جاء قرار حكومات السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين بسحب سفرائهم من دولة قطر بمثابة الإعلان بأن الأزمة السياسية في الخليج أوشكت على الوصول إلى طريق مسدود.
أشارت الدول الثلاث في بيان مشترك إلى تدخل دولة قطر في شئونهم السياسية الداخلية، عن طريق تأييد هؤلاء الذين يهددون أمن واستقرار دول الخليج. كما اتهمت الحكومات الخليجية أيضا حكومة قطر بتمويل تنظيمات تعمل على تهديد أمنهم القومي بشكل مباشر، والعمل على التأثير السياسي الناعم بشكل غير مباشر.
يشير البيان المشترك بشكل غير مباشر لجماعة الإخوان المسلمين، التي تم إعلانها جماعة إرهابية في المملكة العربية السعودية في ٧ مارس.
اتفاقية الرياض
كما أتهم البيان الدوحة بمخالفة "اتفاقية الرياض" والتي تم توقيعها بين الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، والأمير القطري تميم بن حمد آل خليفة بوساطة كويتية منذ ثلاثة أشهر.
يؤكد المحلل السياسي البحريني ورئيس مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية، عمر الحسن، أن الاتفاقية -التي لم يتم الإعلان عنها بشكل رسمي عن بنودها- تهدف إلى تحجيم ميل الدوحة المتنامي للعمل باستقلال عن باقي دول الخليج، خاصة في سياستها الخارجية، مضيفاً "دول الخليج لديها قلق متنامي من سياسة قطر تجاه مصر، خاصة تأييدها المباشر لجماعة الإخوان المسلمين من خلال آلتها الإعلامية الكبيرة. من الواضح أن الاتفاقية كانت تهدف لتقليل نفوذ قطر".
بينما يرى الباحث بجامعة لندن للدراسات الشرقية والأفريقية، ديفيد ويرينج، أن الخلاف السياسي بين قطر والسعودية بالأخص إلى "ردود الفعل الإستراتيجية المتضاربة بين البلدين تجاه الثورات في المنطقة ما بعد عام ٢٠١١".
الكاتب مصطفى بكري كتب بالتفصيل عن بنود المبادرة في جريدة الوطن اليومية، مؤكدا أنها كانت تهدف إلى إنهاء مساعدة قطر للإخوان. الاتفاقية –حسب تسريبات بكري- ألزمت قطر بإنهاء تأييدها لجماعة الإخوان المسلمين، ورفض استضافة أعضائها الهاربين من مصر ودول عربية أخرى، وأن تلتزم قطر بالموقف الخليجي العام المناهض لهذه الجماعة.
ألزمت الاتفاقية الدوحة بأن تعلن رفضها "للممارسات الإرهابية لجماعة الإخوان المسلمين"، بالإضافة إلى منع الأصوات الإخوانية المتصاعدة من داخل الدوحة ضد حكومات دول الخليج، وخاصة الشيخ يوسف القرضاوي ومهاجمته الشديدة لدولة الإمارات. بالإضافة إلى ذلك، التزمت قطر في الاتفاقية بمراجعة السياسية التحريرية لقناة الجزيرة، التي تم اتهامها من قبل العديد من النقاد بالانحياز في تغطيتها للموقف السياسي في مصر والمنطقة بشكل عام.
بالتحديد، الأمير القطري كان ملزماً طبقاً لهذه الاتفاقية، بمراجعة مواقف قطر الخارجية تجاه مصر عن طريق إعلان تأييد الدوحة لخارطة الطريق المصرية. في المقابل، فإن دول الخليج تعهدت بالعمل على إنهاء التراشق الإعلامي بين مصر وقطر ودعوة مصر لإعادة سفيرها إلى الدوحة. طبقاً لبكري، فإن الاتفاقية وضعت جدولاً زمنياً مدته ستة أشهر يتم خلالها تنفيذ البنود المتفق عليها.
ويضيف الحسن أن "الاتفاقية ألزمت الدوحة بترك مصر كي تتصرف في شئونها الداخلية وحدها دون تدخل من أي طرف، حيث يكتفي الخليج بدعم مصر اقتصاديا. دول الخليج كانت حريصة على جعل سياسة قطر الخارجية متماشية مع باقي مواقف الخليج، وهو ما لم تنفذه قطر. قرار الدول الخليجية الثلاث كان إذن علامة تحذيرية لقطر".
تأثير مصر
رحبت وزارة الخارجية المصرية في بيان رسمي بالقرار، موضحة أنه استجابة مباشرة لدعوات القاهرة المتكررة لوقف النفوذ السياسي المتنامي لدولة قطر، وتدخلها في الشئون الداخلية لباقي الدول العربية.
وأضاف المتحدث الرسمي للوزارة السفير بدر عبد العاطي أن القرار يعكس رفض الدول الخليجية الثلاث لتدخلات قطر مؤكدا أن السفير المصري بقطر متواجد في مصر خلال الوقت الراهن وقرار عودته لقطر مرة أخرى هو "قرار سيادي وسياسي". وأشار عبد العاطي لتدخل قطر في شئون مصر الداخلية، رفض قطر تسليم متهمين مصريين هاربين إلى الدوحة ولهجة الإعلام القطري كأسباب الأزمة السياسية بين البلدين.
بيان الدول الخليجية الثلاث يشير تقريبا إلى نفس الأسباب، مما قد يشير إلى تصاعد محتمل للنفوذ المصري للضغط في سبيل إقرار سحب السفراء الثلاثة.
إلا أن ويرينج يرى أن النفوذ المصري المزعوم قد لا يكون السبب الرئيسي وراء قرار السعودية والبحرين والإمارات، مضيفا "لا أرى أنه التأثير المباشر لمصر بقدر ما أهمية ما يحدث لمصر بالنسبة للسعودية ولباقي دول مجلس التعاون الخليجي. من الواضح أن الأمر لا يتعلق فقط بمصر، هناك أسباب داخلية أخرى هي التي جعلت بالذات السعودية والإمارات يتبنون مواقف غاية في العداوة تجاه الإخوان المسلمين".
الكاتب السعودي عبد الله الهيضة استفاض في شرح هذه الأسباب في جريدة العرب السعودية التي تصدر في لندن، والتي أكد فيها أن أحد أهم نتائج سقوط جماعة الإخوان المسلمين في مصر هو ظهور "حركات أشبه بالمناهضة" في السعودية وكان ذلك عبر شخصيات دينية مشهورة داخل السعودية، "مما أحدث بعض القبول لدى صانعي السياسة القطرية الطامحين إلى التغلغل في الكيان السعودي وقلب الأنظار لخطط الدوحة لنيل التأييد الشعبي" على حد قوله.
وأضاف الكاتب السعودي في مقالة عنوانها "كيف غرقت قطر 'الأمير الوالد' في بحر الغضب الخليجي" أن "سبق للرياض أن سلمت للدوحة ملفا يحمل إثباتات عن دعم قطر للمعارضين السعوديين في الخارج عبر تجهيز مقرات لهم وإغداق الأموال عليهم بصفة مستمرة خاصة في دول أوروبا، مقابل مساندة خطط الدوحة الطامحة إلى الجذب الشعبي ومساندة المخططات الساعية إلى أن تكون قطر رمزها الكبير. فيما قدمت الرياض ملفا للوسيط الكويتي الشيخ صباح يحتوي على أدلة واضحة على دعم قطر لكل ما يعكر صفو الأمن السعودي، يتضمن أيضا معلومات عن رعاية قطرية مالية لعناصر إخوانية سعودية، وتمويل عبر أحد أفراد الأسرة القطرية الحاكمة وبعلم من القيادة في الدوحة".
إشارة إلى "الأمير الوالد"، أكد الحسن أن هناك تباينا في موقف الأمير حمد عن مواقف ابنه تميم "فمن الواضح أن الأمير حمد ما زال يتمتع بنفوذ سياسي كبير على العكس من ابنه الذي أعلم تماما أنه يتفهم حاجة قطر الماسة لإصلاح سياساتها الخارجية".
ويضيف الهيضة أن الإمارات تتهم قطر بشكل مباشر بتمويل معارضين سيايين داخل الإمارات، بالأخص هؤلاء الذين ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين.
ويرى الحسن جماعة الإخوان تمثل تهديدا مباشرا لاستقرار الإمارات وطموحاتها، مضيفا "الإمارات ليست مستعدة لمواجهة أي احتمالات عدم استقرار قد تؤدي في النهاية إلى تدمير طموحاتها الاقتصادية الكبيرة".
وللبحرين أيضا مصادر لقلقها، أشار الهيضة إلى تغطية قناة الجزيرة للاضطرابات السياسية التي شهدتها الدولة الخليجية الصغيرة، والذي دفع البحرين أكثر من مرة إلى اتخاذ قرار بسحب سفيرها من قطر، إلا أن وساطة كويتية منعت هذا الأمر في السابق.
رد الفعل القطري
كان موقف قطر المبدئي هو إعلانها التمسك باتجاهات سياساتها الخارجية، مؤكدة أن قرار الدول الخليجية الثلاث لا يعكس أي تخوفات من تهديدات أمنية بقدر ما يعكس ضيقهم من استقلالية السياسة الخارجية القطرية.
أكد وزير الخارجية القطري خالد بن محمد العطية في ندوة عقدها بمعهد الدراسات السياسية في باريس ونشرت تفاصيلها في بيان رسمي على موقع الوزارة الرسمي أن استقلال السياسية الخارجية القطرية هو أمر "غير قابل للتفاوض"، مضيفا "إن دولة قطر تنتهج سياسة خارجية مستقلة خالية من أي تأثير خارجي وهي لا تتبع "عقلية المَحاوِر" السائدة في منطقة الشرق الأوسط، التي يختار الأطراف بموجبها الانضمام لمعسكر أو لآخر بشكل مباشر أو غير مباشر، فمبادئنا وقيمنا لم تتغير على مر الزمن، ويجري تناقلها من جيل إلى آخر، فقطر تتخذ قراراتها وتتبع مسارا خاصا بها".
وأضاف العطية أن تصريحات الدول الثلاث لا علاقة لها بأي تهديدات مزعومة "بل هي نابعة قبل كل شيء من تباين واضح في الآراء بشأن المسائل الدولية".
ويرى ويرينج أن قطر باستطاعتها الاستمرار في سياستها الداعمة للإسلاميين عن طريق دعم مؤسسات إعلامية ومراكز بحثية تصفها السعودية وباقي دول مجلس التعاون الخليجي بـ"المعادية"، ويضيف "وقد تقرر قطر بالإضافة إلى ذلك إلى التواصل بشكل أكبر مع إيران وتساعد في تواصل إيران الأخير مع الغرب والذي سيدعم صورة قطر كدولة تتبنى سياسات دبلوماسية في المنطقة. هذا من الممكن أن يعمق من الأزمة السياسية مع الرياض، التي عبرت في وقت سابق عن سخطها من محاولات عمان لتسهيل محادثات إيرانية-أمريكية من شهور قليلة مضت".
ويرى البعض أن الأزمة السياسية قد تهدد مستقبل مجلس التعاون الخليجي نفسه.
فبالنسبة لكبيرة المحللين لمنطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط بمركز كونترول ريسكس كولين شيب، مستقبل مجلس التعاون الخليجي كان دوما محل جدل، فالسعودية والبحرين حريصتان على الحفاظ على وحدة مجلس التعاون الخليجي لمواجهة نفوذ إيران المتنامي، ولكن قطر وعمان تعارضان هذا التوجه.
وتضيف شيب "قطر حريصة على الحفاظ على مساحة استقلال نسبي من السعودية، والحفاظ على علاقات ودية مع إيران، وفي نفس الوقت، فإن السعودية وحلفائها يشعرون بالتهميش أمام علاقة قطر الأحادية بتركيا".
ويخاف الحسن من التهديد الذي تواجهه المنظمة ذات الثلاثين عاما، مضيفا "أنا لا أرى استبعادا محتملا لقطر من مجلس التعاون، ولكن الحروب الإعلامية القوية قد تصعد الموقف إلى مستويات قد لا يحمد عقباها".
وتستبعد شيب أي تفكك قريب لمجلس التعاون مؤكدة "على الرغم من ان استمرار توتر العلاقات قد يؤدي إلى غلق الحدود بين قطر وجيرانها أو عودة الخلافات التاريخية على مناطق حدودية معينة، إلا أن هذا قد لا يحدث في المدى القريب. فكل الأطراف غير مستعدة للتخلي عن مصالح اقتصادية مشتركة في الوقت الراهن. بالنظر للمستقبل القريب فإن احتمال اتخاذ خطوات تصعيدية دبلوماسية بشكل رمزي هو الأقرب للحدوث من عقوبات اقتصادية أو إجراءات أمنية صارمة مفاجئة ضد قطر".
تقارير ذات صلة
إيران وأمريكا يعلنان النصر في حرب لم تنته بعد.. مجلس التعاون الخليجي الخاسر الأكبر؟
على مدى شهر من الحرب حدثت تحولات في علاقات دول مجلس التعاون الخليجي مع الدول العربية والعالم
«مفيش فلوس نضيفة»: مُعضلة الشركات الناشئة في عالم رأسمال اليوم
كيف يُمكن لشركة محلية تتمسك بقيّم مُحددة تتعلق بالموقف من القضية الفلسطينية وإسرائيل الآن؟
ما يكشفه قصف «المكلا» اليمنية عن الصدع السعودي-الإماراتي
لم تبدأ هذه الجولة التصعيدية صباح اليوم وإنما في الأيام الأولى من ديسمبر الجاري
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن