تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
 في أوراق أحمد عباس صالح: عواصف تبدأ .. ولا تنتهي (1-2)

 في أوراق أحمد عباس صالح: عواصف تبدأ .. ولا تنتهي (1-2)

الحلقة العاشرة من برنامج قراءة «شهود عيان»

كتابة: محمود الورداني 18 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة.

راعيتُ عدة اعتبارات في برنامج القراءة الذي اخترته هنا. فليست السير العشر التي أوردتها هي أهم السير، كما أنها ليست لأهم الكُتّاب، والوقائع والأحداث الواردة في ثناياها ربما ليست هي أيضًا أهم الأحداث.

راعيتُ في المحل الأول التنوع، وأن تمتد هذه السير على مساحات زمنية مترامية وتغطي حقبا تاريخية مختلفة. ليست كلها مشهورة ومعروفة، بل ربما كان بعضها غير معروف كثيرًا، أو مضى على نشرها سنوات طويلة، لكنها مع ذلك كانت مؤثرة وجاءت في مفصل من المفاصل التاريخية الكبرى. 

في الحلقة الأولى تناولت «مذكرات عباس حلمي الثاني» آخر من شغل منصب الخديوية. وفي الثانية مذكرات هدى شعراوي، وفي الثالثة «الأيام» لطه حسين التي لا يمكن تجنبها، و«مذكرات عريان يوسف سعد» أقدم سجين سياسي في الرابعة. أما في الخامسة والسادسة تناولت مذكرات خالد محيي الدين، ثم مذكرات رفعت السعيد في السابعة. وفي الثامنة، كتاب نادية كامل «المولودة»، عن مذكرات والدتها نايلة كامل. وفي التاسعة مذكرات د. محمد أبو الغار. وهنا مذكرات أحمد عباس صالح «عُمرفي العاصفة»، فقد امتدت تجربته ككاتب وصحفي إلى خارج مصر، وكان جزءًا من ظاهرة الطيور المهاجرة التي غادرت مصر بعد انقلاب السادات في مايو 1971، وتوزعت تلك الطيور بين المنافي العربية والأوروبية.

caption

ربما لاتعرف الأجيال الجديدة اسم أحمد عباس صالح، الذي رحل في يونيو 2006، عن عمر اقترب من الثمانين عامًا. قد يكون ذلك، بسبب إجباره على الهجرة إلى الخارج، سواء إلى العراق أو بريطانيا، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وحتى عودته إلى مصر، في مطلع الألفية الجديدة، قبل رحيله بوقت وجيز. أي أنه غاب أكثر من ثلاثين عامًا متواصلة. ولحُسن حظ كاتب هذه السطور، أنه التقاه بعد عودته لمصر، وأجريت معه حوارًا نشرته في صحيفة أخبار الأدب، حيث كنت أعمل آنذاك. فقدتُ هذا الحوار مثلما فقدتُ أوراقًا عديدة، لكنني أحتفظ بذكرى أكثر من طيبة، عن رجل كنت أعرف قدره وتأثيره، والأدوار التي لعبها، وعاصرتُ المعركة التي خاضها في مجلة «الكاتب»، التي كان يرأس تحريرها، دفاعًا عن استقلالها، واضطراره للاستقالة مع أسرة تحريرها، خلال منتصف سبعينيات القرن الماضي.

ولحُسن حظ الأجيال الجديدة، أنه ترك مجلدًا ضخمًا، سجلّ بين صفحاته تجربة جيل كامل، هو كتاب «عمر في العاصفة» الذي أصدرته هيئة الكتاب عام 2008، بعد رحيله بعامين. للأسف تعرّض الكتاب لإهمال من الناشر، حيث تم استخدام بُنط طباعي صغير جدًا يُقرأ بصعوبة بالغة، فعدد صفحاته 363 صفحة من القطع الكبير، ولو كان الناشر قد قام بواجبه المهني، لتضاعفت صفحات الكتاب بكل بساطة.

شهادة صالح، تتوزع على ثلاثة أقسام: في شوارع ومنتديات القاهرة، أيام في بغداد، وأخيرًا سنوات في بريطانيا، قبل عودته الأخيرة إلى القاهرة، ليرحل في هدوء، بعد أن كان قد تعرّض للنسيان، بسبب عقود النفي الإجباري طوال حكم السادات، وجانبًا من سنوات حكم مبارك.

تلاوة الشيخ محمد رفعت

صالح قاهري قُح، وابن مدينة بامتياز، وأول ما يتذكره هو تلاوة الشيخ محمد رفعت الساحرة، قبل صلاة الجمعة، في جامع بمنطقة درب الجماميز، وكثيرًا ما كان يراه سائرًا في الشارع الذي يسكن فيه صالح. 

صالح أيضًا، هو الابن الأكبر لأسرة من الطبقة الوسطى، تتكون من عشرة أبناء، ووالده يمتلك دكانًا لخياطة البدل، هاجر من المنصورة، وجاء ليعيش مع زوجته القاهرية التي كانت ابنة لشيخ جامع السيدة زينب. التأثير الأكبر الذي يبادر صالح بتأكيد تأثيره عليه، هو ثورة 1919، التي ولد بعدها بسبعة أعوام، وكذلك الأزمة الاقتصادية العالمية في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان من بين نتائجها إفلاس والده وعجزه عن إلحاقه بالمدرسة الثانوية. أمضى صاحبنا أربع سنوات متبطلًا، منذ الحادية عشرة من عمره، ولم يكن أمامه إلّا مكتبة جده لأمه خريج الأزهر، فالتهم كل ما فيها من كتب التراث، وما كانت تحتفظ به أمه من الروايات والقصص المترجمة والسير الشعبية المختلفة، فقد كانت متعلمة وتهوى القراءة.

  وبمساعدة معارف أبيه وأصدقائه، تقلّب في عدة وظائف. عمِل مثلًا في مكتب محاماة، وشركة للتأمين منذ عام 1947، حتى استقر في نهاية الأمر موظفًا إداريًا في الجامع الأزهر. وقبل ذلك، كان قد تردد على مقار أكثر من حزب سياسي مثل «مصر الفتاة»، و«النادي السعدي» -نادي حزب الوفد القديم- وشأنه شأن كثيرين مثل جمال عبد الناصر، وخالد محيي الدين، وغيرهما، مرّ على «الإخوان المسلمين» لبعض الوقت، وأقسم على الطاعة للمرشد في حجرة معتمة، بعد أن وضع كفه مع غيره من الأكف على القرآن.

لا تتميز شهادة صالح بلغة أدبية رصينة، تتجنب البلاغة اللفظية الشكلية فقط، بل تتميز أيضًا بالولع بالتفاصيل، وحيوية السرد. فيذكر مثلًا أنه كان يسكن قريبًا من المربع الأكثر نشاطًا في القاهرة، حيث أغلب الوزارات، والبرلمان، ومقار الأحزاب، والسراي، وبيت الشيخ مصطفى عبد الرازق، الذي كان تتردد عليه قامات كبرى مثل طه حسين، وبار اللواء الذي يتردد عليه كبار الصحفيين والمشتغلين بالكتابة. وكان أغلب المشاهير مثل أم كلثوم، وعبد الوهاب، والقصبجي، يسكنون فيه، وكثيرًا ما شاهد الأخير ببدلته السوداء الكاملة، يحمل طبقًا فارغًا وهو في طريقه لشراء فول الإفطار!، كما شاهد السادات الذي كان ضابطًا صغيرًا يجلس مع صديقه زكريا الحجاوي في مقهى الحي، بينما يلعب مع رفاقه الكرة الشراب، ويدلفون إلى المقهى بين الحين والآخر ليتناولوا كوبًا من الماء، وكان السادات شبه معروف، بسبب اتهامه في قضية اغتيال أمين عثمان، وفصله، ثم عودته مرة أخرى للخدمة.

 مسؤول خلية عمالية في «حدتو»

وهكذا لعبت المصافات دورها، ومنها سكنه في مكان يتميز بكل تلك الحيوية، وفي قلب القاهرة. ومن بين تلك المصادفات، تعرّفه أثناء الانتخابات البرلمانية على فتحي الرملي، مرشح الدائرة الانتخابية اليساري، وحوله مؤيدون مثل لويس عوض، ورمسيس يونان، وجورج حنين، ومن خلالهم عرف طريقه للأفكار الاشتراكية، وحاولوا تجنيده في تنظيم تروتسكي اسمه «العصبة الماركسية»، وتلقى محاضرات، وقرأ أوراق التنظيم، وهو في الثامنة عشرة، ثم استقر به المقام في تنظيم حدتو -الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني- وتم تكليفه وهو في تلك السن المبكرة بـ«تجنيد عناصر جديدة وتدريس الماركسية للخلايا التي أجندها أو التي تقرر اللجنة الأعلى تكليفي بالمسؤولية عنها»، حسبما كتب، ويضيف: «وكان التنظيم يصدر نشرة أسبوعية توزع على كل المسؤولين تتناول الأخبار السياسية الجارية ورأي التنظيم فيها».

ومن المثير للدهشة أن يتولى صالح، عام 1948 مسؤولية خلية في شبرا الخيمة، تضم عددًا من القيادات العمالية. وعندما صدر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، وافق التنظيم على القرار، لكن الخلية العمالية رفضته، وقدّم أعضاؤها استقالتهم للتنظيم، وهنا انقطعت صلاته بالمنظمات الشيوعية، إلا أنه يذكر -في ذلك السياق- معلومات غير دقيقة عن هنري كورييل، أحد مؤسسي «حدتو»، من بينها مثلًا أنه «اضطر مرغما أن يهاجر إلى إيطاليا»، والصحيح، أن سلطات الأمن أصدرت قرارًا بطرده من مصر، كما يذكر أيضًا أن «شخصًا ما أو جماعة»، اغتالته وهو في طريقه ليستقل المصعد، متجها إلى شقته في باريس، بينما تشير مصادر عديدة إلى تورط أكثر من جهة، ومن بينها الأمن الفرنسي نفسه، في اغتياله، بسبب نشاطه السياسي، ودعم مجموعته لاستقلال الجزائر.

على أي حال، اتجه صالح إلى الأدب، وبدأ في نشر بعض قصصه القصيرة، في عدد من المجلات، وتعرف على عدد من الصحفيين والكتاب، من بينهم زكريا الحجاوي، الذي اصطحبه إلى مقهى شهير أشار إليه الكثيرون، وهو «قهوة عبد الله» في الجيزة، وقد ظل المقهى، لسنوات في بداية خمسينيات القرن الماضي، مركزًا لتجمع عدد كبير من الكتاب والنقاد، مثل محمود السعدني، وأنور المعداوي، ولويس عوض، ومحمود حسن إسماعيل، وغيرهم، وأتاح له ذلك، فرصة لمعرفة الاتجاهات والتيارات الأدبية المختلفة.

وعندما قرأ بالمصادفة رواية زقاق المدق، لنجيب محفوظ، اكتشف أنها حدث جديد في عمر الرواية العربية، ولما كان على صلة بعادل كامل المحامي والكاتب، عرف طريقه معه إلى كازينو أوبرا، حيث كان نجيب محفوظ يعقد ندوة أسبوعية، وهكذا اتسعت دائرة معارفه.

وفي الوقت نفسه تعلم اللغة الفرنسية، إلى جانب الإنجليزية، التي كان قد تلقى دروسا فيها من قبل، والتحق بمدرسة ليلية، كانت تتيح دخول امتحان السنوات الأربع في سنة واحدة، ثم دخل امتحان التوجيهية، ونجح فيه ليلتحق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة.

صحافة 23 يوليو

عندما قام تنظيم الضباط الأحرار بحركة 23 يوليو، كان أحد الأنشطة الرئيسية لصالح، كتابة التمثيليات الإذاعية، والتي تعلّمها وأجادها من خلال أحد أقرب أصدقائه وهو المخرج المعروف يوسف الحطاب، وفي ذلك الوقت كانت الإذاعة مؤثرة،  في ميدان خال من التليفزيون، أو غيره، من وسائل الاتصال بالطبع. كما أن صالح كان بالغ التميز في ذلك المجال، حيث اشتهر بأنه يُعد أعمالًا رفيعة المستوى، عن أعمال أدبية رفيعة المستوى، لتوفيق الحكيم، وطه حسين، ونجيب محفوظ، مثلًا. كما أفاده معرفته الدقيقة بالتراث، في تأليف تمثيليات، تستند على تلك المعرفة، والتي حصل عليها مبكرًا من مكتبة جده، لأمه كما سبق الإشارة.

  ثم طلبه السادات بالإسم، عندما تأسست أول مطبوعة رسمية، بعد نجاح الحركة وهي مجلة «التحرير»، ومالبث أن ضمه أيضا لصحيفة الجمهورية، أول صحيفة يومية للنظام الجديد، وكان مسؤولًا عن الملحق الثقافي الأسبوعي، وكان من كُتّابه أسماء لامعة مثل الموسيقي مدحت عاصم، والمسرحي زكي طليمات، وطه حسين، ولويس عوض.. وغيرهم وغيرهم. وحسبما كتب: «لقد استغرقت تمامًا في هذا الجو الثقافي البالغ الثراء، وتعلمت الشئ الكثير وكنت أنشر قصصي القصيرة في هذا الملحق».

  حرص صالح، على أن يذكر صلته بعباس العقاد، في فصل كامل، ولم تكن العلاقة بين الأخير، وبين الحركة الجديدة على ما يرام. صحيح أنها لم تصل لمرحلة الصدام المباشر، لكنه لم يكتب مؤيدًا لها. وبدأت الصلة، عندما اقترح لويس عوض عليه، أن يُجري حوارًا مع العقاد، واندهش الأخير عندما هاتفه صالح، ليحدد معه موعدًا، فصحيفة الجمهورية كانت معروفة بوصفها الصحيفة المعبّرة عن النظام الجديد. وافق العقاد، لكن صالح وصل متأخرًا ساعة كاملة، وكان معروفًا عن العقاد احترامه للمواعيد والتزامه بالدقة، أما صالح فقد صادفته  ظروف خارجة عن إرادته، وحالت دونه ودون الموعد. فتح الباب خادم العقاد، وقال له إن الأستاذ غير موجود، لكن صالح تجادل معه ورفض الانصراف، مما أدى إلى خروج العقاد، وإعلانه رفض الزيارة، لعدم الالتزام بالموعد، فاعتذر صالح و ترجى العقاد حتى وافق على دخوله.

  من هنا، بدأت علاقة ممتدة وعميقة على الرغم من الخلافات الفكرية، فالعقاد كان دائم الهجوم على اليسار، وأفكاره محافظة بل ورجعية، لكن العلاقة مع ذلك توثقت بينهما، ويبدو أنه كان قد فقد نفوذه ولَمَعان اسمه، إلى جانب ضعف موارده الشديدة إلى درجة بيعه لمكتبته، لكنه لم يفقد كبرياءه. يعترف صالح، بمدى تأثير علاقته بالعقاد، ويعتبره صاحب فضل عليه، بإيثاره له واعتماده عليه بعد أن انفض الجميع من حوله.

  مؤامرة على الضباط الأحرار

  ومن بين ما كان صالح حريصًا على ذكره أيضًا، اتهامه بالضلوع في مؤامرة ضخمة ضد النظام الجديد، وكاد أن يُعتقل بالفعل. المؤامرة المزعومة نموذج حي يكشف إلى أي مدى كان الضباط الأحرار يتخبطون ويضربون في كل اتجاه. وماجرى كان نوعًا من الكوميديا السوداء، وقعت أحداثها في فبراير عام 1954 في ذكرى حادث 4 فبراير عام 1942 عندما حاصرت  الدبابات الإنجليزية قصر عابدين، وسلّم السفير البريطاني إنذارا للملك فاروق، بتعيين مصطفى النحاس، زعيم الوفد، رئيسًا للوزراء خلال ساعات، عندما كان القائد الإيطالي رومل يجتاح بقواته صحراء العلمين، متجها للإسكندرية لاحتلال مصر، إحدى أهم قواعد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وكان لدى الإنجليز، معلومات مؤكدة، أن الملك يُجري اتصالات سرية بالعدو، ولايثقون به، لكنهم يثقون بالنحاس.

  كلّف مسئولو الإذاعة صالح بكتابة تمثيلية «وطنية» عن حادث 4 فبراير، وحتى يضمنوا تأثيرها، واستماع أغلب المصريين لها، تقرر إذاعتها قبل حفل أم كلثوم مباشرة، وكانت تُغني للمرة الأولى للنظام الجديد، بعد عودتها من رحلة علاج طويلة في الخارج. وعقب إذاعتها، كُتب تقريرًا أمنيًا عن التمثيلية، يؤكد أن هناك مؤامرة دبرها اليساريون بانتهاز فرصة احتشاد المصريين لسماع أم كلثوم، فتذاع التمثيلية، التي تشجع إضراب العمال وتدعو للتظاهر، خصوصًا وأن الحركة الجديدة كانت قد استهلّت عهدها بإعدام عاملين في مصانع النسيج بكفر الدوار، هما مصطفى خميس ومحمد البقري، أثناء إضراب العمال، وقبل مرور ثلاثة أسابيع على نجاح الحركة. ويمضي التقرير الأمني في أكاذيبه متهمًا مؤلف التمثيلية، بالضلوع في مؤامرة رهيبة!

 تم احتجاز صالح في اليوم التالي، عندما توجه إلى عمله في صحيفة الجمهورية، في مكتب رئيس التحرير، حتى الثالثة صباحًا، واقتادوه إلى مكتب السادات، الذي كان رئيسًا لمجلس إدارة الصحيفة، واستجوبه مجموعة من قادة الحركة، وهم إلى جانب السادات، جمال عبد الناصر،وصلاح سالم، وغيرهم، وحتى تكتمل فصول الكوميديا، أفرجوا عنه بعد الاستجواب، لكنهم فصلوه من «الجمهورية»، وفي اليوم نفسه وضعت لافتة كبيرة على باب الإذاعة لمنعه من الدخول!   

  إلى «روز اليوسف»

  هكذا، فَقَد صالح، في لحظة واحدة كل شئ. كان آنذاك في السابعة والعشرين من عمره، أكبر الأبناء، ومسؤولًا عن أسرة كبيرة العدد، بعد وفاة والده، ولم ينقذه من الجوع وتشرد أسرته إلا كتابة تمثيليات للإذاعة الأمريكية، التي كانت تستعد لبث برامج بالعربية، بعد أن تلقى عرضًا من أحد أصدقائه الذي كان يعلم بالطبع بما حدث لصالح. وبالفعل كتب عددًا من التمثيليات وتلقي أجرًا جيدًا.
ربما كان من بين أهم ما يميز شهادة صالح، هذه التفاصيل الصغيرة والعديدة، التي تكشف كواليس وأسرار دولاب الحكم الجديد، وعلاقته بوسائل الإعلام التي تعامل معها الضباط منذ اللحظة الأولى، باعتبارها ماكينات للدعاية الموجهة الصريحة، وسبق لهم أن اخترعوا وزارة جديدة، في مستهل عهدهم أطلقوا عليها وزارة الإرشاد القومي، كما كان هناك رقيب معين لكل الصحف ولا يُنشر حرف إلا بعد إجازته منه.

من جانب آخر، استطاع صالح، أن يجد له موطئ قدم في مجلة روز اليوسف، من خلال صديقه أحمد بهاء الدين، الذي زامله في عدد من المجلات من قبل، وكان قد تسلّم لتوه المسؤولية عن المجلة، بعد إلقاء الضباط القبض على إحسان عبد القدوس رئيس تحرير المجلة، بسبب نشره لمقال اعتبره الضباط تعريضا بهم! المثير للدهشة أن صالح أخبر بهاء، عندما عرض عليه العمل في «روز اليوسف» أنه سبق فصله من الجمهورية، فسأله بهاء «هل تعرف السادات؟ اذهب إليه وقل له إننا سنعمل معا في روز اليوسف»، وبالفعل ذهب إلى السادات في مكتبه بـ«الجمهورية». والغريب أنه رحّب به وكأن شيئا لم يكن، وأعطاه موافقته بعد أن استأذن عبد الناصر هاتفيًا!   

هكذا كان الضباط يديرون دولاب الصحافة، ويمسكون دفة الأمور بأيديهم مباشرة، وكان الله في عونهم في الحقيقة! فهم يفصلون صالح، ويمنعونه، ثم يعيدونه (سُمح له على الفور بالعمل في الإذاعة أيضًا) ويقبضون على إحسان عبد القدوس، رئيس تحرير روز اليوسف، ويمضي في السجن عامًا بسبب مقال نشره، وعندما يخرج، يتوجه وفد من مجلس قيادة الثورة، إلى مكتب السيدة روز اليوسف صاحبة المجلة، لتهنئتها بالإفراج عن ابنها!

كان هناك في صحافة ذلك الزمان، ما يشبه المسخرة القومية الكبرى، يكشف صاحبنا عنها بكل هدوء، على الرغم مما مرّ به، ويبدو ذلك واضحًا في تجربة مجلة صباح الخير، التي عاصرها منذ كانت مجرد فكرة، ثم انتقاله إلى جريدة الشعب اليومية، من خلال صديقه محمد أبو نار، القريب من عبد الناصر، وأحد ضباط الصف الثاني. كما أنه كان صديقا للطفي واكد رئيس التحرير، وما لبث واكد أن قُبض عليه بتهمة التآمر ضد الثورة، وحوكم مع مجموعة، وصدر ضده حكم بالأشغال الشاقة خمسة عشر عاما.

  وهكذا كانت هناك صراعات مكتومة، تنفجر فجأة بين الأجنحة المختلفة، داخل مجلس القيادة طبقا لموازين القوى، خصوصا بعد الإطاحة باللواء محمد نجيب، وتحديد إقامته في فيلا زينب الوكيل بالمرج، في أعقاب ماعُرف بأزمة مارس عام 1954.

  في تلك الفترة، لعب صالح دورًا في الإفراج عن يوسف إدريس، الذي كان معتقلا بوصفه شيوعيًا. كان صلاح سالم عضو مجلس قيادة الثورة، مسؤولًا عن ملف السودان، وعلم من مستشاري،ه أن الشيوعيين المصريين، يستطيعون إقناع رفاقهم الشيوعيين السودانيين باتخاذ موقف معين في مفاوضات الجلاء مع الإنجليز، وبالفعل سأل عن الأسماء، التي تملك مثل هذا التأثير، وعلم أنهم معتقلون في السجون، وانتهز صالح الفرصة، ودس اسم صديقه يوسف إدريس  للإفراج عنه، وبالفعل وصل أصحاب تلك الأسماء من المعتقل، إلى مكتب صلاح سالم مباشرة، وهم بملابس السجن، واتفقوا معه على السفر إلى السودان، للقيام بتلك المهمة بعد أسبوع، بعد أخذ رأي تنظيمهم لكن صلاح سالم، استقال من جميع مناصبه في اليوم التالي، ولم يرد على هاتفه، وبالطبع واصل المُفرج عنهم حياتهم بالخارج!!

استقالة مبكرة للمشير

  من جانب آخر، ظلّت هناك علاقات وروابط دائمة، وبدرجات متفاوتة بين الصحفيين والكُتّاب المسموح لهم بالتواجد، وبين دولاب الحكم. و على سبيل المثال  في عام 1961، كانت تتردد شائعات قوي،ة حول وجود خلافات بين عبد الناصر والمشير عامر، ووصلت إلى حد تقديم الأخير لاستقالته، وبسبب علاقة صالح القوية بأبي نار -الضابط القريب من المشير- كتب صالح نص الاستقالة، بناءً على طلب أبي نار، وتضمنت شروطا لعودته، والكوميديا السوداء أن الشروط، كانت تدور حول عودة الديمقراطية، قبل عدول المشير عن استقالته، والأشد والأنكى، أن صالح لم يكن ممكنا له أن يرفض طلبا، أو كان الرفض غير لائق على الأقل، لأنه يعلم أن الحكاية كلها تمثيلية، وأنها صراع على السلطة، فلماذا يسمح صالح لنفسه بالتورط في تمثيلية تافهة؟ والإجابة أن أبا نار، طالما ساعد صالح، وتدخل من أجله. ولأن عبد الناصر كان ذكيًا، توجه لبيت المشير عامر واسترضاه تقريبا، لأنه بدا أنه من الممكن، أن تتوجه وحدات عسكرية، إلى قيادة الجيش تأييدًا للمشير، بل وكانت هناك وحدات عسكرية مرابطة في بيت المشير، أثناء زيارة جمال عبد الناصر، ولا أرى أي معنى لكتابة علامات تعجب، فالأمر يتجاوز أي علامات تعجب طبعا.

إذن، كانت هناك صراعات، وأجنحة مختلفة، ومتكتّم عليها من كل الأطراف، خصوصا في الوقت الذي بدأ فيه تحوّلًا حقيقيًا، عقب التأميمات، وماسُمي بقوانين يوليو «الاشتراكية» وتشكيل الاتحاد الاشتراكي لبناء « الاشتراكية»، في الوقت الذي كان فيه كل الاشتراكيين والشيوعيين في السجون. تناقضات عاصفة حقا، وأدت إلى كل تلك الكوميديا السوداء.

  فعلى سبيل المثال، حينما تفاقمت الصراعات بين عبد الناصر والمشير، وفي سياق إعادة اقتسام النفوذ، تم تغيير المسؤول عن جريدة الجمهورية، التي كانت تتبعها عدة مجلات وصحف، وجاء مسئول آخر محسوب على جناح المشير، وبدأت الخلافات بين الحرس القديم المحسوب على عبد الناصر، وأسفرت عن مذبحة كبرى، حيث نُقل نحو ثلاثين كاتبًا إلى عمل خارج الصحافة كإجراء عقابي، صالح مثلا إلى شركة الأقطان، وعبد الرحمن الخميسي، إلى شركة باتا للأحذية، وعبد الرحمن الشرقاوي إلى شركة مماثلة.. وهكذا.

وفي خضم تلك الصراعات أيضا، تشكّل التنظيم الطليعي، بقيادة عبد الناصر نفسه، وهو نوع غريب من التنظيمات السرية، يتكون من خلايا، أعضاؤها مسئولون كبار أو كتاب ومشتغلون بالصحافة، لهم ميول اشتراكية، ومهمتهم المراقبة والإشراف على الاتحاد الاشتراكي -التنظيم السياسي الوحيد- وانضم صالح له،، عندما طُلب منه ذلك، وفي الوقت نفسه لم يكن ممكنًا له التردد، عندما طُلب منه أن يكتب خطاب المشير عبد الحكيم عامر، في عيد الثورة، وجاءوا له بملف ليعتمد عليه، ووجده يغص بالمبالغات، والأكاذيب حول إنجازات الجيش، وامتلاكه لصواريخ «االقاهر» و«الظافر»، ولم يكن صعبًا عليه حتى وهو رجل غير عسكري، أن يكتشف حجم الأكاذيب المفضوحة.

تجربة مجلة الكاتب

ربما كان المكسب الوحيد هو خروجه بمجلة الكاتب، التي كانت تصدر عن دار الجمهورية، واستطاع أن يدبّر لها عدة عقود إعلانات، من مؤسسات رسمية، وبمساعدة أبي نار أيضًا، للإنفاق عليها.

تجربة مجلة الكاتب، جديرة بأن أورد المزيد من التفاصيل عنها. لم تكن مستقلة تمامًا، بل هناك موافقة ضمنية عليها، وحققت نجاحًا لافتًا بذلك القدر من الاستقلال، أو بذلك الهامش من الاستقلال. وبعلاقات صالح، أمكنه أن يستعين بكتاب يساريين وقوميين كبار حقًا، ارتضوا أن يعملوا متطوعين، كما كان لها بُعدًا قوميًا، أقرب إلى أن يكون بعثيًا، واستعانت بكتاب قوميين من بلدان عربية مختلفة، ارتضوا أيضا أن يكتبوا متطوعين. حققت المجلة نجاحًا كاسحًا، وفي العراق وحدها كانت توزع ثلاثة آلاف نسخة.

  كاتب هذه السطور، عاصر المجلة،  وأشهد أنها كانت مجلة رصينة ومحترمة ورفيعة المستوى، لكن الأجنحة الأخرى كانت لها بالمرصاد، وانتهز يوسف السباعي وزير الثقافة مقالًا كتبه صلاح عيسى عام 1974 عن حرب أكتوبر، واتهمه واتهم المجلة بخيانة الشهداء(!!)، وأصدر قرارًا للمطبعة بعدم جمع المقالات إلا بعد أن يوقّع عليها ضابط يعمل في مكتبه وعيّنه سكرتيرًا للتحرير. وكانت أزمة بالطبع، وفشلت كل المفاوضات، ولم يكن هناك من مخرج، أمام صالح وهيئة تحرير المجلة، إلا تقديم استقالاتهم الجماعي، التي قُبلت على الفور.

  من جانب آخر، غابت تفاصيل وجوانب أخرى لمعركة «الكاتب» عن كاتبنا، ولا أدري ما إذا كان قد تجنبها أم نسيها فعلا، لكن الراحل الكبير صلاح عيسى، أورَد تلك التفاصيل وحللّها في كتابه بالغ الأهمية «مثقفون وعسكر»، خصوصًا وأنه كان صاحب المقال، الذي اتخذه يوسف السباعي وزير الثقافة، سببًا لافتعال معركة، لإجبار هيئة التحرير على الاستقالة، والتخلص منها.

  وهنا لابد من الإشارة إلى أن ماجرى في الثقافة، والسياسة من قبلها طبعًا، بعد تولي السادات، وانقلابه في 15 مايو، واعتقاله لأغلب من عملوا مع عبد الناصر، فيما عُرف بمؤامرة مراكز القوى، كان معناه أن هناك تغييرًا حاسمًا في دولاب الدولة، سواء في سياستها الخارجية، بالارتباط بالولايات المتحدة، وبدء الصلح المنفرد مع إسرائيل. أو سياستها الداخلية بالانفتاح الاقتصادي على البحري، وبدء تصفية القطاع العام، وكذلك تصفية كل التحولات الإيجابية، التي كانت في صالح الطبقات الشعبية، والتي أنجزها نظام عبد الناصر.

  مصر جديدة، سعى السادات لإحلالها بعد حرب أكتوبر تحديدًا، ولا مكان فيها لعباس صالح ومن يشبهه. وفي الصحافة مثلا، تم الإفراج عن مصطفى أمين، الذي كان يقضي عقوبة السجن، بسبب قضية اتصاله بالمخابرات المركزية الأمريكية، كما سمح السادات بعودة شقيقه علي أمين، الذي كان هاربًا بالخارج، وعيّنه رئيسًا لتحرير جريدة الأهرام، بعد إقالة محمد حسنين هيكل. وتغيرت أغلب هيئات تحرير الصحف والمجلات، وجاء موالون صارخون يتلمظون على الوليمة، وصرّح السادات بأنه لن يسمح بتولي «ملحد» منصبًا إعلاميًا في عهده، ولاحِظ أنه استخدم كلمة «ملحد»، وكان يعني بالطبع تصفية العهد السابق، بأحط الاتهامات، واستخدام كل الوسائل غير الشريفة.

  أما صالح، بعد أن استقال من الكاتب، لاحظ تأجيل نشر موضوعاته ومقالاته في «الجمهورية» التي كان يعمل بها، ثم توقف النشر تمامًا. وبدأ في كتابة عدد من المقالات نشرها في جريدة الثورة العراقية، وفوجئ بمحمد حافظ غانم أمين الاتحاد الاشتراكي، آنذاك، يتصل به ويطلب زيارته. فوجئ بأن الزيارة للتحقيق معه، بناءً على أمر السادات، والسبب هو مقال منشور في جريدة الثورة، ومن أبلغ عنه كان يوسف السباعي، وزير الثقافة، الذي وضع خطوطًا بالقلم الأحمر تحت بعض الجُمل، وأرسل إلى السادات بلاغًا شخصيًا، حوّله السادات لأمين الاتحاد الاشتراكي (جدير بالذكر أن تلك الفترة شهدت العديد والعديد من التحقيقات التي أجريت مع كثير من الكتاب والصحفيين الذين نشروا مقالاتهم في صحف الخارج، وفي مقدمتهم محمد حسنين هيكل).

  على أي حال، بدأت موجة ضخمة من الهجرة الجماعية، لكتاب وصحفيين، اختلفوا مع نظام السادات، وتوزعوا في منافي عربية وأوروبية، وعملوا في بعض الصحف، وأسسوا صحفًا أخرى، مثل غالي شكري، وأحمد عبد المعطي حجازي، ومحمود السعدني، وأمين اسكندر.. وغيرهم وغيرهم.

  أما صالح، فكان قد زار بغداد عدة مرات، وعُرض عليه أن يعمل أستاذًا للدراما في أكاديمية الفنون العراقية، وحسبما كتب: «في صباح يوم من أيام شهر يوليو 1975 تلقيت مكالمة تليفونية من السفير العراقي في مصر، الذي كان صديقي ومن رجال حزب البعث ليقول لي مازحا: أنت تتآمر من خلف ظهرانينا؟ لقد تلقيت عقدا باسمك للعمل بجامعة بغداد في أكاديمية الفنون».

  وهكذا اصطحب عباس صالح أسرته إلى بغداد، لتبدأ مرحلة جديدة في حياته.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن