«عن الناس اللي من الخوف خيالهم هرب»: حوار مع هالة القوصي
عن فيلمها «شرق 12» والخوف والحكي وصناعة المجاز
شاهدت فيلم «شرق 12» قبل ستة أشهر، وما زال انطباعي الأول حاضرًا، فيلم حالم وعنيف، مبهر وخانق، مجنون وحقيقي، والأكيد أني مستعدة لإعادة الفرجة عليه بعيون أكثر اتساعًا.
مع الوقت غمرتني الرغبة في لقاء مخرجة الفيلم، هالة القوصي، لأراها وهي تتحدث، تحكي، تسكت فجأة، تشرب القهوة، بسكر أم بدون؟ أرى ألوانها، نظراتها إلى الأشياء من حولها، طريقتها في التأمل والنظر، ثم أتأملها وهي تتحدث عن فيلمها الذي أثار بداخلي رغبة في الكتابة، لا عنه فقط، بل الكتابة عمومًا.
هكذا تكون أهدافي عندما أجرى حوارات صحافية مع الفنانين أو الكتاب. عادة لا أملك أسبابًا أخرى عميقة سوى قراءة الفنان وعقله عن قرب وبعيدًا عن الأضواء.
توافقنا على الموعد بسهولة، استضافتني في مكتبها/ بيتها بحميمية شديدة، كان الطقس بالخارج شتويًا ودافئًا، وكانت طاولة بيننا، ونافذة في الخلفية تطل على امتداد ميدان التحرير. امتلأتُ بالألفة والانسجام، صنعنا القهوة، تحدثنا وضحكنا، ثم قالت بنبرة تعكس ارتياحها واستعدادها للحديث «ها عايزة مني إيه بقى». بدأت الحديث معها وأنا على يقين أنها دخلت قلبي تمامًا، بينما قطتها «كاملة» تداعبني بفضول ومناغشة.
يبهرني المجاز، لذلك أحب الشعر والشعراء واللغة. بدا لي فيلمها «شرق 12» درسًا طويلًا عن فن المجاز، الحكي دون كلمات؛ ببساطة، أن تحكي كل شيء دون أن تقول جملة واحدة مباشرة. سأعترف أن هذا سبب إضافي لأجري الحوار معها، أن أغوص أكثر في مجازها. لذلك، لا يمكنني اعتبار «شرق 12» فيلمًا عاديًا، بل محطة توقف في خط سير السينما المصرية الحالية؛ توقف لتأمل الحكاية، وأسئلتها، وأدواتها. ثمة جرأة ممتزجة بالفن هنا، ولا أعتقد اللغة تسعفني بكلمة «جرأة» هنا؛ ربما الأوقع: شطح بالخيال، كسر للمألوف، مشاكسة.

ما من واقع حقيقي في مستعمرة «شرق 12»، بل مساحة متخيلة خارج الزمان والمكان، أسطورة قديمة بالأبيض والأسود، تحكيها لنا الجدة جلالة، فتنبت في العيون شراراتُ التمرد والشقاوة والحب. تحكي على طريقة ألف ليلة، أسطورة مستعمرة سكانُها يهزمون الخوف بالخيال والفن، والحلم البحر، لا يملكون عملة نقدية، بل يجمعون مكعبات السكر.
«كان ياما كان..
ناس خايفة من كتر الخوف خيالهم هرب. البحر ميعرفوهوش، بس أنا أعرفه، بحكيلهم عنه، بيروحوا معايا، وحكاية البحر بتبقى بحر»
تلقينا للحكاية وسماعها يجعلنا جزءًا منها، يمد جذورنا لإرث طويل من الحكي، وهو أيضًا جزء من ثقافتنا العربية المأخوذة بسحر «ألف ليلة وليلة» والأساطير الشعبية وحكايات الأخيار والأشرار. تورطنا هالة القوصي في حكايتها فيطول تحديقنا في الشاشة وإطراق السمع. هذا الأسلوب في السرد هو اختيارها منذ البداية «أنا مشغولة بالحكي من زمان» كما أنها مأخوذة بشهرزاد والنساء اللاتي تحكم العالم بالحكي.
تفكيك حكاية «شرق 12» يبدأ من الاستهلال، تتر الفيلم الذي هو لقطات متعاقبة لأشياء مجردة «ألعاب، قناع رأس، مسدس، تليفزيون، أراجوز، تليفون، مكعبات سكر» سنفهم لاحقًا أنهم رموز لها موقعها ومعناها داخل الفيلم، كما سنفهم أيضًا أن حكاية الفيلم نفسها بناءها الرموز، والمجاز، والأشياء، وأيضًا المشاعر «بحر، مستعمرة، كرسي الجدة، مكعبات سكر، خوف، أغاني» وتتخللها أحداث كبرى يتولد عنها الصراع، صراع السلطة، أي سلطة، مع الناس، أي ناس. تكسر هالة قوالب السرد السينمائي المعتادة، تلك التي ندرسها في قواعد السيناريو، وكلما كسرتها حررت الفن بداخلها.
سألتها: هو فعلًا الناس من كتر خوفهم خيالهم هرب؟
تتعامل هالة بشيء من الحذر مع «الحنين»، كشعور يجب مقاومته لا احتضانه والغرق فيه، «لإن ده معناه إن الناس هتبقى مش فاعلة، فاقدة تصديق قدرتها على التأثير على المستقبل، أو حتى التطلع له باعتبارهم صانعين له. فأيوة، الخيال هرب من منطق الخيال، كتصور لرؤية معينة عن المستقبل، ومش بتكلم بس عن الخيال الفني رغم أنه في أساسه رؤية معينة عن المستقبل، والفنان في الأساس بيطرح رؤى عن العالم، كما يتمناه أن يكون، وبيدعوا الناس أنهم يصبوا لعالم آخر، بيدعوهم للتفكير».
لا ينفصل الخوف عندي عن الشعور الدائم بالرقابة والمراقبة، الناس تراقب وتمنع، وكذلك أصحاب سلطة المنع، سواء الحب في الأماكن العامة أو على شاشة السينما وحتى صفحات الروايات. الخوف والرقابة من فيهم يأتي أولًا؟ أتعثر في السؤال وأتوه في الإجابة.
حدثتها عن الرقيب الداخلي الذي يرافقني أثناء الكتابة، حينها تذكرت هالة موقفًا بدا لها عبثيًا وله دلالته..
«وأنا بكتب الفيلم ده، كتبت مشهد حب بين عبده ونونة، وكنت شايفاه ضروري، وفجأة لقيت الرقيب قاعد معايا جوه دماغي وأنا بكتب، مفهمتش إزاي ده! أنا كنت في هولندا حتى، بعيد. يعني أنا بقول دايمًا اكتبوا كل حاجة وبعدين هنشوف هنشيل إيه، وإيه ينفع ومينفعش، لحد ما بنيجي عند حاجة بقى عن الحب، والفكرة إن ده ملوش علاقة قوي بالرقيب السينمائي، قد ما له جذور قديمة من أيام التربية والغلط والعيب. أنا استبدلت مشهد الحب ده في الفيلم بمشهد الرقصة بينهم».

يمثل أحمد كامل شخصية شوقي حاكم المستعمرة، يرمز للسلطة، لكن سلطته ليست مطلقة، بل يتلقى الأوامر من سلطة أعلى مجهولة. توظف هالة الرموز وتطوع الديكور ليمنح المشاهد المعنى دون كلام، في أول مشهد يظهر فيه يجري على التليفون ليجيب، التليفون فارغ من قرص الإتصال، يستقبل ولا يرسل، تمامًا كالتليفزيون، الأداة الإعلامية التي يديرها شوقي بيه، ويرسل عبرها رسائله لناس المستعمرة. دائرة مغلقة من المعنى ذاته.
يرن الهاتف مرة أُخرى فيجيب: «أفندم.. حاضر.. آسف.. آسف جدًا.. حاضر.. حاضر». مفردات القمع والإذلال واحدة، لا تتغير بتغير الجنسية أو اللغة. في هذا المشهد لا يهم ما هي الأوامر التي تُملَى على شوقي أو نوع اللوم المُوجَّه له، بل كلماته الكاشفة لحجمه الحقيقي على كرسي السلطة -الذي هو، وبمزيد من العبث، كرسي حلاقة- وعلاقة أي فرد خائف بالسلطة، أيًّا كان نوعها.
في العرض الجماهيري «فيزيون البهلوان» يتم استقبال صاحبه شوقي بيه باحتفاء يليق بمهرج. نحن -والجماهير داخل الفيلم- على موعد مع فقرة جديدة من فقراته: «مسا التماسي على أهلي وناسي.. أنا بحبكم بحبكم». يتبدل خطاب شوقي تمامًا، أصبحنا أمام ثلاثة وجوه لابن السلطة البار: الخاضع، والآمر الناهي،
والمهرج الكبير. في هذا المشهد وتتابعاته نرى أحمد كامل في كامل بهائه، أداء تمثيلي مبهر، يتقلب بسلاسة بين الوجوه المنافقة الثلاثة وانفعالاتهم المتناقضة، الطيب والشرس والقبيح، يُكمله بعرض راقص على شعاراته الخطابية المُنوِّمة، ويختمه بخضوع البسطاء تحت أقدامه.
«لحد إمتى يا خلق يعوز الغني شقفة يكسر له الفقير زير»
«إن عشنا ناكل دبان وان مٌتنا مالناش أكفان»
أما كرسي جلالة يعكس شيئًا عن مكانتها وحجمها الحقيقي، ليس فخمًا، مصنوع من خشب البامبو، ظهره دائري وكبير، يمنحها هالة مقدسة. على كرسيها تستقبل الناس، تحكي، وتتحدث مع عبده المفضل والمقرب لها، يخبرها عن رغبته في السفر بعيدًا، وتخبره أن الخيال دواء ويخبرها أنه مرض، الصراع حول المعنى والجوهر بين الشاب والجدة هو جوهر فيلم «شرق 12»، صراع الأمل واليأس، الماضي والمستقبل، مالكة الحكايات ومتلقيها.
يملك الاثنان، شوقي وجلالة، سلطة في المستعمرة، سلطة الحكي والتأثير في الناس، وعلى الناس أن تختار الإنصات والانصياع والبؤس، أو الحلم بالانعتاق والوصول إلى قمة الحلم والخيال، البحر.
«شرق 12» هو امتداد لفيلم هالة القوصي القصير «لا أنسى البحر» بطولة منحة البطراوي وأحمد مالك، مثلت منحة نفس الدور، الجدة صاحبة الحكاية. لفتتني علاقة هالة بمنحة، شاركتها في بطولة أغلب أفلامها، ما يليق بثنائية جديدة بين المخرجة والممثلة. سألتها عن علاقتها بها على الأصعدة كافة.
«منحة ملهمة جدًا وبينا علاقة لطيفة، بينا توافق فكري، يعني عندنا حاجات نتكلم فيها، بندي وناخد من بعض، وبقى عندنا عادة كل يوم اتنين تيجي ونشرب سوا الشاي ونتفرج على فيلم وبعدين نتغدى. ربنا يديها الصحة».

«كان ياما كان، مش زمان، ناس خايفة، ومن كتر الخوف خيالهم هرب.
الخيال من الخوف هرب، والحكاية بهتت، وحبة حبة ألوانها طفت وبقت رماد. دي الحكاية. دي حكايتنا».
يشغلني دائمًا سؤال الحكي: من يحكي؟ وماذا يحكي؟ ولمن يحكي؟ سألت هالة عن جمهور الفيلم الذي شاهده في المهرجانات العالمية، وعن تلقيهم لحكايتها ذات الخصوصية الشديدة. من هو جمهور فيلم «شرق 12»؟
أجابت بوضوح: «من الأول حاطة قدامي إن جمهوري مصري بالأساس، بشوف إن مهما سقفوا لك بره محدش هيفهم ويوصل للي بتقوليه قد الجمهور بتاعك، اللي إنت طالعة منه، وهيقول إذا كنتي بتناقشي الأمور بسطحية، ولا بتعملي استعراض، أو بتاجري بالفكرة، ولا فيه بجد حاجة حقيقية بتتحكي. المهم أنا إيه وسط ناسي، مش أنا إيه وسط الأغراب».
وكان لافتًا رأي لجنة المشاهدة بمهرجان «كان»، استطردت هالة:
«أنا قدمت لمهرجان كان دون دعم -يعني قدمت كفرد ومش معايا إنتاج أو توزيع فرنسي- ورئيس لجنة المشاهدة بعت لي إنهم شافوا الفيلم، وعاجبهم أفكاره، وعايزين نعمل معاكي حوار، ودي حاجة عمرها ما حصلت لي، وفعلًا عملناه، وساعتها هو قال إن أسباب اختيار الفيلم إنه ما شافش مثيله في المنطقة العربية أبدًا. وكمان حد تاني، وهو المبرمج وصانع الأفلام، جوزيف فهيم، قال إنه أكتر فيلم inventive -مبتكر ومبدع- طلع السنة دي من الشرق الأوسط».
لا تقف هالة عند تعليقات النقاد على الفيلم بل تغوص في السطور خلفها، جذور هذه التوصيفات، «لو جينا نفكك ده هنفهم إن الابتكار ده له علاقة بالمساحة المتاحة، وكل ما مساحة التعبير تكون أكبر هيقل الابتكار، والعكس».
«أنا عندي ثقة كاملة في الجمهور، لأنه عايز تجربة مُشبِعة ومُشبَّعة، اديتهاله هيقعد يتفرج، لو كلمتيه بلغته. علشان كده لو عملت فيلم إيقاعه بطيء ده مش شبه البيئة بتاعتنا، والمُتلقي بتاعنا مش دي طريقته وتجربته، لكن إحنا طبيعتنا مفرِطة. أنا بلعب في الوسيط، لكن جواه بفضل محافظة على معطيات معينة، علشان أحافظ على المتلقي يفضل مستمر في تلقيها، واللي هي غريبة شوية عنه، بس فيها حاجات كتير تحسسه بالألفة وتخليه قاعد».
لفتتني ملاحظة عابرة قالتها هالة عن الآراء التي تلقتها عن الفيلم «ما بيجيليش تعليقات من الجمهور إنهم ما فهموش الفيلم، بس بتجيلي من ناس في الصناعة. ده بيقول إن الواحد ممكن يتبص له على إنه outsider -دخيل- على كذا مستوى. وممكن أخده على إنه مشكلة، وممكن أعتبره تحرر جدًا».
ـــــ
خيال هالة القوصي بصري، أكاد أرى الصور تتكون في ذاكرتها وعقلها قبل الكلمات، تلعب، تستكشف، تستخرج المعنى والمجاز، بل وتصنعه.
كان فضولي كبيرًا لأعرف من هم صناع الأفلام أو الفنانين الملهمين لها عمومًا.
«وأنا بشتغل ما بتبقاش مصادر إلهامي سينمائية، بل أدبية أو لوحات، يمكن علشان أبعد عن التأثر والتقليد المباشر. وبحب الموسيقى لأنها قادرة تساعدني على التفكير المجرد، المقطوعة الموسيقية عبارة عن كُتل، وبعدين بتبدأي تحسي الترابطات والتغيرات، كله ده فيه إيقاع وتكوين وحدوتة، ودي حاجة مهمة جدًا للفنان. وسمعت إن إبراهيم أصلان كان بيتكلم كده كمان عن الموسيقى».

استفاضت هالة في شرح علاقتها بالموسيقى أثناء الكتابة أو العمل على مشروع جديد، تختار مقطعًا موسيقيًا معيّنًا يرافقها في الرحلة، يصبح جزءًا من تركيبتها الذهنية ويُسهِّل عليها دخولها في مزاج العمل، موتيف لهذا المكان وخياله، وعزلة عن الواقع.
سألتها عن المقطوعة التي صاحبتها أثناء كتابة فيلم «شرق 12»، فأجابت:
«بصي اختيار الموسيقى المصاحبة بيأثر على شكل المنتج، أنا كنت بشغّل موسيقى فيلم "جوليتيا" بتاع ألمودوفار، بحبه جدًا، ووقت كتابة الفيلم اتفرجت على كل أفلامه بالترتيب، هو مثلًا كان مشارك في حركة "موبيدا مدريد/ La Movida Madrileña" وكان بيتكلم فيها عن فيضان الحرية، وعلشان كده أفلامه extreme، شخصياته حرة والصورة تضج بالألوان، صادمة، كل حاجة أوفر وعلشان كده معبرة.
في السينما كمان بحب بونويل، وفيلليني، وبحب حد مجنون جدًا اسمه أليخاندرو خودوروفسكي. كمان أنا بحب الناس اللي بتعمل سينما وجاية من خلفية مش سينمائية، يعني مثلاً لسه قاعد في بالي فيلم "The Diving Bell and the Butterfly" بتاع جوليان شنابل، ده دخل عالم السينما وهو عنده 60 سنة، بس دخل مكتمل، وهو مش معنِي خالص في فيلمه بالفصل بين الواقع والخيال.
أنا ميالة للثقافة اللاتينية. في الهند اتقال عن "شرق 12" إنه فكرهم بالطاقة بتاعت أفلام أمريكا اللاتينية، والناس كمان استقبلت الفيلم حلو في البرازيل، علشان كده فعلًا الأفكار الكتيرة والدوشة حاجة مشتركة في الثقافة بينا وبينهم».
بالعودة للحديث عن مشهد العرض الهزلي الراقص لشوقي بيه تذكَّرَت:
«مثلاً فيه فنانة هولندية لما شافت المشهد ده قالت إنه كله موسيقى لكنه مش ميوزيكال، والحقيقة إنه اتعمل كده علشان يوصلنا لشعور بالإفراط والمبالغة مش علشان يبقى مبهج، بل قميء. بس هي بثقافتها الأوروبية مش مستوعبة ده. وده يرجعنا للكلام عن فرق الثقافات والتلقي».
والمشهد السينمائي الحالي، في رأيك، ناقصه إيه؟ محتاج إيه؟
«عندنا مشكلة أساسية، أي عمل فني لازم يبدأ بـ"ليه؟" بتعمل الفيلم ده ليه؟ بتكتب الرواية دي ليه؟ وفيه خلط في السينما بين النجاح الجماهيري والدافع الأساسي للفنان. اللي في شغله المفروض يناقش الوسيط بتاعه، يعني مش شطارتي إني أعمل لوحة أو فيلم، يعني أنا لو مش بحاول ألعب بالوسيط السينمائي يبقى أي حاجة بعملها ملهاش معنى، هضيف عدد بس مش بناقش حاجة جديدة.
يعني لو رواية مبنية بطريقة مش بتتساءل وبتفكر في طبيعة وبناء الرواية يبقى هي رواية زي أي رواية تانية. الفنان بقى ممكن يخرج لمساحة أقل أمنًا ويناقش شكل الوسيط السينمائي، مش لازم يطلع بفيلم مكتمل وعظيم في الآخر، بس هيبقى عنده شجاعة إنه بيناقش الوسيط. وأنا ورثت التصور ده من الفن التشكيلي.
لو رجعنا لسؤالك، السينما عايزة إيه؟ والجمهور عايز إيه؟ عايزين صانع عنده رؤية، وبيطمح إنه ينقلها للآخرين. رؤية فيها تساؤلات، ولازم تكون صادقة ومش مدعية.
أنا شايفة إن "شرق 12" قدم حاجة مهمة وهي نقد ذاتي للفنان ودوره، يعني شخصية جلالة كتبتها في الأول طيبة جدًا ثم سالت نفسي هي كده فعلًا؟ أصل الشخصيات عمرها ما بتنفصل عني. وبعدين بدأت أشوفها ست واعية ومستوعبة دورها بجد».
إعادة تمثيل
تتعدد أدوات هالة القوصي، بين الكتابة وصناعة الأفلام والتصوير الفوتوغرافي، في نهاية حواري معها كنت قد غصت تمامًا داخل عقلها وعيونها، ولأضع خاتمة تليق بالتدفق الممتع في الحديث بيننا طلبت منها أن تختار صورة فوتوغرافية من تصويرها قريبة لها وتعبر عنها، بادرت أن سؤالي جاءها في الوقت المناسب. غرقنا في أحاديث جانبية عن المشي، مشاكل النساء، تغيرات المدينة، والرواية التي تحاول هالة كتابتها منذ 2013، ثم سكتت بعد أن اختارت الصورة..

«كنت بصوّر بانتظام في 2012، كان عندي خلل كده يخص الفترة دي، وكنت عايزة أعمل حاجة تعيد لنفسي التوازن، فعملت روتين لمدة تلات شهور كنت بصور كل يوم، وعملته في كتاب اسمه "البحث عن المدينة" وكمان التصوير أقرب حاجة ليا وبعملها من غير ما أفكر».
في محاولة أخيرة للاستفاضة في الحديث بيننا سألتها عن سبب اختيار الصورة، قالت:
«علشان أنا ما لقيتش المكان ده بالشكل ده. أنا تخيلته، بياع غزل بنات بمبى ماشي، جبت ممثل، وحطيته هنا في المكان ده، وفي لحظة معينة قُلت له يلا نصوّر. أنا خلقت الحكاية وخليتك تصدقيها على إنها لحظة فائقة الجودة من الجمال، بس أنا اللي صنعتها، وده مش تغريب، أنا بحاول بس أحط إيد اللي بيتفرج على حاجة بيشوفها دايمًا ومش دايمًا قادر يستوعبها، في وسط زحمة الحياة اللي بتحصل.
أنا كنت بفكر في علاقة الفرد بهذه المدينة، والمجموعة دي اسمها إعادة تمثيل، وفي كل صورة شخص واحد وحيد في سياق المدينة. ودي كانت أول صورة في المجموعة».
تقارير ذات صلة
«عاشت لتمنح الأمل».. مقابلة مع زبيدة فارسي
منذ مقتل فاطمة في 16 أبريل/نيسان، قُتل عشرات آخرين. ولم يقتصر الأمر على الصحفيين فحسب
سينما تناضل ضد الاستعمار| حوار مع ماتي ديوب
عن فيلمها «داهومي» الفائز بـ«الدبّ الذهبي لأفضل فيلم» في مهرجان برلين السينمائي
الفيلم أداة مقاومة| مقابلة مع باسل عدرا ويوفال أبراهام
حول «لا أرض أخرى» الفائز بجائزتين في الدورة الـ74 من مهرجان برلين السينمائي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن