها.

 على أي حال، استغرق صالح، وكثير من الكُتاب والصحفيين المصريين، الذين كانوا قد استقروا في بغداد وقتًا طويلًا، قبل أن يكتشفوا أنهم في دولة بوليسية! مع أنه يورد مشهدًا رآه بنفسه، لا يمكن تخيّله في أعتى الدول البوليسية، عندما دُعي ضمن آخرين من وزارة الإعلام ليشهد تسجيلًا للمحاكمة التي أجراها صدام بنفسه لرفاقه في حزب البعث، بعد انقلابه على رئيس الجمهورية آنذاك أحمد حسن البكر، وانفراده بالسلطة. كان قد تم اتهام عدد من قيادات «البعث» بتدبير مؤامرة بتمويل وتوجيه من سوريا (وكان العداء تقليديًا بين الحزبين- الشقيقين البعثيين لا يتوقف أبدًا!) وتم اكتشاف المؤامرة المزعومة، وحاكمهم صدام جالسًا في قاعة كبيرة وراء منصة، وبجواره رئيس ديوانه باعتباره شاهدًا على زملائه ومتورطًا في المؤامرة. ويقوم الشاهد بتلاوة اعترافه على المتهم، فيسوق الجلادون المتهم، بعد أن يشير لهم صدام، ويأخذونه للإعدام فورًا.. وهكذا مع كل المتهمين، وفي النهاية أمر صدام بإعدام الشاهد أيضًا.

 كتب صالح: «كنت أتأمل هذا المشهد الغريب. رجل واحد يتحدث عن آخرين بأنهم تواطئوا مع النظام السوري من أجل الانقلاب على النظام العراقي وخانوا الأمانة، وتكفي الشهادة ودون أية مناقشة ودفاع يُساق المتهم إلى الإعدام فورًا».

جبهة للصمود والتصدي أيضًا

لكن زيارة السادات المشؤومة لإسرائيل في نوفمبر 1977، قادت المنطقة بكاملها لمنعطف جديد، وتم نقل الجامعة العربية من مقرها في القاهرة إلى تونس، وقطعت العلاقات الدبلوماسية، وتشكّلت جبهة للرفض، سمُيت جبهة الصمود والتصدي. ويذكر صالح، أنه بدا أن القيادة العراقية رأت أن الفرصة مناسبة لتتولى «قيادة التيار الثوري في العالم العربي والعمل على إبعاد مصر»، كما عُقدت عدة مؤتمرات في أكثر من بلد عربي، للتنديد بزيارة السادات، وتم افتتاح إذاعة موجهة ضده. وفي أحد المؤتمرات أعدّ صالح ورقة تتضمن قرارات محددة للمواجهة، كان من بينها تأسيس مركز دراسات في لندن، يقوم بعمل إعلامي في الخارج في السياق نفسه.

ولم يمض وقت طويل، حتى اكتشف صالح أن دول جبهة الرفض، تعمل لصالح الأنظمة الحاكمة، وليس من أجل مواجهة كارثة الصلح المنفرد مع إسرائيل. وأضيف إلى ذلك إصابته بأزمة قلبية، تعرّض فيها للموت، بسبب الإرهاق والإحساس بالفشل على كل المستويات، ونُقل إلى لندن لإجراء جراحة عاجلة لتغيير شريان معطوب.

يرسم صالح ملامح بالغة السواد للعراق آنذاك، بعد أن تم إعدام أصدقائه، بل وبدأت التضييقات والاحتكاكات به، من جانب السلطات، كما عَرف بعض الكتاب المصريين طريقهم لمغادرة العراق. لم يكن ما شعر به مجرد الإحباط والوحدة، وربما كان أقسى ما شعر به هو أحزانه العميقة بسبب قتل أصدقائه العراقيين في محاكمات هزلية، ولم يكن أمامه إلا أن يغادر بدوره. فكّر في العودة إلى مصر، لكن ذلك لم يكن متاحًا، بسبب المواقف التي اتخذها ضد نظام السادات. استقر رأيه على أن يطلب من وزير الإعلام العراقي آنذاك طارق عزيز، أن ينتقل إلى لندن، ليعمل في مركز الأبحاث السابق الإشارة له، فقد كان عزيز الداعم الأول للقرار، الذي كان صالح قد اقترحه من قبل. غير أن أوضاعه باتت مضطربة، وتهرّب منه الجميع وفي مقدمتهم طارق عزيز.

في النهاية، زار ميشيل عفلق مفكر الحزب، واشتكى له مما كان يعانيه، وطلب مساعدته. وعلى الرغم من أنه لاحظ أن عفلق يعاني أيضًا من التجاهل والإهمال، إلا أنه وعده بأنه سيطلب لقاء صدام حسين، ويدعوه للتدخل. وفي اليوم التالي فوجئ بأن وزير الإعلام، الذي كان يتهرّب من لقائه يتصل به، ويدّعي أنه كان يبحث عنه!! ودعاه  لزيارته فورًا. وافق عزيز على طلبه بالمغادرة إلى لندن، لكنه رفض أن يعمل في مركز الأبحاث بحجج مختلفة، وعرض عليه أن يعمل ملحقًا صحفيًا في السفارة العراقية في لندن، وينضم للسلك الدبلوماسي. جادله طويلًا فقد كان يتوق طبعًا للتحرر من سُلطة حزب البعث، لكن الوزير أصرّ تحت دعوى أن هذا سيسّهل له اصطحاب أسرته، بسبب التسهيلات الدبلوماسية، وعلى الرغم من عدم اقتناع صالح، إلا أنه اضطر للموافقة في نهاية الأمر، ولم يكن أمامه إلا الموافقة، وفي ديسمبر 1981 غادر بغداد إلى لندن.

التغريبة اللندنية

  وسرعان ما اكتشف أنه لا عمل حقيقي ينتظره، والعمل المنوط به كان يتولاه ملحق عراقي شاب. وانتظر أن يُسند له أي عمل، لكن انتظاره طال.

  لَفَت نظره آنذاك ظاهرة واضحة للغاية، وهي التواجد الظاهر والكثيف للحركة الإسلامية، ونشاطها الإعلامي الواضح واحتضان الغرب، وليس لندن وحدها للحركة الإسلامية، ومنحها كل التسهيلات الممكنة، والسماح لها بالنشاط والانتشار، ولم يبدأ الصدام، إلا عندما تجاوزت الحركة الخطوط الحمراء. يكاد ما جرى بين الصحوة الإسلامية الجديدة، الدوائر الغربية، أن يكون هو نفسه ما جرى بين  السادات وبينها، حيث استخدم الحركة الإسلامية، بما في ذلك «الإخوان المسلمين»، عندما أفرج عنهم من السجون، وسمح لهم باستخدام كل المنابر والأدوات من أجل تصفية النفوذ اليساري، ثم انقلبت الحركة عليه عندما اشتدّ ساعدها واغتالته أثناء العرض العسكري عام 1981. لكن الدوائر الغربية احتاجت إلى عدة سنوات، حتى تفجيرات سبتمبر 2001 في أمريكا، لتشن حربها ضد تنظيمات الحركة الإسلامية، التي استمرت حتى اليوم.

يتوقف صالح أيضًا، عند أوضاع الصحافة العربية في لندن، وعدد آخر من العواصم الأوربية آنذاك، بسبب إقامته في عاصمة، لها كل تلك العراقة الكولونيالية، ما مكّنه من أن يتأمل الظاهرة جيدًا. والحقيقة أنها ظاهرة لافتة آنذاك، ولا شك أنها أثّرت بشدة على مجمل أوضاع الصحافة عمومًا. كانت هناك ثلاث صحف يومية تصدر بالعربية من لندن وحدها، وكان لكل دولة عربية تسعى لتوسيع نفوذها أكثر من مطبوعة دورية، لأغراض الدعاية والتواجد السياسي، ولم يكن التوزيع أو التمويل أو الحصول على الإعلانات من بين أهدافها. التوزيع لم يكن يتجاوز ألف أو ألفي نسخة للعرب المقيمين، والحصول على إعلانات للإنفاق على التحرير والطبع، لم يكن ضروريًا لأن التمويل كان يتم عن طريق هذه الدولة أو تلك، ولم تكن هناك مطبوعة لوجه الله أو لوجه الصحافة، فكلها تمثل مصالح أنظمة محددة.

وربما كان من أغرب ما جرى له، لقاؤه بشمس بدران في لندن. للتذكرة كان بدران من بين أعضاء الصف الثاني لتنظيم الضباط الأحرار، وعُرف باعتباره من القريبين جدًا من المشير عبد الحكيم عامر، وكان يشغل منصب وزير الحربية عندما وقعت هزيمة 1967، وتردد اسمه كرئيس محتمل للجمهورية، في أثناء الاضطرابات التي سبقت انتحار المشير، ثم اتُهم بالضلوع في محاولة انقلابية نُسبت للمشير ورجاله، وحوكم وعوقب بالسجن عدة سنوات، وعندما تولى السادات أفرج عنه، وسمح له بالسفر إلى لندن، وعاش حياة شبه سرية، خائفًا من «الإخوان المسلمين» فقد كان أحد المسؤولين عن السجن الحربي، وهو السجن الرئيسي الذي سجن فيه «الإخوان المسلمين»، وأشرف على تعذيبهم في أواسط ستينيات القرن الماضي.

تعرّف عليه صالح في أثناء إقامته في لندن، ولاحظ أنه يعاني من أزمة مالية كانت آثارها واضحة عليه، وطلب منه أصدقاء مشتركون أن يتوسط له ويُدعى لزيارة بغداد، ليعرض على المسؤولين مشاريع تجارية، ليتجاوز الأزمة التي يمر بها، واستجاب صالح، ووافق مسؤولو العراق، وتمت دعوة بدران بالفعل، لكن الزيارة فشلت تمامًا، فحزب البعث لم يكن مهتمًا بمشاريع تجارية معه، بل كان مهتمًا بالمردود السياسي لرجل كان له ذلك التاريخ الحافل، بينما كان بدران رافضًا وخائفًا من استغلاله سياسيًا، وكان يريد أن يمحو آثار الماضي، لا أن يحييه و«الإخوان» يعبترون أن بينهم وبينه ثأر، ويتحينون الفرصة لإيذائه.

وكان من بين ما عرفه صالح عنه، صداقة بدران الوثيقة بالموسيقار عبد الوهاب، الذي كان بدران يستقدمه في سهرات خاصة بمنزله، وكان يحتفظ بتسجيلات لتلك السهرات سمعها صالح بالفعل. الأهم من كل هذا، أن الحديث بينهما تطرق لأن يتولى صالح كتابة مذكرات بدران، ونشرها في الصحافة، لكن صالح تراجع في اللحظة الأخيرة. وأظن أن القارئ خسر كثيرًا بضياع فرصة كتلك، خصوصًا أن المشروع لم يتم، ولم تصدر المذكرات مطلقًا، وأظن أيضًا أنها كانت ستتضمن قيمة تاريخية بالغة الأهمية، وكاشفة عن جوانب مسكوت عنها.

العد التنازلي

وبدأت مرحلة جديدة، يمكن وصفها بالعد التنازلي، في علاقته بالنظام البعثي، عندما أوقفوا مرتبه، تحت دعاوى بيروقراطية مكشوفة، على مدى أكثر من عام، وهو ينفق على الضروريات من مدخراته القليلة، وفي الوقت نفسه لم تكن الظروف ملائمة له في مصر، وأولاده في مدارس في لندن وفي مراحل تعليمية مختلفة ويتعذر نقلهم.. في ظل كل تلك الظروف الخانقة، حسبما كتب «جاءني خطاب من إدارة ثقافية تابعة لوزارة الإعلام بأن أسهم بتأليف كتاب عن عبقرية الرئيس صدام كمفكر من خلال كتاباته حول القومية العربية»، ويضيف «بالطبع أدركت أن هذا هو الثمن الذي عليّ أن أدفعه. وفي ذلك المناخ الجنوني كتبت موافقًا، وجاءني خطاب بتحديد مواعيد الانتهاء من تأليف الكتاب. ولكن عندما جلست أخطط لتأليف الكتاب وجدتني عاجزًا تمامًا عن أن أكتب أي حرف، ولعلي احتقرت نفسي تمامًا».

كانت تلك لحظة ضعف عابرة، وعندما أخبر زوجته رفضت وهاجمته بشدة، إلا أن زيارة مفاجئة من صديقه الكاتب محمود السعدني، كانت السبب في تجاوز الأزمة. وكان الأخير قد سبقه بالسفر إلى لندن، وأصبح واحدًا من أبرز الطيور المهاجرة، وكان قد اتُهم فيما عُرف بمؤامرة مراكز القوى عام 1971، وسُجن فترة قصيرة ثم هرب إلى لندن، وانتهى به المطاف كاتبًا في جريدة الشرق الأوسط السعودية اليومية التي تصدر من لندن.

طلب صالح من صديقه السعدني أن يتوسط له للعمل في الصحيفة السعودية، وبعد يوم أو اثنين، اتصل به عثمان العمير، رئيس التحرير، يدعوه للقاء في مكتبه. واتفقا في اليوم نفسه على أن يتسلم عمله، وعندما سأله صالح عن الخطوط الحمراء التي عليه أن يتجنبها في مقالاته، أخبره العمير أن عليه أن يكتب ما يشاء، وهم يشطبون ما يتراءى لهم!

على أي حال، أنقذه صديقه السعدني من إذلال حزب البعث، وتوثقت علاقته بالجريدة السعودية، وربما رضيت عنه السلطات السعودية، فقد تلقى دعوة للحج هو وزوجته، وسافرا بالفعل لأداء الفريضة.

من جانب آخر، وبعد احتلال العراق للكويت، كان عليه أن يقطع علاقته الرسمية بالدولة العراقية، لأنه حتى ذلك الحين كانت إقامته في انجلترا مرتبطة بوظيفته في المكتب الصحفي، وما زال على القوائم الدبلوماسية للسفارة. والمثير للدهشة أن  السفارة المصرية في  لندن ساعدته، على الرغم من العلاقات المتوترة بينه وبين النظام في مصر، وقامت باستئذان الدوائر الأمنية في القاهرة لتغيير إقامته في لندن، وتصبح على جوازه المصري باعتباره كاتبًا صحفيًا.

  لا أريد أن أعلّق على هذه النقطة، وغيرها من النقاط الصغيرة المشابهة، إلا أنها جميعها تشير إلى أن هناك دولة عميقة في مصر، يمكنها أن تتدخل وتؤثر، وعينها على مصالح وصلات قديمة، وتظل هناك خيوط غير مرئية تفعل فعلها في الوقت المناسب.

أين ذهب المشروع القومي؟!

وهكذا، وبعد ثمانية أعوام من إقامته في لندن، أدرك أن المشروع القومي الذي ارتبط به منذ مطلع الشباب، بدأ يتصدع بتولي السادات، وعندما هاجر إلى العراق كان يتصور أنه سافر ليواصل دفاعه عن ذلك المشروع القومي، لكن النظام البعثي العراقي سرعان ما أسفر عن وجهه الدموي، ولم يكتف بالإعدامات المجنونة في  بغداد، بل امتدت الذراع الأمنية الطويلة إلى لندن، وطالبت صالح بدفع الثمن وتأليف كتاب عن عبقرية صدام حسين، وإذا كان قد أفاق في الوقت المناسب، وقبل أن يرتكب تلك الجريمة التي احتقر نفسه -على حد تعبيره- عندما اضطر للموافقة على ارتكابها، إلا أنه في الواقع لم يتوقف كثيرًا أمام تغيير مواقفه، والاتجاه نحو الارتباط بنظام آخر، عُرف باعتباره صاحب مشروع آخر رجعي ومحافظ، وهو الأشد عداءً لما كان يُعرف بالمشروع القومي.

كنا قد وصلنا إلى عام 2004، وكان حسني مبارك قد تولى الرئاسة منذ سنوات «وبدأ بالتزام سياسة جديدة فيها شيء من الانفتاح السياسي والحرية»، على حد تعبيره، وكان صالح قد أجرى في غضون ذلك عمليتي قلب مفتوح خطيرتين، احتاجت إحداهما إلى مجدي يعقوب شخصيًا، بسبب دقتها وخطورتها، وشعر برغبة شديدة في العودة إلى الوطن.

يمكن تفهم حالة صالح النفسية وظروفه الشخصية، فهو في النهاية ضحية الأنظمة التي ارتبط بها، ورهن حياته بها، كما أنه من الواجب تقدير الموقف الذي خاطر باتخاذه، عندما تراجع عن موافقته على تأليف كتاب عن عبقرية صدام حسين، والثمن الذي دفعه بقطع الصلات مع النظام البعثي.

وهكذا، بدأ يبحث عن وسيلة لزيارة مأمونة لمصر، ولأنه كان في النهاية ابن الدولة المصرية، وعمل لعقود في أجهزتها السياسية والإعلامية، وكثيرًا ما طُلب منه كتابة خُطب كبار المتنفذين في دوائر الحكم، وعاصر أكثر من طاقم من طواقم الحكم عبر مسيرة حافلة، لكل هذا، كان لا يزال محتفظًا بجسور مع شخصيات متنفذة، لم يفصح عنها، ومن الممكن أن تفيده. من المثير للدهشة أن الشخص الذي ذكر اسمه، وساعده في السماح له بالعودة هو شعراوي جمعة، وزير الداخلية السابق، الذي اتُهم في مؤامرة 15 مايو 1971، وصدر ضده حُكم بالسجن عدة سنوات أمضاها بالفعل، هو نفسه الذي لعب الدور الأساسي في ترتيب عودة صالح!

والأكثر إثارة للدهشة أن صالح لم يهتم بتفسير الإشارات الغامضة، التي قال فيها عَرَضًا إن شعراوي جمعة، الذي كان قد ترك وزارة الداخلية إلى السجن عام 1971، كان لا يزال له علاقات وثيقة ويُستمع إليه، وهي العلاقات التي أتاحت له استئذان الدولة، ونال موافقتها بالفعل على عودة صالح، بعد غياب لما يقرب من أحد عشر عامًا بالخارج.

كتب صالح: «في مطار القاهرة، استقبلت استقبالًا جيدًا وأدخلوني قاعة كبار الزوار ريثما تنتهي الإجراءات. وجدت زوجتي وبعض أقاربي في انتظاري. وحين جلست ودرت بعيني في أرجاء القاعة المصرية الطابع وجدتني أجهش بالبكاء. خجلت من نفسي ولكنني لم أملك التوقف عن البكاء». ويضيف: «ولعلي تساءلت بعد ذلك: أإلى هذا الحد نحب هذا البلد؟ ولكن ألم نضيّع عمرنا من أجل أن نجعله بلدًا عظيمًا؟».

وفيما بعد احتاج لجراحة دقيقة في الولايات المتحدة، بسبب إصابته بسرطان البروستاتا، ولم يكن يملك الأموال الباهظة اللازمة لذلك، فاصطحبه صديقه المؤرخ عبد العظيم رمضان، والتقيا بمصطفى الفقي، الذي كان يشغل آنذاك منصب سكرتير الرئيس للمعلومات، وحصل الأخير على موافقة مبارك على تحمّل تكاليف العلاج، وسافر صالح بالفعل وأجرى الجراحة. وعاد في النهاية، وأمضى سنوات قليلة جدًا قبل أن يرحل في هدوء، والأهم في وطنه، وبعد حياة حافلة.

وفي النهاية، ليس المطلوب إدانة أو حتى التعاطف مع سيرة أحمد عباس صالح وشهادته، بل اعتبار السيرة وثيقة سياسية واجتماعية، ينبغي قراءتها بكل اهتمام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن