تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الأرشيف على الحياد في «أسبوع القاهرة للصورة»

الأرشيف على الحياد في «أسبوع القاهرة للصورة»

قراءة في العروض الأرشيفية الصحفية الفوتوغرافية في «أسبوع القاهرة للصورة»

كتابة: رحمة الحداد 9 دقيقة قراءة

«الكاميرا بشكل حرفي هي جهاز للأرشفة، كل صورة فوتوغرافية، كل فيلم يصبح بشكل مسبق وحدة أرشيفية» (1)

الأرشيف البصري سياسي بطبيعته المجردة: من يحفظه، من يعرضه، من ينتقي من داخله، ومن يخفي بعضه، يزيد من طبيعته السياسية خروجه كجزء من تنسيق معرضي، أي طرحه لإعادة القراءة، حيث يعاد ترتيبه وخلق معنى ما من خلال ذلك الترتيب بالانتقاء والحذف من محتوى ضخم، ينتج عنه مجموعة مختارة بعناية بتصور مسبق.

ضمن فعاليات أسبوع القاهرة للصورة (كايرو فوتو ويك) لعام 2025، اعتمدت مجموعة من العروض الفوتوغرافية على الأرشيف الفوتوغرافي والصحفي. بعضها يركز على تاريخ مصورين فوتوغرافيين مصريين كعروض استعادية، أحدها بعنوان «الديناصور»، ويضم مختارات من صور فوتوغرافية لياسر علوان، منسقة من قبل نادية منير في جاليري الفاكتوري. وآخر، وهو الأكبر مساحة وتوسعًا، بعنوان «ثلاثية بصرية من أرشيف أحمد بدوي»، ويمتد في طابقين من عمارة الشوربجي بوسط البلد، من تنسيق عبد العزيز بدوي، حفيد المصور الراحل، وحازم جودة، وأحمد ناجي دراز. بالإضافة إلى «القاهرة 90» الذي اختارت خلاله المصورة المصرية الفلسطينية، رندا شعث، من أعمالها الشخصية خلال تسعينيات القاهرة، وعُرض في بيت باب اللوق في شارع الشيخ ريحان بعابدين.

صورة من تصوير ياسر علوان من معرض الديناصور
تصوير:  صورة من تصوير ياسر علوان من معرض الديناصور

أكبر العروض الأرشيفية وأوسعها نطاقًا هو «صاحبة الجلالة» (اسم أُطلق قديمًا على الصحافة المصرية)، العرض المُهدى للأرشيف الصحفي المصري ككل، من تنسيق ورؤية المصورة هبة خميس. يعمل «صاحبة الجلالة» ككبسولة زمنية مكثفة لما يمكن إطلاق عليه تاريخ مصر البصري. بدخول قاعة العرض في مساحة «أكسِس» (Access) للعرض في شارع شامبليون، بالطابق الثاني من المبنى، تُقابل بفيض من الصور والقصاصات الورقية من الجرائد المصرية المختلفة من أزمنة مختلفة. بعضها تجمعه تيمة أو فترة زمنية مثل حرب أكتوبر 1973، أو شخصية تاريخية، منها رؤساء سابقون مثل محمد أنور السادات وجمال عبد الناصر. وبعضها يتمثل بشكل مجرد وسط مجموعات عشوائية تعمل فقط كاستعراض لما كان أو لما هو قائم.

تقرأ في نص المعرض أن التجول خلاله هو أشبه بتصفح جريدة منذ الأربعينيات حتى وقتنا هذا، لتأمُل كيف تناول المصورون الصحفيون تاريخ مصر. تلك العمومية الشديدة تثير التساؤل بشكل رئيسي عن معنى تنسيق أرشيف صحفي وفوتوغرافي ضخم دون وجهة أو تحديد، وبشكل لا يضع المعنى السياسي ضمن حسابات التنسيق والمعاني المُولدة من خلاله.

تُعرض الصور والقصاصات في مساحة مسطحة دون تراتبية أو مساءلة نقدية، فيصبح التصوير الصحفي ثم عرضه أداة لإظهار الحياد التام. لكن إذا كان التصوير الصحفي كممارسة يُنحي الأيديولوجيا أو السياسات الخاصة بحامل الكاميرا، فإن الأرشفة ثم استخدام الأرشيف في عرض منسق ليس كذلك بالضرورة. لا يلتزم «صاحبة الجلالة» بترتيب زمني صارم؛ يبدأ من الأقدم (الأربعينيات تقريبًا) ليرسي الجو العام، ثم يتحول الترتيب الزمني إلى ترتيب موضوعي. فنرى حائطًا للرياضة يضم صورًا بعضها نادر وبعضها مألوف، وحائطًا لاحتفالات شعبية في الشارع غير مُعرّف تاريخها أو ملتقط صورها. يتغير المزاج (Tone) من غرفة لأخرى؛ بعضها يمثل مشهدية مجردة لأشكال الحياة المصرية، وبعضها ذو طابع أكثر صرامة سياسية، تترتب أحداثه على بعضها البعض. بالدخول إلى غرفة جانبية، نبدأ بالتقدم في التاريخ لنقترب كثيرًا من الحاضر.

على حائطين متقابلين، نرى شكلًا من كرونولوجيا الحكام والثورات، المحاكمات والانقلابات في تاريخ مصر الحديث من 2011 حتى 2014 تقريبًا. في ذلك الجزء، يصبح الاحتفاء والنقد شيئًا واحدًا لا يمكن فصله، في شكل حيادي/آلي للعرض. تجد قصاصة من جريدة تحمل مقالًا من كتابة عبد الفتاح السيسي في جريدة الأهرام بعنوان «الرئيس يكتب»، بعد حائط يعرض أشهر الصور الصحفية المُلتقطة في أثناء ثورة 25 يناير: الصورة الأيقونية لشاب يقف أمام مدرعة مطلقة خراطيم المياه تجاهه (تصوير طارق وجيه)، أو نهر من الأجساد المتجمهرة وسط دخان الغازات المُسيلة للدموع (تصوير عمرو عبد الله دلش). تحمل تلك الصور تاريخ التقاطها وأسماء المصورين والمؤسسات التي نشرتها.

لكن على أحد الجدران البيضاء المدهونة حديثًا، تُعلق مجموعة صور غير معنونة أو معرّفة وغير مؤطّرة،  منها صورة شوكان (محمود أبو زيد)، المصور الصحفي المصري الذي اعتُقل في أثناء تصويره أحداث فض اعتصام ميدان رابعة العدوية عام 2013، الصورة الأيقونية التي يُقلد بها شوكان حركة الكاميرا بيديه من خلف القضبان الحديدية. في نفس الأفق البصري منها، تقف صور للرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي يُصافح الجماهير في الشارع وسط جموع من عدسات المصورين. 

صورة غير معنونة لشوكان (محمود أبو زيد)/ صورة غير معنونة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وسط جماهير

تمثل صورة شوكان شهادة رئيسية على الانتهاكات التي يتعرض لها المصورون الصحفيون، والصحفيون عمومًا، في مصر، والتي لم تنته بعد. وجود صورته غير معرّفة، وعلى بُعد خطوات من صور أخرى حيادية تمامًا تُصور النظام المتسبب في حبسه احتياطيًا لمدة عامين (ونسيانه في السجن، على حد قوله)، حتى خروجه في عام 2019، هو جوهر الحياد السياسي العرضي الذي ينتهجه «صاحبة الجلالة» تجاه وثائقه الفوتوغرافية. ربما تُعلق تلك الصورة ساخرة على ذلك التحييد الأيديولوجي إذا أردنا تأويل التنسيق رغم إرادته. تلك الرمزية غير المقصودة تُضفي أبعادًا جديدةً على فكرة استعادة الأرشيف أو تنسيقه؛ صور الانتهاكات الحقوقية تُجاور صور المنتهكين أنفسهم، صور الثورات تُجاور صور قامعيها. يطرح «صاحبة الجلالة» التصوير الصحفي كفعل حيادي بالكامل، حلّت محله الآن مواقع التواصل الاجتماعي ودمقرطة التقاط الصورة. 

تلك التمشية في الذاكرة الصحفية الفوتوغرافية التاريخية ربما تلمّح إلى مقدمات ونتائج دون أحكام أخلاقية أو موقف سياسي واضح. يصبح التنسيق هنا شبه آلي وغير قصدي، يستدعي السخرية أو الانغماس في فيض من العلامات المشتتة، حيث اللاسياسية هي طابع رئيسي في الفعالية ككل، لكنها تتجلى بأوضح صورها في لا تسييس ما هو سياسي في صورته المجردة.

استخدمت عروض أخرى، منسقة من قبل شركات أو أفراد، الأرشيفات الفوتوغرافية، لكنها ركزت إما على مصور فوتوغرافي، مثل أرشيف المصور أحمد بدوي أو ياسر علوان، وإما على تيمة مثل «صندوق الموسيقى» برعاية «ديجيتنت» (Digitent)، الذي يستخدم أرشيفًا بصريًا للموسيقى والسينما، بعضه موثّق وبعضه غير رسمي بشكل لا بحثي، يُحيّد السياق تمامًا وينحو إلى تجربة رقمية إلكترونية ونوستالجية في الوقت نفسه، تستهدف فئة عمرية محددة ومصممة خصيصًا للنشر الرقمي على مواقع التواصل الاجتماعي.

فقط في «صاحبة الجلالة» يتقرر أن يكون السياسي لا سياسي، دون اللجوء إلى استثناء أو استبعاد السياسة أو الموقف الأيديولوجي من المحتوى المعروض. باستعراض التصوير الصحفي بصورته المجردة، يصبح التنسيق مجرد مدلّل على مرور الزمن والنقاط المضيئة المتميزة به. تستمد الصور قيمتها من أيقونيتها، بعيدًا عن علاقتها بما نُسقت معه، فهي علاقة ساخرة حينًا، وتكاملية في أحيان أخرى.

مجموعة أغلفة ألبومات غنائية دون تعريف صدرت في العقد الأول من الألفية الثالثة/ معرض صندوق الموسيقى

يمكن وصف التيمة الرئيسية في «صاحبة الجلالة» بأنها احتفاء بالتاريخ وبمآلات الماضي التي أدّت إلى الحاضر؛ احتفاء مجرد بالثراء البصري الصحفي المصري، وبالتاريخ المصري الحديث نفسه، بين أحداث سياسية ورياضية، أو حتى تصوير شارع يُصوّر أفرادًا غير مسمّين. ذلك الميل لتفادي أي إشكال أو مواجهة نقدية مع التاريخ/الأرشيف البصري الممثل للتاريخ، يجعل العرض أشبه بالتجول في لوغاريتم مُولّد عشوائيًا (ليس تمامًا)، ويحلل الأحداث الكبرى إلى صور كبرى. ويُعزز من ذلك الانفصال بين المعنى البصري والسياسي كون الصور المستخدمة ليست نادرة، وأن التنسيق نفسه ليس بحثيًّا في طبيعته، بل انتقائي.

بعض الصور أشهر من غيرها، لكن بشكل عام ليس هنالك اكتشاف محدد ناتج عن البحث في الأرشيف الصحفي، كتابي أو مصوّر. ما يجعل مهمة التنسيق بشكل نقدي واعٍ هنا ضرورية، أن الأرشيف ليس فقط غير نادر بصريًا، لكنه غير نادر ماديًا؛ النسخ المعروضة ليست نُسخًا أصلية أو وحيدة، بل إعادة إنتاج لصور يمكن إيجادها على الإنترنت، كثير منها صور مُلتقطة بوسائط رقمية.

وحتى بالعودة إلى الوراء، للصور الأنالوجية، فإن المعروض منها مُعاد إنتاجه وطباعته، أحيانًا بشكل عالي الجودة، وأحيانًا بشكل هاوٍ. يمكن وصف الأرشيف الصحفي هنا بأنه جزء من ذاكرة مزدوجة: ورقية ورقمية. هو أرشيف لا يمتلكه أحد؛ للصور حقوق مصوريها، وللكتابات حقوق كاتبيها، لكنه أرشيف مفتوح يمكن البحث عنه، استخدامه، وإعادة إنتاجه. ما يفعله «صاحبة الجلالة» هو عرضه؛ نقله من السياق الرقمي، وإعادته للسياق المادي، في هذه الحالة: السياق المعرضي.

تستمد معارض أرشيفية أخرى، مثل «عُمر الوجه» (The Lifespan Of A Face) من تنسيق مجموعة الأرشيف «ذا آركايف كولِكتِف» (The Archive Collective)، المعنى من الأرشيف ذاته، من بقائه ووجوده. عدم تسييسه أو أدلجته تكاد تكون هي الهدف؛ فهو عرض مكوّن من تجريد للوجوه، أرشيف فوتوغرافي مادي، بعضه من نُسخ أصلية وبعضه من صور مُعاد إنتاجها، سمته الرئيسية هي مجهوليته القصدية أو غير القصدية.

صور شخصية لأفراد غير معرفين من معرض عمر الوجه

اختيار المجهولية كمدخل هو المولد الرئيسي للمعنى، بينما يستمد الأرشيف التنسيقي لأحمد بدوي معناه من قيمته البحثية والكشفية؛ صور تُعرض لأول مرة، أو شذرات مُكتشفة في بدروم، تُصاحب بعض المجموعات مكان اكتشافها وكيفية تحميضها، أو حقيقة كونها تالفة، مما أضفى عليها جماليات جديدة. في المعرضين، يعمل الأرشيف كمدلّل على البقاء، وكوثيقة حية من زمن آخر. يصبح الزمن نفسه هو المعنى؛ أطراف الصور المهترئة، والوجوه الباهتة، للأرشيف المادي الأكثر هشاشة من الرقمي. يصبح استدعاء المعنى التنسيقي مجرد امتداد للفكرة المهيمنة، وهي استدعاء الزمن كمفهوم.

صورتان من أرشيف أحمد بدوي من معرض ثلاثية بصرية

تتسرّب السياسة في تلك العروض من خلال محتويات الصور والأحداث المُلتقطة نفسها: جنازة رمزية لجمال عبد الناصر في الإسكندرية من صور أحمد بدوي، أو توقيع اتفاقية أوسلو ضمن صور رندا شعث، لكن تنسيق الصور ذات المحتوى السياسي هنا هو جزء من سردية ذاتية ومجتمعية، وليس جزءًا من تاريخ عام يُعاد تقديمه.

علّقت سارة رفقي في مقالها على «مدى مصر» على لا سياسية الفعالية ككل، وكيف أن ذلك الانفصال عن السياسة هو فعل سياسي في ذاته، سواء في طبيعة المنظمين للحدث: شركة «الإسماعيلية للاستثمار العقاري»، أو رعاته: وزارتي الثقافة والسياحة والآثار، والرعاة التجاريين الإشكاليين مثل «نستله» (Nestle) التي تواجه حملات مقاطعة عالمية لهيمنتها على شركة «أوسيم» الإسرائيلية للأغذية، أو المحتوى المعروض نفسه وطبيعته التنسيقية/التسويقية، وهو ما يبرر فتور الحضور السياسي في محتوى العروض الفوتوغرافية أو التنسيقية. لكن في الوقت نفسه، إذا كانت الفكرة حاضرة من الأساس، فإنه من الممكن خلق معنى مقاوم سياسيًا عن طريق التنسيق، الاختيار أو الحذف، وحتى من خلال نوع من الترميز. حتى في إطار فعاليات تقع في إطارات ومساقات رسمية ذات طبيعة قمعية، حتى إن لم يكن من أجل المقاومة «بالصورة» -وهي الكلمة التي يفرط في استخدامها في نصوص المعارض- فمن أجل صناعة تنسيق عرضي متماسك، وإعادة نظر حقيقية في كيفية تناول أشكال مختلفة من الأرشيفات العامة والخاصة.

(1) Enwezor, Okwui, editor. Archive Fever: Uses of the Document in Contemporary Art. Steidl, 2008.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#أدب

فرم الودان

رحلة ساحرة مع الصوت في ميكروباص

هاني درويش 13 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن