تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عن المنافي والبدائل| الفصل الأخير من «هوامش مشتركة»

عن المنافي والبدائل| الفصل الأخير من «هوامش مشتركة»

كتابة: صامولي شيلكه، مختار سعد شحاتة 19 دقيقة قراءة
تصوير صامولي شيلكه، فبراير 2017. الطريق إلى أبي الحسن الشاذلي.

الفصل الثامن والأخير من كتاب «هوامش مشتركة: دراسة أنثروبولوجية مع الكتاب في الإسكندرية بعد الثورة/ Shared Margins: An Ethnography with Writers in Alexandria After the Revolutiona»، لصامولي شيلكه ومختار سعد شحاتة. الترجمة منشورة بإذن المؤلفين.

إن ما قام به هذا الكتاب من استكشاف إثنوجرافي متعرج للكُتاب السكندريين وتنويعات المشهد الأدبي في الإسكندرية قد انتهى بتأمل الأرضية المشتركة للذاتية الرومانسية بين شاعرين ربما يبدو أنهما لا يملكان الكثير من الأشياء المشتركة فيما بينهما. لكن الأرضية الرومانسية المشتركة للكتابة والتي هي واسعة الانتشار في الإسكندرية اليوم لا تتعلق فقط بالتعبير الذاتي؛ بل تتضمن أيضًا وعلى نحو مكافئ الموهبة ومهارة التواصل، كي يكون لها تأثير. في عالم أدبي واجتماعي لا يعني التعدد فيه التعددية في أغلب الأحيان، ماذا يمكن أن يستتبعه مثل هذا التواصل، وماذا قد يكون تأثيره؟ في هذا التعقيب الأخير نتأمل في ذلك السؤال عبر الاشتباك مع إلهامين نظريين حديثين، بالإضافة إلى مساراتنا بعد نهاية عملنا الميداني.

في سبتمبر من عام 2017، غادر كلانا الإسكندرية لنتخذ وجهتين مختلفتين. ارتحل مختار، الذي عاش بشكل دائم في الإسكندرية منذ عام 2004، متجهًا إلى البرازيل كطالب دراسات عليا بعد الطلاق من زوجته. أما صامولي، الذي كان يتنقل جيئة وذهابًا بين برلين والإسكندرية منذ عام 2010، فقد استقر بشكل دائم في برلين ليبقى قريبًا من زوجته التي كانت مريضة. عاد صامولي في زيارتين إلى الإسكندرية في خريف 2019، وعاد مختار من البرازيل إلى قريته الأصلية في ربيع 2020. وبسبب وباء كورونا وتطورات أخرى خارج سيطرتنا، لم نتمكن من اللقاء. بالتالي، وبدلًا من قضاء أمسيات طويلة نتناقش في غرفة المعيشة ببيت مختار كما كنا نفعل خلال عملنا الميداني، انخرطنا في محادثات طويلة أونلاين حول مخطوط الكتاب ما بين 2018 و2020. ومع اتخاذ حياتينا ومسارينا المهنيين انعطافة بعيدة عن الإسكندرية، أصبحت شبكات عملنا وأفكارنا أكثر تأثرًا بالمنافي المصرية والعربية في أوروبا والأمريكتين.

كنا جزءًا من تيار واتجاه. كانت مصر تشهد هجرة كبرى لأشخاص ذوي مهارات عالية واهتمامات فكرية وفنية. ارتبطت هذه الهجرة بشعور انتشر على نحو متزايد بينهم بأن الحياة في مصر تغدو غير محتملة، وأن الفرص أصبحت محدودة للغاية بالنسبة لهم كي يبقوا فيها. لكن مع انتقال الأشخاص إلى خارج البلاد، سافرتْ معهم مخاوفهم ومشاعرهم بالصدمة. جزء من شعور المنفى الذي قابلناه بين الأشخاص من أبناء هذه الطبقة هو شعور مؤلم بالامتياز ممتزج بالانفصال: شعور بالارتباك ناتج عن الاستمتاع بتجمع مبهج لأرواح متشابهة الرؤى والآراء خارج البلاد بينما هم يعرفون أن هناك في الوطن يوجد عشرات الآلاف في السجون، غالبا باتهامات ملفقة أو بلا اتهامات على الإطلاق، وأن حياة المواطنين العاديين رخيصة. ويتضمن هذا الشعور معرفة أن البقاء بعيدًا عن السياسة لا يضمن الحماية كذلك. بينما كنا نكتب هذا في صيف 2020، ثارت حملة أخلاقية في وسائل الإعلام وساحات المحاكم في مصر ضد فتيات من أصحاب الحسابات المؤثرة على منصة تيك توك للتواصل الاجتماعي، ونتج عنها أحكام بالحبس لمدة عامين ووصمة عار عامة لعدد من النساء بتهمة «الاعتداء على قيم الأسرة المصرية». حتى الترفيه التجاري التافه عن عمد ليس منطقة آمنة في مصر ما بعد 2013. ما أن يكتسب المرء جمهورًا كبيرًا، سواء بسبب السياسة أو بسبب عرض منتج ما، يصبح هذا الشخص هدفًا محتملًا. من نقطة الامتياز التي يمنحها المنفى، يمكن للمرء أن يكون قلقًا أو غاضبًا أو محبطًا من مثل هذه التطورات وغيرها -لكنه آمن أيضًا. ثمن هذا الأمان هو الشعور بالانفصال. ومع ذلك بالنسبة لكثيرين، هو ليس ثمنًا فقط، بل هو إنجاز أيضًا.

أصبحت برلين بقعة جذب حديث بشكل خاص لما يسميه صامولي فقط على سبيل المزاح قليلًا: (المنفي البوهيمي العربي). أتقن الأشخاص في ذلك المشهد بشكل اعتيادي سلوكًا وترابطًا كوزموبوليتانيين كانا نادرين بعض الشيء في الإسكندرية. انخرطوا في نقاشات ناشطة وأكاديمية رفيعة، وكثير منها مُسيَّس للغاية. حضروا حفلات تماشت مع سمعة برلين في ذلك الوقت باعتبارها عاصمة الحياة الليلية الحديثة في أوروبا. في حفل -لم يكن حفلًا باهظًا وعلى الموضة، مع ذلك، بل مجرد تجمع في بيت من النوع الذي يقام في الإسكندرية كذلك- استضافه باحث مصري شاب في برلين عام 2019، انخرط صامولي في مناقشة حول الأدب مع شخص انتقل من مصر إلى برلين، والذي قال إنه توقف عن قراءة الأدب العربي لأنه وجد الله يحرس ويضع حدودًا لأفق خيال الكُتاب، وهو ما لم يعجبه. أصاب هذا الكلام صامولي بالحيرة والارتباك. كان قد أدرك فكرة وجود إطار ديني للخيال من لقاءاته مع الكُتاب في المشهد المحافظ، لكنه لم يفكر من قبل -كما فعل شريكه في المحادثة- في أن كتابات الطليعة الكوزموبوليتانية كانت تتشارك معهما هذا الإطار، وإن كانت بطرق أكثر ضمنية. كان صامولي في ذلك الوقت يقرأ دراسات أكاديمية تصف الأدب المصري المعاصر بأنه علماني بشكل أساسي، بينما كان الشخص الذي قابله في الحفل يصفه بأنه ليس علمانيًا بما يكفي لأن يثير اهتمامه.

بالطبع تدلنا هذه المحادثة على نوعية الحفلات التي يحضرها صامولي في برلين أكثر مما تخبرنا عن الأدب العربي. لكننا رأينا طوال هذا الكتاب أن نوعية الحفلات التي يحضرها الناس جزءًا مهمًا من الأدب.

في مقال مؤثر وحظى بنقاش كبير نُشر في يناير 2019، يفترض الباحث في العلوم السياسية عمرو علي (الذي عاد إلى الإسكندرية من أستراليا بعد انتهائه من رسالة الدكتوراه، وزار برلين بشكل متكرر) أن المجتمع العربي في برلين لا بد أن يطالب بصوت وتفويض باعتباره القائم بتوفير سرديات وبدائل جديدة يمكنها أن تفيد المدينة والعالم العربي على السواء. استلهم عمرو علي بشدة وسط المثقفين المزدهر الليبرالي-اليساري المتحدث بالعربية في برلين، والذي استفاد من الحرية السياسية في المدينة وتعدديتها وشبكات عملها والإيجارات المعقولة التي تتيحها (معقولة عند مقارنتها ببيروت أو لندن، لكن ليس عند مقارنتها بالإسكندرية). في الوقت نفسه، هو منزعج من ميل دوائر المثقفين العرب نحو العزلة والاكتفاء الذاتي وهو ما ينتج عنه أفكار جيدة ومنتجات «تلقى في الفراغ» وتضيع في «ثقب أسود» (ص. 13). في رأيه، لدى المثقفين العرب في برلين إمكانيات لما هو أكثر بكثير: «سيتوجب التفكير في برلين بشكل فعال ومعاملتها كمركز نقدي ومساحة آمنة لإعادة بناء سرديات وأشكال بديلة من المستقبل» (ص. 12). لتحقيق هذا، يدعو عمرو علي الوسط الثقافي الكوزموبوليتاني ذا الأصول العربية في برلين للعمل كمثقفين عضويين يتحدثون مع وإلى وربما أيضًا من أجل مجتمع أوسع -كضمير لأمة برلين، إذا جاز التعبير، وهو ما لا يخالف كثيرًا ذلك الفهم الذاتي للحداثة القومية المصرية في القرن العشرين (انظر الفصل الثاني):

«سيكون الكيان المثقف بالمنفى في حاجة إلى صياغة علاقة وثيقة مع عمال المقاهي والحلاقين وأصحاب الوظائف الأخرى ذات الوضع الهام داخل المساحات الاجتماعية المشتركة. سيحمل المنشور الورقي "العتيق" ثقلًا أكبر من منشور على الفيسبوك، حيث أن مجرد فعل تسليمه إلى شخص ما يستعيد معاملة إنسانية لا تُقدر بثمن، تجعل الترابط والجماعية شيئًا أكثر قابلية للتحقق مما يمكن أن تتيحه وسائل التواصل الاجتماعي.

سيكون ضلالًا كامل الأبعاد لو اعتقدنا أن المسجد والكنيسة لا مكان لهما في هذا المسعى. أي مشروع يعيش على أوهام المرء العلمانية مقدر له الهلاك. يجب التحرك فيما وراء مساحات نفث الدخان والثرثرة حول فوكو في مقابل دولوز وما يتضمنه هذا من أصداء مكررة في غرف مغلقة. لا يعني هذا مجرد التسامح مع الدين لأنه متجذر بعمق في المجتمع العربي. بل يقتضي هذا التصالح مع الدور البنَّاء الذي يمكن للدين أن يلعبه في محيط اغترابي على نحو متزايد، ولذلك يجب أن يتأطر ويُفهم على نحو أفضل بدلًا من تجاهله من قِبل التيارات الفكرية.

[...]

إن الكاتب العربي ببساطة هو تجلٍ واحد لنفس الطيف السياسي الذي أنتج ذلك الحلاق. يتصادف فقط أن يكون الكاتب واحدًا من أكثر التعبيرات المفصلة وضوحًا للمظالم العربية وأكثرها ظهورًا واتصالًا بالسياسة. لكن لا ينبغي على الكاتب أن ينسى أنه أو أنها قد تطورا، بوعي أو بغير وعي، من نفس الخلفية والمخزون مثل بقية المجتمع وانتفاضات الربيع العربي. من هنا يستمدون قوتهم وشرعيتهم؛ ولدى هذا المجتمع مخزون كبير من الألم والتعاسة والحيرة وانعدام اليقين. لكن عندما لا يكتفي المثقفون والنشطاء بالاعتراف بعقم الانفصال عن الخلفية، ويعودون إليها ويشتبكون بها، ليس كزبائن مشترين للشاورمة لكن كمواطنين في المنفى في حوار ممتد دائمًا مع الالتزامات الأخلاقية، فإنهم يساعدون على تأمين مستقبل راسخ.» (عمرو علي 2019: 13-15)

إن السردية المتطلعة إلى الأمام التي يمكن لبرلين العربية أن تقدمها وفقًا لرؤية عمرو علي، هي غرس ونشر والإبقاء على حياة الإمكانات التعددية المُحبة والديمقراطية التي انطلقت لكنها هُزمت في انتفاضات 2011. يمكن للمثقفين العرب الذين تجمعوا في برلين، وفقا لعمرو علي، أن يساعدوا المجتمعات العربية تدريجيًا على التعافي من القوى السلطوية العنيفة التي تحكمهم، ويمكنهم أيضًا مساعدة ألمانيا على أن تشفي نفسها من موجتها الصاعدة من القومية اليمينية.

مشكلة المرجعية الذاتية وقلة التواصل التي يحددها عمرو علي، هي أيضًا شيء يميزه مختار وسط شبكاته الأدبية هو نفسه، خاصةً هؤلاء المنحدرين من قريته الأصلية. إن الدوائر والأوساط الأدبية التي حللناها في الفصل الثاني لديها ميل لتوليد غرف صدى صغيرة وصلبة أو ما يسميه مختار في مقال حديث (شحاتة 2020) «جيوب ثقافية». غالبًا ما تمنح هذه الجيوب للمشاركين فيها إحساسًا بالتحقق والمهارة، وينتج عن هذا أن الكُتاب الذين يتحركون خارج هذه الجيوب إلى شبكات أوسع يتعرضون لأول مرة لنوع أقسى من النقد يتعلق بالمساءلة وليس بالمديح والتقدير -ونتيجة لذلك ينسحبون باستياء إلى مساحاتهم الآمنة ذات التقدير المتبادل مرة أخرى. بعكس المشهد البرجوازي-الكوزموبوليتاني ذي التعليم العالي في برلين والذي يكتب عمرو علي عنه، ينصب اهتمام مختار على المثقفين والكُتاب الريفيين والإقليميين الذين كونوا علاقاتهم الاجتماعية في جيوب داعمة بمجموعاتها المغلقة من القيم والمعايير، ثم ينتقلون إلى الإسكندرية أو القاهرة حيث يعانون تحدي التعددية والنقد باعتباره تهديدًا شخصيًا وإهانة -مَضيعة مؤسفة للموهبة والفرصة. رغم أن عمرو علي ومختار ينظران إلى طبقات اجتماعية مختلفة، إلا أنهما يتشاركان اهتمامًا بما يريانه كتهميش ذاتي مؤثر للكُتاب والمثقفين يمنعهم من وصول أصواتهم لجمهور أكبر، ومن تطوير صوتهم نفسه وأفكارهم بطريقة يمكن أن تكون مفيدة أو ملهمة للآخرين.

ومع ذلك، مما يعرفه صامولي من خلال الوقت الذي قضاه وسط بعض المنفيين العرب البوهيميين البرجوازيين، فإن أغلبهم على ارتباط ضعيف بالتيارات السائدة في برلين -سواء كانت ألمانية أو عربية أو غيرها من الأعراق. هم ليسوا موجودين في برلين بسبب برلين، لكن لأنها مساحة آمنة، مركز لهؤلاء الذين يحملون آراء متشابهة والذين قد لا يكون بمقدورهم العيش والجدال كما يشاؤون لو لم يكونوا في برلين. بالنسبة لبعض الناس، مثل شريك صامولي في المحادثة عن الأدب في الحفل، توفر برلين فرصة نادرة لعيش حلم علماني أخيرًا -إذًا لمَ التعجل في ترك ذلك الحلم الذي تحقق بعد صراع مرير؟ ربما يكون لدى الكاتب والحلاق حوار ممتع عن الهموم التي يتشاركانها، لكن كلا منهما من المحتمل أيضًا أن يتمسك بمواقف خلافية يمكن أن تضع نهاية سريعة للحوار. إذا كان الحلاق بارعًا في مهنته، سيعرف كيف يسلي زبونه بحوار طيب دون إثارة قضايا قد تسبب أذى. هذا أمر يسير طالما أن أحدهما لا يعرف الآخر أكثر من اللازم. إن مجتمع المثقفين العرب في برلين، بقدر ما التقى به صامولي، يقيم اتصالًا هامشيًا بالمجتمعات السائدة العديدة (العربية وغيرها) في المدينة، ولم يكن ممكنًا له أن يبقى حيًا حال التعرض التام لها. سيستنزف هذا التعرض طاقات وموارد الناس؛ لأنهم سينشغلون دائمًا بتفسير أنفسهم وتبرير أفكارهم، والتأقلم مع توقعات الآخرين. ستكون هذه هي نهاية برلين كمساحة آمنة.

لقد تجادلنا طويلًا فيما بيننا إن كان التهميش الذاتي من قِبل الكُتاب والمثقفين مشكلة أم ظرفًا إنتاجيًا. يميل مختار لرؤيته كمشكلة، ويراها صامولي أكثر كظرف إنتاجي. لكننا نتفق على وصف الظرف؛ ذلك الوصف الذي توافر في الفصول الإثنوجرافية الثمانية لهذا الكتاب. إن الرؤى والطرق البديلة للحياة أو الأفكار والقيم والأذواق غير المعتادة والغريبة لا يمكنها البقاء في حالة تعرض تام للتيار المجتمعي السائد. حتى الأفكار التقليدية والمحافظة إلى حد كبير تعيش في درجة ما من وضعية الغريب، بعض الترف في الزمان والمكان الذي يسمح للكُتاب باللعب بها وتطويرها (الفصل الأول). يحول الكُتاب هذه الأفكار إلى وسيط النص الأدبي، حسب التعريف، لإعطائها مساحة آمنة تتميز بأنها خارج العادي (كما وصفنا في الفصل الثالث). ومع ذلك فإن هذه المساحة ليست مغلقة، فهي على العكس تدعو جمهورًا للاشتباك معها. ومع ذلك لا بد أن يكون الجمهور مستعدًا للاشتباك مع هذه الأفكار الغريبة وفقًا لشروطها، وإلا فإن الكُتاب إما أن يظلوا غير مسموعين (كما في الفصل الرابع) أو يواجهون عواقب وخيمة (كما في الفصل السابع).

لو نظرنا إلى هذه الأمكنة والأزمنة الخاصة كمنجزات في حد ذاتها، تظهر صورة مختلفة، صورة يحل فيها الإحساس بالتطور المتضمن في «البديل» محل الإحساس بالنقص المتضمن في «الهامشي». في ضوء هذا، لا تدور الاشتباكات الأدبية والفكرية حول العمل كضمير لأمة ما، إذا جاز التعبير، بل حول صياغة حيوات متخيلة ومادية على نطاق صغير لكن فعال.

تردد هذه الفكرة صدى اهتمام بازغ في مصر، خاصةً بين دوائر البورجوازية الليبرالية المثقفة والأدبية والفنية والناشطة، نحو حيوات وأساليب عيش بديلة. من ذلك الاتجاه أيضًا يأتي الإلهام النظري الآخر الذي نشتبك معه في هذا التعقيب. في ديسمبر 2019، بعد انقطاع استمر خمس سنوات، أُطلق عدد جديد طال انتظاره من مجلة «أمكنة» غير الدورية وصاحبة التأثير الكبير (وفقًا لعنوانها الفرعي «تعنى بثقافة المكان») والتي يحررها في الإسكندرية علاء خالد وسلوى رشاد. وكان الموضوع الرئيسي للعدد الجديد هو «حيوات بديلة».

بالجمع بين مقالات مصورة ونصوص أدبية وكتابة رحلات ومقالات نظرية ومقابلات شخصية، يقدم العدد خريطة للمجتمعات البديلة والمشروعات الاجتماعية، وأسفارًا لمسافات طويلة، رحلات حج وتسلق جبال، مسارات مهنية بوهيمية وفنية في مصر والخارج. على صفحات هذا العدد على الأقل، ثمة موقع متكرر ومميز لهذه الحيوات البديلة في مصر يوجد في الصحراء؛ حيث يجرب البعض حظوظهم في الزراعة البيئية البديلة والسياحة، ويذهب آخرون لتسلق الجبال، غير أن آخرين يقومون بزيارة مقام سيدي أبو الحسن الشاذلي النائي في أقصى الجنوب الشرقي لمصر. تظهر المدن والمجتمعات الريفية في وادي النيل أيضًا في ذلك العدد، لكن المقالات عنها أقل عددًا وأكثر عملية في نبرتها، ويحيط بها شعور أقل بالافتتان.

في يوميات رحلة علاء خالد وسلوى رشاد الأدبية والمصورة إلى منطقة جنوبي البحر الأحمر والتي تفتتح العدد، يتأمل علاء خالد في الانفتاح والعلاقة غير الثنائية مع الزمن والوجود التي يراها مجسدة في الحيوات البدوية لقبائل العبابدة والبشارية. تصبح الصحراء والحياة البدوية موقعًا لتخيل حياة تتجاوز الثنائيات التي تفصل المجتمع عن الطبيعة، والمراكز عن الأطراف، والماضي عن الحاضر -طريقة في الوجود أكثر أصالة ومباشرة حتى إنها، كما يرى علاء خالد، يمكنها أن تقدم بديلًا لحياة المدينة وصراعاتها السياسية والمجتمعية. إنه بديل لا يعارض ولا يناقض شيئًا، لكنه يعمل كواقع آخر موازٍ له طبيعة بنائية (كما تتجلى بامتياز في الزراعة والمشاريع المجتمعية) أكثر منها عدائية، تردد أصداء ثيمة «الفضاءات الأخرى»1 التي طورناها في الفصلين الثالث والخامس من هذا الكتاب. في افتتاحية العدد، يطور علاء نفس الفكرة بمصطلحات أكثر مفاهيمية:

«ربما سُخِّر "الأمل" سابقًا لصالح "يوتوبيات" مستحيلة، تريد أن تحل على الأرض، فالبديل كان في الماضي مثاليًا، يزرع داخله بذرة فنائه، لأنه كان يبحث عن جنة أرضية. ربما، الآن، حرر "البديل" نفسه من هذه اليوتوبيا، وأصبح طليقًا عشوائيًا في مساراته، واختياراته، مفتقدًا لمركز يوجه اختياراته، كونه يجري وراء "الأمل" أينما وجده واستشعر به. ربما المشروعات والتجارب القديمة والحديثة، التي يذخر بها "العدد" هي جزء من خريطة هذا "الأمل التائه"، وارتجالاته.

[...]

"البديل"، داخل هذا العصر المنفلت الذي نعيشه، ليس هو الهامش، ولا يحمل طموح تقويض المركز، أو أن يحل مكانه. [...] البديل لا يناقض ولا يقاوم، بل يستوعب ليعيش ويستمر.» (علاء خالد، 2019)

الالتفات للبحث عن حيوات وأماكن بديلة مرتبط بتحول تاريخي مثير للاهتمام في التمركز الذاتي الروحي لقطاع من مثقفي الحضر. ليس من قبيل المصادفة أن يلعب مقام ولي صوفي من العصر الأيوبي هو أبو الحسن الشاذلي مثل هذا الدور الهام في المشهد البازغ لرحلات السفاري البديلة في مصر -إلى جانب المنتجعات الشاطئية التي تستهدف المتعة بشكل أكبر في دهب ونويبع. يتعزز الوهج الروحي لمقام الولي الصوفي بموقعه المبهر في سلسلة جبلية نائية يسكنها بدو من أقلية عرقية. إن التقدير والإعجاب واسعيّ الانتشار من قِبل مثقفي القرن الواحد والعشرين لانجذاب التصوف الإسلامي غير الثنائي وغير العقلاني يقف على النقيض من مثقفي الأجيال السابقة، الذين كانوا يرون بشكل أكبر في نفس المقامات الصوفية مصدرًا للرجعية والضلال. حتى إن عالم الاجتماع سيد عويس (1998)، الذي درس بألمعية مشهودة الرسائل المبعوثة أو المجلوبة في الستينيات من القرن العشرين إلى ضريح الإمام الفقيه محمد بن إدريس الشافعي (المتوفي في 820 م)، أصر كذلك على أن الزوار مخطؤون في النهاية ومضللون في أملهم بالوصول إلى الإمام الشافعي من خلال رسائلهم. على العكس من ذلك، فإن كثيرًا من بين المثقفين الكوزموبوليتانيين الحاليين يعتنقون الصوفية بشكل نشط -بعضهم من موقع الافتتان والاستكشاف غير الملتزمين، وبعضهم الآخر بالانضمام فعليًا إلى طريق التصوف بتوجيه من مرشد روحي.

كذلك ومن ناحية أكثر دنيوية، يبدو الكُتاب والمثقفون من نفس الوسط البرجوازي-البديل أقل احتمالية من سابقيهم في محاولة أن يكونوا أو يتصرفوا باعتبارهم ضميرًا لأي أمة، وأقرب احتمالية للبحث وخلق شيء له قيمة وسط دائرة من المستعدين للمشاركة في المحاولة. في مقال نظري منشور في نفس العدد من «أمكنة»، تشير الأنثروبولوجية أمل إدريس هارون (2019) إلى المفارقة في هذا التحرك: الدائرة هي أيضًا شكل السلطة في الرأسمالية القائمة على التداول والتدوير، وبقدر ما يمكن أن نسعى للتغلب على السلطة القمعية للاقتصاد العولمي، فإن حيواتنا البديلة أيضًا تتخذ شكل الدوائر المختارة التي تُقصي ما لا يتفق معها.

تميل أساليب الحياة البديلة إلى أن تكون رومانسية بطبيعتها -ليس بالضرورة بمعنى الذاتية الرومانسية، لكن بمعنى أنها منساقة بحنين إلى شيء أكثر مباشرة وإنسانية من عمليات الإنتاج والاستهلاك الرأسمالية، والسلطة الحكومية، وإغفال الهوية في المناطق الحضرية. ومع ذلك، تأتي المفارقة من أن هذا الحنين لا يغدو ممكنًا إلا مع مصادر الطاقة والمادة التي توفرها هذه العمليات بالتحديد. إنها ليست وجهة نظر الرُحَّل القلائل الباقين في مصر من البشارية والعبابدة؛ بل إنها وجهة نظر سكان المدن ذوي التعليم العالي والعلاقات الكوزموبوليتانية الذين يملكون الوسائل كي يرغبوا في شيء يفتقدونه في دنياهم الحضرية ويرونه (أو يأملون في رؤيته) متحققًا في حيوات الترحال. تخفي هذه الرؤية تاريخ السيطرة على المناطق الصحراوية الذي قامت به الدولة المصرية -بشكل خاص في سيناء، ومؤخرًا في حلايب وشلاتين المنطقة الحدودية المتنازع عليها في منطقة جنوبي البحر الأحمر- وهو ما جعل هذه المناطق الآن قابلة للوصول إليها على نحو متزايد بالنسبة لأبناء الحضر الباحثين عن حيوات بديلة.

للوهلة الأولى قد يبدو اقتراح عمرو علي بجعل برلين مركزًا لسردية ورسالة جديدتين يجسدهما المثقفون العضويون، ورؤى الحيوات وأساليب الحياة البديلة التي جمعها علاء خالد وسلوى رشاد على صفحات «أمكنة»، بعيدين بقدر بُعد المواقع المجازية لكل منها: الكتلة الحضرية الكوزموبوليتانية لبرلين وصحراء منطقة البحر الأحمر الجبلية. بيد أن زيارة سيدي أبو الحسن والمزارع البيئية والإجازات في جنوب سيناء بشكل ما لا تختلف كثيرا عن كروزبرج؛ قلب التعددية الثقافية اليسارية في برلين. إن أشكال الواقع والاحتمالات التي تمثلها هذه الرؤى تتميز جميعها بكونها مختلفة عن تيار سائد أكثر اتساعًا، أيا كان تعريفه. وهي أيضًا مقيدة بأزمنة وأمكنة ومجموعات محددة من الناس هم بطرق متباينة استثنائيون. وبينما يخوض عمرو علي صراعًا مع ميلهم الانفصالي الناتج ويأمل في التغلب عليه، يحتضن علاء خالد وكُتاب العدد الجديد من «أمكنة» هذا الميل.

هذا التوتر المنتِج لديه تاريخ حديث هام: ثورة 25 يناير، التي فشلت في تغيير النظام، لكنها نجحت في خلق «فضاءات أخرى» ثورية تستمر في الحياة كأساطير سياسية -وبفعلها ذاك صنعت أيضًا جُزرًا لأسلوب حياة بديل أكثر جاذبية. في الوقت نفسه، هذه الجزر البديلة هي أيضًا من بين السبل القليلة الممكنة الباقية: بعد عشر سنوات من الثورة، تظل ممكنة وإلى درجة ما آمنة لأنها لا تتحدى علاقات السلطة المهيمنة، في الوقت الذي من المحتمل فيه جدًا لمحاولات عمل حراك واسع النطاق مجتمعيًا أو سياسيًا أن تؤدي إلى المنفى أو السجن أو الموت.

بغض النظر عما إذا كان الكُتاب لديهم هدف صريح لتقديم مساءلة نقدية أو يوتوبيات مادية (كما في الفصل الخامس)، فإن الأدب كفضاء اجتماعي أميل بكثير لتوليد «فضاءات أخرى»، بمعنى فضاءات خاصة خارجة عن المألوف، أكثر من ميله للتواصل مع المجتمع على نطاق واسع. قلة قليلة من النصوص الأدبية تحقق هذا المنجَز الأخير. ولكن هذا لا يعني أن «الفضاءات الأخرى» غير مؤثرة وضائعة ومهدرة في ثقب أسود. ماذا لو فكرنا بدلًا من ذلك في الحيوات والكتابات التي يجري إنتاجها في جيوب أدبية ريفية، وفي الدوائر والمشاهد المختلفة في الإسكندرية التي درسناها، وفي المنافي البوهيمية-البرجوازية في برلين كمنجَز؟ ستكون منجَزًا ملتبسًا بالتأكيد، منجَز يأتي على حساب طبقات متعددة من الإقصاء والعزلة. لكنها مع ذلك منجَز، مشهد لحيوات بديلة مؤثرة ليس لأنها قد تشفي مصر أو العالم العربي أو ألمانيا أو لا تشفيهم، لكن ببساطة لأن الناس الذين استمتعوا بها قد ولَّدوا بالفعل حيوات بديلة حقيقية لأنفسهم -حتى لو جزئيًا فقط، وفي أوقات معينة في أماكن مميزة فقط، ومع إحباطات كثيرة.

بغض النظر عما قد تكون نواياها ومقاصدها، فإن أحد الأشياء التي تنتجها الكتابة الأدبية بشكل شبه مؤكد هي الحيوات البديلة في هوامش مشتركة -رغم أن هذه الحيوات بشكل عام أكثر تزعزعًا بكثير واجتزاء وأقصر مدى من تلك الحيوات الموصوفة على صفحات مجلة «أمكنة». إن العوالم الموازية للقراءة والكتابة والاختلاط الاجتماعي (الفصول الأول والثاني والثالث) والتأثيرات السياسية المغروسة في الشعر الثوري (الفصل الرابع) وأساطير المدينة المتنافسة (الفصل الخامس) والحالات المزاجية المولَّدة والدعاوى المميزة بكتابة الحائط (الفصل السادس) والبحث عن احتواء الظروف الخاصة بعالم غير يقيني أو التغلب عليها (الفصلان السابع والثامن) -كل هذه هي أشكال فعالة من الواقع ظهرت من ثنايا استكشافات أدبية. في الوقت نفسه، هذه الأشكال من الواقع بشكل متكرر، وغالبًا منهجيًا، تعجز عن الوصول إلى ما توقعه هؤلاء الذين تمتعوا بها -شهرة واهتمام لم يتم اكتسابهما، حياة مستقلة لم يتم تحقيقها، إصلاح للمجتمع لم يُستكمل، نظام لم تتم الإطاحة به، مطالبات بالفضاء العام جرت لكن لم يتم الحفاظ عليها، طرق عيش في مدينة فُقدت لصالح مشاريع بناء، طرق جديدة في التفكير لا تحظى بتقدير الجماهير المحافظة، طرق قديمة في التفكير لا تحظى باعتراف النقاد الطليعيين، والطريق نحو اليقين ضائع في الضباب.

إن مشكلة الحيوات البديلة ليست ببساطة في مسألة تحقيقها أم عدم تحقيقها. فالسعي لعيش حياة بديلة -سواء في نصوص خيالية، أم في الفضاءات الآمنة للقاءات الأدبية، أم في التعرض التام والمواجهة مع التيار الاجتماعي السائد- ينتج في حد ذاته بشكل فعال حياة بديلة. المشكلة هي أن الكثيرين يصابون بالإحباط لأنهم توقعوا أن تكون الحياة الأخرى سعيدة، أو تدوم طويلًا، أو تغير العالم، أو بطرق أخرى تصل إلى حد طموحاتهم -بينما في الواقع ببساطة هي ما عليه: حياة أخرى. في نطاق تلك الأهلية من الآخرية، يمكنها بدورها أيضًا أن «تتسرب إلى» (باستخدام كلمات آندرو برانديل 2016: 177) الحياة العادية، وتصبح رفيقتها الغامضة أو شريكتها في الجريمة.

إن التفكير في الاستكشافات الخيالية ومساعيها العملية كواقع فعال وإن كان مراوغًا وزائلًا وهو ببساطة ما هو عليه، يعني أيضًا أن هذه الاستكشافات والمساعي ليست بريئة تحت أي ظرف من الظروف (بالضبط كما قد يكون من الخطأ افتراض أنها تتضمن بشكل عام مقاومة للسلطات المهيمنة). إنها ممكنة من خلال المادة المتاحة والموارد الثقافية، ووسائل الامتياز والتنقل، ودوائر وجيوب التشجيع المتبادل. ليست هناك براءة نموذجية ولا قوة ملهمة كونية، لأن كل تعبير ممكّن بخيوط من التواطؤ. ومع ذلك فإن محاولات تحقيق مثل هذا المنجَز الهام تستحق الاهتمام، لأنه قد ينتج عنها شيء آخر، شيء أقل نموذجية وأقصر مدى لكنه ليس فارغًا ولا تافهًا. أي محاولة طموحة لتغيير العالم بقول الحقيقة في وجه السلطة تترك أثرًا غائرًا، إن جاز التعبير، في العالم، رغم أن الحقيقة قد لا تنتصر. زيارة إلى سيدي أبو الحسن الشاذلي قد لا يستجاب فيها لدعاء الزائر، لكنها تفعل شيئًا ما في هذا الزائر وربما، مع بعض الحظ، قد تترك أثرًا في قراء حكاية الرحلة.

نحن أيضًا نعرف الانجذاب والسحر الموجودين في الصحراء الجنوبية الشرقية. في فبراير من عام 2017، قمنا برحلة -زيارة، استكشاف أدبي، رحلة سياحية، شيء من هؤلاء معًا- إلى مقام سيدي أبو الحسن (شحاتة، 2019). بعد رحلة خطرة بالسيارة في الليل، وصلنا إلى المكان، الذي وجدناه خاليًا تقريبًا لأنه كان يوم عمل وليس في موسم المولد. في الصباح التالي، تجمعنا عند المقام. كان كل واحد منا قد جاء بهموم ملحة تقبع في خلفية أذهاننا، لكننا ونحن جالسون في روضة الشيخ، وجدنا أنه لا أسئلة لدينا كي نطرحها. لو بدا أن للرحلة غرضًا قبل أن نقوم بها، بمجرد وصولنا وجدنا أنها في حد ذاتها كانت الغرض والحصيلة.

1 انتباذ فضائي أو هيتروتوبيا ‏هو مفهوم في الجغرافيا البشرية وضعه الفيلسوف ميشيل فوكو لوصف الأماكن والمساحات التي تعمل بمعزل عن هيمنة الظروف. هذه هي فضاءات الآخر، والتي هي لا هنا ولا هناك، وهي في نفس الوقت مادية وعقلية، مثل فضاءات مكالمة هاتفية أو تلك اللحظة عندما ترى نفسك في المرآة. (المترجم)

عن الكتّاب

صامولي شيلكه

باحث أنثروبولوجي فنلندي، ولد عام 1972، وحصل على ماجستير الدراسات الإسلامية والفلسفة والعلوم السياسية من جامعة بون بألمانيا عام 2000، ودرس الدكتوراه في المعهد الدولي لدراسات الإسلام في العالم المعاصر…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن