تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عن الدليل والشهود والبحث عما صار في زمن الإبادة

عن الدليل والشهود والبحث عما صار في زمن الإبادة

حكاية غسان أبو ستة حول تفجير مستشفى الأهلي

كتابة: لينا عطاالله 9 دقيقة قراءة

في 17 أكتوبر 2023، أدى انفجار هائل في المستشفى الأهلي المعمداني إلى مقتل أكثر من 450 مواطنًا، وفقًا لوزارة الصحة الفلسطينية. كان العدوان الهائل الذي شنته إسرائيل على غزة بعد عملية طوفان الأقصى، في أسبوعه الثاني، وبدأت تتشكل ملامح الإبادة. التوقع الأول كان أن الانفجار في المستشفى بسبب ضربة إسرائيلية.    

سريعًا بعد الانفجار، قال الجيش الإسرائيلي إن الانفجار سببه صاروخ أطلقته حركة الجهاد الإسلامي من منطقة بالقرب من المستشفى الأهلي، انفجر قبل أن يصل للأراضي الإسرائيلية، وكان وقود الصاروخ هو سبب الحريق داخل المستشفى. الجيش الإسرائيلي اعتمد على التطابق الزمني بين الإنذارات التي انطلقت في جنوب إسرائيل بعد إطلاق «الجهاد الإسلامي» عددًا من الصواريخ، وبين انفجار المستشفى.   

بعدها، بدأت معركة الحقيقة والأدلة. كانت إحدى الأدلة التي استخدمت للإشارة إلى أن ما سبّب انفجار المستشفى هو صاروخ المقاومة وليس قنبلة إسرائيلية، فيديو التقطته قناة الجزيرة في بثها المباشر للانفجار من داخل المستشفى، ويظهر فيه، في مكان ما في السماء، إضاءة الصاروخ الطائر. «سي إن إن» الأمريكية مثلًا استخدمت فيديوهات إضافية، واستعانت بخبراء أسلحة مخضرمين ليقولوا إن صواريخ المقاومة التي تم الإعلان عن إطلاقها قرب وقت انفجار المستشفى، والتي أشار جيش إسرائيل لأماكن انطلاقها، قد تستغرق بين 25-40 ثانية لتصل لموقع المستشفى، ما يرجح أنها كانت بالفعل السبب وراء الانفجار.

في المقابل، أجرت وحدة «فورنسيك أركيتكتشر» في كلية حولد سميث بجامعة لندن، تحقيقًا استخدمت فيه آلياتها لإعادة إنتاج فضاء الحدث وتحليله من خلال المقاربة ثلاثية الأبعاد. توصل التحقيق إلى أن ما أشارت إليه إسرائيل كصاروخ من المقاومة فشل في الوصول لأراضيها، كان بالفعل صاروخًا إسرائيليًا اعتراضيًا. كما أشار تحليل الوحدة إلى أن الصواريخ التي انطلقت من غزة، وفقًا للرواية الإسرائيلية احترق وقودها أثناء الطيران.

في كل هذه المحاولات لمعرفة ما حدث بالفعل في المستشفى ذلك اليوم، كان دائمًا هناك جزء غائب من الدليل، يكتمل بالتخمين أو التحليل أو الإزالة أو التقريب، بناءً ما على ما نعرفه مسبقًا. الدليل الجازم على ما أحدث الانفجار، في ذلك اليوم، يظل غائبًا.

***

في مقابل الفيديوهات الملتقطة من مكان الحادث، والصور المأخوذة من الأقمار الصناعية التي تم ترتيبها بشكل متسق لتمنحنا سردية ما عما حدث، كان هناك مشهد أكثر عشوائية على الأرض. مجموعة من الأطباء يقفون حول منصة خشبية صغيرة، بعد ساعتين من الانفجار، ليبدأوا مؤتمرًا صحفيًا. الحضور حولهم القليل من الصحفيين، والكثير من الأكفان البيضاء التي تلُف الموتى.. الشهود الصامتين.

يقول إدواردو كادافا، الفيلسوف والأكاديمي الأمريكي، إن كل صورة هي صورة دمار وبقاء بعد الدمار، وأن كل صورة هي إثبات للعلاقة الغامضة بين الموت والبقاء، الفقد والحياة، والدمار والوقاية، الحداد والذكرى. الصورة تقول لنا إن من مات فُقِد والصورة هنا حتى نحزن عليه. ما يبقى هو الصورة، وصورة الدمار، متحدثة عن كل الصور، إن كانت تقول شيئًا، فهو غياب قدرة الصورة عن أن تحكي ما حدث.

الفارق بين الصور التي أنتجتها التقنيات الحديثة لاستقصاء ما حدث، وصورة الأطباء المحاطين بالجثث في المؤتمر الصحفي، لا يكمن في أن أحدهما يقدم دليلًا أكثر من الآخر. الفارق يكمُن في أن الصورة الأولى تحاول بثقة أن تقول إن هذه هي الحقيقة، بينما الصورة الأخرى تشير إلى موتها.

كان حاضرًا في وسط الأطباء أثناء المؤتمر الصحفي، غسان أبو ستة، الطبيب الفلسطيني البريطاني، والذي كان متواجدًا في المستشفى الأهلي وقت الانفجار. في تحقيق لاحق، نُشر في الذكرى الأولى لما حدث، قامت «فورنسيك أركيتكتشر» بدعوته ليسرد شهادته، حيث حكى عن ذلك اليوم أمام نموذج ثلاثي الأبعاد لموقع المستشفى صممته الوحدة.   

***

ترجمنا شهادة أبو ستة بإذن من الوحدة، وتحدثنا مع نور أبو زيد، الباحثة الفلسطينية التي عملت على استقصاء ما حدث في المستشفى الأهلي. سألناها في البداية عن السبب وراء دعوة أبو ستة للاستماع لشهادته بعد نشرهم التحقيق الأول بعد الانفجار مباشرة، قالت:

في حالات كثيرة، الدلائل البصرية ما بيكونوا كافيين لأسباب مختلفة. مثلًا، في قصص لاجئين حاولوا يعبروا تركيا لليونان والبوليس اليوناني كان يرمي تليفوناتهم بالنهر. الدليل الوحيد اللي بقيان هون هو الشاهد. فيه سبب تاني، هو سبب سياسي. يهمنا في التحقيقات إن احنا ما نعملها عن بُعد. التجربة المعاشة للشهود نفسهم هي في حد ذاتها دليل.

في سياق مستشفى الأهلي، ماكانش فيه أدلة بصرية كافية. الفيديوهات المنشورة ما كانت كافية. فيه صحفيين فلسطينيين بيعملوا الشي الصح بالنسبة لهم: الدليل هم الضحايا. ما حدا بيصور الحفرة. ما حدا بيصور الشظايا. هذا المنظور مهم كتير، لما تقارنيه بالمنظور يا اللي هو بعالم ما بيشوف اللي صار غير شو الشظاي، شو نوع السلاح، شو هي الذخيرة. نسمع من الناس اللي كانوا موجودين، مش بس كونهم شهود لكن كمان خبرتهم بالحروب السابقة. يعني الأطفال في غزة بيميزوا صوت الطيارة من الـ«إف 16». فهاي الخبرة كانت محرك أساسي للبحث تبعنا. 

لما بيكون فيه تركيز عالمي لأي انتهاك من الاحتلال، طريقتهم لتغيير الموضوع هي تشتيت الانتباه من الجريمة نفسها لشي جانبي. مثلًا، في حالة شيرين أبو عاقلة، الرواية الإسرائيلية كانت تتدرج. في الأول قالوا مش احنا اللي قتلناها، دول مقاتلين فلسطينيين. بعدين يطلع إنه ما كان عندهم خط نار مباشر لوين شيرين. فهم بيغيروا الرواية مرة ومرتين وتلاتة. في حالة المستشفى الأهلي، الرواية تبع الجيش الإسرائيلي نجحت إنها تشتت الرأي العام العالمي، مع أنه مش بس تحقيقاتنا احنا بس، كمان تحقيقات النيويورك تايمز والواشنطن بوست كلها قالت إنه الصور، اللي أشار إليها جيش الاحتلال لما شاور على الصاروخ اللي ظهر باللايف تبع الجزيرة، وحكى الصاروخ الفلسطيني اللي سقط على الأهلي، وتبين بعدين انه هو بعيد عن المستشفى وبرا غزة وحوالي خمسة كيلو بالسما. لكن تبين أنه الفترة اللي انتشرت فيها رواية الاحتلال كانت كافية أنه تشتت الانتباه. فكان مهم بالنسبة لنا أنه نحكي مع شهود على الأرض. وأكيد كنا نتمنى نحكي مع شهود من غزة لكن الوضع لا يسمح، فكان دكتور غسان كونه كان بلندن وكونه كان شهادته شهادة ناجي من المجزرة نفسها، وبنفس الوقت شهادته بتحمل بعد تاني، فهي شهادة طبية بطريقة ما، كونه مش شاهد على الانفجار وحده ولكنه شاهد على الجروح اللي خلفها الانفجار، وكونه كاتب كمان كتابين في جروح الحروب. 

تتحدث نور هنا عن نوعين من الدلائل في العمل على المستشفى الأهلي. «الدليل السلبي»، وهو دحض الرواية الإسرائيلية، و«الدليل الإيجابي»، وهو ما يبحثون عنه في شهادة أبو ستة وتجارب الأشخاص المتواجدين على الأرض.

تتحدث نور أيضًا عن نقطة الانطلاق التي تحفز على العمل على كلا الدليلين، وهي نقطة انطلاق تعتبرها «سياسية»، معنية بالأشخاص المتأثرين بشكل مباشر بالحادث من ناحية، وقادرة على رؤية أبعد مما تقدمه الأدلة المباشرة. من هذا المنطلق، لا يعد بحثًا عن حقيقة مجردة، ولكن الحقيقة التي قد تحول مأساة الضحايا والناجين بشكل ما.

في شغلنا، مهم ندعم المجتمعات التي نعمل معها. ومن هذا المنطلق، مهم يكون فيه أدلة قاطعة تروح المحاكم، وتنهي النقاش. الموضوعية مهمة في هذا السياق. ولكن هذا ما يمنع التوترات، إنو نكون مصدقين شي وما في دليل موجود. هون الموقف مش كفاية.

في نفس الوقت، بنشوف العنصرية الموجودة في الرأي العام العالمي. تحقيقات تمت بلا شهادات من الشهود، الناس اللي على الأرض. يعني مثلًا، خبراء الأسلحة، فورًا بيصير معهم تشكك لما يشوفوا المكان اتنضف بسرعة. المكان اتنضف بسرعة لأنها مستشفى، واحترامًا للضحايا وكرامتهم. شفنا فيديوهات للمتطوعين عم بيلموا أشلاء من رضيع. في أطراف تدعي الموضوعية وبدهم مسرح جريمة بكر عشان يعرفوا يشتغلوا. مش شايفين البشر. فهاي «موضوعية» احنا مش جزء منها. 

***

في حالة المستشفى الأهلي، قبل الانفجار وشهادة الشهود والأدلة البصرية، كان هناك سياق. تعرضت المستشفى إلى ضربة في الأيام السابقة للانفجار، وكان ذلك إنذارًا بضربات أخرى. تقول نور إنهم وثّقوا الضربة على قسم السرطان عند بوابة المستشفى، يوم 14 أكتوبر. واحدة من الأسلحة المستخدمة في الضربة الإسرائيلية، بجانب قذائف المدفعية، هي نوع آخر من السلاح. 

خبير قال لنا إنها قنبلة موجهة. هو شافها كتير بسياسة knock on the roof، وهي قرارات التهجير والإخلاء الإسرائيلية، اللي هي بالعادة مش بس منشورات بس صاروخ صغير على السقف. هاي بتكون إشارة إنه لازم تخلوا المكان. هاي بالإضافة إلى أن كل المستشفيات في شمال غزة تلقت أوامر إخلاء وحتى جزء من المشافي بالجنوب، من بداية الحرب. فهادا هو السياق العام. استهداف المشافي ما كان عشوائي.

هنا يأتي السياق كدليل، ليس في صورته البصرية فحسب (توثيق الضربة على البوابة) ولكن أيضًا التجربة المطابقة لهذا النوع من الإنذار بالإخلاء.

سياقات أخرى ذات صلة: لم تصب المقاومة الفلسطينية بصواريخها على إسرائيل هذا العدد من الناس من قبل. يتحدث الأهالي في غزة بأريحية عندما يصيب صاروخ مقاومة أراضيهم عن طريق الخطأ، ولم يحدث ذلك وقت المستشفى الأهلي. سبب نزوح عدد كبير من المواطنين إلى المستشفى هو أن الاحتلال أمر بإخلاء حي الزيتون المجاور للمستشفى. كانت هناك شهادات من الناس عن قصف في الشارع، وهرولة الناس إلى داخل المستشفى هربًا من القصف، وبعدها قصف الممر الرئيسي في المستشفى، وهكذا.

كلها سياقات. متى تتحول السياقات لأدلة؟ قد يلزمنا عنصر الوقت هنا.

المعمداني كان أول مستشفى يتم ضربه بشكل مباشر. كان الرأي العام إنه مش معقول إسرائيل تضرب قنبلة موجهة لمستشفى. هلا هذا الشيء بطل [يبقى] غريب. ضرب المشافي أصبح واضح. الجيش الإسرائيلي امتص صدمة العالم وصار ضرب المشافي مُطبّع. اليوم 35 مستشفى من أصل 36 تم إخراجها عن العمل مرة واحدة على الأقل

ولهذا، قال أبو ستة في شهادته عن المستشفى الأهلي: «هذه هي اللحظة عندما توقفت عن كونها حرب وأصبحت إبادة».

ولكن بالعودة لما يقدمه الانفجار من دلائل، بعيدًا عن السياقات، هناك دليل آخر، غير بصري. كانت شهادة أبو ستة عنصرًا مهمًا في إبرازه. في رواية الجيش الإسرائيلي، كان هناك قصف من 17 صاروخًا أطلقته المقاومة باتجاه إسرائيل، وتسبب سقوط واحد منها على المستشفى في التفجير. في تحليل «فورنسيك أركيتكتشر» الأولي، كما أشرنا، احترق وقود هذه الصواريخ أثناء الطيران. أما على الأرض، فهذه كانت شهادة أبو ستة.

رواية الجيش الإسرائيلي كانت إنه صاروخ فلسطيني سقط، ولسة ما حرق الوقود الموجود فيه. شهادة غسان حكيت عن شغلتين. إنه ما كان في ريحة وقود. الشي التاني، الانفجار ما ولّع كل شي حواليه. في عناصر طالتها النار، زي السيارات مثلًا، لأنه فيها بنزين. المنطقة العشبية اللي الناس كانوا قاعدين فيها هي ما فيها حريق. غسان قال كمان إنه ما كان فيه شهداء أو جرحى محروقين. كان في أشياء كتير كان ممكن تنحرق وما احترقت لأن الانفجار نفسه ما كان كرة نارية. 

شهادة غسان بتودينا على مكان تاني: نقترب أكثر فيه من شو هو السلاح اللي كان مستخدم. 

«لا يعمل بفكرة أن الأدلة في الجروح»، هذا ما قاله أبو ستة في شهادته، في لحظة تأمل عاد فيها بجسده لظهر كرسيه، مبتعدًا عن النموذج المجسم للمستشفى الذي بنته الوحدة لموضعة كلامه. ولكن هناك إشارات تدلل عليها تلك الشظايا المستخرجة من أجساد الجرحى والموتى، وطريقة توزعها بحسب وضع الجلوس أو الوقوف، طول الأشخاص، وهكذا. 

نور وزملاؤها في الوحدة يعكفون الآن على دراسة الشظايا الصادرة عن القنابل الموجهة، وأنواع أخرى من القنابل الإسرائيلية بغرض المطابقة مع ما يصفه أبو ستة وأطباء آخرون، أمسكوا في لحظة ما بالشظايا بأيديهم، مستخرجينها من أجساد الضحايا، موتى وناجين.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن