تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
فرم الودان

فرم الودان

كتابة: هاني درويش 13 دقيقة قراءة
تصميم مهرة شرارة

يحلل هاني درويش أغاني ومهرجانات أكتوبر 2010، ما يفلت من همسات لا تُسمع، حوارات عالية لا تُفهم لتعمد ناطقيها استخدام أكواد وألغاز، أصوات أخرى تفرم الودان خلال رحلة ساحرة لن تتكرر حين ركب ميكروباص ليلًا في مسار بات مُغلقًا مثل أمور كثيرة تغيّرت منذ رحل «ويشة» عن عالمنا في 2013. 

كُتب هذا النص ونُشر في «الأذن الوسطى» 2011، وللتعرّف على كواليس كتابة «فرم الودان» اقرؤوا مراسلات درويش مع المحررين مها مأمون وهيثم الورداني هنا* والتي تبيّن كيف بدأ كمغامرة لتحليل مفردات أفراد ينتمون إلى طبقات مختلفة حتى تبلورت نظرية الفرم، كما يمكنكم قراءة خريطة محمد عبد النبي للسمع والعصيان، وصوت إيمان مرسال، وشريط الصوت المُصاحب لحياة ياسر عبد اللطيف.

المبدأ الأساسي للفضاءات العامة في مصر هو سلطة الاستحواذ، فتحت تحرر هذا الفضاء من أبجديات السيطرة المركزية (دولة، وطبقة، ونسق أخلاقي معمم)، يبدو المجال متروكًا للآليات من يملك سلطة اللحظة على الفضاء، وذلك وفق توازن قوي خشن، يجعل من يسيطر على هذا الجزء من الفضاء حاكمًا شرعيًا لما يسمعه أو يراه الطرف الأضعف، وبما أن الفضاء العام يخضع لذلك القانون اللحظي لاستلاب السلطة، تتحول أمكنة ونقاط التقاء بشر إلى معركة صامتة مرهوبة الجانب، تتحول فضاءات كـ«الشارع» و«المقهي» و«وسيلة الانتقال» إلى محطات من لعبة «رست على الهواء» بين مجهولين، لا يجمعهم الإستمتاع والتوافق على المشترك بقدر من يزكي إيقاعهم اليومي المهزوم، انتصارات فارغة المعنى.

الفضاء السمعي ساحة لهذه المعارك، والأذن هي القلعة الغفل المشرعة الأبواب لإستقبال الفائزين، فغالبًا أنت لا تملك الحق في اختيار ما يدخلها، بل إنك في حال إغلاقها أمام المدخلات الإجبارية-باختيارك سماعة الأذن الموصولة بإذاعة ما أو بمختارات موسيقية- تكون عرضة للتناقض الحاد والمفزع بين المرئي والمسموع، بالطبع يزيد الأمر إذا ما كنت متمردًا بطبعك على السياقات المعممة لمفهوم جماليات الصوت، أو كنت متأملًا مشرئب الآذان بما يزيد عن الحاجة «المسحية» الأولية لها.

جرب مثلًا أن تستمع عبر سماعات الأذن إلى أي من مختاراتك الموسيقية في منتصف ليل ميدان الجيزة، أنت تقف الآن وقد تقلصت أهمية الوصول باكرًا، تقارن بهدوء نادر الحدوث بين أكثر من وسيلة انتقال، لو أعجبتك المفارقة لدقائق (بين نخبوية وتأملية ما تسمعه وواقعية وبذاءة ما تراه) فثمة ما يجذبك من أذنك (قد يكون السائق في لحظة عنف لفظي مع سائق آخر يحاول مزاحمته على «دور التحميل»، أو تعليقه التحرشي بفتاة ترتدي جيب في هذا الوقت المتأخر) لتطبيق ما تراه على ما تسمعه، أي تناغم الأوديو الحقيقي مع الفيجوال الواقعي.

أعرف أن ثمة حلول مجربة ستطرأ في عقل القارئ، ماذا مثلا لو احتكمت إلى كتاب تخرجه الآن من حقيبتك لتأميم البصر بما هو مفيد واختياري؟ جرب عزيزي القارئ هذه التقنية لكن لن أعدك بنجاعتها، ليس فقط للون الإضاءة الزهرية الزرقاء داخل الميكروباص -التي يصمم السائقون على إضفاء جو كابوسي به لحياتهم الليلية- تصعب عملية القراءة، لكن أيضًا لميكانيزمات التنقل الدائري بين المقاعد، للتأرجح الموضعي للميكروباص، ثم أخيرًا لصعوبة فصل «شريطي الصوت والصورة الواقعيين» عن «الشريطين الاختياريين» لفترة طويلة، غلبة الواقعي أرسخ، والتشويش على الاختياري لن يهنئك لا بالسمع ولا بالقراءة.

بمعنى آخر، عليك الاستسلام لغلبة السلطات الجبرية للفضاء، أنت مجرد جسد وحواس منتهكة في خضم معركة لم تختارها، قد يفيدك هنا محاولات تحليل عناصر الجبر السماعي والبصري، تفكيك مكوناتهما وردهما إلى السلطات الأولية التركيب، مجالنا هنا هو السمع لا البصر، ليس لمجرد تكرار المشاهد البصرية المتوقعة ليلًا في شارع مستقيم كحالة شارع الهرم، ولا لفرط السرعة التي يتيحها هذا التوقيت، فرط سرعة يحيل الشارع بأضواء كباريهاته ونصف محلاته المفتوحة إلى مقطع بصري نادر الحدوث لثلاثة عشر كيلو مترًا تستغرق في الأحوال النهارية ساعتين لعبوره، ولا أيضًا تشكيلة الركاب الاستثنائية التي تحتمي بالليل لقضاء «مصالح الليل»، عازف العود ببذلته اللامعة الذي أوقف الميكروباص من أمام كازينو الليل ليقله إلى كازينو آتون السياحي في آخر الشارع، الفتي والفتاة المتزوجين حديثا المرتحلين من سهرة لدى أحد الأبوين، ثلاثة شباب في حالة «دروخة البرشام» في طريقهم إلى حفل زفاف في أحراش «الطالبية»، أو ببساطة مخلة: لنترك صورهم المهتزة قليلًا، الشبحية التي لاتقيم وزنًا للتواصل الإنساني المباشر في هذا التوقيت، صورهم النادمة (على العودة المتأخرة) المذنبة (حيث لا تزال سمعة الليل سيئة اجتماعيًا) والمجهدة (من أجيج نهارات العمل أو المشاوير الفارغة)، كلها لا تهمني إلا في حدود استراق النظر ومن ثم تحديد المواقع السلطوية في هذا المجال. 

سنتعامل مع كل هذه الموجودات كخلفية لا مشهدية لا أكثر، الآن أغلق عينك وتعامل مع الذبذبات العالية المسيطرة على مراكز السمع، لا تغلق عينك بالكامل ستحتاجها لتعيين المصادر السمعية خلال فترة التحميل الطويلة.

هناك أولًا الصخب العالي للميدان، محصلة الأصوات الحامية لتدوير المواتير ممزوجة بالفورات المتناسقة لأصوات منادي السيارات: عمرانية ، هرم مشعل رماية، فيصل طوابق آخر فيصل، فيتشكل في ذهنك كورس ممطوط من النقاط البصرية الممطوطة لثنايا حي الهرم عند مفاصله تجمعاته السكنية  الكبيرة. ثمة بالتوازن مع أصوات المنادي كورس آخر هذا التراك تفريق دقيق وميكانيكي لصوت المحركات، الفولكس فاجن ذات المحرك في المؤخرة بصوت أقرب للشخير، عربات الميني باص الكبيرة ذات الحمولة الأربعينية(عربات الجمعيات) بصوت محركاتها الخشن والمفعم بالبذاءة، ثم أريحية «التيوتا» ذات الصريخ المنخفض في السرعة الأولى (خاصة في حالة مشكلات السيور)، أنت الآن واقف في الميدان مقارنًا إمكانات خطوط السير المحتملة للوصول إلى ميدان الرماية (البداية الصحراوية لمخارج المدينة نحو الإسكندرية والفيوم).

استمع لنصحيتي فورًا  واستقر على الفولكس فاجن، خفيفة وسريعة في هذا التوقيت، محدودية مقاعد الركاب تعني تبديلهم في محطات أقل، التعريفة موحدة رغم تجاوز السائقين عند محطات الوصول (غالبًا ما يجري التحميل في هذا التوقيت بمزاجية السائق)، يُفضل مجاورة السائق حيث المساحة أوسع لتمديد القدم، ابتعد عن الكنبة الخلفية قدر الإمكان، إن كان لا بد من الكنبة الأولى فليكن شمالًا إلى خلف السائق حتى لا تضطر إلى التحرك كثيرًا إدخالًا وخروجًا للركاب، إياك والكنبة الأخيرة فهناك أيضًا تتمدد ترسانة القصف لقلعتك المستباحة، هناك تقع «العدة».

«العدة» هي مكونات أجهزة الصوت الملحقة بالعربة، ونتيجة لأن الموتور يشغل الثلث الأخير من فضاء العربة، لصالح الموتور الذي يقع في هذا الموديل في المؤخرة، فغالبًا ما يستغل السائق هذا الحيز ويعلق فيه سماعات إمبليفير مقاس 500 كيلو وات، وتصبح العربة مكونة من كنبتين للركاب وكنبة في المؤخرة للسماعة الضخمة الموصولة على كاسيت في منطقة المقود، الصوت يصم الآذان لكن لا حياة للسائق الذي تناديه، يستسلم الركاب للصوت المدوخ، ويحتفي بعضهم متسلطنًا، على الأقل «شلة فرح الطالبية» ينتقي كل منهم طبقة صوتية ونبرة تنغزل في ثنايا ما تبقى من فضاء سمعي، لكن ماذا يقول الكاسيت في هذا التوقيت؟

محمود الليثي هو الصرعة هذه الأيام، رحلة صعوده بدأت من إمبابة، وانتهت بكازينو الليل والمشاركة في بعض أفلام السينما التجارية، يحتفي «الليثي» بعجن ثلاثة من أغراض الغناء الشعبي التقليدي عجنًا تذوب فيه الأطراف لصالح فن جديد، الحكم والإنشاد الديني والرقص، يختلف في الأول عن مدارس الوعظ الحكمي الثمانينية الشهيرة كما في حالة المطرب يوسف شتا، وفي الثاني يتعامل مع تنويعات من الإنشاد الديني الرزينة التقليدية كما في حال الشيخ التوني، وأخيرًا في الثالث يقدم صهللة الموسيقى الشعبية المدينية القائمة على الرقص كما يقدم في أفراح المناطق الشعبية، لندخل مزاج الليثي من أوسع أبوابه، الميكروباص يحتفي الآن برائعته «قصدت بابك»:

عزيزي المشاهد، عزيزي المستمع، مع نجم الأغنية الشعبية محمود الليثي (صوت فتاة مدلهة في الخلفية)

ياه.. وووو  يا.. وووه

الروح.. الروح.. روح.. روح

الجسم يسلي والعذاب للرووووووح

ياساتر الستر أسترها ماتفضحهاش 

ولغيرك أنت ابدا.. ماتشغلهاش

حقي وإحنا على الحق مانعلاش

ياواخد العهد على عبدك.. يابوي ماتخلاش

زي اللي قبلنا ماقالوا.. العين على الحاجب ماتعلاش

وإن كنت بتحب لازم.. لازم تكون حساس

فتش على روحك حبيبي

بيبي.. بيبي.. بيبي 

لا لا يا حبيبي لا لا.. لا لا لا يا حبيبي لا لا

ياحاج عمر لا لا.. والنبي يا حاج لا لا

والله العظيم بحبك أنا.. والله العظيم يا حاج

ليلي.. ليل.. ليل يا ليل يلاللي

وأنظر لبيتك ولا تنظرش لبيوت الناس

واللي ماترضاهش على روحك.. ماترضهش ياخويا للناس

كلام في قلبي ياريت يسمعه كل الناس

كان ع الدنيا بتتوعد لنا 

بيقولوا مثال أحسن ناس

صبحوم رمايم ياخويا

ويدهسوا عليهم الناس

اسمع كلام ربنا العزيز 

اللي قال لجميع الناس

جنة الخلد يدخلها بأمان

الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس

أنا القتيل ودا اسمي 

أنا القتيل ودا اسمي.. ولاحرج وصبحت  ضال 

أنا القتيل ياحاج عمر.. لالالا لالا لالالا

انا القتيل ياعم 

والله العظيم انا القتيل 

أوه.. لالالا.. لالالا

أنا بوحد اللي خلق الناس 

من مسلمين ونصاري 

ياما ناس على الفراش تداس 

والعدايل ياناس حياري

أنا القتيل ياعمأنا.. أنا.. أنا 

روح.. روح.. روح

أول كلامي ببدأ بذكر الله 

إلهي ع الخلق راسي

رفع السما من غير عمدان 

بب.. بب.. ماسمعتوا الأرامل

ع الميل.. ع الميل.. ع الميل 

روح.. روح.. روح

الصلاة ع النبي تمنع دخول إبليس 

ويابخت من نال الزيارة 

يا حاج عمر الصلاة 

يا ما ناس عليها ملايين 

روح.. روح.. روح 

ياعم روح.. يا حاج عمر روح 

ياخالد ياعمر روح.. روح

روح ياحمادة روح

روح.. روح.. روح

والوصف التفصيلي للأداء هو كالتالي: أولًا استخدام الزفير الجماعي الشهير لمنشدي الحضرة ممزوجًا بالإيقاعات الصاخبة للدف والطبلة، وحين يتجلى المطرب في المدات (روح أو لالا أو أنا القتيل أو بيبي أو حبيبي حسب القطع الصوتي) تعلو نغمة الأورج الكهربي الذي يلعب من منطقة العزف على إصبعين في نغمة أقرب لسارينة عربة الإسعاف، الإيقاع بالصاجات شرقي راقص، هناك أصوات لكورال مصاحب دوره «تحمية» أجواء الفرح الشعبي، المطرب تقريبًا لا ينطق حرف الصاد بل يقلبه إلى السين، تصبح نصاري: نساري، ولأن الكلام في مجمله غير موزون حتى في الأبيات النادرة يلجأ إلى حيلة مضغ الحروف بما يسمح بإشاعة الوزن، بالطبع تم طبخ مقطوعات الاستهلال في السيرة الهلالية مثل: أول كلامي ببدأ بذكر الله، خلق مسلمين ونصاري وناس نامت على فرش وكناس، وناس على المعايش حياري، لتصبح قابلة لـ«الفرم» في هذه الأغنية الراقصة التي تغني على ما يبدو على شرف الحاج عمر صاحب الفرح، يخرج من حبيبي الذي هو كناية في التصوف على الله إلى بيبي الذي هو الحاج عمر، ثم يقسم أنه يحب الحاج عمر، بل ويذكر الأخير بالصلاة والزيارة، الناس عليها مديونية بالملايين لكن «ياما ناس.. ياما ناس»، ثم «روح» فعل الأمر في العامية بمعني «أذهب» -كناية إما على توسعة المكان على المسرح أو دعوة للتدله والغواية بالأغنية بمعنى السلطنة والذهاب بعيدًا في النشوة- يجري التلاعب به مع الروح  الفعلية التي هي عكس الجسد الذي «ينسلي»، وتكاد الموسيقى أن تضمحل حين يذكر بوقار آية الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.

ثمة تناقض ضخم هنا بين الأغراض المفرومة أو المعجونة داخل الأغنية أداء وكلمات وموسيقى، البعض يرى أن استجلاب النصوص الدينية لقالب احتفالي دنيوي هو عبارة عن مجرد كسوة أو تحايل، قصد به تمرير أبجديات التدين القشري للمصريين على أجواء فرحهم الماجن، لكني أرى أن تقنية الهرس هنا أو الفرم لا تشترط الإخلاص إلى أي من التصنيفات الكلاسيكية، فالفاصل ضيق فعليًا بين الألم والمتعة في مثل تلك الطقوس الجماهيرية الكبرى (الأفراح)، بل إن التأرجح بين متناقضين ظاهرين والجمع بينهم هو التعبير البليغ عن ذهنية تقسيم العالم ومن ثم «النفس» إلى ثنائية شيزوفرينية، تقبل بإغواء الشيطان لكنها تنتهي بالندم والتوبة، مصداقًا للقول التراثي إن ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابين.

الفرم هنا في مرحلة تليين الحواف الخشنة للمتناقضات، بمعنى استخدام الرقص والتعبيرات الهزلية علي كلمات وعظية هو إخلاص مبالغ فيه ومتماهي مع ما في الغواية من جمال ورقة وعزوبة، وكأن صوت الانفعال الماجن بالحياة والمبالغة فيه ضرورة لتأكيد الصوت ومن ثم تأكيد قيمة نقيضه الوعظي. 

 الميكروباص الآن  تحول إلى كشك موسيقى متجول، لا يأبه سائقه الذي لا يستمع أصلًا إلى الأغنية وهو يدير حوارًا صاخبًا مع «التباع» (المساعد) بأعلى تون صوتي، لا يأبه حتى لوصول مكالمة إلى أحد الركاب المجبرين على  أغنيته، الراكب نفسه لا يسأل السائق أن يقلل من الصوت وهو يعلي صوته بعنف ويرد على مجهول من أعلى طبقة صوت ممكن: «أيوه في السكة.. أنت مالك فين ياعم مش ليك أن المصلحة توصلك وقتي.. أمان.. في الطريق»، الزوج ما زال يتحدث مع زوجته في مشكلة تصميم أمه في دهان الشقة وعدم ترحيب أخته بانتقال أبويه إلى شقتها في هذا التوقيت، راكب نائم يصحو ليسألني «العريش عدت»؟ 

الحوارات المقتضبة تلك تشير إلى ظاهرة لغوية أخرى تخص العامية المصرية في مستواها الشعبي، فالكلمات مكونة لجمل لا تعني حرفيًا معناها الظاهري، ثمة حمولة بلاغية أعلي بكثير من المعنى الواقعي المجرد للكلمات، هنا يتم الاحتفاء بالبلاغة الزائدة، «سيبه يمشي» تصبح «سفره»، الكلمة الأولى حيادية ومباشرة وأقل درامية من الثانية، والثانية كثيفة تحمل عنفًا وسلطة وبلاغة تخفي احتفالًا لا يتناسب مع هشاشة الواقع وبساطته، سأسمي هذا التكنيك الشائع «نفخ الواقع»، لذا وعند مستوى معين من الحوارات التي يجري الإنصات لها لا تستطيع فهم الموضوع محل السجال، الطرفان (خاصة من الشباب) يذهبان ببلاغتهما حدود تحويل الحكي إلى نص أسطوري، مملوء بالأكواد والشفرات الحادة ومنبت الصلة ربما بواقعية أو بساطة ما يحكيانه، يرفعان الصوت كما يفعل التباع مع السائق الآن وكأنهما يتشاركان خدعة المستمعين مستفزينهم أن يفهموا ما يُقال، ثمة تسلط باسم المعرفة الكودية التي تجد مجالًا خصبًا في الفضاءات العامة المنهوبة السلطة.

غالبا ما يغطي صوت «الليثي» على مجمل تفاصيل الأوديو داخل الميكروباص وخارجه، وغالبًا ما يكون مستوى استحواذه على المشهد الصوتي -إذا ما قُدر لأداة علمية لتحليل مدخلات الصوت للأذن- هو نفس مستوي استحواذ أشرطة التلاوة القرآنية أو فقه التكفير السلفي الشائعة علي نفس خط السير، بل ربما يبدل نفس السائق شريط الليثي بشريط للداعية محمد حسين يعقوب، ومثلما كان الليثي مجرد «كسوة» سيبقى «يعقوب» بحديثه الذي يضم آيات وأحاديث تتطلب الإنصات مجرد خلفية، يظل مجرد «سطوة» شكلية لا تعني الفرادة أو الأحقية بالاستحواذ على الفضاء السمعي، السائق والركاب انضبطوا منذ حين على أن مجمل المحتوى السماعي هو طريقة لتزجية الطريق، جزء من طريقة نهب المسافة المقتطعة بين أماكن تركوها بذكرى كريهة وأخرى يصلون إليها على أمل كاذب بالراحة.

ظاهرة الفرم السماعي ربما تكون ابنة لصناعة «ضغط الموسيقى»، الضغط هنا في تحول الموسيقى والغناء إلى ما يشبه الفورمات المنضغطة، بظهور الملفات الصوتية من فئة الإم بي ثري، من تقنية الفلاش ميموري الرخيص الذي يلصقه سائق التوك توك بأعلى حافة مركبته الباكستانية، أو ابنة الانهيار المفاجئ أصلًا لصناعة الكاسيت، وقد قتلتها مرة صناعة الفيديو كليب حين خصمت الصورة من حساب الصوت، ثم جاءت ميديا تحميل النغمات لتعلن نهاية الفورم القديم، تحميل النغمة يضغط الأغنية في مقدمة موسيقية لافتة، في جملة شهيرة من الأغنية، ما قبلها وما بعدها مهجور، كحال الأغنية بين فاصلين إعلانيين في قناة الإف إم، ناهيك بالطبع عن الانهيار الدراماتيكي لصناعة الكاسيت بعد ظهور منتديات تحميل الأغاني، تم فرم الأغنية في مجاز الصورة، انتهى عصر الألبوم، تحولت الأغنية المفرومة سلفًا إلى نغمة قصيرة على تليفون محمول، الكاسيت أصبح فلاشة بخمسين جنيه تتيح عددًا لا نهائيًا من تنويعات الموسيقي الشخصية. تظهر تسجيلات الليثي عند منتجين صغار بعد انفلات الصناعة، والمنتج الصغير ليس موسيقارًا كبيرًا، هو يهشم الجملة الموسيقية واللحن إلى شذرات متجاورة، ويجري تركيب الصوت والموسيقى عبر وسائط تكنولوجية منزلية، لا حاجة ولا احتياج للإندماج في سوق واسع، نحن منتجو ومستهلكو «مفارم الموسيقى» نوصل لك الخدمة دون مقابل حتى شاشة الكمبيوتر. لذا لم تظهر للليثي صورة واحدة حتى ألبومه الثالث، ومحبوه لا يهتمون بالصورة أصلًا ، فأمام أفريز السيارة تمر ملايين الصور بلا قيمة، وتحت الهدر العظيم لـ«قصدت بابك»، لا يهم أن يكون الحبيب بيب أو الحاج عمر.

بالمناسبة أيضًا، لا تمتد يد السائق نحو مؤشر خفض الصوت إلا في كمائن الشرطة المفاجئة، تقريبًا بعد شارع العريش ثمة واحد ثابت، يخفض الصوت احترامًا للسلطة الوحيدة القادرة على تحطيم «قالب الفرم الجماعي»، لكن السلطة الراسخة في هذه اللحظة تشتري غالبًا، تمتد اليد التي أدنت مستوى الصوت لتسلم «جباية ما بعد نصف الليل»، وبنفس الأريحية تعود لترفع مستوى الصوت، لتستولي بعد فاصل قصير على أسرى المعركة مرة أخرى.  

 *نُشر النص لاحقًا بعنوان «فرم الأذن»، في «إني أتقادم: مسارات شخصية في أحراش القاهرة» (الكتبخان، 2014).

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن