فلسطين وماركس والمشاعات
المشاعة هي كل مورد للحياة مشترك بين أي جماعة إنسانية تتمتع به بصورة مستدامة وبطريقة توافقية. يعد مبدأ «اﻷرض لمن يزرعها مبدأ مشاعيًا»، ﻷن احتكار اﻷرض فعلًا يتجاوز عملية الزراعة ذاتها، حيث يتطلب منع اﻵخرين من الزراعة التطويق بالسياج والحراسة المستمرة. يصر المشاعيون على حقيقة أن المشاعات قديمة قدم التاريخ اﻹنساني ذاته وأن الحضارات المتعاقبة -حتى الحضارة الرأسمالية الكوكبية- لم تلغ المشاعات تمامًا إلى يومنا هذا رغم كل أفعال التقييد والتطويق والمصادرة واﻹفراط في الاستهلاك من أجل الربح.
قدمنا من قبل مقالًا للأستاذ والمناضل البارز، جورج كافينتزيس، بعنوان «مستقبل المشاعة: الخطة البديلة للنيوليبرالية أم نزع التراكم الأصلي لرأس المال؟»، ونستكمل هنا، على حلقتين، الحديث عن المشاعات من خلال تقديم مقال المؤرخ الأمريكي، بيتر لينيبو، «فلسطين وماركس والمشاعات»، ويليه مقال المنظرة الإيطالية، سيلفيا فيدريتشي، «الماركسية والنسوية والمشاعات» من أجل رؤية مشاعية مغايرة للقضايا الاجتماعية والسياسية الملحة اليوم.
ــــــــــ
في هذا المقال، يقدم الأستاذ والمؤرخ الأمريكي، بيتر لينيبو، أطروحته القائلة إن محاولة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني تدمير الحياة المجتمعية الريفية العربية تكمن في قلب الصراع العربي الإسرائيلي، ويحاجج بأن جذور الصهيونية تعود إلى تحولات المسيحية البروتستانتية في القرن السابع عشر في انجلترا التي ساهمت في دفع الحضارة الأوروبية بقوة نحو استعمار العالم. ننشر المادة بإذن المؤلف.
في عام 1958، قرأ مساعد مدير مدرسة كراتشي الثانوية بباكستان، التي أسستها كنيسة انجلترا عام 1848، الكتاب المقدس في اجتماع الصباح المدرسي.[1] وعندما بلغ الآية 17:23 من أعمال الرسل التي تتعلق بإعلان القديس بولس عند رؤية التمثال الأثيني لإله غير معروف القائلة: «فهذا الذي تَعبُدونَهُ ولا تَعرِفونَهُ هوَ الذي أُبشّرُكُم بِه»، هتفت في هذه اللحظة بالإجابة ليسمعها الجميع: «الشيوعية».
كنت في السابعة عشرة من عمري في ذلك الوقت، وبصفتي ابنًا من أبناء الإمبراطوريتين البريطانية والأميركية، توصلت إلى هذا الاستنتاج المتمرد قبل عامين في مدرسة فرانكفورت الثانوية العسكرية. واستنادًا إلى دراستي للبيان الشيوعي في مكتبة نادي الضباط في مبنى آي جي فاربن، تمكنت من الإجابة على هذا السؤال القديم الذي طرحه رجل من فلسطين في الساحة الأثينية.
إنني لا أتعامل مع الحروب في فلسطين بوصفي باحثًا عربيًا أو عبريًا، أو حتى بصفتي شخصًا مطلعًا على أشكال أخرى من الحياة في المنطقة مثل: الزيتون أو اللوز أو التين أو الحمضيات أو الأغنام أو القطن أو الحبوب مثل القمح، بل إنني أتعامل مع الحروب بوصفي طالبًا، يحمل في طياته إعجابًا طيلة حياته بالتقاليد الراديكالية والمناهضة للعبودية والمناهضة للناموس، مثل: يسوع والأنبياء، وكارل ماركس، وجيرارد وينستانلي، وتوماس سبنس، وأولوداه إيكويانو، ومنظمة عمال العالم الصناعيين IWW، وفريدريك دوجلاس، وشونريو سوزوكي، وإليزابيث بول، وآنا سيتر، وإيفان إليتش، ومالكولم إكس، وويليام بليك، وسيلفيا فيدريتشي، وإي. بي. تومسون، وروبن كيلي، ومانويل يانج، وميكايلا برينان، ومجلة ميدنايت نوتس، ومجلة كاونتر بانش، ومجلة ريتورت؛ ثم أصبحت مؤرخًا لهم جميعًا مع اهتمام خاص بالمشاعات. وكما ذكرنا أنا وماركوس ريديكر في مقدمة الترجمة العربية لكتابنا «الأفعى المتعددة الرؤوس: البحارة والعبيد والمشاعيون والتاريخ الخفي للأطلنطي الثوري»، فقد أوضح «أبو التاريخ» هيرودوتس أن فلسطين تقع بين فينيقيا ومصر.(*)
أثناء ذهابه إلى أثينا موطن الفلسفة، مر بولس بكل التجمعات التي كان لديهم «كل شيء مشتركًا» (أعمال الرسل 4: 32). كان عيد اليوبيل أمرًا توراتيًا آخرًا استطعت استيعابه لأنني أحببت مبادئه المتمثلة في استعادة الأرض، والتحقق الفوري للحرية، والكف عن العمل، والإعفاء من الديون، والراحة لأرضنا الأم المكرمة. كل هذا بدا لي مزيجًا جميلًا من الثورة والاسترخاء. لقد أصبح بولس تابعًا للمسيح الذي طُرد من مسقط رأسه وكاد يُقتل لأنه أعلن يوبيلًا فوريًا، أي أنه دعا إلى الراحة والمغفرة. وتمثل المشاعات الأساس الاقتصادي الوحيد لهذا اليوبيل. وما النضال في فلسطين إلا طريقة تساعدنا على إدراك ذلك.
أعتقد أن المشاعات (الأراضي الزراعية المملوكة للمجتمع)، مثل الممارسات الشبيهة في أي مكان آخر في العالم، يمكن أن تساعدنا في تحقيق عالم قائم على شروط عادلة من التبادلية، سمها كما تريد: الشيوعية الحقيقية، الكومنولث التعاوني، المشاعية. وُلِد التفكير المتجدد في المشاعات من النضالات ضد التطويقات الجديدة في عصر النيوليبرالية وتستلهم الممارسات المشاعية التي اتبعتها مجتمعات الزاباتيستا المستقلة في تشياباس ودفاعها عن الإخيدو. تُفهم المشاعة الآن بوصفها اكتشافًا مفاهيميًا رئيسيًا في توجيه الرؤى والمسارات نحو مستقبل ما بعد الرأسمالية، كما تمثل المشاعة الهروب الجذري من الأخطاء والتركات المعيقة للتجارب الاشتراكية الدولانية الحداثية.[2]
إنني أكتب عن نظام المشاعة، وهو شكل فلسطيني من أشكال حيازة الأراضي، أو الملكية المشتركة، التي حاول العثمانيون والبريطانيون والإسرائيليون تدميرها، ويشمل هذا النظام الملكية الجماعية، والعمل التعاوني، وإعادة التوزيع الدوري. وهذه المبادئ موجودة أيضًا في أقدم أشكال إلغاء الديون، والتحرر من العبودية، واستعادة الأراضي. بالإضافة إلى عيد اليوبيل، الذي تبناه إنميتينا، حاكم مدينة لجش السومرية حوالي عام 2400 قبل الميلاد، وقد شهد إعلانات عامة للعفو عن الديون،[3] كان نظام المشاعات مؤسسة دفاعية ضد الخوف من الضرائب والتجنيد العسكري في الجيش العثماني.
تحمل فلسطين أهمية كوكبية ذات ثلاثة أبعاد: أولاً، موقعها الجغرافي عند التقاء ثلاث قارات، آسيا وإفريقيا وأوروبا، والبحار والخلجان التي تجري بينها. ثانيًا، العمليات الاستخراجية على تراب فلسطين، وكذلك من تحتها (الحبوب والمعادن والنفط والغاز). وثالثًا، ثمة أهمية لفلسطين فيما يتعلق بالمسيحية والإسلام واليهودية. ثلاث ديانات كبيرة، وثلاث قارات كبيرة، واقتصادات أصلية لزراعة الأرض واستخراج المعادن منها وحفرها تصنع كلها أنماط الإنتاج بدءًا من «الهلال الخصيب» وحتى إنتاج النفط الحاضر باضطراباته الكوكبية الرهيبة. إن النضال من أجل تحرير فلسطين ذو اتساع جغرافي وعمق تاريخي، وهذا ما يفسر لماذا تعتبر فلسطين «روح أرواح جميع نضالاتنا». لقد أدرك العالم كله ذلك أخيرًا.
ولكي نتعمق في الموضوع، على الرغم من خطر الانتقال من العصر الحديث إلى العصور القديمة السخيفة، نتناول ورقة بحثية ألقاها جيمس نيل الحاصل على درجة الماجستير في المعهد الفيكتوري في لندن في 20 يناير 1890، ويشرح فيها كيف كانت التربة الصالحة للزراعة في جنوبي فلسطين تُقسَّم بالقرعة،[4] فقال: «ينقسم الأشخاص الذين يعتزمون العمل في الأرض إلى مجموعات، ويرسم رئيس كل مجموعة قسمًا من الأرض يتناسب مع عدد الأشخاص في مجموعته. ويتألف كل قسم من أراضٍ ذات خصوبة وخصائص مختلفة. وتُقسَّم هذه الأقسام مرة أخرى بالقياس باستخدام منجل ثور، أو خط يسمى حبالة، وهو نظير خط القياس [كما هو مذكور في الكتاب المقدس]. ويفضل المزارعون في المناطق التي تتبنى هذه العادة هذه الطريقة من التقسيم الشيوعي على الاحتفاظ بالملكية البسيطة».
تعد «الملكية البسيطة» مصطلحًا إقطاعيًا، وهو مصطلح قانوني انجليزي يشير إلى الملكية الخاصة التي يمكنك استخدامها أو إساءة استخدامها، أو توريثها، أو التنازل عنها، أو بيعها، وفوق كل شيء يمكنك استبعاد الآخرين منها.[5] ويرجع ذلك المصطلح إلى القانون الروماني الذي ينص على مبادئ الإثمار fructus والإساءة abusus والاستخدام usus. وفقًا لمؤرخها أندرو لينكليتر في كتابه «امتلاك الأرض»، تمثل فكرة الملكية الفردية الحصرية للأرض «القوة الأكثر تدميرًا وإبداعًا في التاريخ المدون».[6]
تأسس صندوق استكشاف فلسطين في عام 1865، وكان يتولى إجراء المسوحات والدراسات الإثنوغرافية لفلسطين العثمانية. كانت عملية أنجليكانية لتمويل علماء الآثار ورجال الدين. قال رئيس أساقفة يورك في دير وستمنستر عند تأسيسه: «نحن على وشك تطبيق قواعد العلم والتحقيق في الحقائق المتعلقة بالأرض المقدسة». ويشتمل البيان الفصلي لصندوق استكشاف فلسطين لشهر أبريل 1891 على هذا في مسحه لحيازة الأراضي والزراعة في فلسطين: «... في جنوب فلسطين، وفي عدد قليل من المناطق الأخرى، يحصد جميع سكان القرية الأرض معًا، وتُقسَّم في أوقات محددة على المزارعين الأفراد وفقًا لقدرتهم على الزراعة، ويكون معيارهم عدد الماشية المستخدمة وقوتها في الحرث. وتُعرَف هذه الأراضي باسم 'المشاعة'».
وفي عام 1865، بالإضافة إلى تأسيس صندوق استكشاف فلسطين، أسس المسيحيون الإنجيليون في انجلترا معهد فيكتوريا للدفاع عن «الحقائق العظيمة التي كشفت عنها الكتب المقدسة.. ضد معارضة ما يسمى بالعلم»، وكان قادته من المسيحيين الصهاينة. كان من السهل ربط المشاعات والشيوعية في أذهان أتباع الكنيسة الانجليزية. وعلى النقيض من اليوبيل وغيره من نصوص الكتاب المقدس، تنص المادة الدينية رقم 38 في المعهد ببساطة على أن «ثروات المسيحيين وسلعهم ليست مشاعًا بقدر ما تمس حقهم وملكيتهم وحيازتهم..». ودعونا نلقي نظرة فاحصة على هذا بالنظر إلى المشاعة والشيوعية.
كان نظام المشاعة نسخة أخرى من الزراعة المشتركة للأراضي المملوكة جماعيًا للقرية التي نال أفرادها حصصًا (أو أسهمًا) في حقوق استخدامها، بالإضافة إلى الممارسات البدوية المتمثلة في الرعي المشترك، وقد شملت هذه الحقوق حق البذر والحرث والزراعة والحصاد، وحتى حظيرة الدرس، كانت مشتركة مثل الأرض. ثانيًا، سمح نظام المشاعة بإعادة توزيع الحصص ومساواتها بين مجموعات عائلية مختلفة على فترات تتراوح من سنة إلى خمس سنوات. وكانت هذه الحقوق قابلة للتوريث وتحددها رغبات المزارع واحتياجاته.
لكن ماذا كان يعني جيمس ريد عندما تحدث عن «التقسيم الشيوعي» في مقابل الملكية البسيطة؟ إن شبح الشيوعية لا يطارد أوروبا فحسب كما كتب كارل ماركس وفريدريك إنجلز في البيان الشيوعي (1848)، بل يطارد فلسطين كلها أيضًا كما يقول جيمس ريد، الحاصل على درجة الماجستير في معهد فيكتوريا. «وبهذا المعنى، يمكن تلخيص نظرية الشيوعيين بجملة واحدة: إلغاء الملكية الخاصة». لكن إلى أي معنى كان ماركس وإنجلز يشيران؟ إنهما يقصدان استخدام الملكية كوسيلة لاستغلال الآخرين، أو رأس المال بعبارة أخرى. لقد أوضح ماركس فهمه للشيوعية بعد سنوات عندما نُشر كتابه «نقد برنامج جوتا» في نفس العام 1891، الذي قرأ فيه جيمس ريد ورقته البحثية أمام علماء الإمبراطورية الفيكتوريين، وقد كرر التعريف الشائع بين الثوار في عام 1848 الذي أرسى معناه في وقت سابق الصحفي الثوري، بابوف، أثناء الثورة الفرنسية: «من كل حسب طاقته، إلى كل حسب حاجته».[7] وينطبق هذا المبدأ على نظام المشاعة الذي تتقرر فيه القدرات والرغبات بشكل جماعي. هنا تبدأ الشيوعية والمشاعات في التداخل معًا.
لقد تطور نظام المشاعة على مدار 400 عام في ظل الإمبراطورية العثمانية التي ادعت ملكية الأرض كقاعدة لأغراضها الضريبية على الأراضي الأميرية. نشأ هذا النظام في القرى، لا بفعل الدولة، بوصفه نظامًا لحيازة الأراضي الجماعية للمزارعين الذين شكلوا الغالبية العظمى من الأهالي. وقد قوبلت الجهود الرامية إلى تثبيت الملكية الخاصة من خلال الإصلاح العثماني، أو الانتداب البريطاني، أو الاحتلال الصهيوني، بمقاومة عنيفة ومستمرة في «القرى المشاعية التي تساوي بين الأراضي في جميع أنحاء فلسطين»، حيث «لم تكن هناك حاجة للإصلاح الزراعي، الذي أثبت أنه مدمر للاقتصاد الفلاحي، لأنه ألغى المزايا الكامنة في النظام [المشاعي -م]، ويسر بشكل غير متوقع نقل ملكية الأراضي من العرب إلى اليهود».[8]
كتب صامويل بيرجهايم وصفًا مبكرًا عن نظام المشاعة لصندوق الاستكشاف الفلسطيني. ولكون بيرجهايم ينحدر من عائلة مصرفية أوروبية، اشترى أراضى في فلسطين بسندات ملكية أقرها العثمانيين.[9] «عندما اشتريت أنا وأخي أراضي قرية من سكانها منذ بضع سنوات، اعترفت السلطات التركية بنا بوصفنا ملاكًا أحرارًا، ومنحتنا سندات ملكية وفقًا لقانون التملك الحر الذي أقره السلطان الراحل منذ حوالي 20 عامًا. ورغم ذلك، لم يرانا سكان القرية ملاكًا للأرض، فعندما وصلنا لتقسيم الأرض إلى قطع للزراعة، احتج القرويون ورفضوا قبول الاتفاق الجديد، لأن حيازة الأرض عندهم حيازة مشاعية فقط».
اشترت عائلة بيرجهايم الأرض في عام 1872؛ لكن في عام 1885 قُتل بيتر بيرجهايم. كانت تل الجزر موقعًا لأحد أقدم المواجهات بين الاستعمار الاستيطاني (ملكية بيرجهايم) ومقاومة الفلاحين لفرض قانون خصخصة الأراضي لعام 1858 الذي قوض نظام الأرض المشاعية. وقد سلط مقتل بيتر بيرجهايم -المصرفي والمستوطن وعالم الآثار- على يد فلاحي أبو شوشة الضوء على العلاقة الديناميكية بين علم الآثار والاستيطان الزراعي الأوروبي المبكر ونزع ملكية الفلاحين للأرض.
وتوضح الباحثة في الجغرافيا الإنسانية نورا الخليلي أن المشاعة كانت «ثقافة بارزة في بلاد الشام في الماضي تتعلق بالأرض المشتركة بين الفلاحين».[10] وتصف طريقة رئيسية تحولت بها المشاعات القروية إلى بيئة حضرية بعد وقوع العنف المتمثل في رسم خرائطها، تسجيل ملكيتها، شرائها، بيعها، مما دفع الناس إلى الهجرة إلى المدن والمخيمات بعد مصادرة أراضيهم. وكان هذا التحول كارثيًا، فقد أصبح الفلاحون لاجئين وأصبح اللاجئون بروليتاريين. وساعدت اتفاقيات أوسلو في هذه العملية التي اعتمدت على الملكية الخاصة وتثبيت علاقات السوق ونظرية «التنمية الاقتصادية» الليبرالية الجديدة. وفي فلسطين، على عكس انجلترا، كانت التطويقات أكثر من مجرد بناء أسوار وغرس سياج، فقد شملت تشييد جدارًا فاصلًا يبلغ ارتفاعه 30 قدمًا في الضفة الغربية، بُني بين عامي 2005 و2008 بعد الانتفاضة الثانية.
كيف استطاع فلاحو الشتات أن يحملوا هذه المفاهيم المتعلقة بالمعاملة الندية والالتزام والعون المتبادل التي تنبع أصولها من المشاعة، وتكمن قيمها في الأسرة، وفي قلب المجتمع، وفي صدر كل إنسان؟ وكيف تنتقل هذه المبادئ من الريف إلى المدينة؟ وماذا يحمل اللاجئون في قلوبهم إلى جانب الأشياء القليلة الضئيلة التي يحملونها في عرباتهم أو سياراتهم؟ وما الممارسات التي تغذي الحكمة الجماعية للبقاء والمقاومة وتحفظها؟ فالغذاء والسكن والأمن والرعاية الصحية والمياه احتياجات فورية.
تكتب نورا الخليلي التي أجرت عملها الميداني في عام 2013 قائلة: «لم يكن الفلاحون في فلسطين بحاجة إلى ترسيم حدود لتحديد أراضيهم؛ كانت أشجار التين والزيتون بمثابة معالم ملائمة للجميع في المجتمع». لكن الأشجار كانت أيضًا رموزًا للتذكر والنجاة. ينقل عن جون بيرجر، الناقد الفني الذي يحب الفلاحين مثل تولستوي، أنه قال إن «أشجار البشملة والتوت في رام الله ذكّرته بالفترة التي سبقت النكبة حينما كانت مدينة للترفيه والراحة». ويشرح ليز ليفيدو أن زراعة أشجار الزيتون «غير المصرح بها» تمثل إحدى الاستجابات الفلسطينية لإعادة الهندسة الممنهجة للأراضي ومصادرتها من العرب. كان الزيتون من الأشجار التي تزرع في فلسطين منذ ما لا يقل عن ثمانية آلاف عام.
وترى نور الخليلي أن «كانت مقاومة الفلاحين من الأسفل، ضد المشروع البريطاني المتمثل في تطويق الأرض وتسليعها، في النهاية تتعلق بحماية المشاعات»، وتروي لنا من مخيم شعفاط للاجئين في القدس الشرقية كيف بنى المقاولون الفلسطينيون ناطحات السحاب على الأراضي المشاعية لمنع الإسرائيليين من استخدامها لبناء الجدار العازل، وتشير إلى «تعدي العامة الهادئ عليها»، أي انتشار الباعة الجائلين والمشردين، بقولها: «إن التطويق من الأسفل هو ما يحدث عندما يتعدى الأنفار المعدمين على المشاعات»، وبذلك يتخذون خطوات لخصخصة الملكية: «لقد حدثت عملية تشكيل طبقي مرتبطة بالاستيلاء الفردي على الأرض المشاعية»، وهو الأمر الذي يثير السؤال التالي: «هل هذا شكل من أشكال الخضوع لكل من النظامين الرأسمالي والاستعماري السائدين؟» وتتابع: «بينما يمكننا في أجزاء من العالم أن نشهد حركات الشعوب الأصلية والناشطين الذين يسعون إلى استعادة المشاعات من الملكية الخاصة، فإن ما يحدث في فلسطين هو العكس».
في عام 1895، كتب ثيودور هرتزل، مؤلف كتاب «الدولة اليهودية» والأب المؤسس للصهيونية، في مذكراته: «يجب علينا أن نصادر بلطف الممتلكات الخاصة المخصصة لنا..»، وقد قارن المشروع الصهيوني بمصادرة المستعمرين الانجليز والأمريكيين. وبناء على ذلك جرى الاستيلاء على 80% من الأراضي العربية منذ عام 1948. ومن بين الأساليب المستخدمة في هذه المصادرة حفر آبار ارتوازية أعمق للمياه، وضخ ثلث إمدادات المياه الإسرائيلية من الضفة الغربية، وسيطرة شركة مياه إسرائيلية على النظام الهيدرولوجي المنزلي والبلدي والزراعي والصناعي.[11]
يشهد عمل نور الخليلي بدقة على التحول الحضري الذي شهدته المشاعات تحت الاحتلال الغاشم. ومن جانبه، يقدم لنا جاري فيلدز مرآة تاريخية لتأملاتنا،[12] حيث تتألف دراسته من ثلاثة أجزاء: التطويقات الانجليزية، والاستيلاء أراضي سكان أمريكا الأصليين، واستعمار فلسطين، وجميعها في نظره «حالات» من التطويق، فالأفكار والممارسات الانجليزية «هاجرت» إلى أمريكا؛ أما التطويقات الانجليزية فتتماثل مع استعمار فلسطين، حيث تتوافق إعادة رسم الخرائط ورسم الحدود مع التحديث والطموحات الجغرافية للأعيان. «في كل حالة، هاجم دعاة الحداثة أنظمة حيازة الأراضي المستمدة من العرف والمشبعة بحقوق الاستخدام الجماعية وأشكال الإدارة التعاونية». وفي ثلاثة أجزاء، يحلل جاري فيلدز التطويقات في إنجلترا من القرن الرابع عشر إلى القرن الثامن عشر، ويصف الغزو الذي وقع على الشعوب الأصلية في أميركا الشمالية ومصادرة أراضيها، ثم يصف أخيرًا الاستعمار الاستيطاني الذي تبناه الصهاينة في فلسطين، ومن ثم تجتمع الحالات تحت المصطلحات التالية: الرأسمالية والاستعمار والقومية، أما الخرائط والقوانين والأسوار فتمثل أساليب الاستحواذ والحيازة، لكنها استعملت في انجلترا بهدف تراكم الربح، وفي أميركا بهدف استعباد العرق، وفي فلسطين بهدف أدلجة الدين. يكتب فيلدز قائلًا: «إن هذه الحالات الثلاث من نزع الملكية تقدم لنا مسارات متميزة نحو الحداثة»، ومن الممكن أن نقول إن الحالات الثلاث تمثل ثلاثة مسارات على نفس الطريق السريع الذي يسير في الاتجاه نفسه، ألا وهو «الحداثة» أو الهلاك.
يستخدم فيلدز مصطلح إدوارد سعيد «الجغرافيا الخيالية» بوصفه خطوة أولى نحو الاستعمار التي من خلالها تُرسم الخرائط والمساحات الطبيعية، فحقوق الأرض هي حقوق استبعاد، لأنها تحدد ما هو ملك لي مما هو ملك لك، على حد التعبير القديم. لكن في العهد العثماني، أنشأ الفلاحون في فلسطين «نظامًا فريدًا من حيازة الأراضي الجماعية عُرف باسم المشاعة الذي منحهم السيطرة على أدوات الزرع والحصاد وأمن لهم الزراعة الكفافية».
ـــــــــ
فُرض الانتداب البريطاني على فلسطين مع انهيار الإمبراطورية العثمانية في نهاية الحرب العالمية الأولى، ثم أتى وعد بلفور سيئ السمعة «بإقامة وطن قومي للشعب اليهودي». كانت 70% من أراضي القرى الفلسطينية لا تزال مملوكة ملكية مشتركة تحت الانتداب البريطاني، لكن سياسة الأراضي الانجليزية كانت معادية للمشاعات، فقد دعا السير إرنست داوسون، المهندس والذي سجل أول عمل مساحي كامل لفلسطين، إلى تطويق الأراضي المشتركة وتقسيمها، ووضع دراسته الأولية لحيازة الأراضي في فلسطين في عام 1925، متبعًا الدعاة الكلاسيكيين لتدمير المشاعات الانجليزية، وهم آرثر يونج وجون سنكلير وويليام بليث.[13] ومن هنا نجح البريطانيون في مسح أراضي فلسطين ومنح 25% منها للمستعمرين، وقد مثل هذا الإضعاف للمشاعة الفلسطينية انتصارًا للحركة الصهيونية، حيث أصبح من الممكن الآن شراء الأراضي وبيعها. ورغم ذلك، لم يشتر الصهاينة أراضي فلسطينية صالحة للزراعة حتى عام 1947 إلا أقل من 10%، حيث كانت القرى الفلسطينية والنظام المشاعي ما زالا يهيمنان على تلك الأراضي. لذلك تولى إرنست داوسون عمل تسجيل الأراضي، كما قاد المساحون الذين أعدوا السجلات العقارية أو سجلات المساحة والقيمة وملكية الممتلكات، ومن ثم مهد عملهم الطريق للاستعمار الصهيوني.
وصفت لجنة بيل عام 1937 النظام المشاعي كعامل مثبط للمهمة الاستعمارية، حيث اعتبر العرب مشاعاتهم «وسيلة حماية ضد الاغتراب»، على حد تعبير اللجنة. ولعل هذه العلاقة بالأرض في مواجهة الإمبراطورية البريطانية هي التي أعطت الفلاحين العرب طابعهم العالمي الشهير، الذي تعبر كلمة «الصمود» تعبيرًا صادقًا عنه. كان نضالهم من أجل التحرر وليس من أجل دولة جديدة. «سعى مشروع الانتداب البريطاني للاستقصاء والمسح ورسم الخرائط.. إلى مركزة السلطة وعزل الشعوب الأصلية عن صنع القرار.. وقد مثلت المشاعة أكبر عقبة أمام المشروع، وهو نظام التوزيع المتساوي للأراضي الذي أداره الفلاحون بأنفسهم»[14]، حيث «اتسم النظام المشاعي بإعادة التوزيع الدوري للأراضي الزراعية بين المزارعين الذين حازوا أجزاء من الأرض على شكل أسهم»، ومن ثم «ارتكزت الممارسة المستمرة للتفاوض على إعادة توزيع الأراضي على العلاقات وتحمل المسؤولية والروابط الوجدانية بين أهل القرى وبعضهم».
لقد أصبحت الأسيجة الشجرية والخشبية والجدران الحجرية والأسلاك الشائكة والكتل الخرسانية وسيلة ورمزًا لهذا السور الشاسع، ولقد انضمت هذه الهندسة المعمارية إلى القانون (تجريم العرف) ورسم الخرائط (المزواة والسلاسل) لتدمير المجتمعات القائمة على الأراضي المشتركة التي أطلقوا عليها اسم «اليباب» في انجلترا، وفي أمريكا اسم «البرية»، وفي لغة الإمبراطورية الرومانية، اللاتينية، أشير إليها بوصفها الأرض المباحة terra nullius.
كانت قرية المشاعة الفلسطينية تشبه القرية الانجليزية من حيث اتخاذها للقرارات جماعيًا، وتقسيمها للموارد وثمار الزراعة في الحقول المفتوحة، وكونها سلة للحقوق المشتركة، ولقد اتخذت الأرض في انجلترا أشكالًا عدة منها: المروج، والغابات، والمستنقعات، والأراضي المنخفضة، والأحراش، والمرتفعات، بالإضافة إلى الأراضي الصالحة للزراعة، وكان لكل منها سمات بيئية خاصة به، وبالتالي كانت أنماط وضع اليد العرفية متميزة أيضًا، والعالم يعرف هذه العملية بفضل الأدب الانجليزي، حيث تمثل رواية روبنسون كروزو (1719) النص الكلاسيكي للفردية والتطويق والامتلاك والغزو. لكن في ذروة الحركة الثورية ضد الظالمين والمطوقين الذين سعوا باسم الربح والتجارة (أو «التحسين» كما أطلقوا عليه) إلى تسييج الحقول المفتوحة، أنشد الشاعر الانجليزي الراديكالي ويليام بليك قائلًا: «تنمية زهرة صغيرة هو عمل العصور»، ثم كتب في موضع آخر أن «التحسين يجعل الطرق مستقيمة، لكن الطرق الملتوية دون تحسين طرق عبقرية». ومن أجل ذلك، يرتبط «حق التجوال» الانجليزي بـ«حق العودة» الفلسطيني، حيث يجلب التطويق الكراهية لأنه يبلغ حد الحرمان والإفقار وهجرة السكان والهجرة القسرية والجوع والحنين والحزن والصدمة. لقد جسد السياج الشجري التطويق، وكذلك الطريق المستقيم.
لن نستعيد المشاعة إلا من خلال النضال، فما تزال آثار الروح التعاونية باقية حتى اليوم، حتى في المدينة ومخيمات اللاجئين بعد عنف الحرب وسلب الأراضي وخصخصتها. والواقع أن المصادرة يصاحبها العنف دائمًا، وقد شبه إرنست داوسون نفسه هذا الأمر بالتطويقات البرلمانية في القرن الثامن عشر، وقارن اللورد بلفور في مذكراته استعمار فلسطين بنزع أراضي شعب السيوكس، أو شعب اللاكوتا، وهو ما قد نتعلمه من نيك إيستس والأمة الحمراء الذين رفعوا الصرخة العالمية: «نريد استعادة أرضنا!»
زرعت الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية النباتات لتحقيق ثلاث نتائج: 1) إن تكون الذرة الدعامة الأساسية بين «الأخوات الثلاث» (الذرة والفاصوليا والقرع)، 2) اعتناء النساء بهذه المحاصيل، و3) إن تكون القرية الوحدة الأساسية للمجتمع. لكن هذه النتائج تقوضت من خلال «خطاب تحسين الأراضي وحقوق الملكية -المدعم بمفاهيم الوحشية والعنصرية- [التي] استقرت على المساحات الطبيعية.. شبكة رقعة الشطرنج للحدود البلدية والمقاطعية التي يجري حصار الشعوب الأصلية فيها بالمحميات. إن أكثر النتائج إثارة للدهشة في التسييج هو التأثير الدائم لـ«تحسين الأراضي» بوصفه «الإلهام الأيديولوجي لإعادة تصور المساحات الطبيعية ومحركًا لعملية تطويق الأرض والاستيلاء عليها». بالنسبة لانجلترا، كان تحسين الأراضي يعني الربح. لكن ماذا يعني «التحسين» حقًا؟
ــــــــــ
كان المشاعيون في انجلترا، كما كان الحال مع الشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية، يُنظَر إليهم بوصفهم «همجيين»، ومن ثم كانوا ينتمون إلى أماكن بعيدة (الهند، أمريكا، إفريقيا) في أزمنة بعيدة (قبل الميلاد، والعصر الحجري الحديث، والإقطاع). يرى منظر التطويقات ومؤرخها الشامل الأول، آرثر يونج، أن المشاعيين يشبهون «القوط والوندال المقيمين في الحقول المفتوحة»، ولقد جرى الربط بين مشاعيي المدن الكبرى والشعوب الأصلية في العالم في تفسير متمرحل للتاريخ البشري تنتهي فيه مراحله الأربع إلى «الحضارة» أو «التحديث». وعلى نحو مماثل، صنف يونج المشاعيين والشعوب الأصلية بوصفهم أناس ضد «التقدم» أو «التحسين» أو «التنمية» الاقتصادية، وهي كلمات طنانة يستخدمها المخططون والسياسيون وصناع السياسات في كل مكان.
تحدثت دراسة قديمة عن «مراحل» وليس «حالات». فما هو الفرق بينهما؟ لم يكتب فيلدز عن العمل وإعادة تنظيمه على المستوى القاري، ولا عن المال والاستثمار العالمي لتعظيم فائض القيمة، فلقد أنتجت البرجوازية نظريات التغيير التاريخي مع الحتمية الاقتصادية من خلال وصف التاريخ البشري في أربع أو خمس «مراحل» من النمو الاقتصادي، حيث نجد كتاب «تاريخ أميركا» لويليام روبرتون، الذي نُشر في عام 1777 في خضم حرب الاستقلال الأمريكية، يطور نظرية «المراحل» لتقدم «البشرية» من الهمجية إلى الحضارة. كما أنتج اسكتلنديون مثل آدم فيرجسون وآدم سميث النظريات الاجتماعية والاقتصادية للمراحل: الشيوعية البدائية، والرعي، والزراعة، والتجارة، أو بعبارة أخرى: الهمجية، والبربرية، والإقطاع، والرأسمالية. وكان الأساس في كل مرحلة هو العلاقة التكنولوجية بالأرض، فضلًا عن التمايز الطبقي والبطريركية. ظلت ممارسات جمع الأعشاب، والصيد في الغابة، وزراعة التربة، والتعدين تحت الأرض هي السائدة، حتى تغلب الكم على الجودة في تراكم شيطاني متواصل. كانت نظرية «المراحل» قوية، لكنها كانت أيضًا وهمية بسبب ترويجها للحتمية التاريخية، حيث تتخذ ديناميكية التغيير من مرحلة أو نمط إنتاج إلى آخر شكل الثورة.
في عام 1878، حاولت فيرا زاسوليتش اغتيال عمدة سانت بطرسبرغ، وقضت بعض الوقت في السجن بسبب فعلتها. وبعد ذلك بثلاث سنوات، في مارس 1881، اٌغتيل القيصر ألكسندر الثاني في سانت بطرسبرغ، لكن قبل ذلك بشهر، جال في عقل فيرا «سؤال مصيري»، فطرحته على كارل ماركس: هل يمكن للكوميونة الروسية الريفية obshchina أن تتطور في اتجاه جمعي واشتراكي، أم أنها بوصفها شكلًا عتيقًا محكوم عليها بالزوال بموجب قوانين التاريخ؟ هل هي مجرد مرحلة من الماضي أم أنها بذرة المستقبل؟ كانت استجابة ماركس لهذا السؤال مثيرة للاهتمام، فقد كتب أربع مسودات ردًا عليها. وفي النهاية أرسل إليها ردًا موجزًا نسبيًا لم يبد فيه أي شك في استنتاجه: «لقد أقنعتني الدراسة الخاصة التي أجريتها على الكوميونة الروسية الريفية، بما في ذلك البحث عن المصادر الأصلية، بأنها نقطة الارتكاز للتجديد الاجتماعي في روسيا». تمنحنا المسودات الأربع السابقة فكرة عن «دراسته الخاصة».
في رسالته إلى فيرا، استشهد ماركس بكتاب «رأس المال» الذي ترجمت فيرا المجلد الأول منه إلى اللغة الروسية، وذكر أن «طرد المنتج الزراعي، أي الفلاح، من الأرض هو أساس عملية خلق رأس المال بالكامل»، ثم شرح لها «كل التقلبات والمنعطفات التاريخية» أو «التبدلات المخيفة» التي تميز هذه التحولات. ميز ماركس بشدة بين «الكوميونة القديمة» عندما كان السكن الجماعي في منزل واحد، كما كان الحال في الشعوب الأصلية الخمس في أمريكا الشمالية، عندما تداخلت القرابة والعضوية والإنتاج الجماعيين بشكل كبير، والكوميونة الزراعية حيث يجري تقسيم الحقل المفتوح إلى شرائح فردية. تلازم العمل وملكية الأرض الجماعيين في الكوميونة القديمة، فيما ساد الفصل بينهما في الكوميونة الزراعية، مع اختلاط العناصر الجماعية بأخرى فردية. حذر ماركس فيرا من أن «إنقاذ الكوميونة الروسية يستلزم ثورة روسية».[15] وهذا يدل على أن نظرة ماركس للتاريخ ليست خطية بل حلزونية: فالماضي لم يمت، بل إنه في الواقع ليس ماضيًا، ومن ثم، «تعود المجتمعات الحديثة إلى نموذج أرقى من أقدم أشكال الملكية والإنتاج الجماعيين». هكذا يربط ماركس بين المشاعات والكوميونة.
هذه هي المعضلة التي نواجهها أيضًا في فلسطين، فمرة أخرى تجبرنا الأحداث على التفكير في بدائل للخصخصة، ومرة أخرى نسأل ما هي الشيوعية؟ ومن أجل تعريفها نعود إلى ماركس الذي قال كتابه «الأيديولوجية الألمانية» (1845): «نعني بالشيوعيّة الحركة الفعليّة، الحركة الحقيقية، التي تهدف إلى هدم الوضع الراهن للأشياء». وبذلك يضع ماركس الممارسة قبل النظرية، ويعلن هذا في سياق أصبحت فيه الغالبية العظمى من البشر معدمين وبائسين وعاجزين، لكن رغم ذلك، يرى أن الشيوعية موجودة «تاريخيًا على مستوى العالم». وبعد سنوات، أصر ماركس في كتابه «نقد برنامج غوتا»، الذي ألفه في عام 1875 ونشره في عام 1891، على أن «كل خطوة تخطوها الحركة الفعلية لأهم من دزينة من البرامج».
ـــــــ
لم تنشأ الاحتجاجات ضد الملكية الخاصة مع كارل ماركس، فهي عالمية والتاريخ مليء بها، وفيما يلي ثلاثة أمثلة: في عام 1794، كتب ويليام درينان (1754-1820)، مؤسس اتحاد الأيرلنديين، من أقدم مستعمرة استيطانية في انجلترا، أيرلندا، في دفاعه ضد الفتنة، «من خلال ربط أقدم ميراث للشعب بأكمله ببقع مستديرة معينة من الأرض، يمنح للحرية مكانًا يتعارض مع طبيعتها: يتحول المشرعون إلى مساحي الأراضي ومساحو الأراضي إلى مشرعين؛ وبذلك تُرسم الحدود، حيث تُكدس الامتيازات على جانب، وعلى الجانب الآخر يُدهس الحق المشترك«.[16]
أو كما سأل زعيم قبيلة وامبانواغ الأصلية ماساسويت أثناء استعمار ماساتشوستس: «ما الذي تسمونه ملكية؟ لا يمكن أن تكون الأرض، لأن الأرض هي أمنا التي تغذي كل أطفالها، من حيوانات وطيور وأسماك وكل البشر. الغابات والجداول وكل شيء عليها ملك للجميع ومتاح لاستخدامهم. كيف يمكن لرجل واحد أن يقول إنها ملك له وحده؟»
ولقد طرح جورج جاكسون أسئلة من داخل النظام الأمريكي Amerikkkan للسجن الجماعي: «من المتسبب في موت معظم الناس؟ ومن الذي قضى معظم الوقت في السجن؟ ومن الأكثر تخلفًا في كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟»
يعود المثاليون الساعون إلى الإصلاح غالبًا لدراسة الحياة على كوكب الأرض قبل خصخصة الملكية أو سيادة المال والسوق. الأرض هي الأساس القديم للمجتمع البشري وأساس البيئة بأكملها،[17] فلا الدولة ولا الأمة، ولا سلطة القيادة imperium (السيادة والحرب) ولا حق الملكية dominium. بل كل شيء مشاع omnia sunt communia.
لم يأخذ المستعمرون المعاصرون عن الإمبراطورية الرومانية القديمة قانونها فحسب، بل أشادوا بفضائل الجندية والشرف والشجاعة والمعاناة والجروح وفقدان الأطراف والعمى، كما ورثوا مجموعة ضخمة من العقوبات العسكرية الخبيثة، فقد كانت علاقاتهم بطريركية، حيث علموا الشباب والأولاد طرائق الموت، وطاعة للدولة، واغتصاب أمنا الأرض، والتفوق الأبيض بقوته المبيضة للخطابات والأيقونات وهياكل المعرفة. وهذا ما قصده ماركس الشاب عندما كتب قائلًا: «إن غفران خطايا البشرية لا يتطلب سوى إعلانها على حقيقتها» (1843). والخطيئة التي يقصدها هنا هي سرقة الأرض، لذا يجب ردها لأصحابها لكي تغفر، فكما قال العبد كاليبان في مسرحية «العاصفة» لوليام شكسبير:
«هذه الجزيرة ملكي عن سيكوراكس أمي،
وأنت أخذتها مني.»
ألم تكن سيكوراكس شرقية؟ هذه هي بقايا إمبراطورية أوروبية انتقلت من إمبراطورية إلى أخرى. نعم، هذا صحيح، لكن النساء مهمات بالقدر نفسه، لأن عملهن يمنح الحياة، وهن حافظات المجتمع، وراعيات المواقد، والمسؤولات عن إنجاب البشر.
عندما وصف الرومان عامة الناس شبه المستقلين بالبروليتاريين الذين لا يصلحون لشيء سوى إنجاب الأطفال، أعطونا كلمة «بروليتاري» المفهومة في جميع أنحاء العالم، فهي تشير إلى النساء بشكل خاص، إلى العمات والخالات، إلى الجدات والمربيات، إلى الأخوات والقيم الأختية، ولهذا السبب ثمة مثل في جنوب إفريقيا يقول: «إذا لمست المرأة، ستجد قوة الصخرة»، لأن النساء يصنعن المجتمع البشري بالطبخ وحفظ الذاكرة وتوفير الأمان والرعاية. في أي نظام عالمي، سواء أسميته الهمجية أو البربرية أو الإقطاع أو الرأسمالية، ستجد النساء مسؤولات عن إعادة إنتاجه، وهذا صحيح الآن أكثر من أي وقت مضى، ولطالما كانت الأسرة الممتدة، أو الحمولة، هي أساس المجتمع القروي والمشاعة.
يميز جاري فيلدز بين سلطة القيادة imperium وحق الملكية dominium متبعًا التمييز الثابت في القانون الروماني، حيث تشير سلطة القيادة إلى المدى الإقليمي للسيادة المَلَكية ويشير حق المِلكية إلى الحق في حيازة الأرض داخل الحدود الإمبراطورية. أحدهما يغرس العلم في الأرض، والآخر يشيد سياجًا، وكلاهما يجلب الحصن والحدود والعنف. قد يكون الاثنان يوازيان الفرق بين الاكتشاف والاستيطان، لكن ما يغيب عن الملاحظة هو الانتقال من أحدهما إلى الآخر ووسائله المتمثلة في الحرب والمرض والاغتصاب والنهب! وكذلك الحكم بالعصا -الأزواج يضربون زوجاتهم، والآباء يضربون الأطفال، والسادة يضربون الأتباع، والسادة يجلدون العبيد، والضباط يجلدون البحارة.. إلخ. ليس الأهالي السابقون الذين بشّر المبشرون المسيحيون بـ«اكتشافهم» إلا «غائبين» أو قتلى، فإذا نجوا من القتل، يصبحون غرباء عن أنفسهم وظلالًا لذواتهم السابقة، وسكارى ومذللون ومهانون ومغتصَبون ومقدر لهم أن يموتوا صغارًا.
ـــــــــ
إن الصهيونية المسيحية قديمة قدم الرأسمالية، فهي ترجع إلى القرن السادس عشر، وقد بلغت ذروتها في عهد القائد العظيم للثورة البرجوازية الانجليزية أوليفر كرومويل، حيث زعم سكرتير كرومويل أن اليهود يجب أن يذهبوا إلى فلسطين، وفي الوقت نفسه، وبعد مئات السنين من الإقصاء، سُمح لليهود بالعودة إلى انجلترا تحت حكم كرومويل. كانت القرابة والتجارة تربط اليهود السفارديم من أمستردام إلى البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الأطلنطي. ثبت كرومويل نفسه باعتباره صاحب سيادة إمبراطوري مستعد للتنافس مع القوى الإمبريالية الأخرى، ولم يكن لأي من هذه القوى نفوذ كبير مثل الهولنديين، لذا يعد كرومويل قائدًا برجوازيًا أرهق شعبه بالحرب، ونجح في تقليص العقبات التي تحول عن تطويق الأراضي، وغزا أيرلندا، وهزم إسبانيا، واستولى على جامايكا، لكنه كان صهيونيًا، وكان كل هذا جهادًا على الطريقة البروتستانتية باسم الإله يهوه.
عندما قطع أوليفر كرومويل رأس الملك تشارلز الأول ودشّن الدولة الرأسمالية في انجلترا، عيّن والتر بليث مساحاً للممتلكات الملكية المصادرة. وقد وصف بليث سنوات المصادرة بشطارة لغوية تليق بالتفكير المزدوج لجورج أورويل، ففي عام 1649 نشر كتاب «المحسن الانجليزي»، ثم أعقبه في عام 1652 كتاب «تحسين المحسن الانجليزي»، وربط فيه المصادرة والسرقة وخصخصة المشاعات بالتقدم البشري، وهكذا تحولت سرقة الأراضي إلى تحسين زراعي! وبناء على هذا، لم يكن الصراخ ضد هذه السرقة إلا إهدارًا للوقت، ومقاومتها تعني معارضة المستقبل، لأنها بمثابة سرقة أرضك لصالحك. كان هذا الاحتيال ضروريًا للتنمية الرأسمالية وعقيدة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وقد قال عنه جاري فيلدز: «لم يكن يُنظر إلى المشاعة بوصفها عائقًا أمام التنمية الزراعية المحلية والاستحواذ الصهيوني فحسب، بل مثلت استخدامًا غير منتج للموارد الطبيعية متعارضًا مع المفاهيم الأوروبية لـ«التحسين» و«التنمية».
وكما أشار ماركس، «لقد استعار كرومويل والشعب الأنجليزي الكلام والعواطف والأوهام من العهد القديم لثورتهم البرجوازية».[18] وقد اتصل عدد من مستشاري كرومويل المقربين باليهود المقيمين في هولندا ودعوا إلى إعادة توطين اليهود في انجلترا (حيث كانوا محظورين من الإقامة في البلاد منذ القرن الثالث عشر). وبذلك اجتمعت معتقدات نهاية العالم الألفية (المشيحانية والمجيء الثاني للمسيح)، والمنافسة التجارية الإمبريالية، وتجارة الرقيق عبر الأطلنطي، والاستيطان الاستعماري لخليج ماساتشوستس معًا. في يناير 1649، تقدم اثنان من المعمدانيين بعريضة لإعادة قبول اليهود: «أن تكون هذه الأمة الانجليزية، مع سكان هولندا، أول وأسرع من ينقل أبناء وبنات إسرائيل على سفنهم إلى الأرض الموعودة لأسلافهم، إبراهيم وإسحاق ويعقوب، لاستحقاق ميراثهم الأبدي». إن الصهيونية المسيحية غير منفصلة عن الوحش الإمبريالي بدءًا من الثورة الانجليزية وحتى وقتنا الحاضر.
وإذا ما قارنا الحالات الثلاث، كما فعل فيلدز، باعتبارها ثلاثة «فصول» في مسرحية، فإننا نفتقد الحبكة الموحدة. ذلك أن «الحالات» ترتبط ببعضها ارتباطًا تاريخيًا فعليًا: فقد أدت عمليات التطويق في انجلترا إلى الحرب واستعمار أيرلندا، فضلًا عن إنشاء المستعمرات في أميركا الشمالية، وكان كل منها بحثًا استلابيًا عن سلع جديدة ووسائل جديدة لمصادرة الأراضي واستعباد العمال. وبقدر ما أدت الثروة الناتجة عن انتزاع المساحات الطبيعية للشعوب الأصلية في أمريكا الشمالية (قطع السهول الكبرى بالسكك الحديدية) إلى طلب جشع على النفط، فإن التعطش للموارد يختبئ أيضًا تحت الشهية النهمة نحو الشرق الأوسط (النفط، وخطوط الأنابيب، والصهيونية). كانت هذه هي الثورة البرجوازية (1649) التي تتساوى آثارها مع الثورة الفرنسية (1789) أو الثورة الروسية (1917). لكنني لا أرغب في استبدال «المراحل التاريخية» بـ«الحالات» من أجل حل مشكلة الحبكة الموحدة؛ بل بالأحرى، تتطلب قضية التفسير فهمًا للتطويق الذي يشكل سمة ضرورية لتوسع نظام العلاقات الرأسمالية.
إن الرأسمالية والاستعمار والقومية مترابطين على المستوى النظري، على الرغم من أن الإمبريالية متأصلة في الرأسمالية، بسبب خضوعها لقانونها الأساسي ونبض حياتها الذي أشار إليه ماركس بقوله: «راكموا، راكموا! تلك وصية موسى والأنبياء!». أما التحرر الوطني فهو متأصل في مقاومة الاستعمار، على الرغم من أنه قد يتكيف بسهولة مع الرأسمالية، كما أوضح فرانز فانون.
هكذا تنشأ البروليتاريا، ففي تلك الأجزاء من فلسطين التي هيمن عليها ملاك الأراضي، «يشكل الفلاحون طبقة لا حول لها ولا قوة.. أشبه بالإنسان المدين»، وفقًا لمراسل صندوق استكشاف فلسطين في عام 1891، وسيؤدي هذا الدين حتمًا إلى تنازل الفلاح عن حقه في الأرض، وبذلك يصبح مثل المثل الفلسطيني القائل «شريك الهوا خسّار». لقد طردت أمنا الأرض زراعها القدامى المنثورين الآن في جميع أنحاء العالم، مثل البذور، للانضمام إلى العديد من الآخرين في الشتات الجوي، لكن ثمة العديد من الرياح التي يجب الانتباه إليها: الرياح القوية التي تهب من الصحراء الكبرى إلى غرب إفريقيا؛ ورياح النينيو التي تأتي من المحيط الهادئ في صورة أعاصير. تنعكس قوة شركاء الريح المستلبين على مر العصور في الإنتاج الثقافي الأنجلوسكسوني، بدءًا من اللوحات الجدارية المرسومة داخل المطاعم التي تذكر العملاء بالوطن، إلى التعبيرات السامية عن الريح مثل مسرحية «العاصفة» لشكسبير أو رواية «موبي ديك» لهرمان ملفيل.
إن البروليتاريين لا يملكون شيئًا تقريبًا، فهم لا يملكون أرضًا، ولا علاقات قروية، ولا سبل عيش، ولا أجرًا، ولهذا السبب يعد شركاء الريح مهمون إلى هذا الحد، لأنهم بوصفهم بروليتاريين يقفون «منتصبو القامة»، وهي كلمة تجمع بين الفضيلة الاجتماعية والوضعية الجسدية المستقيمة للجسم. ترتبط كلمة «الاستقامة» بالحقيقة والشجاعة والنزاهة والمبدأ الذي ندافع عنه. ولقد لاحظ إيد إيموري، بعد سفره مع العمال المهاجرين عبر البحر الأحمر: «إن هؤلاء هم الناس الذين ينتظرون -ينتظرون دورهم، ينتظرون في طوابير، ينتظرون في مجموعات متجمعة، ينتظرون بينما ينظرون عبر قضبان بوابات الميناء، ينتظرون حتى يأذن أحد المسؤولين بملاحظة وجودهم. إنهم ينتظرون دائمًا«، لكنه يصفهم بأنهم «أهل الأرض»[19].
ـــــــــ
وبالعودة إلى اللحظة الراهنة في فلسطين، لا بد أن نضيف إلى معادلة الاستغلال ومصادرة الأراضي ظلًا مظلمًا لكل جزء من أجزائها: الاستغلال + الإبادة، والمصادرة + الاستخراج، فالإبادة الجماعية التي يرتكبها الصهاينة في غزة ترتبط باستخراج موارد الأرض والنفط. تتضاعف هذه المعادلة عن طريق إضافة «الأعذار» إليها، فالتدمير والإبادة الجماعية والتسميم والنهب الذي تقوم به الطبقات الحاكمة يجري تبريره بسلسلة من الأعذار المؤسسية: التنمية الاقتصادية، التحديث، والتحسين الاجتماعي، والأمن الشخصي، والخلاص الديني، ولكل من هذه الأعذار خطابها، عسكرتها، تركيباتها الأكاديمية، وعنصريتها، وسياستها، وهي مثل كل الأعذار، تبدو في ظاهرها معقولة، وحتى طبيعية، إلى أن تظهر ظلالها كما يحدث في الحرب ضد غزة ليراها العالم أجمع على حقيقتها. إن النظام العالمي القائم على الإمبراطورية والحرب والعبودية لم يؤد إلا إلى نظام كوكبي من الفيضانات والحرائق والسموم والأمراض. ومع هذه الكوارث المتعددة فإننا نتوقع دمار أنظمة الأرض الطبيعية.
ورغم أن النبي ميخا المورشتي وعد كل واحد منا بشجرة تين (ميخا 4: 4)، دعونا نترك النبوءات القديمة جانبًا ونختتم بملاحظة علاجية تتعلق بأصل كلمة غزة، فلطالما كانت غزة مركزًا للنسيج، ولقد منحت اسمها لأكثر الأنسجة فائدة: الشاش gauze المصنع من القطن أو الحرير أو الكتان ويستخدم كضمادة للجروح بفضل قدرته على امتصاص الدم وحبسه.
لقد تجاوزنا نقطة اللاعودة، ورغم ذلك، نحن نشهد نقطة تحول. يكتب ديفيد جريبر وديفيد وينجرو في كتابهما فجر كل شيء: «نحن نعيش في لحظة أطلق عليها الإغريق كايروس أو -الوقت المناسب- لتحول الآلهة، أي تحول المبادئ والرموز الأساسية»[20]. أطلق هذان المؤرخان لأول التشكيلات الاجتماعية البشرية وأقدمها على هذه اللحظة «الوقت المناسب»، أي ساعة الانتقال إلى تشكيل اجتماعي آخر. لقد دمرت الرأسمالية الإمبريالية المجندرة والمعرقنة كل شيء تقريبًا، فمن منا سيحقق التحول المطلوب؟
للإجابة على هذا السؤال لا نحتاج إلى العودة إلى فجر كل شيء، فربما تمثل المشاعة الفلسطينية المرشد الذي يدلنا على الانتقال من عالم كارثي إلى عالم آخر: نحو الكوميونة والمشاعات، فما العلاقة بينهما؟ لنتذكر هنا رد ماركس على فيرا زاسوليتش: «لم يعد الأمر يتعلق بمشكلة يجب حلها، بل يتعلق ببساطة بعدو يجب هزيمته».
الهوامش:
[1] شكرًا لأندريه جروباتشيك الذي دعاني لكتابة هذا المقال لمجلة «أبحاث أنظمة العالم/ The Journal of World Systems Research»، والشكر موصول لجيف كلارك، وجو سامرز، وماي سيكالي، وميكايلا برينان، وسيلفيا فيدريتشي على التشجيع النقدي.
(*) نشر الكتاب في دار الكتب خان عام 2023 بترجمة أحمد حسان.
[2] Gene Ray, After the Holocene, the Commons (New York: Autonomedia, 2024). See especially, Silvia Federici, Re-Enchanting the World: Feminism and the Politics of the Commons (Oakland: PM Press, 2019)
[3] Michael Hudson, The Lost Tradition of Biblical Debt Cancellation (New York, 1993).
[4] The Quarterly Statement Palestine Exploration Fund (1891)
[5] See Lewis Hyde, Common As Air: Revolution, Art, and Ownership (New York, 2010)
[6] Andro Linklater, Owning the Earth, (London: Bloomsbury, 2013)
[7] John Bellamy Foster, The Return of Nature: Socialism and Ecology (New York: Monthly Review, 2020), p. 113.
[8] Amos Nadan, «Colonial Misunderstanding of an Efficient Peasant Institution: Land Settlement and Musha’a Tenure in Mandate Palestine, 1921-1947,» Journal of Economic and Social History of the Orient, vol. 46, number 3 (2003)
[9] Salim Tamari, «Archaeology, Historical Memory, and Peasant Resistance: The Gezer Excavations at Abu Shusha,» Jerusalem Quarterly 91, p. 9
[10] Noura Alkhalili, «Enclosures from Below: The Mushaa’ in Contemporary Palestine,« Antipode, vol. 49, no. 5 (2017). يعد مصطلح «بلاد الشام» مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعني «شروق» الشمس في إشارة جغرافية لشرق البحر الأبيض المتوسط، كما كان يشير في أوروبا الغربية ذات يوم إلى حق رعي الماشية على الأراضي المشتركة ليلاً ونهارًا والذي يُسمى «levant et couchant».
[11] Les Levidow, «Holding the Green Line: Israeli Ecological Imperialism,« Midnight Notes Collective, New Enclosures (1990), pp. 25, 26.
[12] Gary Fields, Enclosure: Palestinian Landscapes in a Historical Mirror (California, 2017).
[13] Ernest Dowson, An Inquiry into Land Tenure and Related Questions: Proposals for the Initiation of Reform (London, 1931)
[14] Linda Quiquivix, «When the Carob Tree was the Border: On Autonomy and Palestinian Practices of Figuring it Out,« Capitalism Nature Socialism, vol. 24, no. 3 (2013)
[15] Karl Marx-Zasulich Correspondence 1881.
[16] Seamus Deane et al, The Field Day Anthology of Irish Writing (1991), vol. iii, p. 323.
[17] الكلمة اليونانية التي تعني المشاركة أو المشاعات بالإضافة إلى الكلمة اليونانية التي تعني الحياة تعطينا كلمة «التعايش الحيوي».
[18] The 18th Brumaire of Louis Bonaparte (1852)
[19] Ed Emory, «Some Photographs that I was Not Able to Take: Egypt and the Red Sea,« Midnight Notes Collective, New Enclosures (1990), p. 28.
[20] David Graeber and David Wengrow, The Dawn of Everything (2021), p. 524
تقارير ذات صلة
الأم الصغيرة.. قصة من الأدب الهندي لعصمت شوجتاي
من الأدب الهندي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن