غاب القمر.. عن الشاعر الذي يكره كتابة الأغنية
مجدي نجيب الباحث عن الطمأنينة وونس الحزن النبيل
أكسبنا رحيل مجدي نجيب حزنًا مضاعفًا، مرة لرحيل واحد من أجمل وأرق شعراء الأغنية في الأربعين عامًا السابقة، وأخرى حزنًا على حال شعراء الأغنية المصرية الآن، فلم نعد نملك شاعرًا واحدًا يستطيع تقديمها في ثوب جديد يحمل على أكتافه تطويرها، أو يمكنه تقديم أغنية صادقة جميلة بسيطة، تعيش العمر كله، خاصة بعد رحيل ميدو زهير.

أتذكر أول علاقة لي مع محمد منير وكلمات مجدي نجيب كانت مع ألبوم «من أول لمسة»، في سماعات الووكمان القادم من الخليج، وعلى كورنيش الإسكندرية، مصيف الأسرة المعتاد، بدأت في سماع الألبوم. طفل غير مهتم إلا بالصوت الصادح بقوة في أذنيه هو وحده، يدخل علاقة خاصة بينه وبين الأغاني. وقتها لم تعلق في ذهني إلّا «بالحظ وبالصدف» كلمات بهاء الدين محمد، و«قلبك على قلبي» كلمات عادل عمر، لكن «من أول لمسة» أثارت شجونًا غير مفهومة لطفل لم يتخط العشر سنوات، انسياب الأغنية في سماعات الأذن بدأ كأنه تعويذة: «عاشق اعشقنى، كاره اكرهنى، لكن اسمعنى، حاول تتغيّر، غيّر.. غيّرنى من أول لمسة».
ثم كان التعارف الثاني، بعد ذلك بعدة سنوات، عندما سمعت منير يتحدث عن تلك الأغنية، في أحد البرامج التلفزيونية، موضحًا أن كاتبها، مجدي نجيب، رسام تشكيلي بالأساس، يحاول رسم لوحة بالكلمات أكثر من كتابة أغنية. كان ذلك التعريف كافيًا لأتفهم تجربة نجيب الغنائية، وكونها تكمن في التعبير بشكل فني عما يدور داخل الانسان من مشاعر متخبطة ومتشابكة.
قبل دخوله تجربة منير، كان لنجيب تجارب حياتية وفنية هامة أنضجته على مهل وشكلت مفرداته عالمه. فمع نهاية الستينيات، وبعد التخرج من كلية الفنون الجميلة، واشتباكه مع العمل العمالي، دخل المعتقل عدة سنوات في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، ثم اشتغل في مجال الصحافة والإخراج الصحفي والرسم التشكيلي، وكتب الشعر الفصحى ثم العامية وقدّم ديوانه الأول، مطلع الستينيات، بعنوان «صهد الشتا»:
«نزل القمر يسأل مدينتي: ليه يا حلوه تصلبيني ليه
وماتت دهشته!
أيامها غاب القمر بالعام ما بانت ضحكته
ولقوه في وش الصبح متطوّح على الجدران».

أما بدايته في عالم الأغنية، فكانت مع مع بليغ حمدي، بصوت شادية، في «قولوا لعين الشمس ما تحماشي» والتي كتبها على لحن مجهز مسبقًا، ثم أتبعها بـ«غاب القمر يا بن عمي» مع شادية أيضًا، ولكن بلحن محمد الموجي.
تُعرفنا تلك البداية على بصمة نجيب في الكتابة، العذوبة والهدوء في التعبير عن الانفعالات والمشاعر، ويعتبر هو نفسه أن «غاب القمر»، أجمل أغانيه، لأنه يؤكد فيها على الشكل الشعري للأغنية، بعيدًا عن شكل الأغنية العادية. «غاب القمر يا ابن عمى يللا روحنى لا النسمة آخر الليل تفوت و تجرحنى.. طار النسيم بالشوق لما كلمتك لمس النسيم توبى بهمس غنوتك».
اهتمام نجيب بالاشتباك والتناص مع الأحوال السياسية والاقتباس من التراث والفلكلور ظهر من أغنيته الأولى، والتي اقتبس جملتها الأساسية «قولوا لعين الشمس ما تحماشي» من هتاف توديع الجماهير المصرية لإبراهيم نصيف الوردانى، يوم إعدامه بعد اغتياله لوزير مصر وقتها، بطرس غالي، عام 1910، ردًا على تصديقه على أحكام قضية دنشواي.
لم يكن الأمر صدفة، فقد خرج من المعتقل ولا تزال آثاره الجسدية والنفسية عالقة في روحه وجسده، وما شعر به الورداني من غدر وحزن على حادثة دنشواي هو ما شعر به نجيب جراء الاعتقال. فكيف وصل هو ومن معه للمعتقل، وهم أكثر الشباب وطنية وخوفًا على البلد؟ كيف للزعيم جمال عبد الناصر الذي يحبه ويضعه على رأسه كما قاله نجيب بنفسه، أن يفعل ذلك به؟
كانت تلك التجربة قاسية وصادمة ولها تبعات على وعي نجيب، الذي اختلط فيه الوطن بالعشيقة بحرية الحياة والاختيار وأسوار المعتقل، ما ترجمه فيما بعد في أغنيته الخالدة مع منير «شبابيك»، «وقلت أنا عاشق سقونى المر ورا الشبابيك»، واستمر تأثيرها على لغته وطريقته في أغلب أعماله.
من الرحم نفسه، خرجت تجربته مع مع رفيق المعتقل محمد حمام، في أول أعماله الفنية، فقدما عملين قائمين على الفلكلور النوبي، أولهما «ليل ويا ليالي» تكررت بها جملة «قولوا لعين الشمس ماتحماشي أحسن حبيب القلب صابح ماشي»، وهذه المرة مع مطرب يقدم نفسه أكثر كمطرب نوبي فلكلوري، ورفيق للشعور نفسه بصدمة المعتقل وما بعده من آثار في الحياة العملية والاجتماعية. جاءت الأغنيتان تعبيرًا واضحًا عما بداخلهما، وتأكيدًا على العودة للحياة وفرح السجين بالحرية، نسمع صوت حمام مبتهج في نهاية الأغنية، «راجعين إحنا لحبايبنا.. وراجعين احنا لبيوتنا.. وراجعين احنا يا بلادنا.. راجعين للبر التانى.. بلدي يا بلدي بلد الحبايب».
أما الثانية، «يا عم يا جمال»، المبنية على فلكلور نوبي وكانت أم حمام تغنيها، فقد أعاد نجيب تنسيقها وترتيبها، لتعبر عن حالة العودة للحبيب من سفر وبُعد، فجاء حمام بصوته الهاديء المتعب والمنهك ليزيدها تعبيرًا، «والله جننتيني يا ليلة.. يا بت يا سمرا و جننتيني يا ليلة.. والله سكرتيني يا ليلة.. جبتي النبيذ الأحمر وسكرتيني يا ليلة.. حبيب أنا وياك.. يا عم يا جمال يا ليلة.. يا سايقين اللبل يا ليلة..».
في رأيي تنقسم أعمال نجيب إلى نوعين متباينين، نوع كان يصنعه من أجل كتابة الأغنية كعمل، وهو ما كان خائفًا منه دائمًا، ويكرهه، وفي رأسه تحذير صديقه الشاعر عبد الرحيم منصور «كتابة الأغنية تجلب العار»، وهي جملة جعلته يتأخر كثيرًا في عالم الأغنية وتقل تعاوناته كثيرا في نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات، في وقت زخم الأعمال الفنية من الأجيال القديمة وظهور أجيال جديدة تحاول التعبير عن نفسها ومجاراة حليم أو تجاوزه.
كان نجيب يخاف من التنازلات التجارية والاعتبارات الغنائية التي ربما ستقلل من إبداعه الشعري، ربما لهذا السبب لم يعمل بكثرة ولم تكن تلك غايته من الكتابة، فأوقف تعاونه مع أم كلثوم، بعد كثرة طلباتها وتدخلها في النص، ولم يتآلف مع شخصية الموسيقار محمد عبد الوهاب.
https://www.youtube.com/watch?v=Icj6rsK1eqw
ومع عبد الحليم، قدم عملًا واحدًا وهو «كامل الأوصاف» في شكل موشح، وهي الفكرة التي عمل عليها مع فايزة أحمد في موشح «يا هلالًا غاب عني واحتجب» ومع محرم فؤاد في «قدك المياس»، حوت «كامل الأوصاف» بدورها تناصًا مع الفلكلور، حيث جملة «كامل الأوصاف فتني والعيون السود رموني من هواهم صرت أغني» هي من الأغنية الفلكلورية «يا بنات إسكندرية» وحتى «قولوا لعين الشمس» تكررت مرة ثالثة في أغنيته الفلكلورية «جننتيني يا بت يا بيضا». هكذا كان نجيب يستند على الفلكلور وكأنه خائف من التعبير عن نفسه دون ستار أو حجاب، أو خائف أن يقع في إثم العار الذي حدثه عنه عبد الرحيم منصور، أو أن يتنازل عن أفكاره ومبادئه من أجل استمرار طريقه كشاعر غنائي، فعلى سبيل المثال رغم نجاح تجربته مع حليم إلّا إنه أوقف العمل معه، بعد أن شاهده ينهر شاعرًا شابًا، كان ينتظره أمام بيته.
هذه الهواجس جعلته يحوم حول عالم الغناء من خارجه، ولا يتورط فيه بشكل تجاري إلا قليلًا، فكان مغتربًا عن قاموس أغاني عالم المطربين والمطربات في ذلك الوقت. يحكي مثلًا أن الجملة الرئيسية، قبل التعديل، في واحدة من أجمل أغانيه، «آه من الصبر»- والتي صنعت بالأساس لشادية ولكنها رفضتها بسبب شعورها إنها أغنية بها روح «الردح»، فكانت من علامات شريفة فاضل- كانت «لما راح الصبر منه جاني يبحث عن دواه»، فاستنكرت شريفة المطربة الشعبية من لفظ «يبحث»، وهو اللفظ الخارج من اللغة التي اكتسبها من عمله الصحفي.
وهكذا استمر نجيب في مرحلته الأولى، يكتب القليل من الأعمال، أغنية لوردة أو لصباح أو عفاف راضي، ثلاث أغاني لمحمد رشدي، وعدة أغاني للموهبة الصاعدة وقتها هاني شاكر، عندما عرف إن هناك موجة هجوم عليه، مثل أغاني: «سيبوني أحب» و«قسمة ونصيب» و«ياريتك معايا» و«تصادف الأيام»..
مع شاكر كان نجيب يبحث عن الحب، بعد رحلة صعبة في الحياة، «وحياة ما خلى قلبي يحبكم سيبوني أحب سيبوني أحب يا ناس يا ناس أعيش في الحب، سيبوني أغني وأغني واخلي الدنيا تقول وياي ويروح الجرح وييجي الفرح ويملى الحب ليالي غنايا».
كانت تجربة نجيب لتكون عابرة ولطيفة وخفيفة لو كانت انتهت عند تلك التعاونات القليلة مع المطربين والمطربات، لكن مع الشكل الآخر من الكتابة، في رحلته مع منير الذي عرفه عن طريق الشاعر عبد الرحيم منصور، وقع نجيب في حب صوته وتفرده واختلافه عن كل التجارب التي عمل فيها قبل ذلك، ومع تطور الموسيقى واهتمام منير بكل تلك الأمور واستعانته بموسيقيين مهمين مثل هاني شنودة وفتحي سلامة ورومان بونكا وغيرهم الكثير، وقع نجيب في بئر الذاتية الجميلة، وأخرج كل ما في جعبته من عشق وغزل وبحث عن الآمان والطمأنينة، «طمني طمني»، وطرح أسئلة جدلية وفلسفية في أغنية «سؤال»، العتاب الرقيق للوطن والحبيبة في «بعتب عليكي»، و فلسفة الحياة في أغنية «ممكن». كان منير بالنسبة لنجيب كنز صوتي استطاع معه أن يكسر حاجز الروح وأن يطلق لنفسه العنان في التعبير عن ما بداخله.
أعتقد لو كان حمام أكمل طريقه في الغناء، ولم يظل في خانة الهواية مثله مثل نجيب، كان سيكون صوته أقرب لغناء تلك الكلمات.
أحب نجيب حالة السمر التي يخلقها العمل مع منير وأحمد منيب، وأدرك الفرق بين ما يلحنه منيب لمنير، وما بين ما يكتبه خصيصًا لمنيب ليغنيه هو، بكل ما يحمل صوته من بهجة وأمل ورضا بالقدر، فكانت أغاني مثل «وراح أغني» و«الحب له صاحب»، «روّق بالك»، «الدنيا نصيب»، «على شط النيل»، ومثال على ذلك الفرق الواضح يمكننا أن نستمع لأغنية بنسهر الأوتار يطلع علينا نهار وإحنا مع المشوار عدينا بحور وجبال.. يا فرح يا هجار امتى تجلنا الدار، بالنسختين. مع منير مثلًا يختلف الأمر عن بهجة ورضا صوت منيب.
https://www.youtube.com/watch?v=aBt7Gr3mCYI
كان نجيب يحب التعبير بشكل تشكيلي معقد له عدة وجوه واحتمالات كثيرة لتفسير، تلك الحالة التي كان يعيشها مع منير والمساحة التي سمح له منير فيها بالخيال المفتوح، فتجد الأغنية لها تركيبات داخلية كثيرة وتتحرك من الذاتية للحب للوطن، وكأن نجيب كان يرسم لوحات، لا يكتب أغاني، خاصة في تجربته مع منير.

في النهاية أحب أُودع وأرثي مجدي نجيب، بكلماته الجميلة وصوت منير في أغنية «يا أنا»:
«يا ليالى الحزن بلاشي
الفرحة دي مش ببلاشي
يا غزالي تاعبني شرودك
بتغير ليه فى وعودك
حتجيني تلاقيني ساكن فى الوطن
يا أنا يا أنا يا سكر بالهنا
يا أنا ما أنا دايب كام سنة».
تقارير ذات صلة
سابع مدى| يخرج مرتجفًا من أعماقه
قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صادر حديثًا عن «وزيز»
إلى حسني سليمان
بضع كتب، على قدر اتساع الرسالة، لا تغطّي طبعًا ما نشرته «شرقيات» من 1991 إلى 2017.
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن