الإمبريالية المناخية في القرن الحادي والعشرين
نُشِرَت هذه المادة في 1 يوليو 2022 ضمن المجلد 37/ العدد 3 من مجلة مَنثلي ريفيو. يمكنك قراءتها باللغة الأصل هنا. المادة منشورة بإذن المجلة.
مقدمة
يمكن تعريف الإمبريالية بوجه عام بأنها صراع رأس المال الاحتكاري الكبير في سبيل السيطرة على مجال اقتصادي ما بمساعدةٍ ودعم من سلطة الدولة، بيد أنه من غير الممكن دراستها على نحو شامل عبر دراسة كل دولة على حدة، بل يتطلب ذلك الإقرار بوجود نظام عالمي إمبريالي تهيمن عليه قوة عظمى، أي دراستها على نسق دراسة فلاديمير لينين لها قبل قرن من الزمان. ومع أن الإمبريالية لم تتغير في جوهرها، إلا أن شكلها قد تحور وبُناها قد تغيرت وتبدّل اعتمادها على هياكل قانونية ومؤسساتية معينة 1. أما المجال الاقتصادي فيمثِّل موضوعَ التنافس والسيطرة ويتخذ عدة أشكال كالأرض أو الموارد الطبيعية أو العمل (المدفوع وغير المدفوع على السواء) أو الأسواق والخدمات المُسلّعة حديثًا التي كانت في الماضي من اختصاص القطاع العام كالكهرباء والتعليم والأمن، أو يكتسي أشكالًا من الملكية المُستحدَثة مؤخرًا كالمِلكية المعرفية والملكية الفكرية، وحتى مِلكية الفضاء السيبراني.
ومن بين جميع الأشكال الجديدة والرائجة للمجال الاقتصادي في الحقبة النيوليبرالية المُعولمة، تُعَد الأشكال المرتبطة بالتفاعل المادي المباشر بين البشر والكوكب أهمها من زوايا عدة وأوثقها ارتباطًا بالقمع والنزاعات والحروب. وقد شهد القرن التاسع عشر العديد من تلك النزاعات مع توسع الاستعمار نحو بِقاع جديدة في محاولة لبسط هيمنته على الأرض ومنافعها. أما في أواخر القرن العشرين فقد شُنَّت الحروب بغرض السيطرة على مصادر الطاقة كالنفط. ولعل قرننا الحالي يشهد تزايدًا في وتيرة الحروب على المياه. هكذا، باتت التغيرات الناجمة عن الصدوع الأيضية [i] بشرية المنشأ ترسم ميدانَ صراعٍ جديدٍ على النفوذ والهيمنة والنهب يمثِّل اليوم ملمحًا أساسيًا في الإمبريالية المعاصرة.
إنَّ هذا الملمح في الرأسمالية المُعولمة اليوم وارتباطه، لا بالرأسمالية فحسب، بل بالإمبريالية أيضًا، يزداد وضوحًا من خلال:
(1) قدرة بلدان المركز والنخب على الإنتاج والاستهلاك وفق نمط حياة إمبريالي، تتزايد معه الانبعاثات الكربونية والبصمات الإيكولوجية.
(2) اللغة الخادعة والملتوية المستعملة في مناقشة التغير المناخي في المباحثات الدولية.
(3) آليات التمويل الدولي التي تساهم في زيادة انبعاثات الكربون وتعجز عن تأمين التمويل اللازم لتفعيل استراتيجيات الحد من هذه الانبعاثات.
(4) احتكارات المعرفة المخصخصة التي تحرم غالبية البشر من امتلاك التقنيات اللازمة لمجابهة التغير المناخي.
(5) التغيُّر في المتطلبات التقنية اللازمة للحد من التغير المناخي والتكيف معه، ما يسمح بمزيدٍ من نهب الموارد الطبيعية خاصة المعادن الاستراتيجية، بالإضافة لظهور أشكال جديدة من التنافس على التنقيب بين القوى العظمى.
الدَين الكربوني بين الماضي والحاضر
تاريخيًا، تتحمل الدول المُتقدمة مسؤولية 80% من إجمالي الانبعاثات الكربونية العالمية بين عامي 1850 و2011. وتمثِّل هذه السيرورة التاريخية من تركُّز الغازات الدفيئة العاملَ الرئيسي في التغير المناخي اليوم. كما أنها نتيجة طبيعية للاستغلال المفرط للكوكب وانتهاكه على يد حفنة من البلدان الغنية تمثل اليوم حوالي 14% من سكان العالم. بالتوازي، تشعر البلدان النامية، أكثر من غيرها، بوطأة آثار التغير المناخي لكونها الأقل قدرة على معالجتها نتيجة انخفاض نصيب الفرد من الدخل، وانخفاض هامشها النقدي ووصولها المحدود إلى أسواق المال العالمية.
يعني هذا أن الدَين المناخي مسألة جوهرية، لا بد من معالجتها في أيّ تحول بيئي عادل، غير أن ما تعهدت به الدول الغنية من التزامات الحيادِ الكربوني لا يتضمن أي اعتراف بالآثار السلبية الهائلة لمساراتها التنموية في الماضي، ولو أُخِذَ الدين المناخي بالحسبان، لتغيرت جوهريًا المقترحات المقررة من هذه الدول. على سبيل المثال، لقد قُدِر «نصيب الولايات المتحدة من المجهود العالمي للحد من الاحتباس الحراري في 2030 بما يعادل انخفاضًا نسبته 195% من معدلات انبعاثاتها المسجلة في 2005، ما يعني حصة عادلة[ii] تتراوح بين 173% و229%»2.
لقد نجحت الدُول المتقدمة، خلال المباحثات الدولية بشأن التغير المناخي، في إبعاد النقاش عن أي أفكار تتصل بالمسؤولية التاريخية والدَين المناخي، وحصرته بدلًا من ذلك في معدلات الانبعاث الحالية. فضلًا عن ذلك، ما من اعتراف بضرورة تعويض البلدان الأكثر تأثرًا بالتغير المناخي (غالبيتها منخفضة ومتوسطة الدخل)، وهذه قد عانت دمارًا وخسائر فادحة نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر وقسوة الطقس وتدهور إمكانياتها الزراعية. لا يتعلق الأمر بالأخلاق فحسب، بل بكونه أمرًا غير مجدٍ وهدَّامًا لأنه يقوِّض الحد الأدنى من التضامن والتعاون الدوليين الضروريين لضمان قدرة البشرية على معالجة تلك الأزمة، فإذا لم تُؤخَذ المطالب المشروعة للدول النامية بالحسبان لن نشهد ولادة اقتصادٍ مُستدام في كوكب مُعافى وعادل.
كما أن الشكل الحالي من التزامات خفض الانبعاث الكربوني يُسفِر عن تزايد الدين المناخي لهذه الحفنة من البلدان الغنية تجاه بقية بلدان العالم. أما تقديرات هذه الحفنة والتزاماتها الفعلية فتعني عمليًا أنها ستواصل الاستحواذ على حصة الأسد من «ميزانية الكربون» [iii] (قرابة 60%) على مدى العقود الثلاثة، بشرط ألا تتخطى الزيادة في درجة الحرارة 1.5 درجة مئوية، لكن إذا تخطتها بأسرع من المتوقع (بحلول 2040 كما تتوقع أكثر السيناريوهات تفاؤلًا عند الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي) فستكون المسؤول الأول عن ذلك وعن آثاره الوخيمة المحتملة.
تقدير المسؤولية الوطنية عن الانبعاثات الكربونية
غني عن البيان أن السيرورات الطبيعية -وتدخلات البشر فيها- لا تعترف بالحدود الوطنية، فلا الغلاف الجوي ولا المحيط يعترف بتأشيرات السفر، وبالمثل تزحف آثار التغير المناخي والتدهور الطبيعي عبر الحدود. غير أن استراتيجيات التصدي للتغير المناخي لا تزال استراتيجيات وطنية بحتة، حتى في المحافل الدولية. إذْ تُشكّل «المسؤولية المناخية» لكل دولة على حدة أساس المباحثات والتعهدات بإدارة الانبعاثات الكربونية، مثلما ظهر جليًا في مؤتمر الأمم المتحدة الأخير حول التغير المناخي في جلاسكو الاسكتلندية.
والسؤال هنا، كيف تُقدَّر تلك المسؤولية؟ ترتكز الآلية المُعتمدة من الأمم المتحدة على كمية الانبعاثات الكربونية الناتجة عن مُجمل النشاطات الإنتاجية داخل حدود كل دولة، ما يجعل الصين والولايات المتحدة والهند أكبر مُنتج للانبعاثات بمجموع يزيد عن نصف الانبعاثات العالمية. في الواقع، زادت انبعاثات الصين والهند بوتيرة متسارعة مع مستهل القرن الحالي تحديدًا، في حين أظهرت غالبية الدول المتقدمة معدلات زيادة أقل، أو حتى انخفاضات طفيفة في بعض الأحيان، ما سمح بتوجيه مزيدٍ من أصابع الاتهام إلى البلدين أثناء قمة جلاسكو.
وبالمجمل، أظهرت الدول النامية زيادة كبيرة في معدل الانبعاثات الكربونية منذ عام 2000، فقد زادت معدلات الصين بمقدار ثلاثة أضعاف، والهند وإندونيسيا بمقدار 2.7 و4.7 ضعفًا على التوالي، كما زادت معدلات المملكة العربية السعودية بمقدار الضعفين. وعلى العكس منها، تراجع إجمالي الانبعاثات الكربونية في كل من الولايات المتحدة واليابان 12% وفي ألمانيا 22% تقريبًا خلال الفترة نفسها3. ويرجع هذا إلى عدة عوامل، منها نقل النشاط الصناعي عالي الانبعاث لدول أخرى (معظمها دول نامية)، أي تصدير الانبعاثات، وتحوّل الاقتصاد إلى النشاطات الخدمية الأقل استهلاكًا للطاقة، وانتشار مصادر الطاقة الأقل تلويثًا كالغاز الطبيعي والطاقة النووية والمُتجددة.
عند صياغة جل نقاشات التغير المناخي بلغة «إجمالي الانبعاثات الوطنية» أو «الناتج المحلي الإجمالي»، بدلًا من «معدل الانبعاثات للفرد» و«الناتج المحلي للفرد»، تختفي التفاوتات الصارخة والمهيمنة على عالمنا. فالبلدان المتقدمة لا تزال، بعد كل التخفيضات الإجمالية، أكبر منتج عالمي للانبعاثات الكربونية بالنسبة للفرد، إذ تُنتج الولايات المتحدة وأستراليا ثمانية أضعاف ما تنتجه بلدان نامية كالهند وإندونيسيا والبرازيل، التي تتلقى سيلًا من الانتقادات على خلفية زيادتها الانبعاثات. ولا يزال معدل الانبعاثات للفرد في الصين، رغم الزيادات الأخيرة، أقل من نصف نظيره في الولايات المُتحدة.
بيد أن مقارنة معدلات الانبعاثات للفرد على أساس الإنتاج الوطني لا تعكس الصورة الكاملة للتفاوتات المعاصرة. فمن خلال استيراد المنتجات والخدمات عالية الانبعاث من البلدان الأخرى، صار بمقدور الدول المتقدمة «تصدير» انبعاثاتها. وقد تبنت الاقتصادات المتقدمة، منذ مطلع القرن الحالي، استراتيجية لاري سامرز[iv] الشهيرة الخاصة بتصدير الصناعات المُلوِثة إلى الدول النامية، ومنها الصناعات عالية الانبعاث الكربوني. أسفر هذا التحول من الانبعاثات «المباشرة» إلى «غير المباشرة» من بوابة التجارة الدولية عن عدم احتساب كامل الانبعاثات الناتجة عن استثمارات الدول الغنية واستهلاكها.
لقد أجمع العلماء على أن أكثر من 40% من انبعاثات الدول النامية سببها تصدير الدول المتقدمة إنتاجها إليها، ووثقوا هذه الملاحظة في التقرير السنوي لمجموعة العمل الثالثة المعنية بالحد من التغير المناخي والتابعة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، حسبما أظهر القسم المُعنون «توصية لصُناع القرار»[v] والمُسرب من التقرير، لكنَّه حُذِف من النسخة المنشورة من التقرير لاحقًا بقرار سياسي4. لقد تزايدت الانبعاثات المُصَدَّرة من دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية منذ 2002 (وبشكل ملحوظ عقب انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية)، وبلغت ذروتها عام 2006 مع رصيدٍ كربوني سالب يُقدر بـ2.278 مليون طن متري، أي 17% من إجمالي الانبعاثات الإنتاجية لدول المُنظمة، ثم أخذت تنخفض منذ ذلك الحين، لكنَّها لم تزل عند مستوى 1.557 مليون طن متري5.
لكن تزداد الفوارق بين الدول إذا أخذنا «انبعاثات الطلب» [الاستهلاك المحلي + الاستثمار الخارجي] بعين الاعتبار، عندئذٍ تحتل الدول المتقدمة القمة بفارق شاسع. إذا كان معدل انبعاثات الإنتاجية للفرد قد بلغ في الولايات المتحدة ثمانية أضعاف نظيره في الهند في 2019، فإن معدل انبعاثات الطلب للفرد فيها قد بلغ 12 ضعفًا نظيره في الهند خلال 2015، وثلاثة أضعاف نظيره في الصين، رغم أن الصين أكبر مُنتج للانبعاثات الإنتاجية على مستوى العالم.
اللامساواة كمحرك للانبعاثات الكربونية
يمكن للمتوسطات الوطنية أن تكون خادعة وتحجب اللامساواة داخل البلد الواحد، التي تحددها مستويات الدخل والموقع والوظيفة وعوامل أخرى. بحسَب تقرير اللامساواة العالمي لعام 2022، ترجع اللامساواة العالمية في انبعاثات الكربون إلى اللامساواة الاجتماعية داخل كل بلد، إذ تُعَد مسؤولةً عن ثلثي اللامساواة في الاستهلاك الكربوني الحالي، بعدما كانت مسؤولة عن ثلثها فحسب مطلع التسعينيات من القرن الماضي. في الوقت الحاضر، تنتج شريحة الـ50% الأفقر من سكان الدول الغنية كربونًا يُعادل المستهدفات المناخية التي وضعتها حكوماتها لعام 2030.
واللافت وجود كبار مُنتجي الكربون على الصعيد العالمي في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وبالمقابل وجود صغار منتجيه في البلدان مرتفعة الدخل. وبالتبعية، تُعد شريحة الـ10% الأغنى من سكان أمريكا الشمالية مُنتِج الكربون الأكثر إسرافًا على مستوى العالم، بمعدل 73 طن للفرد سنويًا، أي ما يُعادل 73 ضعف الكربون الذي ينتجه الـ50% الأفقر من سكان جنوب شرق وجنوب آسيا، وهذه تُنتِج شريحتها الغنية انبعاثات بمعدل مرتفع جدًا، لكنها تظل أقل بكثير من نظيرتها في أمريكا الشمالية.
بيد أن المفاجأة كانت كمية الكربون الضئيلة التي تنتجها شريحة الـ50% الأفقر من سكان البلدان الغنية. ففي أوروبا، يُنتج الشخص الواقع ضمن هذه الشريحة خمسة أطنان سنويًا، بينما ينتج نظيره في أمريكا الشمالية عشرة أطنان، وينتج نظيرهما في شرق آسيا حوالي ثلاثة أطنان. تتناقض هذه البصمات الكربونية الصغيرة مع بصمات شريحة الـ10% الأكثر إنتاجًا للانبعاثات في بلدانها، وكذلك مع بصمات الشريحة الغنية الأكثر إنتاجًا للانبعاثات في البلدان الفقيرة. على سبيل المثال، تنتج شريحة الـ10% الأغنى في جنوب شرق وجنوب آسيا من الكربون ضِعف إنتاج الشريحة الأوروبية الأفقر، بل إن شريحة الـ10% الأغنى من سكان إفريقيا جنوب الصحراء تنتج كربونًا يفوق الشريحة الأوروبية الأفقر.
ملاحظة: بحسَب منهجية التقريرالعالميللامساواة، تحتوي البصمة الكربونية الشخصية على الانبعاثات من الاستهلاك المحلي والاستثمارات العامة والخاصة، بالإضافة لصادرات ومستوردات الكربون في السلع والخدمات المتبادلة مع الخارج. وقد صيغت هذه التقديرات بناءً على بيانات الضرائب والمسوحات السكانية وجداول البيع والشراء، مع تقسيم انبعاثات الأسرة الواحدة بالتساوي على أفرادها.
علاوة على ذلك، يبدو أن تزايد اللامساواة الاجتماعية يزيد بالمجمل من الانبعاثات الكربونية. فبينما انخفضت الانبعاثات الكربونية للفرد في شريحة الـ50% الأقل دخلًا من سكان الولايات المتحدة وأوروبا بين 15-20% بين عامي 1990 و2019، فقد زادت نظيرتها عند شريحة أغنى 1% في جميع أنحاء العالم على نحو ملحوظ. في الوقت الحاضر، تتحمل شريحة الـ10% الأغنى على مستوى الكوكب مسؤولية نصف الانبعاثات العالمية تقريبًا، ولن يبدو ذلك صادمًا لكل من تابع فاحشي الثراء وهم يتنزهون في الفضاء الخارجي بكلفة 55 مليون دولار للتذكرة الواحدة، كمثال بين أمثلة أخرى عديدة، يؤثر فيها استهلاكهم التفاخري في النظام البيئي.
مع تزايد ثراء الأثرياء (ونفوذهم السياسي) في مختلف البلدان، تزداد وقاحتهم ولا مبالاتهم تجاه تأثيرهم البيئي، أو يكتفون بتقديم الوعود الجوفاء بدلًا من القيام بتغيير حقيقي في أنماط استثمارهم ومعيشتهم، وهذا ما تعنيه الإمبريالية بالضبط، حيث تستفيد نخب البلدان الغنية والفقيرة على السواء من نظام اقتصادي يتيح لها نهب المزيد من الموارد المتاحة، بما فيها استغلال الكوكب نفسه بثرواته، ما ظهر منها وما بطن.
يترتب على هذا أن على السياسات المناخية استهداف المُلَوثِين الأثرياء، لكن واقع الحال أن ضرائب الكربون تنصب على الشرائح منخفضة ومتوسطة الدخل، وليس لها تأثير يُذكر في أنماط استهلاك الشرائح الثرية، سواء في البلدان الفقيرة أو الغنية. من الواضح، إذًا، أن على استراتيجيات تخفيض الانبعاثات الكربونية البدء بالتركيز على الحد من استهلاك الأثرياء، سواء داخل الدولة أو على الصعيد العالمي، وهذا يلزمه تحول جذري في صياغة السياسات المناخية وآليات تطبيقها.
دور التمويل في الاقتصادَين المُلوِّث والبيئي
تتحمل الدول الغنية المسؤولية الرئيسة في أزمة المناخ الحالية. بالمقابل، تواجه الدول الفقيرة مزيدًا من أعباء الأزمة بشكل غير متكافئ، وهي من الناحية المالية أضعف من تطبيق الحلول البيئية. ولعلاج هذا الخلل، سبق أن تعهدت الدول المُتقدمة خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ 2009 في كوبنهاجن بتقديم 100 مليار دولار من الدعم سنويًا للدول النامية. وبطبيعة الحال، فإن هذا الرقم أقل بكثير من الحاجة الفعلية، فقد أظهر تقرير صدر مؤخرًا عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي أن تقديرات كلفة التكيّف مع آثار التغير المناخي (دون حساب كلفة الحد منه) تتراوح بين 15 و411 مليار دولار سنويًا حتى عام 2030، ومعظمها يتخطى الـ100 مليار دولار، مع العلم أن هذه الأرقام لا تشمل التقديرات الجديدة للخسائر والأضرار المالية الناتجة عن التغير المناخي وتتكبدها معظم أنحاء العالم بالفعل6.
بيد أن هذا الدعم -على ضآلته- لم يُقدَّم فعليًا، إذ لم يتجاوز متوسط الدعم المصروف بحلول 2013 حاجز 60 مليارًا في معظم التقديرات، أتت نسبة ضئيلة منه من المعونات الثنائية7. أمّا آخر التقديرات في 2020، فتشير إلى جمع 80 مليارًا، لكن جزءًا كبيرًا منها بلغ الثلث تقريبًا جاء عبر مؤسسات دولية، وجزء آخر عبر القطاع الخاص، وكليهما ليس جزءًا من التزامات الحكومات الغنية بالتمويل المناخي الذي لم يتجاوز ثلث أو ربع المبلغ الذي تعهدت به من قبل، بمتوسط سنوي هزيل بلغ 18 مليارًا بين 2013 و2019. قارن ذلك بتريليونات الدولارات التي ضختها الحكومات نفسها بعصا سحرية خلال جائحة كوفيد-19 وتوابعها الاقتصادية على مدار عامي 2020 و2021.
يغدو هذا البخل غير العادي للدول الغنية إزاء معالجة احتياجات التمويل المناخي لبقية العالم أبرز إذا علمنا أنه يمكن تقديم هذا التمويل بالمجان تقريبًا، على سبيل المثال، عن طريق إعادة تدوير حقوق السحب الخاصة الجديدة (الأصول الاحتياطية التكميلية من العملات الأجنبية) التي أصدرها مؤخرًا صندوق النقد الدولي، وتلقت منها البلدان الغنية حوالي 400 مليار دولار. علاوة على ذلك، لم تتجاوز تعهدات الدول الغنية لصندوق المرونة والاستدامة التابع لصندوق النقد الدولي 40 مليار دولار في أبريل 2022، مع العلم أن صندوق المرونة قد تأسس لتأمين التمويل المناخي لمجموعة محدودة جدًا من البلدان، وبموجب شروط صعبة نوعًا ما.
بل إن ندرة التمويل المناخي تغدو أعجَب عند مقارنتها بالدعم المقدم من الدول الغنية للوقود الأحفوري، فحكومات هذه الدول كانت تُغدِق الإعانات على صناعات الوقود الأحفوري فيها، حتى عندما كانت تُلقي على أسماع البلدان الأفقر المواعظ للحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، غير أن الحجم الحقيقي لهذه الإعانات يتوارى خلف طريقة قياسه. إذ يُقاس الدعم الحكومي لإنتاج الوقود الأحفوري أو استهلاكه بالتحويلات المالية المباشرة والإعانات والإعفاءات الضريبية لهذا القطاع. بهذه الطريقة، قدَّرَت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ووكالة الطاقة الدولية أن الحكومات في 52 دولة تنتج حوالي 90% من الوقود الأحفوري حول العالم، قد قدمت إعانات مقدارها نحو 555 مليار دولار سنويًا بين 2017 و2019. 8
لكنَّ هذه الطريقة لا تكشف عن مبلغ الإعانات الفعلي. يوجد مقياس أشمل يستخدمه باحثو صندوق النقد الدولي يتضمن كلًا من الإعانات الصريحة، أو تقليل كلفة التوريد، والإعانات الضمنية، أو تقليل الكلفة البيئية وضرائب الاستهلاك، ينتج عنه مبلغ إعانات أدق وأدل9. بهذه الطريقة، بلغ إجمالي الإعانات العالمي للوقود الأحفوري عام 2020، 5.9 تريليون دولار، أي أكثر من عشرة أضعاف تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والوكالة الدولية للطاقة. وهذا ليس مفاجئًا، فقد شكّلت الإعانات الضمنية 92% من المبلغ الإجمالي.
كانت الصين المانح الأكبر لإعانات الوقود من حيث القيمة المطلقة، تلتها الولايات المتحدة وروسيا والهند والاتحاد الأوروبي. بلغ إجمالي إعانات الولايات المتحدة لصناعة الوقود الأحفوري 662 مليار دولار عام 2020، كان معظمها ضمنيًا. في المقابل، تعهدت إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بتقديم 5.7 مليار دولار لتمويل المناخ (ويفترض أن تزداد إلى 11.4 مليار دولار بحلول عام 2024). في الواقع، تقدِّر الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن التمويل المناخي العالمي من المصادر العامة والخاصة قد بلغ حوالي 640 مليار دولار في ذلك العام. يسلط هذا الأمر الضوء على مدى تأثير التدخل الحكومي في تحيز الأسعار، وبالتالي حوافز السوق، لصالح الوقود الأحفوري، وليس ضده.
في هذا السياق من الدعم المتحيز، لا عجب أن يتركَّز التمويل الخاص في استثمارات الطاقة «الملوِّثة» هذه، على الرغم من كل الحديث عن الشراكات بين القطاعين العام والخاص و«التمويل المختلط» لتمكين استثمارات الطاقة «النظيفة». من ناحية أخرى، يمثِّل غياب البيانات الموثوقة والمنهجية والشفافة بشأن التدفقات المالية عبر الحدود، وغيابها بالتحديد في صناعات الوقود الأحفوري، حجر عثرة أمام أي تحليل حقيقي للتدفقات المالية الخاصة، كما يستلزم تنسيق السياسات، الإفصاح عن بيانات أدق بشأن مصادر تمويل صناعات الوقود ووجهة هذا التمويل وما ينتجه من طاقة. بيد أن البيانات المتاحة تشير إلى أن معظم التمويل الخارجي لصناعات الفحم يأتي بالأساس من هيئات القطاع الخاص في الاقتصادات المتقدمة، لا سيما البنوك التجارية والمستثمرين المؤسسيين. فمن بين أكبر 15 جهة إقراضًا للاستثمار الجديد في الفحم على مستوى العالم، كان 14 مقرضًا في الاقتصادات المتقدمة. وبالمثل، يأتي المستثمرون المؤسسيون المهيمنون في سندات شركات الوقود الأحفوري أو أسهمها من هذه الاقتصادات الغربية أيضًا، وتحتل المراكز الثلاثة الأولى شركات «BlackRock» و«Vanguard» و«Capital Group»، وجميعها أمريكية. وخَلُصَت إحدى الدراسات إلى أن انبعاثات الكربون الناتجة بطريقة غير مباشرة عن أموال الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، بما فيها الشركات «الرقمية» الأكثر مراعاة للبيئة، واستثماراتها (بما فيها الأوراق المالية القابلة للتداول) ضخمة بسبب استثمارات الوقود الأحفوري للبنوك التي تستثمر فيها هذه الشركات. ووجدت أنه بالنسبة إلى شركات «Alphabet» و«Meta» و«PayPal»، على سبيل المثال، كانت الانبعاثات الناتجة عن أموالها واستثماراتها (الانبعاثات الممولة) تتجاوز جميع انبعاثاتها الأخرى مجتمعة10.
يتضح من هذا أن أي سياسات جادة تهدف إلى الحد من التغير المناخي والتكيف معه يجب أن تعالج هذا الخلل بين التمويل المناخي والإعانات والتمويل المتواصلَيْن لصناعات الوقود الأحفوري. وللأسف، دفعت حرب أوكرانيا العديد من الحكومات، لا سيّما حكومات الشمال العالمي القادرة على انتهاج سياسة متوسطة الأمد، إلى التملص سريعًا من التعهدات المناخية الهزيلة نسبيًا وغير الملائمة التي قطعتها قبيل بضعة أشهر في مؤتمر المناخ في جلاسكو. وبدلًا من أخذ ارتفاع أسعار النفط مأخذ الفرصة لتسريع التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، حاولت الحكومات في الاقتصادات الرأسمالية الرئيسة والبلدان منخفضة ومتوسطة الدخل تسكين الألم عن طريق الإبقاء على أسعار الطاقة المحلية منخفضة لاعتباراتٍ سياسية قصيرة الأجل.
التدافع الجديد على الموارد
لم يؤمِّن استحداث التقنيات الجديدة مخرجًا من الإمبريالية، لكن من شأن هذه التقنيات تغيير طبيعة الموارد التي تسعى القوى الكبرى للسيطرة عليها. ينطبق هذا على التحول الطاقي المطلوب لكونه يتطلب بالضرورة زيادة كبيرة في استخدام بعض المعادن الهامة، وهذه قد شهدت في السنوات الأخيرة ارتفاعات كبيرة في عرضها والطلب عليها، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تعدين المعادن الهامة سيتضاعف 30 مرة على الأقل في العقدين المقبلين.
خذ مثلًا حالة الليثيوم، صاحب الدور الهام في إزالة الكربون من الاقتصاد العالمي والداخل في صناعة السيارات الكهربائية والأدوات الذكية والأجهزة المنزلية والمكتبية والكاميرات الرقمية والهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والأجهزة اللوحية. فبطاريات الليثيوم القابلة لإعادة الشحن لا غنى عنها في السيارات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية المحمولة والأدوات الكهربائية، بالإضافة إلى تطبيقات التخزين الشبكي. وبصرف النظر عن غلبة استخدام الليثيوم في صناعة البطاريات، فإنه يدخل في صناعة السيراميك والزجاج وشحوم التزييت والبودرة المستخدمة في قوالب الصب المستمر وإنتاج البوليمر ومعالجة الهواء، وغير ذلك من الاستخدامات. في سيناريو التنمية المستدامة الصادر عن وكالة الطاقة الدولية، من المتوقع أن يزداد الطلب على الليثيوم بمقدار 42 ضعفًا بحلول عام 2040 11.
اليوم، يتركز إنتاج الليثيوم وتصديره في دول الجنوب العالمي، باستثناء أستراليا التي تعد حاليًا أكبر منتج لليثيوم التجاري. وعنصر الليثيوم النقي شديد التفاعل لا يمكن العثور عليه في الطبيعة، إنما يوجد في صورة تركّزات في المحاليل الملحية أو في الخامات المعدنية. في أستراليا، يستخرجونه مباشرة من رواسب الصخور الصلبة، أما في بعض دول أمريكا اللاتينية فيستخرجونه من برك المياه المالحة (حقول سالار في بوليفيا وتشيلي والأرجنتين)، ولكل من الطريقتين تقنيات استخراج ومعالجة مختلفة. والإنتاج الحالي من الليثيوم أقل بكثير من احتياطياته المعروفة حتى الآن، فقد زادت بشدة لتصل إلى حوالي 89 مليون طن في عام 2021 بسبب الاستكشاف المستمر12. وتوجد معظم احتياطيات الليثيوم المعروفة في بوليفيا والأرجنتين وتشيلي. ومع أن للصين دورًا مهمًا في هذه اللعبة، لا سيما في التحكم في سلاسل التوريد، فإن وارداتها حاليًا تتجاوز صادراتها، ما يجعلها مستوردًا صافيًا لكربونات الليثيوم المستخدمة في صناعة بطاريات أيونات الليثيوم.
تبرز مخاوف كبيرة بشأن الأثر البيئي لتعدين الليثيوم، وخاصة في البلدان النامية. يضم مثلث الليثيوم في أمريكا اللاتينية أكبر احتياطي معروف من الليثيوم تحت المسطحات الملحية، ويتألف من سالار دي أتاكاما في تشيلي، وسالار دي أويوني في بوليفيا، وسالار دي أريزارو في الأرجنتين. ولاستخراجه، يجب ضخ الليثيوم من باطن الأرض، ومن ثم تركيزه بالتبخر، وقد أثرت هذه العملية سلبًا في النظام البيئي ومجتمعات السكان الأصليين في هذه الدول الثلاث، نتج عنها استنفاد المياه العذبة وتقليل إمكانية الوصول إليها وتلويث الجداول المحلية التي يستخدمها البشر والماشية، وتلويث مياه الري في سالار دي هومبر مويرتو في الأرجنتين. تعد المنطقة موطنًا للعديد من مجتمعات أتاكامينيو الأصلية، التي اعتمدت تقليديًا على الأرض والموارد الطبيعية لكسب عيشهم من تربية الماشية والتعدين على نطاق صغير، والمنسوجات والحرف اليدوية. ومع غياب مفاوضات رسمية، فإن مصالح شركات التعدين تطغى على مصالح المجتمعات المحلية. زد على هذا أن عمليات التعدين قد ارتبطت بانتهاك حقوق الإنسان وأمراض الجهاز التنفسي واستغلال العمالة، وأخيرًا تهجير الملاك التقليديين لهذه الأراضي. وتبرز مخاوف إضافية بشأن جودة المعلومات اللازمة للحصول على موافقة من هذه المجتمعات وإمكانية الوصول إليها وتأطيرها. بالمقارنة مع هذه الآثار الجانبية، لم تجنِ تلك المناطق فوائد اقتصادية تُذكَر13.
تتضمن تقنيات الاستخراج في مثلث الليثيوم ضخ المحلول الملحي والتبخير الشمسي باستخدام ما يقرب من نصف مليون جالون من الماء لإنتاج طن واحد من الليثيوم. يسبب هذا الإفراط في استهلاك المياه تغيير الطبيعة الهيدروديناميكية لهذه المناطق، ويقلل من توافر المياه للمجتمعات المحلية14. يشكِّل الاستخراج الصناعي للمياه وتسليعها بفعل صناعة التعدين أساس مطالبة السكان الأصليين بموارد المياه. وتستخدم الشركات الوطنية والمتعددة الجنسيات نفوذها وأموالها لتنتزع إلى الأبد مصادر المياه من مجتمعات السكان الأصليين15. وفي تشيلي، تجلت النزاعات حول إدارة المياه في التفاوت في الوصول إلى المياه الجوفية بين كبار المزارعين والفلاحين. علاوة على هذا، يهدِّد تعدين الليثيوم بتلويث المياه. في الصين مثلًا نشبت منازاعات واحتجاجات من جانب بعض السكان القرويين بعد تسرب المواد الكيميائية السامة، مثل حمض الهيدروكلوريك، من مناجم الليثيوم إلى نهر ليشي، وتسببها في نفوق قطعان من الياك والأسماك16.
كما تُضِر عملياتُ وأنشطةُ التعدين هذه بالنباتات والحيوانات المحلية. وخلال العقدين الماضيين، شملت الأضرار تدهور الغطاء النباتي وارتفاع درجة الحرارة خلال النهار، وانخفاض رطوبة التربة، وزيادة ظروف الجفاف في مناطق المحميات الوطنية. وعلاوة على هذا، تثور المخاوف من تهديدات محتملة تطال التنوع البيولوجي الحالي17.
تجلت المنازعات حول الأراضي المرتبطة بالتعدين في صورة صراعات في الأرجنتين (بين الحركات المنظمة على مستوى البلديات وحكومات المقاطعات حول إيجارات التعدين) وجواتيمالا (حيث مجتمعات السكان الأصليين تنظم عملًا جماعيًا) والبيرو (مع حركات الفلاحين التي تجري مشاورات شعبية بشأن مشاريع التعدين) وفنزويلا (احتجاجات ضد أنشطة التعدين في أورينكو) ومناطق أخرى. وفي تشيلي، لا يزال التوتر على أشده بين المابوتشي والسلطات المحلية18.
توجد أدلة على تهجير مجتمعات السكان الأصليين. على سبيل المثال، انخفض عدد سكان الريف في التجمعات الشمالية من منطقة تاراباكا في تشيلي من حوالي 46% إلى 6% بين عامي 1940 و2002. وظهرت أشكال أخرى من الخلافات جراء نقص التعويض المناسب لمجتمعات السكان الأصليين، أو عدم منح التعويض الموعود. أبرم مشروع مينارا إكسار، وهو مشروع كندي-تشيلي مشترك، اتفاقيات مع ستة مجتمعات محلية لاستخراج الليثيوم في الأرجنتين، وتوقع تحقيق مبيعات سنوية بـ250 مليون دولار، ووعد كل من هذه المجتمعات الأصلية بتعويضات سنوية تتراوح بين تسعة آلاف و60 ألف دولار. لكنَّ شهادات السكان المحليين تشير إلى خلاف ذلك، وقد قالت المقيمة في قرية سوزكويس لويزا جورج: «تأخذ شركات الليثيوم ملايين الدولارات من أراضينا... يجب عليها إعطاء شيء بالمقابل، لكنَّها لا تفعل»19.
بيد أنه من الممكن القيام بالأشياء بطريقة مختلفة، فلا يلزم أن يكون استخراج الليثيوم مكلفًا للمجتمعات المحلية، مع وجود إطار مؤسسي وتنظيمي مناسب. على سبيل المثال، من شأن الدولة استخراج الموارد وتحصيل ريعها وتوجيهه لصالح الاقتصاد المحلي. ويمكن للحكومات زيادة الإيرادات الإضافية بفرضها ضرائب تصاعدية على أرباح الشركات وضرائب ريع الموارد، إلى جانب فرض ضرائب على عائدات الانتفاع لضمان تدفق الإيرادات مقدمًا. لكن معدلات هذه الضرائب على المعادن الاستراتيجية خُفِّضَت بدرجة كبيرة إبان إجماع واشنطن بحجة تحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر. واليوم تُقدَّر هذه الضرائب في معظم الاقتصادات على أساس القيمة، ويتراوح نطاقها بين 2% و30%. يتطلب هذا الأمر بالضرورة مشاركة الدولة في العملية برمتها، لا سيما لضمان عدم المساس بحقوق المجتمعات المحلية. وفي هذا السياق، تبين أن حيازة ما لا يقل عن 51% من الحقوق في أسهم شركات الاستخراج والمعالجة من شأنه الحد من التبعية وتدخل القوى العظمى مثل الولايات المتحدة والصين20.
ومع ذلك، من الواضح أن كل هذا يتطلب أيضًا الشفافية والمساءلة من جانب الحكومات المعنية لمنع اتباع نهج سلطوي ينتهي غالبًا بحصر مزيد من الريع في أيدي النخبة، لكن بالإمكان منع مثل هذا الأمر والحد منه عن طريق الشفافية من خلال تطبيق المراجعة المستقلة للأرباح والتكاليف والإيرادات وتقاسم العائدات21.
وخلال العقد المقبل، سيكون التنافس على أشده من أجل السيطرة على المعادن، والليثيوم أحدها. أما العناصر النادرة فستؤدي دورًا حاسمًا في المستقبل لأنها مطلوبة لكل شيء بدءًا من شاشات LED إلى الأسلحة، وهذه العناصر تشمل 17 معدنًا، وليست نادرة في الواقع، لكنها صعبة الاستخراج ومكلفة لكونها توجد مرتبطة مع معادن أخرى، وتتطلب أشكال الاستخراج الحالية إخضاعها للعديد من مراحل المعالجة المعقدة والمكلفة، وقد تكون ضارة بالبيئة22. تستخرج هذه المعادن من الرواسب حول العالم، وبعدها تُفصَلُ العناصر المختلفة كيميائيًا لتصبح معادن معالجة.
تعد الصين حاليًا الطرف الرئيسي في جميع مراحل إنتاج العناصر النادرة، وتمتلك أكبر احتياطي عالمي منها، زهاء 37%، بل تزداد هيمنتها في مراحل المعالجة النهائية، حيث يقدر أن الشركات الصينية تتحكم في أكثر من 85% من مرحلة المعالجة المكلفة في سلسلة التوريد. بيد أن أطرافًا أخرى دخلت السوق في السنوات الأخيرة. أنتجت أستراليا والولايات المتحدة، ثاني وثالث أكبر الموردين العام الماضي، حوالي 12% و9% من العناصر النادرة على التوالي. ومع نمو الطلب العالمي على هذه السلع، جنبًا إلى جنب مع متطلبات الاستثمار والسلع العسكرية والاستهلاكية، فضلًا عن الطلب على معدات التحول البيئي، من المرجح أن تظهر جبهات واستراتيجيات جديدة للتحكم. بالإضافة إلى ذلك، تهيمن الصين على تصنيع الخلايا الشمسية الكهروضوئية، وبها 90% من قدرة تصنيع رقائق السيليكون في العالم. كل هذه أسباب تجعل دول المركز الرأسمالي تنظر إلى الصين على أنها تهديد، وتجعل الحروب الإمبريالية في القرن الحادي والعشرين أعقد ومختلفة23.
وفي الحقيقة، تظهر على الدوام جبهات جديدة، لا سيما مع تهيئة التغير التكنولوجي إمكانيات جديدة لتعدين أجزاء من الأرض لم يكن استغلالها ممكنًا في السابق، كالقطبين الشمالي والجنوبي اللذين في طور التدمير الآن بعدما يسَّرَ ذوبان الجليد استغلالهما. بالمثل، ظهر اتجاه لتعدين قاع البحر والبحث عن المعادن في أعماق المحيط، على الرغم من العواقب البيئية الوخيمة من قبيل انقراض الحياة البحرية24.
خاتمة
لقد بيَّنت هذه المناقشة أن الإمبريالية المناخية قد ظهرت في الاقتصاد العالمي اليوم بصفتها شكلًا جديدًا للإمبريالية، وربما تكون أفتك أشكالها. تتطلب مواجهتها إدراك جميع جوانبها المختلفة والتعامل معها، لكنها تتطلب أيضًا معالجة احتكارات المعرفة التي أنشأها النظام العالمي لحقوق الملكية الفكرية الذي أسسته وعززته اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية بين دول منظمة التجارة العالمية. لقد ثبت بالفعل أن هذا الاحتكار مميت خلال جائحة كوفيد-19، إذْ مكّن شركة «Big Pharma» (وهذه استفادت من الإعانات العامة الضخمة لتطوير اللقاحات) من الاستفادة من المرض، ومنع وصول اللقاح إلى مليارات الأشخاص حول العالم، ومنع شركات أخرى في أماكن أخرى من إنتاج اللقاحات والعلاجات المنقذة للحياة. بيد أنها ستكون أفتك عندما يتعلق الأمر بالتقنيات اللازمة لتمكين البشرية من الحد والتعامل مع تغير المناخ والأوبئة المستقبلية التي تعيث فسادًا في جميع أنحاء العالم. نعيش اليوم في ظل عبوديةِ شكل مميت من الإمبريالية، شكل لن يدمر الطبيعة وحياة البشر فحسب، بل الكوكب بأسره.
بطبيعة الحال، لا شيء من هذا حتمي، إذْ يمكن للترتيبات الاقتصادية والقانونية والمؤسسية المختلفة أن تغير كل هذا في اتجاه أكثر عدلًا وإنصافًا، وتكون منسجمة مع الطبيعة والكوكب. من الواضح أن هذا يتطلب تحولًا شاملًا في النظام الرأسمالي العالمي الذي أوصلنا إلى حافة الكارثة. لئن آمنا بقدرة الإنسانية على التراجع عن هذه الهاوية، فهذا التحول لازم وعاجل.
هوامش
[i] الصدع الأيضي Metabolic rift: يشير المصطلح إلى تدمير التربة وإرباك السلسلة الغذائية للكائنات الحية الناتج عن ميكنة الزراعة وإدخال العمليات الكيميائية المتقدمة عليها بالتوازي مع التوسع في الملكية الكبيرة للأراضي، وقد صاغه كارل ماركس لفهم علاقة الرأسمالية بالبيئة الطبيعية (المُترجم).
[ii] تمثل الحصة العادلة مستوى الجُهد المبذول من قبل حكومة دولة معينة لتقليل الانبعاثات الكربونية بالمقارنة مع إنتاجيتها. (المُترجم).
[iii] الموازنة الكربونية carbon budget: الحد الأقصى العالمي المسموح به من الانبعاثات الكربونية السنوية الناتجة عن نشاطات بشرية بهدف الحفاظ على درجة الحرارة عند مستوى معين. إذ يجب ألا تتخطى الزيادة في درجة حرارة الأرض 1.5 درجة مئوية حتى عام 2100 على الأقل بحسب اتفاقية باريس للمناخ 2015، لأن الآثار المناخية لتخطيها ستكون مُدمرة بشكل لا يمكن عكسه وذلك بحسب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي. (المترجم).
[iv] لاري سامرز: كبير اقتصاديي البنك الدولي (1991-1993)، ووزير الخزانة الأمريكية (1999-2001) ومدير المجلس الاقتصادي الوطني بالولايات المتحدة (2009-2011)، اشتهر خلال عمله بالبنك الدولي بالمُذكرة التي كتبها الاقتصادي الأمريكي الآخر، لانت بريتشيت، تحت إشرافه عام 1991 وسُميت «مذكرة سامرز»، ودعيا فيها للتخلص من «النفايات السامة» عبر إرسالها للدول النامية. (المُترجم).
[v] مسودة الورقة سربتها مجموعة من العلماء الإسبان الأعضاء بمُنظمة «تمرد العلماء» Scientist Rebellion، ونشرها الصحفي الإسباني، خوان بورديرا، لأول مرة في المجلة الإسبانية «CTXT» بتاريخ أغسطس 2021. (المُترجم).
1- انظر على سبيل المثال:
Jayati Ghosh, “The Creation of the Next Imperialism: The Institutional Architecture,” Monthly Review 67, no. 3 (July–August 2015): 146–58.
2- “The US Fair Share—Backgrounder,” U.S. Climate Fair Share, accessed May 26, 2022
3 - Graham Mott, Carlos Razo, and Robert Hamwey, “Carbon Emissions Anywhere Threaten Development Everywhere,” UNCTAD, June 2, 2021.
4- “Advance Release! The Leaked IPCC Reports,” MR Online, September 8, 2021.
5 - تستند حسابات منظمة التعاون والتنمية لهذه العملية إلى إنشاء جداول البيع والشراء العالمية مع أبعادٍ بيئية حسب المنطقة. توفر هذه الحسابات تقييمات لانبعاثات الكربون بناءً على الطلب النهائي (الاستهلاك بالإضافة إلى الاستثمار) والرصيد الكربوني من التجارة الذي يتضمن انبعاثات الكربون أثناء الإنتاج (بما في ذلك إنتاج الصادرات) مطروحًا منه تلك الموجودة في المستوردات.
6 - Intergovernmental Panel on Climate Change, Climate Change 2022: Impacts, Adaptation and Vulnerability (Geneva: Working Group II, IPCC, 2022), 17–62.
7 - Climate Finance Provided and Mobilised by Developed Countries: Aggregate Trends Updated with 2019 Data (Paris: OECD, 2021).
8- Jocelyn Timperley, “Why Fossil Fuel Subsidies Are So Hard to Kill,” Nature, October 20, 2021.
9- Ian Parry, Simon Black, and Nate Vernon, “Still Not Getting Energy Prices Right: A Global and Country Update of Fossil Fuel Subsidies” (International Monetary Fund Working Paper No. 2021/236, September 24, 2021).
10 -Xinyue Ma and Kevin P. Gallagher, Who Funds Overseas Coal Plants? The Need for Transparency and Accountability (Boston: Boston University Global Development Policy Center, 2021); “Groundbreaking Research Reveals the Financiers of the Coal Industry,” Urgewald, February 25, 2021; The Carbon Bankroll: The Climate Impact and Untapped Power of Corporate Cash (Carbon Bankroll, 2022).
11 - Mineral Commodity Summaries 2022 (Reston, VA: U.S. Geological Survey, 2022); World Energy Outlook 2021 (Paris International Energy Agency, 2021), 8.
12 -تُعرَّف الموارد على أنها تركّزات طبيعية من المواد الصلبة أو السائلة أو الغازية تكمن في قشرة الأرض أو فوقها بالشكل والمقدار الذي يكون فيه الاستخراج الاقتصادي لها ممكنًا حاليًا أو محتملًا. أما قاعدة الاحتياطي فإنها جزءٌ من مورد محدد يلبي الحد الأدنى من المعايير الفيزيائية والكيميائية المتعلقة بممارسات التعدين والإنتاج الحالية، بما في ذلك معايير الدرجة والجودة والسماكة والعمق. أما الاحتياطيات فإنها جزءٌ من قاعدة الاحتياطي يمكن استخراجه أو إنتاجه اقتصاديًا عند الرغبة. Mineral Commodity Summaries 2022، الملحق ج.
13 - Thea N. Riofrancos, “Scaling Democracy: Participation and Resource Extraction in Latin America,” Perspectives on Politics 15, no. 3 (2017); Pia Marchegiani, Elisa Morgera, and Louisa Parks, “Indigenous Peoples’ Rights to Natural Resources in Argentina: The Challenges of Impact Assessment, Consent and Fair and Equitable Benefit-Sharing in Cases of Lithium Mining,” International Journal of Human Rights 24, no. 2–3 (2020).
14- يؤدي استغلال الليثيوم والعناصر الكيميائية الأخرى عبر ضخ المحلول الملحي إلى انخفاض معدل التبخر والقدرة التخميدية في المسطحات الملحية.
15- على سبيل المثال، تمتلك شركات التعدين، في منطقة أنتوفاجاستا في تشيلي، ما يقرب من 100% من حقوق المياه، حيث يصل استخدام المياه إلى 1000 لتر في الثانية. راجع في هذا الصدد Sara Larrain and Colombina Schaeffer, eds., Conflicts Over Water in Chile: Between Human Rights and Market Rules (Santiago: Chile Sustentable, 2010). وللاطلاع على مناقشة تفصيلية بشأن كيفية تغيير حقوق استخدام المياه في تشيلي بوصفها جزء من قانون المياه لعام 1981 الذي وضعه "أبناء مدرسة شيكاجو"، انظر: Jessica Budds, “Contested H2O: Science, Policy and Politics in Water Resources Management in Chile,” Geoforum 40, no. 3 (2009): 418–30.
16- Sophie Bauer, “Explainer: The Opportunities and Challenges of the Lithium Industry,” Diálogo Chino, December 2, 2020; M. A. Marazuela, E. Vázquez-Suñé, C. Ayora, A. García-Gil, and T. Palma, “The Effect of Brine Pumping on the Natural Hydrodynamics of the Salar de Atacama: The Damping Capacity of Salt Flats,” Science of the Total Environment 654 (2019); Sally Babidge, “Contested Value and an Ethics of Resources: Water, Mining and Indigenous People in the Atacama Desert, Chile,” Australian Journal of Anthropology 27, no. 1 (2016); Jessica Budds, “Power, Nature and Neoliberalism: The Political Ecology of Water in Chile,” Singapore Journal of Tropical Geography 25, no. 3 (2004); Budds, “Contested H2O”; John D. Graham, John A. Rupp, and Eva Brungard, “Lithium in the Green Energy Transition: The Quest for Both Sustainability and Security,” Sustainability 13, no. 20 (2021).
17- من هذه التهديدات تهديد زهرة الحنطة السوداء النادرة، والضرر المحتمل لطائر الطيهوج (طائر نادر) بسبب النباتات الغَازِية ومشروعات تطوير الطاقة (Graham et al., 2021)، وتقويض بنية البحيرات، وتقليل النجاح الإنجابي لطيور النحام الأنديزيّ (الفلامنجو) بسبب أنشطة الضخ. راجع في هذا الصدد: Graham, Rupp, and Brungard, “Lithium in the Green Energy Transition”; Gonzalo Gajardo and Stella Redón, “Andean Hypersaline Lakes in the Atacama Desert, Northern Chile: Between Lithium Exploitation and Unique Biodiversity Conservation,” Conservation Science and Practice 1, no. 9 (2019).
18- Riofrancos, “Scaling Democracy”; Centre on Housing Rights and Evictions, Global Forced Evictions Survey: 2007–2008 (Geneva: COHRE, 2009).
19- Hugo Romero, Manuel Méndez, and Pamela Smith, “Mining Development and Environmental Injustice in the Atacama Desert of Northern Chile,” Environmental Justice 5, no. 2 (2012); Samar Ahmad, “The Lithium Triangle: Where Chile, Argentina, and Bolivia Meet,” Harvard International Review, January 15, 2020.
20- Remco Perotti and Manlio F. Coviello, Governance of Strategic Minerals in Latin America: The Case of Lithium (Santiago: United Nations, 2015); Thomas Baunsgaard, “A Primer on Mineral Taxation” (International Monetary Fund Working Paper No. 01/139, 2001).
21 - Perotti and Coviello, Governance of Strategic Minerals in Latin America.
22- انظر على سبيل المثال: Alice Su, “The Hidden Cost of China’s Rare-Earth Trade,” Los Angeles Times, July 29, 2019.
23 - Jevans Nyabiage, “China’s Dominance of Rare Earths Supply Is a Growing Concern in the West,” South China Morning Post, April 25, 2021; “U.S. Dependence on China’s Rare Earth: Trade War Vulnerability,” Reuters, June 27, 2019; Grace Hearty and Mayaz Alam, “Rare Earths: Next Element in the Trade War?,” Center for Strategic and International Studies, August 20, 2019.
24 - Olive Heffernan, “Seabed Mining Is Coming—Bringing Mineral Riches and Fears of Epic Extinctions,” Nature, July 24, 2019.
تقارير ذات صلة
الأم الصغيرة.. قصة من الأدب الهندي لعصمت شوجتاي
من الأدب الهندي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن



