ما يكشفه قصف «المكلا» اليمنية عن الصدع السعودي-الإماراتي
لم تبدأ هذه الجولة التصعيدية صباح اليوم وإنما في الأيام الأولى من ديسمبر الجاري
في الساعات الأولى من صباح اليوم، نفذت القوات السعودية غارة جوية على ميناء المكلا اليمني، في عملية عسكرية وصفتها بـ«المحدودة». بحسب بيان المتحدث باسم قوات التحالف، استهدفت الغارة أسلحة وعربات قتالية جرى تفريغها من سفينتين وصلتا إلى «المكلا» من ميناء الفجيرة الإماراتي، على مدار يومي السبت والأحد، دون الحصول على تصاريح رسمية، بينما عطل طاقما السفينتين أنظمة التتبع البحرية.
البيان أضاف أن الشحنة العسكرية جاءت لدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، بهدف «تأجيج الصراع»، مشيرًا إلى أن الضربة جاءت بناء على طلب من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني (مُقيم في السعودية)، لاتخاذ التدابير العسكرية اللازمة لحماية المدنيين في محافظتي حضرموت والمهرة.
لم تمض ساعات على الضربة الجوية حتى أعلن المجلس الرئاسي اليمني (مقره السعودية)، إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، مطالبًا بإخراج كل القوات الإماراتية ومنسوبيها من اليمن خلال 24 ساعة، مع فرض حالة الطوارئ في جميع الأراضي اليمنية لمدة 90 يومًا، قابلة للتمديد، ابتداءً من اليوم، وفرض حظر جوي وبحري على جميع المواني والمنافذ لمدة 72 ساعة من تاريخ الإعلان، الذي طالب جميع القوات والتشكيلات العسكرية في محافظتي المهرة وحضرموت بالتنسيق التام مع قيادة تحالف دعم الشرعية ممثلة بالسعودية، والعودة فورًا للمواقع العسكرية دون اشتباك، وتسليم المواقع كافة لقوات درع الوطن (قوات محلية مدعومة سعوديًا).
بيان المجلس اليمني لحقه آخر صدر عن «الخارجية» السعودية، قالت فيه إن أي مساس وتهديد لأمنها الوطني «خط أحمر»، مشددة على أن المملكة لن تتردد في اتخاذ كل الخطوات والإجراءات اللازمة لمواجهته وتحييده، بعدما أعربت عن أسفها من التصرفات الإماراتية لدفع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي (المدعوم من الإمارات) للقيام بعمليات عسكرية على حدود المملكة الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة، ما يهدد أمن المملكة والاستقرار في المنطقة، داعية أبو ظبي إلى الاستجابة لطلب الجمهورية اليمنية، بخروج قواتها العسكرية خلال أربع وعشرين ساعة، وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف كان داخل اليمن.
من جانبها، ردّت «الخارجية» الإماراتية معربة عن أسفها لما ورد من اتهامات في بيان السعودية «الشقيقة»، وما تضمنه من مغالطات جوهرية زجت باسمها في التوتر الحادث بين أطراف يمنية، لافتة إلى أن الشُحنة التي رست في «مكلا» لم تكن تحمل أسلحة ولم تكن موجهة لأي جهة يمنية، وإنما احتوت على عربات للقوات الإماراتية، قائلة إن وصولها للميناء كان بالاتفاق مع السعودية على ألا تخرج من الميناء، قبل أن تفاجأ باستهدافها من قبل المملكة.
وشدد البيان كذلك على أن الوجود الإماراتي في اليمن جاء بدعوة من الحكومة الشرعية اليمنية، وأن تواجدها نتيجة كونها عضو في التحالف العربي الذي تقوده الرياض بهدف استعادة الشرعية ومكافحة الإرهاب، مستنكرة إصدار المتحدث باسم قوات التحالف بيانًا أحاديًا دون التشاور مع الدول الأعضاء في التحالف.
الرد الإماراتي امتد لبيان تالٍ ولكن من وزارة الدفاع، معلنة عن إنهاء ما تبقى من تواجد عسكري إماراتي في اليمن، بعد «تقييم شامل لمتطلبات المرحلة»، وذلك بعدما أعادت التأكيد على أنها شاركت ضمن التحالف منذ 2015 «دعمًا للشرعية وجهود مكافحة التنظيمات الإرهابية»، وأنهت وجودها العسكري في اليمن في 2019، بعد استكمال المهام المحددة ضمن الاتفاقات الرسمية، مكتفية بفرق مكافحة إرهاب، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، بحسب البيان.
كان بيان «الخارجية الإماراتية» لحقته تصريحات لنائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، هاني بن بريك، اعتبر فيها أن استهداف «المكلا» أفقد رئيس المجلس الرئاسي اليمني شرعيته، فيما اعتبر المتحدث باسم «الانتقالي الجنوبي» أن ما أقدم عليه رئيس المجلس الرئاسي، رشاد العليمي، هو انقلاب على المجلس، مشددًا على عدم أحقيته في إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، التي قال إنها تلعب دورًا محدودًا في تمويل وتدريب المجلس، وأضاف المتحدث أن «الانتقالي الجنوبي» يعتبر حاليًا في حالة دفاع عن النفس بعد تعرضهم للقصف، وأن الوضع حاليًا مرشح للتصعيد حسبما أوضح في تصريحات لـ«الجزيرة».
المجلس الرئاسي، المُشكل في أبريل 2022، ليحل محل الرئيس عبد ربه هادي منصور، والمهدد بالتصدّع إثر التحركات الأخير، تكوّن من ثمانية أعضاء يمثلون القوى المناهضة للحوثيين. يرأسهم العليمي، المدعوم سعوديًا، وينوب عنه عيدروس الزبيدي، رئيس «الانتقالي الجنوبي»، وممثلين آخرين عن التيارات الأخرى.
لم تبدأ هذه الجولة التصعيدية صباح اليوم، وإنما في الأيام الأولى من ديسمبر الجاري، حين شنّت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي (المدعومة إماراتيًا) حملة عسكرية واسعة سيطرت خلالها على غالبية مناطق حضرموت والمهرة (أغلب مساحة جنوب اليمن)، تحت اسم «المستقبل الواعد»، ما أسفر عن سيطرة «الانتقالي الجنوبي» على وادي حضرموت، الذي يشترك مع السعودية في حدود واسعة، إضافة إلى منشآت نفطية في المسيلة والهضبة، بينما انسحبت القوات المدعومة سعوديًا من هذه المناطق الغنية بالنفط. سيطرت القوات المدعومة إماراتيًا كذلك على القصر الجمهوري وميناء نشطون بمحافظة المهرة، المتاخمة لعُمان، وكذلك منطقة شبوة لتصبح بذلك جميع المواني والسواحل الجنوبية والشرقية من منطقتي المخا إلى نشطون، ونحو 80% من الاحتياطي النفطي اليمني، تحت السيطرة الإماراتية.
خلال الأيام الأولى من الهجوم المدعوم الإماراتيًا، لم يُصدر العليمي، أي بيانات علنية، كما لم يأمُر قيادة المنطقة العسكرية بالمقاومة، ما بدا معه أن السعوديين والإماراتيين توصلا إلى تفاهم لتسليم هذا الجزء من البلاد إلى «الانتقالي الجنوبي»، وذلك قبل أن تبدأ المملكة في حشد قوات حليفة لها على طول الحدود الشمالية.

وتحظى منطقة جنوب اليمن، التي تحولت إلى ساحة معركة بالوكالة بين السعودية والإمارات، بأهمية استراتيجية لدى الدولتين الخليجيتين.
بحسب ورقة تقدير موقف صادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تمثل «المهرة» و«حضرموت» جزءًا من خطط المملكة المستقبلية لإنشاء خطوط لنقل النفط في اتجاه بحر العرب، ما يمكنها من تجنب مضيق هرمز إذا تعرض للإغلاق في حالات التوتر والحروب، بخلاف إمكانية الاستفادة من الموقع الاستراتيجي للمحافظتين في إنشاء مواني توفر بدائل مهمة لخطوط التجارة، نظرًا لاتصالهما مباشرة بالمحيط الهندي.
في المقابل، وفي إطار مشروع استراتيجي اقتصادي للسيطرة على مواني القرن الإفريقي، وسط تحركات لتدعيم نفوذها إقليميًا، يتضمن سعيها إلى انفصال جنوب اليمن، ما يحتاج المخزون النفطي في المنطقة لتمويل إقامة دولة جديدة، بحسب ورقة «المركز العربي»، فضلًا عن إشارة معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى سعي الإمارات لإبعاد حزب الإصلاح السياسي (الإسلامي السني المقرب من السعودية) الذي تعتبره الإمارات قريبًا من جماعة الإخوان المسلمين، وهي صلات ينكرها «الإصلاح».
تقارير ذات صلة
اﻷربعاء 6 نوفمبر: مصادر برلمانية وقضائية عن أزمة الدورة البرلمانية: «المجلس يختلق أزمة»
هل تتعارض نصوص الدستور مع اللائحة الداخلية للبرلمان في ما يتعلق بموعد فض دور الانعقاد الحالي؟
الإثنين 16 سبتمبر: مَن ستنتخب تونس.. حوار مع رئيس موقع «نواة» التونسي
تبدو النتائج غير الرسمية للجولة الأولى -حتى الآن- مثيرة للانتباه؛ خسر كل السياسيين السابقين
الأربعاء 4 سبتمبر: التضامن تتفق مع المالية على خريطة استرداد تريليون و336 مليار جنيه من أموال المعاشات
شكاوى «اﻷعلى للإعلام» توصي بحجب 10 مواقع إلكترونية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن