من بورسعيد صور لا تُنسى
هذا النص ضمن رحنا وشفنا العدد 13# «مُنتهى الأدب»
بجانب فنار بورسعيد القديم المُطل على القناة، والمُطفأ من 1967، يبدو مبنى نادي المسرح كواحد من المباني الملحقة به فلا يفصل بينهما إلا شارع ضيق.
بعد سنوات حافلة بنشاطات مسرحية أهلية خلال الثلاثينيات، بدأ النادي نشاطه رسميًا في هذا الموقع في 1963، كواحد من أوائل أندية المسرح خارج القاهرة. على مدار عقود تدرب هواة المسرح وقدموا عروضهم، بتبعية مباشرة لما كان يُعرف بـ«الثقافة الجماهيرية»، وستُعرف لاحقًا بالهيئة العامة لقصور الثقافة.
وفي قلب هذا الموقع التاريخي المُهدد بالاختفاء، يعرض عبد الرحمن عمران صوره في معرض عنوانه «من بورسعيد حتى لا أنسى عن الشجر، العمران، والبشر».
عمران مصور قاهري، هاوٍ يصور الشارع، هذا أول معارضه. ورغم أنه صوّر في القاهرة وسيناء والفيوم ودمياط، ووثق منطقة المكس القديمة في الإسكندرية؛ لبورسعيد محبة خاصة عنده، وتصويره لملامحها يعتبره ضروريًا لخوفه من اختفاء الأماكن التي يحبها. أو كما يقول: «هاجس فقدان الذاكرة».
حسبما سمعتُ منه: «بدأت زياراتي لبورسعيد من الطفولة، مع والدي. ثم تعمقت العلاقة بيني وبين المدينة في 2018، حين جئت لمقابلة حبيبتي، وستصبح زوجتي بعدها -وهي بالمناسبة رسامة كوميكس؛ انبهرت بمدينة تستيقظ بعد الظهر، ويمكن تصوير شوارعها بسهولة، أهلها متآلفين مع الكاميرا. وفيها أماكن كثيرة خضراء ومفتوحة، الناس يتحركون بالدراجات. أحببت الطابع البصري والعمراني الغني، ومن ذلك مثلًا تكرار لافتات المحلات التي تزينها خطوط خضير البورسعيدي وتوقيعه المميز».
كما يعبر عن ملمح آخر يميز بورسعيد: «الناس في القاهرة متوترة، دايمًا عندهم خطط لمشاويرهم، وإسكندرية للأسف بقيت أحس فيها بنفس التوتر، لكن في بورسعيد بتمشي براحتك وتشوف ناس كتير مرتاحة في مشيها. وكمان بتنام في الأماكن المفتوحة. المعرض فيه صورة أو اتنين لناس عادية (مش مشردين) نايمين في برجولات خشب أو على البحر. وفي بورفؤاد بالذات فيه مساحات صمت كبيرة».
صور المعرض هي نتاج تصوير حرّ على مدار أربعة أيام في شهر أكتوبر 2024. ولأن عبد الرحمن مصور شارع هاوٍ، فهو غير مشغول بجماليات الفوتوغرافيا من سيمترية أو غيره، ولا التقاط ما هو استثنائي؛ يصوّر العادي في المدينة، يريد تصوير هوائها أو التقاط رائحتها إذا أمكن. وهو ما ينعكس على صوره، لكن سرّ جمالها أنه لا يكترث بالماضي، في مدينة تعتاش على الماضي، بل صور عمران مشغولة برصد اللحظة الحاضرة.. إمساكها بما فيها، وهي تتحوّل.

للمفارقة، بعض الأماكن التي صورها عبد الرحمن، أصبحت -في بحر ستة أشهر فقط- من الماضي!
من ذلك لافتة «الكباريه» في شارع الجمهورية قرب المعدية. فالمكان كله يرمّم الآن، مربع خشبي واسع، ولحسن الحظ لم يُهدم بالكامل، لكن اللافتة القديمة لم تعد موجودة. هذا الكباريه هو الذي رقصت فيه سعاد حسني في فيلم المشبوه الذي صوّر في الثمانينيات. لذلك، سيضيف عبد الرحمن ركنًا خاصًا بعنوان «فُقِد»، خاص بالأماكن التي صورها وهو يلتقط الحاضر ثم فوجيء بترحيلها للماضي.


المعرض يُقام بدعم من مبادرة «بورسعيد على قديمه»، ويفتتح اليوم في نادي المسرح وهو اختيار ذكي من المبادرة، فالمكان نفسه وما يجاوره، مهددّان بالاختفاء. الفنار المجاور للنادي بُني في 1869، ممنوع اللمس، كأنهم وضعوه في النيش مثل فنجان ورثناه من تيتة بورسعيد. هل يمكن أن نرى بورسعيد من الفنار المرتفع، أن يصعد مصور 290 درجة من السلم الحديدي ويصور المدينة من ارتفاع 65 مترًا؟
وخلف نادي المسرح، شارع فلسطين(الممشى)، الشارع التاريخي الموجود كإطلالة للمدينة على القناة في جميع كروتها البريدية لكنه غير موجود في الواقع، فقد جرى «تطويره» ووضعه في النيش، لكن عمران التقط صورًا في ما يشبه التوثيق لمراحل تطويره.

باقي صور عمران التي لا تُنسى: هنا
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن