فوتوغرافيا الشارع بلا جدران: عن عرض «سفينة سبعة»
تقع فوتوغرافيا الشارع في منطقة ملتبسة، كونها فن منفلت عن أي تعريفات، تمكنها التأسيس لأسلوب التقاط موحد أو تقنية سردية وبصرية معينة؛ يجعلها فن شكّي أكثر، يرتهن بالاختلاس، فعشوائية اللحظة تؤسس لنوع من التلقائية التي تطبع العيش في الشارع، والتي بدورها تعيد تعريف مكامن الجمال بأسلوب يتناوب بين الارتياب والقصدية.
تعني لقطة غير معد لها مسبقًا توثيق موقف أو إطار جمالي ابن لحظته، وهذا النوع من اللقطات لا يمنحنا بطلًا اعتياديًا لداخل الإطار، بل وجودًا طارئًا ومباغتًا. فالصورة المعد لها مسبقًا تحتكم لأدوات وأسلوب ومعايير معينة، تمنحنا في النهاية تصورًا بصريًا عما يريده المصور؛ أي أن المصور هنا سيد التكوين وخالق الصورة. على العكس في تصوير الشارع، فالمصور يكون بمثابة الراصد للتكوين الذي يمكن أن يُخلق في عشوائية اللحظة ثم يختفي، غير مقيد بمعايير أو أدوات، لا يمكن توقعه. إذا فالصورة هنا أو الموجودات داخل الإطار لها دور أكبر بكثير في خلق الصورة، أكثر من المصور الذي يختار اللحظة المناسبة، ويضغط بعيونه رؤية فوتوغرافية يمكن أن تكون صورة مميزة.
تكون دراما الشارع هي البطل، البشر والمباني والأحجار والمركبات والصور وغيرها من الموجودات التي تملأ الحيز البصري بطريقة درامية. يختار المصور أي أنواع دراما يريد أن يلتقط، أي الخطوط الدرامية يمكنه أن يمسك. ولأن فوتوغرافيا الشارع فن غير منوط بأي معايير، فهو الفن أو السياق الفني الأكثر احتمالا واستجابة للتجريب، خصوصًا داخل بيئة اجتماعية تحتمل الكثير من التغيرات والتحولات في فترة قصيرة مثل مصر.
تحاول مبادرات مثل «سفينة سبعة» -وهي مساحة لاستكشاف أنواع وأنماط مختلفة من الفوتوغرافيا وعلاقتنا بها- التفاعل مع الفوتوغرافيا في مساحات مختلفة، واختبارها في حيز تجريبي. إحدى تلك المحاولات التفاعلية هو فعاليتهم الأخيرة في بيت السناري، لمشروع فوتوغرافي تحت مسمى «مع تصوير الشارع». نقلت الفعالية الصورة إلى حيز معاصر وابن لحظته الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، حيث عُرِضت الصور في وسيط رقمي، على هيئة سلايد شو/ Slide show أو تتابعات رقمية أشبه بوسائط السوشيال ميديا، حيث تتوالى الصور في تتابعات، لكل صورة عدد معين من الثواني، ثم تخبو وتظهر واحدة بديلة. وفّر الوسيط الجديد تجربة سريعة ومكثفة للعرض، أشبه بعالمنا الحالي، حيث تحررت الصور من جمود الإطار ورسوخ المكان، وتحركت نحو مساحة خاطفة ومربكة.

ولكنها على الناحية الأخرى تمنحنا تجربة مختلفة، كونها أكثر مرونة، خصوصًا مع المزج القصدي لشريط صوت مصاحب للقطات أو تتابعات بعينها؛ لإنتاج نبرة مجازية لكل تتابع بصري، بالإضافة إلى الاستعانة بآلية توليف بسيطة ولكن مؤثرة، لخلق نبض جامع لمتتاليات بصرية محددة. خلّف المزج بين تقنيات الحكي المختلفة إيقاعًا خاصًا بالعرض، أحال الفوتوغرافيا إلى مساحة مختلفة تمامًا، تستكشف الصورة بطريقة جديدة، ربما ليست الأفضل أو الأسوء، غير أنها ضرورية خصوصًا في سياق اجتماعي متغير.
«هذا عرض وليس معرض»، قالها المصور علي زرعي والباحثة فرح حلابة، مؤسسا مساحة «سفينة سبعة» في محاولتهم لتأطير الحدث، وتحديد هويّة إبداعية تصلح كمدخل لمنتجهم التشاركي. والحقيقة أن السلايد شو الذي أنتجته المبادرة بالمشاركة مع عشرة من مصوري الشارع (أحمد جابر، وعلي هزاع، وعمرو فايق، وفرح المعتصم، وفارس زيتون، وهدير محمود، ومحمود خالد، ومصعب الشامي، ونور الرفاعي، وسهل عبد الرحمن) هو حصيلة ظرف اقتصادي في الأساس، سواء على مستوى الشكل أو الطبيعة الاجتماعية أو حتى السياق الفني.

المعرض في شكله التقليدي مكلّف كونه يحتاج إلى مساحة أكبر وعدد أيام محددة. وتجهيز مكان يجمع عددًا كبيرًا من الصور المعلقة يحتاج إلى مجهود أكبر وتركيز أعلى وزمن أكثر بكثير من السلايد شو، الذي يبدأ بكبسة زر. بالإضافة لاحتمالية كون المتلقي من طبقات اجتماعية مختلفة لا يملك الكثير من الوقت، ليراقب صورًا عن كثب، ويقدرها فنيًا.
يوفر السلايد شو تجربة أكثر خفة، يمكننا وصفها بالاقتصادية، في شريط بصري/سمعي ممتد من آلة عرض رقمية تجري لحوالي 30 دقيقة، على حائط تاريخه يمتد لأكثر من 200 سنة، في بيت السناري، يتبعها نقاش وأسئلة مفتوحة بين المصورين والجمهور.
والمثير للاهتمام أكثر أن فوتوغرافيا الشارع هي بالضرورة فوتوغرافيا اقتصادية، تُنتزع أحيانًا بخفة يد أو بمشاجرة كبيرة، ولكنها في النهاية لا تعتمد على أي تصورات أو تحضيرات مسبقة، بل من سماتها التحرر من القالب والأداة، ومحاولة اختبار مساحات جديدة. لذلك هذا النوع من العروض لا تأخذ المتلقي فقط إلى مساحة جديدة في اختبار الصورة والصوت؛ تجربة أكثر ثراء، إنما تتناسب كليًا مع جوهر فوتوغرافيا الشارع.
عُرِضت صور المشاركين في عشر متتاليات منفصلة، تستهل كل واحدة منها باسم المصور، مكتوبًا على شريحة سوداء. المثير للاهتمام أن الصور لا تخضع لتيمة معينة أو إطار محدد، بل جميعها مختلفة. لا تتموضع المتتاليات تحت نسق بصري أو سمة محددة، سواء داخليًا (داخل كل متتالية منفردة) أو بشكل أكثر شمولية (أي السياق العام الموحد للكل). هذا لا ينفي بعض السمات التي من السهل أن يلتقطها المتلقي في مجموعة بورتريهات متوالية، أو مجموعة من الصور التقطت في مكان واحد مثل المترو، ولكن الخاصية التي تعرِّف العرض فنيًا؛ أنه بلا تيمة أو سمة ممسوكة، ما يخلق ارتباكًا في الفرجة، ليس لكون الصور لا تشبه بعضها، ولكن لأن العوالم شديدة التباين، إلى جانب ثرائها البصري.

على ناحية أخرى يجعل هذا المتفرج يختبر انتقالات زمانية ومكانية سريعة، مثل لعبة الكاميرا التي كنا نلهو بها في صغرنا، نضع أعيننا في قطعة الزجاج الشفافة ومع كل كبسة زر نرى صورة جديدة من بلد مختلفة وعالم مختلف. تشبه عرض فوتوغرافيا الشارع تلك الكاميرا الساحرة، توفر لك نظرة، تمنحك فضولًا، يمكنك بعدها العودة إلى الأصل والتمعن، غير أن التجربة نفسها مثيرة للاهتمام، فنحن لا نعرف مدى سطوة الصوت على الصورة، تلك العلاقة شديدة الحساسية يمكنها أن تولد معنى جديد للمنتج الإبداعي، فالوسائط والأدوات تمنح مدلولات مختلفة، لأننا نخلق علاقة جديدة أو نكتشف علاقة جديدة مع الصور في حيّز السلايد شو.
تنوعت الصور المعروضة لتشمل تيمات مختلفة. عرَض فارس زيتون مجموعة صور، هي من المتتاليات البصرية القليلة ذات التيمة الموحدة، وهي أول إنتاجاته، كان يستكشف من خلالها هويته البصرية.
«أنا بصور بالطريقة اللي تريحني»، يقول زيتون، عن صوره القائمة على اهتزازات في الإطار، اهتزازات تخلّف شعورًا مربكًا ومزعجًا، فأعيننا غير معتادة على التشويش في صور فارس؛ الذي ينجم عنه قلق واضطراب. والجدير بالذكر أن منهجيته في التعاطي مع الوسيط بطريقة مختلفة، لها مردود عليه هو أولًا، فطريقة تصويره تريحه، «تُسكِت الأصوات في رأسه» كما قال في حوار سابق.
بينما على صعيد التلقي، تعمل صور فارس بشكل أكثر تعقيدًا على خلق حالة معينة للشارع، خصوصًا كونها كلها التقطت من شباك سيارة متحركة، ترصُد إحساسًا مبطنًا ومغايرًا للقوالب الفنية التي تصور الشارع، لا نراه في أي صور أخرى، إحساسًا مزعجًا.


إلى جانب صور زيتون، هناك بعض المتتاليات التي حافظت على تيمة موحدة، أكثرها وضوحًا هي المصورة هدير محمود؛ التي خلقت بكاميرتها عالمًا موازيًا، فهدير التي تستقل المترو منذ سنوات ولا تزال تستخدمه للوصول إلى مكان عملها، خلقت شعورًا موازيًا بالمكان من خلال تجربتها التراكمية مع المترو، جسدتها بالأبيض والأسود في إطارات تجمع العديد من البشر والكثير من الأيادي. والمثير للاهتمام أن صورها لا تتعامل مع البشر ككتل لحم يملأون الفراغ، ولكن كقصص موازية في عالم موازي، ولكن كليهما تحت الأرض. بالإضافة للقيمة المكانية تأتي خصوصية المكان، تحديدًا عربة السيدات التي تتسم بخصائص وسمات تميزها عن أي مكان آخر، فالعادات الأنثوية التي تمارس في العربة، وآلية الحركة والمنتجات التي تُباع دخل المكان هي أنثوية بحتة، فرحلة المترو يمكن أن تستغرق دقائق، لكن إذا نظرنا إلى كمية المدخلات التي تتلقاها العين ستتحول الرحلة إلى شيء آخر تمامًا. هذا ما تحاول هدير رصده بكاميرا هاتفها، ملامح ذلك العالم الذي ينتهي عند سلم الخروج.


بخلاف ذلك، هناك العديد من المتتاليات التي لا يوحدها إلا الشارع والأماكن العامة، منها متتالية لعمرو فايق، الذي يستخدم الخام 35 مل للتصوير. والحقيقة أن تصوير الخام في مصر رياضة تحتاج إلى جهد عالٍ. مهما كانت الكاميرا الخاصة بك مجهزة فستحتاج إلى تعديل بعض الخواص لتناسب الضوء، إلى جانب كون الخام أغلى كوسيط، وبالتأكيد تصوير صورة واحدة جيدة سيقابلها عدد من الخسائر في شريط الفيلم من الصور المهزوزة أو المظلمة.
ولكن عمرو بحرفية عالية يخرج لنا صورًا شديدة الحساسية، والحقيقة أنه يتبع منهجية شديدة البساطة كما قال: «أخرج ومعي كاميرتي الصغيرة، أقود الموتوسيكل وأقف عندما أرى شيئًا لافتًا للنظر، أشعر بالصورة تناديني لست أنا من أناديها». صور عمرو استثنائية لعدة أسباب، أولها أنها مصورة على الخام وهو وسيط مختلف تمامًا له سحره الخاص، كما يصفه البعض بـ«معجزة كيميائية»، والسبب الآخر أنها متنوعة، كأرشيف بديل للكثير من الشوارع، تكتب حواديت بديلة للأشخاص في الصور.


يحاول عرض الصور التفاعلي هذا الإجابة على سؤال مهم، كيف يرى هؤلاء المصورون الشارع؟ لا توجد إجابة واحدة لهذا السؤال، فجميعهم يمارس فوتوغرافيا الشارع بطرق مختلفة، لكل عين منهم مجال منظورها ورؤيتها الخاص، فبعضهم يرى الدراما في تفاعلات البشر والأطفال والمترو، ومنهم من يرى المعمار والتكوين، ومنهم من يمثل له الشارع فقط هدنة مع النفس.
تقارير ذات صلة
من بورسعيد صور لا تُنسى
هذا النص ضمن رحنا وشفنا العدد 13# «مُنتهى الأدب»
حرية الظهور
ياسر علوان يصور، وجون مولينو ينظّر، وأشرف عمر يترجم
الأرشيف على الحياد في «أسبوع القاهرة للصورة»
قراءة في العروض الأرشيفية الصحفية الفوتوغرافية في «أسبوع القاهرة للصورة»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن