فن صناعة الأصدقاء: تأليف جيفري إبستين
نشرت وزارة العدل الأمريكية، الجمعة الماضي، أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بتحقيقاتها في قضية جيفري إبستين، سرعان ما غمر محتواها الشاشات عبر العالم.
أشعل هذا الإفراج الهائل عن ملفات القضية، الأكبر حتى الآن، نقاشًا لم يُفارق اهتمام الرأي العام كثيرًا خلال السنوات السبع الماضية، يدور حول الجرائم الجنسية التي ارتكبها رجل الأعمال النيويوركي، والتورط المحتمل لرؤساء أمريكيين حاليين وسابقين وشخصيات أخرى ذات نفوذ حول العالم في استغلال إبستين المنظم للفتيات القاصرات. أُفرج عن البيانات وفقًا لقانون شفافية ملفات إبستين، الذي أُقر في نوفمبر الماضي لإتاحة ملفات القضية، نتيجة ضغوط داخلية في الولايات المتحدة، حيث كان المؤيدون للخطوة يأملون في أن تكشِف الملفات عن الرموز الأمريكية المتورطة في الانتهاكات، بالرغم من إغلاق قضية إبستين في أغسطس 2019، بعد وفاته في محبسه بفترة وجيزة.
لكن بعيدًا عن إثارة وجاذبية قصص رجال ذوي نفوذ يرتكبون جرائم مروعة، يُظهر لنا كم البيانات الذي أفرجت عنه السلطات الأمريكية صورة لإبستين كرجل كان قادرًا على محادثة عدد كبير من الأشخاص النافذين حول العالم، والإبقاء عليها، ليمتلك بها رأس مال اجتماعي هائل، وربما نفوذًا سياسيًا غير تقليدي لا نعرف أين تتوقف حدوده.
يُظهر البحث في قاعدة بيانات ملفات وزارة العدل عن كلمة «محادثة» 112 ألفًا و827 نتيجة. أحد الأشخاص أرسل مقالًا لإبستين عن فن المحادثة لا يظهر اسم كاتبه. تُهيمن هذه التيمة على سلاسل الإيميلات التي يشارك فيها إبستين، والتي تشكل الجزء الأكبر من الإصدار. يسأل الناس إبستين عن «كيفية إجراء محادثة» مع صديق مشترك، ويشكرونه على ما وصفوه بـ«المحادثات الرائعة» معه. تختلف المحادثات من حيث الجدية والموضوع، وتشكل صداقات تمتد لتشمل رؤساء الولايات المتحدة مثل دونالد ترامب وبيل كلينتون، وأفراد العائلة المالكة البريطانية مثل أندرو مونتباتن- ويندسور، وميت-ماريت من النرويج، وفاعلين سياسيين كان لهم تأثير عميق على أحداث تاريخية مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إيهود باراك، والاستراتيجي اليميني المتطرف، ستيف بانون، والسياسي البريطاني، بيتر ماندلسون، ومليارديرات وشخصيات أعمال مثل إيلون ماسك وبيل جيتس وبيتر ثيل، وشخصيات هوليوودية مثل وودي آلن وكيفن سبيسي، وحتى أكاديميين وعلماء مثل نعوم تشومسكي ولورانس كراوس.
المحادثات المُدرجة في الوثائق متنوعة الموضوعات على نفس قدر تنوع الشخصيات. يتحدث الناس مع إبستين عن كل شيء، من آخر مستجدات السياسة العالمية إلى خطط المشاريع التجارية الدولية، ومن ثرثرات حول جرائم جنسية إلى المقالات الصحفية، ومقترحات للكتب، والنكات، ووصفات الطبخ.
النقاش العام عن البيانات والإفراج عنها دار حول إمكانية أن تكشف شبكة النفوذ هذه عن من قد يكون متورطًا في جرائم إبستين الجنسية. ولكن ما تظهره البيانات بقوة هو أن شبكة المحادثات الواسعة هذه ساعدت إبستين نفسه على إسقاط هالة من النفوذ الشخصي قوية بما يكفي لاستقطاب المزيد من اللاعبين من شتى المستويات ممن سعوا إلى الارتباط به ومشاركة رؤيتهم للعالم معه، حتى بعد إدانته الأولى بتهمة استدراج فتاة قاصر لممارسة الدعارة في 2008. إبستين كان حاضرًا في كل مكان، حتى هنا في مصر. في أحد الوثائق، يمكن رؤية الدبلوماسي النرويجي، تاريه رود-لارسن، مهندس اتفاقيات أوسلو، وهو يحيل إليه توسلات خديجة الجمال، زوجة جمال مبارك، طلبًا للمساعدة، خلال محاكمة زوجها ووالده في 2011. وزير الخارجية السابق، أحمد أبو الغيط، والناشط سابقًا، وائل غنيم، ظهرا ضمن قائمة عدد كبير من الأسماء التي دُعيت إلى حفلات عشاء معه.
لنأخذ مثالًا أكبر من منطقتنا: لننظر إلى رسائله مع سلطان بن سليم، الرئيس التنفيذي لشركة موانئ دبي العالمية ورئيس مؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة في دبي، الذي تكشف الإيميلات أنه صديق قديم لإبستين.
وصفه إبستين في أحد الإيميلات من 2010 بأنه «صديق شخصي مقرب» يعرفه رجل الأعمال «منذ أكثر من ثماني سنوات». أرسل سليم رسائل كثيرة طوال سنوات حول العديد من الأمور، من خطط الأعمال إلى مقالات عن السياسة في الشرق الأوسط إلى أمور شديدة الشخصية.
وفقًا للإيميلات، التي تتضمن صورًا لهما وهما يقضيان الوقت ويطهوان معًا، ساعد إبستين بن سليم في التقدم بطلب استئجار عقار في 2010. ولاحقًا، وجّه بن سليم دعوة لإبستين لحضور فعالية أُقيمت في نيويورك عام 2012 على شرف الأول. ولسبب ما، تضمّنت التسريبات إيميلًا يبدأ فيه مدير «موانئ دبي» بجمع قائمة بالمدعوين إلى الحدث. ما يبدو جليًا هو أن العلاقة كانت ذات منفعة متبادلة، وأسفرت عن سلسلة من الروابط الجديدة. في 2014، طلب بن سليم من إبستين أن يتواصل مع ماندلسون للانضمام إلى مجلس إدارة إحدى شركاته. ثم، في 2017، عرّف بن سليم إبستين على رجل الأعمال الهندي، أنيل أمباني، الذي كان يسعى إلى الاستفادة من إرشادات إبستين بشأن تسهيل العلاقة بين إدارة ترامب الأولى ورئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي.
كما كان بن سليم يشارك إبستين بملفات وموضوعات ذات طابع سياسي أو اقتصادي بالغ الأهمية، من بينها مقابلة أجراها مع «بلومبرج» حول آفاق قناة السويس الجديدة، مقترحًا أن يرسلها إبستين إلى إيلون ماسك، إضافة إلى ملف «وورد» بعنوان «الاعتراف بأرض الصومال – أسئلة وأجوبة». أثار هذا تكهنات حول دور محتمل لإبستين في الخطوة الإسرائيلية الأخيرة للاعتراف بالإقليم المنشق عن الصومال، في مسعى للوصول إلى البحر الأحمر.
وفي مراسلات تظهر أكثر الجانب الشخصي بينهما، يقوم بن سليم بتسهيل انتقال مُدّلِكة إبستين إلى منتجع صحي في تركيا للتدريب، ويرسل له رابطًا لموقع «بورن» خاص به، إلى جانب نصح إبستين لبن سليم عما إذا كان يجب أن يحضر حفل تنصيب ترامب الأول، ومحادثات عن طهو لحم الماعز، ونكات وتعليقات على مستجدات كان يجدها طريفة، فضلًا عن عشرات الإيميلات الأخرى.
من بين العلاقات الأخرى في المنطقة التي نسجها إبستين على مدى عقود، علاقته بباراك، الذي امتدت مسيرته العسكرية والسياسية منذ أواخر القرن الماضي وحتى العقد الأول من القرن الـ21. ويبدو أن هذه الخبرة الطويلة داخل المؤسستين العسكرية والسياسية في إسرائيل كانت ذات قيمة كبيرة بالنسبة لإبستين. ففي إحدى الرسائل عام 2013، كتب إبستين لباراك: «هناك عدد قليل جدًا من الأشخاص الذين أستمتع بقضاء الوقت معهم. أنت شخص فريد»، ليرد باراك قائلًا: «شكرًا. الشعور متبادل».
وبعد أن كُشف سابقًا عن كونهما شريكين في الأعمال ومقربين منذ مطلع الألفية، أظهرت أحدث دفعة من الوثائق المُفرج عنها طيفًا واسعًا من الأدلة التي تعزّز مدى قرب العلاقة بين الرجلين. كشفت مراسلات بالإيميل عن سعي باراك إلى الحصول على مشورة ودعم رجل الأعمال في عدد من المشاريع التجارية، من بينها صفقة بيع شركة الغاز «Gadeco»، ومشروع لطائرة مُسيّرة تعمل بالطاقة الشمسية، فضلًا عن تبادل الآراء حول قضايا جيوسياسية وترتيبات سياسية. وفي الوقت نفسه، كان الطرفان يتبادلان التهاني في المناسبات ورسائل التعزية، ويقيمان في شقق بعضهما البعض إذا مر أحدهما بمدينة الآخر.
هذه العلاقة المعروفة مع باراك، مع الإيميلات الجديدة، أجّجت التكهنات ونظريات المؤامرة القائمة أصلًا حول إبستين وحدود نفوذه العالمي، إذ ذهب كثيرون إلى اعتباره أحد عناصر الاستخبارات الإسرائيلية. وانتعش هذا النزع التأويلي في قراءة هذه التسريبات، وتغذّى على الصدمة التي أثارتها تفاصيل الاتجار بالجنس والانتهاكات المنظمة بحق القاصرين المنسوبة إلى إبستين، واتساع شبكة الشخصيات النافذة المتورطة فيها، والتي تضم وجوهًا على قمة هرم السلطة في المعسكرين السياسيين الأميركيين، الديمقراطي والجمهوري، ما غذّى مخاوف من تستّر حكومي لحماية عصابة شيطانية.
غير أن استخلاص تصور دقيق لدور إبستين في أحداث سياسية تتجاوز محيطه المباشر، يبدو أمرًا بالغ الصعوبة في ظل الكم الهائل من الوثائق التي أُفرج عنها الجمعة. هذه المواد تبلغ ثلاثة ملايين صفحة، إلى جانب ألفي مقطع فيديو و180 ألف صورة يصعُب تصفحها، حيث تزدحم بمراسلات مقتطعة من محادثات جارية خارج ما هو أمامنا على الصفحات، فضلًا عن إيميلات حُجبت أسماء مرسليها أو متلقيها، ما يحجب تمامًا طبيعة علاقتهم بإبستين وأسباب ورودهم في التحقيق.
لا تكتفي الشهادات الصادمة الواردة في هذه الوثائق برسم صور أكثر فجاجة عن الفظائع التي ارتكبها إبستين، وبعض أصدقائه النافذين، بحق فتيات قاصرات وأطفال وأقليات، لكنها تكشف كذلك عن شبكة نفوذ مترامية الأطراف لا نعرف كيف استُخدمت بشكل واضح حتى الآن.
ما تكشفه الإيميلات، في المقابل، هو أن براعة إبستين في فن المحادثات فتحت له أبواب الوصول إلى أعلى دوائر السلطة. والسلطة تجلب المزيد منها.
تقارير ذات صلة
لينُكساوي: لنحرر العالم
كان مكاوي أشياء كثيرة: منظِّم، عبقري تكنولوجيا، مستشارًا للحكومة، رائد أعمال، بنّاء
الإمبريالية المناخية في القرن الحادي والعشرين
نُشِرَت هذه المادة في 1 يوليو 2022 ضمن المجلد 37/ العدد 3 من مجلة مَنثلي ريفيو
أزمة سلاسل الإمداد: ماذا يحدث اليوم في سفينة العولمة؟
يعاني قطاع الصناعة في مصر من مشكلات مزمنة في إدارة سلاسل الإمداد والتوريد خاصة مع الأزمة العالمية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن