عن الحب والثورة في بساتين تونس| حوار مع أريج السحيري
«أقول لأولئك الذين خاب أملهم من الثورة: انظروا إلى ما نخلقه جميعًا في ظلّ هذه الظروف»
يأتي «تحت الشجرة»1، العمل الروائي الطويل الأول لمخرجته أريج السحيري (1982)، بسيطًا ومضيئًا وهادئًا ومتوسطيًا بامتياز، لكنه في الوقت ذاته يحوي بداخله نداءً تحرّريًا قويًا.
يروي الفيلم يوم عمل في بساتين الشمال التونسي، أبطاله عمّال يومية من جامعي ثمار الفاكهة، يتابع قصصهم ومشاغلهم التي تتكشّف أمام الكاميرا كما تفعل تلك المروج الزاهية الخضراء والملوّنة، في مزيجٍ لافت بين خِفّة الطبيعة وثقل الواقع. الفيلم، المعروض مؤخرًا في القاهرة ضمن فعاليات النسخة السادسة من «أيام القاهرة السينمائية»، يُنجز شيئًا يبدو بعيدًا وعصيًا على التحقيق: تصوير أشياء صغيرة، من خارجها، دون تأكيد أو وضع خطوط، والثقة بأن شخصًا ما على الجانب الآخر من الشاشة، في مرحلة ما، سيلتقط صورًا وإيماءات تختصرأيامًا وعادات وأشواقًا وكلّ ما لا يُقال.
«تحت الشجرة» بورتريه أصيل لشباب المنطقة التي تنحدر منها عائلة السحيري، التي سعت لاختيار أبطالها من أهل المنطقة للحديث بلهجتها وجلبها إلى السينما، حيث نادرًا ما تُمثَّل بالشكل اللائق، للدفاع عنها بطريقة أو بأخرى. عملت السحيري مع ممثليها (ستّ نساء وأربعة رجال يقفون أمام الكاميرا للمرة الأولى في حياتهم) على تحقيق هذه الطبيعية والواقعية المختبئتين خلف عملٍ عميق ومتطلّب لسيناريو مصمّم لخلق فيلم كورالي يعمل كمرآة متعددة الأسطح لهؤلاء الشباب (والشابّات بخاصّة) المحاصرين في مجتمع أبوي وتقليدي، دون خيارات بديلة للمستقبل، من العاملين في قطف الفاكهة.
ولهذا، اختارت السحيري، القادمة من السينما التسجيلية، العمل في فيلمها بضوءٍ طبيعي. تذهب الكاميرا إلى الأشجار، بين أغصانها وأوراقها، لالتقاط وجوه وأيدي هؤلاء الفتيات اللواتي يشبهن الثمار التي يقطفنها: فيهن هشاشة وحساسية، لكنهن أيضًا يملكن قوة وحيوية.
ساعات الأرض والعمل، يقظة الأجساد وتَعَبها، قطف التين كمن يداعب حبيبًا مماطلًا، أو أكل إحدى ثماره في لحظة حبّ ندية. تلاحق الكاميرا أجسادًا وأوقاتًا، حكايات وابتسامات، همومًا وآمالًا، لذّات مختلسة، قصصًا عائلية، اغترابًا، وحزنًا رابضًا تحت الواجهات الوديعة. كُلّها مُعاشة تحت الأشجار، كخلفية وحيدة تجمع هذا المجتمع الإنساني/العمّالي، تقدّم لشخصيات الفيلم (المرسومين بالحدّ الأدني والمُعتنى بتصويرهم لأقصى حدّ) مسرحًا للمحادثة والغناء أو حتى الملاسنة والقتال. في بعض الأحيان، تقترب الكاميرا من الوجوه، تلتصق بها وبإيماءاتها. في أحيان أخرى، وبقوة أكبر، تُبعد نفسها وتُنتج لقطات عامّة وشاملة، حيث تبدو الأجساد العاملة مثل أشكال راقصة دون الوقوع في إغراء إظهار جمالية الجوانب الأكثر واقعية للعمل؛ كالحرارة والتعب والإرهاق.
العمل مسألة سينمائية بحتة، وربما، بهذا المعنى، يُرى «تحت الشجرة» فيلمًا ماركسيًا، عميق في جوهره وشاعري في مظهره. يأتي العمل كنقطة انطلاق، صريحًا وبسيطًا دون إعادة موضعته في عمليات اغتراب أو تقنيات قتالية كالتي اعتمدتها السينما الماويّة في الستينيات والسبعينيات؛ مثلما يتجاوز معضلة الذاتية/المنظور، بما يجعل كل من العمّال شخصية ملموسة وقائمة بذاتها، بدلًا من تكويمهم في كيان واحدٍ يفكّر بالطريقة ذاتها ويسعى وراء المطلب ذاته. العمل الذي تلتقطه الكاميرا هنا يتجاوز كل ما صَعَّب في السابق بلع أو هضم البروباجندا السينمائية اليسارية: الحبّ، والأحلام، والعالم المعقّد للمشاعر الإنسانية. بعبارة أخرى، يدلّل فيلم السحيري، بطريقة خفية وذكية وربما غير مقصودة، على التقاطع بين مجتمعنا الذي نعيش فيه، والعالم الذي نحن جزء منه، والهوية التي تحدّد وجودنا كبشر.
هذا التقاطع ينغمر في عمل رائق وجميل لمديرة التصوير فريدة مرزوق وموسيقى حسّية لأمين بوحافة. الأرض حيّة ونابضة، تنبتُ وتتدفَّق من لقطة إلى أخرى في تقليدٍ متوسطي يتموضع بين أسطرة الحياة الريفية وفهمٍ عميق لفعل الحصاد. لا ينحو الفيلم صوب ميثولوجيات، ومع ذلك، ففي تقلباته الصغيرة، يشعر المرء أن إرثًا طويلًا من منازعة الآلهة، والنار (التي نحملها في داخلنا)، والطعام الذي يخرج من الأرض؛ يتسرّب من خلاله. حين يفكر المرء في الأمر بالعكس، في ما ينتهي به المطاف على طاولته، أيًا كان مصدره أو ما يحمله من علامات تجارية؛ يجده ثمرة عملية تكوين تاريخية، لتواريخ وقصص تنمو وتموت أثناء الحصاد.

تُظهر السحيري، قرب نهاية فيلمها، كيف يدفع مقاول الأنفار/ رئيس العمّال، للشخصيات الرئيسية، واحدة تلو الأخرى. الراتب يتغيّر، والمطالب تتغيّر، وكل عامل/ة يزيد أو ينقص أجره/ا كما يشاء. المال انعكاس لفجوة من سوء الفهم، كما توزيع الثروة، والرئيس لا يعرف -ولم يعرف قطّ- ما يكمن في الجانب الآخر من اليد التي يودع فيها بعض النقود آخر النهار. اليد التي تبحث عن الفاكهة أو أماكنها، هي أيضًا اليد المداعبة الحانية، التي تُعدّ شاي العصاري أو التي تضرب وتسرق. إنها يد الوقت: الأيام تمضي، والفصول تتغيّر، والأشياء تتبدّل، لكن اليد تبقى، تختبر وتترجم آثار مرور الوقت.
الأغنية التي تدندنها العاملات في طريق عودتهن إلى المنزل قديمة قدم العالم نفسه، إلا أن كل شيء محكوم عليه بالزوال، بدءًا بتلك البهجة النسائية المختلسة في نهاية يوم شاق. أجساد مثل الفاكهة، أحيانًا ينكسر غصنٌ دون تأثير على ثمرة يحملها، وأحيانًا أخرى يتعيّن اختراق الثمرة كي تنضج. هذه حكمة الأرض، وبالامتداد، حكمة سينمائية لم تتردّد في إنجاز فيلم صغير يقول، في الوقت نفسه، أشياء «كبيرة» و«عالمية».
قد تبدو القراءة السابقة مفرطة في تأويلها، لكن المؤكد أن فيلم أريج السحيري لا يمكن ترويضه، لأنه عمل جميل ومنمنمة سينمائية بسيطة ومعقدة في آن. يختار طوعيًا رهانات جمالية وأسلوبية محفوفة بالمخاطر: مَن يهتم بيوم عمل جميل لحفنة عمال يومية تونسيين، ولديه في الصالة المجاورة غزو أجنبي، وفيلم كوميدي مثير، وآخر ضخم بديناصورات وكثير من الألعاب البصرية؟
ومع ذلك، حين تحلم السينما بأن تكون شيئًا أكثر من مجرد تزجية وقت أو تسلية عابرة أو بيانٍ زاعق متذاكي، حين تؤمن أن بإمكانها الحصول على أشياء عظيمة بموارد ضئيلة وقيود عديدة؛ فمن المحتمل أنها تنتج شيئًا مثل «تحت الشجرة». لأن السينمائي ليس مضطرًا لنثر البؤس في السينما الاجتماعية التي يقدّمها، أو دفع الجمهور للبكاء جلبًا للتعاطف، مثلما لا يتعيّن عليه أن يكون الأكثر تقدمية في مسابقة التقدمية المُرهِقة. يكفي أحيانًا الاستماع، ومعرفة أن كل فرد يحمل في طياته ثورة صغيرة من الحنان والجمال؛ وهذا، أيضًا، شيء لم ولن يعرفه مقاول الأنفار أبدًا.
«مدى مصر» التقى المخرجة للحديث عن فيلمها، ورحلة إنجازه، وقصص شخصياته، وتونس بالطبع.

- لنبدأ بالسؤال التقليدي، كيف بدأ الفيلم؟
كنت بصدد التجهيز لمشروع آخر أنوي العمل عليه، مستوحى من قصة حقيقية: بعد الثورة التونسية، عندما كنت صحفية، ساعدت في تأسيس محطات إذاعية على شبكة الإنترنت مع مجموعة من الشباب في المدن التي لا يوجد فيها وسائل إعلام. عشتُ معهم لمدة عامين على الأقل. ومن بين هذه الإذاعات، كانت «مكتريس نيوز»، الخاصة بمدينة مكثر (تقع في ولاية سليانة في إقليم الشمال الغربي). شباب لم يتجاوز الـ17 عامًا أجروا مقابلات مع والي المدينة وأعلامها المحليين، وصنعوا بعض المواقف المضحكة. كنت قد كتبت بعض المَشاهد عن هؤلاء الشباب الذين كانوا سيقلبون المدينة رأسًا على عقب بمحطتهم الإذاعية الناشئة. أحببتُ عيش التجربة وتدوينها، لكن عندما قابلت فداء [فداء الفضيلي]، غيّرت خططي تمامًا. لكنّي لن أتخلى عن الفكرة الأولى أيضًا..
المهمّ، أنه أثناء تواجدي في تلك المنطقة الريفية في شمال غرب تونس بحثًا عن ممثلين لفيلمي إياه، وضعت ملصقات على جدران مدرسة ثانوية، وحينها التقيت فداء، وسحرتني تمامًا. ورغم أنها لم تكن مهتمة بالمجيء إلى الكاستِنج، لكن انتهى بها الأمر إلى أداء اختبار أمام الكاميرا. سألتها عن خططها للصيف وقالت إنها ستعمل في الحقول، ودعتني لمرافقتها إلى العمل ذات يوم. ذهبت لرؤيتها رفقة جميع العاملات الأخريات، وقضيت معهن اليوم، وهذا غيّر رأيي تمامًا بشأن الفيلم الذي أردت تصويره.
-كيف؟
امتلكتْ فداء حضورًا وشخصية وألقًا، ذلك الشيء القادر على تحطيم كلّ الكليشيهات عن المرأة الريفية، عن بؤسها الاجتماعي ومحافظتها، حول افتقارها إلى الحرية. نعم، الأفق أمامها محدود ومقيّد، وربما ينعكس في فيلمٍ مصوّر خلف أبواب مغلقة. لكن في هذا الفضاء الطبيعي المفتوح، تتألق فداء، تعبّر عن نفسها، وتكسر كل الكليشيهات التي قد تكون لدينا. لا أقول إنها ثورية، ولكنها في مكان وسط. أردت أن أعطي مساحة للتعبير وأحيّي هؤلاء النساء العاملات المنقولات في الشاحنات مثل البضائع. أعلمُ أن هذا أمر طبيعي تمامًا في المنطقة ولهؤلاء النساء، لكننا نراه من موقعنا تصرّفًا همجيًا. من المثير التشكيك في الحالة الطبيعية للأشياء.
كان هناك سببان لقراري صنع هذا الفيلم: أولًا، الحوادث التي تعرّضت لها عاملات أثناء نقلهن في مؤخرة الشاحنات على طرقنا الريفية. ما أدهشني هو أننا كنا نعرف فقط عدد النساء اللواتي مِتن أو أصبن، لكننا لم نعرف أبدًا أسمائهن. حتى في البلدية (حيث وقعت إحدى الحوادث) التي ذهبت إليها للاستفسار، لم يعرف أحد أسمائهن. هؤلاء العاملات، بأوشحتهن الجميلة المزهرة، لا يُنظر إليهن عادةً إلا من منظور الدراما والمأساة.
ثم جاء لقائي في منطقتي كسرة ومكثر مع مجموعة من الشباب لاختيار الممثلين للفيلم الذي كنت سأبدأ العمل فيه، وخلال المقابلات علمت أن العديد منهم يقضون الصيف في جني الفاكهة من البساتين. دعتني فداء، كما أسلفت، وذهبت معها. أثرت فيّ هؤلاء العاملات الزراعيات، وكلّما تحدثنا معًا عن حياتهن اليومية، وطريقة عملهن، وعلاقاتهن مع الرجال، والنظام الأبوي؛ كلما أدركت مقدار المواد والمساحات التي يجب استكشافها. هؤلاء أيضًا يمكن أن يكنّ في يوم من الأيام ضحايا، وحينها سيصرن مجرد أرقام في دفاتر السلطات، وهذا بدوره خلق بداخلي رغبة في تظهير هؤلاء النساء العاملات اللواتي لا يُرَين عادة. أن أمنحهم وجهًا وصوتًا وأُظهر للناس كل البهجة والقوة والحيوية النابعة منهن.
وهكذا دفعتني الصلة بين هؤلاء الشباب العاملين في البساتين والنساء المنقولات في الشاحنات إلى تغيير مشروعي وجعله قصيدة للحياة والتناغم. لذلك شرعت في الكتابة، أثناء الاستماع المتكرر لأغنية «الوتد/ L'Estaca»، الأغنية الكتالونية الاحتجاجية التي كُتبت في عهد ديكتاتورية فرانكو في إسبانيا. في النسخة التونسية من الأغنية، لمؤلفها وملحّنها ياسر جرادي، تستحيل أغنية عن العمل والحبّ والحرية، لذلك كان من الطبيعي أن أختارها لنهاية فيلمي.

-حسنًا، لماذا قررتِ تصوير هؤلاء العاملات تحديدًا؟
لعدة أسباب. أولاً، كان بإمكاني أن أكون قاطفة فاكهة مثلهن لو لم يهاجر والدي إلى فرنسا قبل 50 عامًا. ثانيًا، تُعطى صورة مشوّهة للغاية عن سكان الريف في تونس، وخاصة الشابّات منهم، يمكن اختصارها في أنهن غير متعلّمّات ومنفصلات عما يحدث في العالم. تُحشر هؤلاء العاملات في مؤخرة شاحنة صغيرة للعمل في الحقول، ويتعرّضن بانتظام لحوادث الطرق، وغالبًا ما تكون مميتة. هناك نظام كامل لاستغلال هؤلاء النساء. لكنه جزء من حياتهن اليومية، لأنه لا توجد وسيلة نقل أخرى في المنطقة.
أردت أن أحكي قصة جيلين: العاملات الموسميات، اللائي يعملن في الصيف، وهؤلاء أمورهن أيسر بقليل؛ وكبار السنّ من الرجال والنساء الذين يمتهنون هذا النوع من العمل على مدار السنة، وهؤلاء أكثر إدراكًا للصعوبات الاجتماعية والاقتصادية. تتكشّف قصّتي في بستانٍ، فضاء محدود، لكنه مكان تجد فيه النساء مساحات للحرية. على مدار اليوم، يسرقن هذه اللحظات، عبر محادثات صغيرة، أو بوضع الماكياج، والغناء، أثناء ركوب الشاحنة.. لكن حتى إن كان فيلمي وضّاءً ومشرقًا، فهو، في الأخير، يبقى دراما. تمامًا مثل الحياة اليومية في تونس: شمس مشرقة، بلد جميل، لكن خلف تلك الواجهة الرومانسية، يختنق الناس، وخاصة الشباب.
أردتُ التصوير هناك، في بساتين الفاكهة في تلك المناطق الداخلية، وسرد قصة جنة عدن الزائفة هذه.
-لماذا اخترت موسم قطاف التين تحديدًا؟
عادة ما تعمل فداء في قطف الكرز أو التفاح أو الرمّان، لكن والدي ينحدر من قرية في هذه المنطقة حيث تنتشر زراعة التين. وُلِد وظلّ هناك حتى بلغ السادسة عشرة من عمره قبل عبوره البحر الأبيض المتوسط. نشأتُ وأنا أعرف دورة زراعة وحصاد التين. شاهدت والدي أثناء عنايته بالتين واستمعتُ إلى شروحاته حول الإخصاب والتلقيح، والفرق بين التين الذكر والأنثى.
التين ثمار مدهشة: يُقال إنها كانت الفاكهة المحرّمة التي أكلتها حواء في الجنّة، وورد ذكرها في الكتاب المقدّس والقرآن، ولا تنضج ثمار الشجرة الواحدة بالوتيرة نفسها، تمامًا مثل هؤلاء الفتيات الصغيرات. وهي تُنتَج من أزهار صغيرة، ونحن نأكل فقط ثمار شجرة التين الأنثى.
التين شجرة ثنائية المسكن، فهناك شجرة تين ذكر يعيش داخلها دبّور التين (الحشرة المسؤولة عن تلقيح الثمار مقابل الحصول على مكان آمن للبيض واليرقات - المحرر). يطير الذكر والأنثى يحملان أبواغ التين للتزاوج داخل حفرة صغيرة في قمة زهرة التين الأنثى، ليحدث تلقيح الأخيرة. في هذه العملية يفقس الدبّور الذكر أولًا، ويتزاوج مع الدبّور الأنثى، ثم يموت بعد حفره نفقًا للأنثى للخروج من زهرة التين، وهذه الأخيرة بدورها تطير لتُعيد دورة الحياة ذاتها مرة أخرى، فتعود إلى الزهرة الذكر لتلقي بيوضها.
أثناء قطاف التين، إذا لم تكن حريصًا، فالعصارة اللبنية الناتجة من سيقان الثمار يمكنها حرق أصابعك، لذا ينبغي قطفها بعناية شديدة. وهي أيضًا فاكهة شديدة الحساسية، وهشّة، ولكنها ذات أوراق قوية؛ مثل شخصيات فيلمي. التين جميل جدًا، وفي الصيف تشتد الحرارة في المنطقة، وحينها يمكنك الاختباء تحت أشجار التين التي توفّر المأوى والراحة من الحرارة. إنها تحتويك، لكن يمكنها أيضًا أن تصبح خانقة بعض الشيء. بالضبط، مثل بلادنا.

اختيارات وسيناريوهات
-لنتحدث عن الكاستِنج. كيف شرعت في اختيار الممثلين والممثلات، وهم جميعًا غير محترفين؟
في هذا الإطار، ظهرت الحاجة إلى العمل مع ممثلين وممثلات غير محترفين منذ البداية. وددتُ في العمل مع أشخاص من هذه المنطقة يتحدثون باللهجة الخاصة لهذه القرية البربرية الأصلية. لا تسمع هذه اللهجة في كثير من الأحيان في السينما التونسية أو بشكل عام في ما يصلك من صور ومشاهد تونسية، لأنها في الواقع موضع سخرية لأسباب لا مجال لشرحها هنا. لذلك اعتقدت أن هذه طريقة لتكريم هؤلاء الأشخاص وإعطائهم صوتًا في النهاية. كان من غير المعقول أن أستقدم ممثلين لتقليد ومحاكاة هذه اللهجة، وعلى أي حال، هناك عدد قليل جدًا من الممثلين المحترفين في أيامنا هذه من المنطقة.
لذا حين شرعت في اختيار الممثلين، اتبعت حدسي، وهو ما فعلته في الحقول لاختيار النساء الأكبر سنًا، وفي مدرسة مكثر الثانوية ومركز الشباب لاختيار العمّال الموسميين الشباب. الممثل الذي لعب دور رئيس العمّال، اكتشفته في سوق الجملة في تونس.
في البداية، كان لدينا خيار كبير من 100 ممثل، جميعهم من المنطقة (شمال غرب تونس)، ثم قمنا بتقليص العدد إلى 10 (ست نساء وأربعة رجال)، بعد تحديد أيهم أقدر على الارتجال والتمثيل الطبيعي. أعطيناهم مشاهد غير حوارية، وأثناء البروفات، جرّبت العديد من التدريبات معهم، وأثناء تفاعلهم، كتبت الحوار معهم. تدرّبنا تحت الأشجار، حتى عندما لم يكن هناك تين.
بالمناسبة، هناك مشاهد بروفة موجودة في النسخة النهائية للفيلم؛ في هذه المشاهد التجريبية المبكرة، لم يكن لديهم أي فكرة عن أنهم كانوا يمثّلون بالفعل، ولذا أظهروا فيها نوعًا من البساطة أقدّرها حقًا. لكن الجزء الأصعب كان تعويدهم عدم النظر إلى الكاميرا! (تضحك)
-قرأت أنك كتبتِ أقل القليل من حوار الفيلم وكان هناك مساحة للارتجال من قبل الممثلين. إلى أي مدى ساهم الممثلون والممثلات، وكلهم هواة، بقصصهم وإلهامهم في سيناريو الفيلم؟
بالكثير. استمعت إلى الكثير من شهادات العاملات الزراعيات، وناقشت هذه القصص مع الممثلين لأستوعب مشاعرهم وخبراتهم. كتبتُ مَشاهد مع غالية لاكروا وبيجي هامان (الكاتبتان المشاركتان)، وكتبنا سيناريو بخطوط حوارية قليلة، مع بعض النصوص التي شعرنا أنها ضرورية في الفيلم.
أما بالنسبة للممثلين، فلم أعطهم حوارات مكتوبة. فقط أعطيتهم مسارات شخصياتهم والعلاقات المختلفة التي تربطهم ببعضهم البعض خلال اليوم، بالإضافة إلى تخطيطات كل مشهد وكيفية تنفيذه. أخبرتهم أنها قصة تحدث في يوم واحد، وأنه مجرد يوم آخر. إنه يوم مثل أي يوم آخر، لكنه مهمّ من حيث علاقتهم. تحدثت معهم عن السينما وليس الفيلم، عن الارتجال والتعبير والمسرح.
ثم، وفقًا لهذا الترتيب، ارتجلوا بدورهم، وأعدتُ الكتابة وفقًا لذلك. استخدموا كلماتهم الخاصة، والطريقة التي يتحدثون بها، باللهجة التي أعرفها جيدًا، لأن هذه هي الطريقة التي يتحدث بها والدي. وبهذه الطريقة، اختبر الممثلون الحوار. أعطيهم اتجاهًا، وأضافوا ما كان مفقودًا من نصّي: كلمة، جملة، لهجة. وبالمثل، لم أقم دائمًا بقطع الكاميرا في نهاية المشهد. في تلك اللحظات، عرفوا أنه يجب عليهم الاستمرار.
بعض الشخصيات ظهرت أثناء البروفات. على سبيل المثال، كان الصبي الذي يلعب دور عبده (عبد الحق المرابطي) آخر من انضم إلى فريق التمثيل. في بعض الأحيان كانوا يختارون تفسيرًا من شأنه أن يخلّف بعض المشاعر القوية، ثم أحاول تخفيفه. حاولت أن أفهم ردود أفعالهم على اقتراحاتي. على سبيل المثال، أردت تغيير اسم عبده، لكنني أدركت أن ذلك لن ينجح. على العكس من ذلك، أرادت بعض الفتيات تغيير أسمائهن لرغبتهن في لعب دور. تابعت ما يريده كل شخص بناءً على ما كان قادرًا على تقديمه وإظهاره.
باختصار، يمكن القول إن حوارات الفيلم كانت مزيجًا من تجارب أبطاله وإعادات للكتابة أثناء التصوير. كان الهدف خلق تناغم معيّن داخل المجموعة، خاصة وأن الفيلم صوّر أثناء فترة الإغلاق الصحّي. ومن أجل خلق نوع من التكامل بين الممثلين، كان علينا إعادة خلق الحياة. لأن السينما -في رأيي- تدور حول إعادة تمثيل الحياة…
تنبع فكرة الشخصيات العشر من ولعي بالأفلام الكورالية التي أجدها انعكاسًا للحياة. هناك دائمًا وجهات نظر مختلفة، خاصة في مكان العمل. وأحب أن أبيّن كيف أن كل شخص متصل بالآخرين. تعيش هؤلاء الفتيات في قرى تابعة لمدن داخلية، فيما عبده من مدينة المنستير، الساحلية السياحية الأكثر انفتاحًا. هل أردتُ إظهار تذبذب الشابّات بين التقليد والحداثة؟ لا، لا أعتقد أن هؤلاء الفتيات ممزقات بين التقاليد والحداثة، فهن حديثات للغاية! لا يتعلق الأمر بذلك على الإطلاق. في رأيي، النقطة المهمة هي إدراكهن افتقارهن للفرص. هذا الانحباس تحت هذه الأشجار يُظهر أنهن مثل أي فتاة أخرى في العالم، باستثناء أنه ليس لديهن الفرص والآفاق نفسها. تشير فداء إلى ذلك عندما تسأل كيف تبدو الحياة في المنستير، إذا كان هناك سيّاح، إذا كانت هناك وظائف. في منطقتها -الجزء الي تعرفه من العالم- تذهب الفتيات إلى المدرسة ثم يعملن في الحقول؛ هذا كل ما في الأمر.
أيضًا، أريد الإشارة إلى أمر أخير: المناطق الداخلية من البلاد، ولا سيما وسط غرب تونس، تفتقر بشدة إلى إمكانية الوصول إلى الثقافة. هناك عدد قليل من دور السينما أو صالات العرض أو منعدمة تمامًا. بالنسبة للممثلين والممثلات غير المحترفين، الصغار والكبار، كان تصوير هذا الفيلم بمثابة لقاء مع الفنّ السابع. كما اكتشفوا عمل التقنيين السينمائيين، وكل واحد منهم قدّم جزءًا من روحه في الدور الذي لعبه. كانت عملية رائعة وأصيلة. صوّرنا في كسرة مع شباب من مكثر. بلادنا مليئة بالمواهب، لكنها بحاجة لمَن يكتشفها.
-هل كان مشهد الجدال بين فداء وسناء مرتجلًا تمامًا؟
إنه مشهد تدرّبنا عليه كثيرًا، ما يعني أنني أعدتُ كتابته كثيرًا. كان مكتوبًا، لكنني استندت إلى ماضيهما وتاريخهما المشترك (فهما شقيقتان)، بحيث لم يعد المشهد يخصّ شخصيتيهما الفيلميتين وإنما ذاتيهما أيضًا. اليوم الذي يعيشانه هو يوم شخصيتيهما، لكن فجأة تداخلت الأمور، وأصبحتا تمثلان نفسيهما. لهذا السبب أيضًا أقول إن الفيلم مكان للتعبير: يمكن للممثلين أن يختبئوا وراء أدوارهم ليقولوا ما يريدون قوله.
-كيف تفسّرين بعض التكرار الوارد في الحوارات؟
كل شيء في هذا الفيلم يدور حول القطاف، ليس قطاف التين فحسب. في القطاف ثمة عملية اختيار مستمرة ومتكررة. قصص الشخصيات، محادثاتهم أثناء العمل.. تعيد نفسها في الفيلم، كما في الحياة. هذا ليس فيلمًا موضوعيًا (بمعنى أنه يتبع موضوعًا بعينه)، ولكنه فيلم انغمار نكتشف فيه العلاقة بين الرجال والنساء، مثلما نقابل أسئلة حول الظروف الاجتماعية والاقتصادية. كنت أرغب في إعطاء الفيلم إحساسًا بمرور الوقت الفعلي وإنشاء شخصيات واقعية بدون كليشيهات، حيث يقاطع العمل المحادثات بين الأفراد، ولكن بمجرد استئنافها مرة أخرى، تعطي لقطات المحادثة هذه انطباعًا بتكرار معيّن يعكس بدوره الجانب المتكرر من الحياة.
-فيلمك بسيط وجذري. يبدأ ويختتم بمشهد متكرر، ويدور في يوم واحد ومكان واحد..
منذ البداية، تخيّلت أن الفيلم سيدور في يوم واحد وفي مكان واحد، وأنه سيفتح ويغلق مع مشهد العمّال في الشاحنة. أعطى هذا الفيلم معنى وقوة إضافية. أعجبتني فكرة أن الكاميرا في الهواء الطلق، في ظرف يوم واحد، يمكنها أن تخبر الكثير من الأشياء عن الحب، والصداقة، والعمل، والمال، والعلاقة بالأرض، والحياة. كنت أرغب في استخدام بيئة طبيعية وتحويلها إلى فضاء مسرحي حيث يمكنني إعطاء النساء والرجال الفرصة للعب دور، ولكن قبل كل شيء للتعبير عن أنفسهم دون اصطناع.
-بالحديث عن التجربة الغامرة للفيلم، فـ«تحت الشجرة» يستحم في ضوء الشمس، ويغمرنا في البستان عبر أصوات الطبيعة، وهناك تركيز على وجوه الشخصيات، وغالبًا ما تُصوّر عن قرب. كيف قاربت هذه المسائل الجمالية؟ وهل لتلك الاختيارات علاقة بمحدودية موقع التصوير ورغبتك في تكثيف قصّة الفيلم على مدى يوم واحد؟
كما قلتُ سابقًا، كان هدفي رواية قصة حياة يومية مركّزة في يوم واحد، لتظهير ذلك الجانب المتكرر من الحياة وخلق إحساس بفيلم يتكشّف في الوقت الحقيقي وفي حالة انغمار. لذا كان علينا خلق شعور بأننا نقضي اليوم مع الشخصيات. كنت أرغب في تقريب الجمهور منهم، وجعلهم يختبرون اليوم مثلهم. إشعارهم بفكرة الحبس والاختناق. هذا فيلم بورتريه وليس فيلم «موضوع». هؤلاء النساء لا يفسّرن لنا مأساتهن. هنّ أحياء، ونحن نشاهدهن يعبرّن عن أنفسهن.
كان علينا أيضًا أن نتعامل مع قيود التصوير في مكانٍ واحد. فضلًا عن محدودية الموازنة. الحاجة، كما يقولون، أمّ الاختراع، ولذا في مثل هذه الظروف عليك إيجاد حلول فعّالة ومناسبة. قرّرنا التصوير في الهواء الطلق، مع إضاءة طبيعية، وكاميرا واحدة فقط، وبدون معدّات، وموقع تصوير رئيسي واحد فقط. استغرق التصوير عامين. ليس لسنتين متتاليتين، بل موسمين متتاليين لحصاد التين. كان علينا أن ننتظر الفترة المناسبة، والتي كانت مدتها ثلاثة أسابيع فقط في كل مرة، للاستمتاع بأفضل ظروف التصوير. وكان علينا في هذه الأثناء أيضًا الانتباه لأحوال الطبيعة والطقس، نظرًا لتأثيرهما في عملية إنضاج التين. صوّرنا في المرة الأولى في شهري أغسطس / آب وسبتمبر / أيلول 2020، والثانية في العام 2021، وصراحةً شعرت بمخاطرة في فعلي هذا، تخوّفًا من تغيُّر العلاقات بين أبطالي في غضون العام الفاصل. لكن المضحك، أن الشخصيات ظلّت كما هي، إنما البستان اختلف. (تضحك)
الطبيعة كانت ديكورنا، فوقنا الشمس -بما أننا صوّرنا أثناء سطوعها- وتحمينا الأغصان. حاولنا تسلُّق أشجار التين للحصول على زوايا مختلفة للتصوير، ولكن الخوف من تكسّر الأغصان، فضلًا عن إلحاق خسائر جسيمة لمالك البستان، حملنا على عدم خوض المغامرة. وضعية الوجه بالنسبة للشمس هي التي قادت عملية التصوير. كان علينا أيضًا توخّي الحذر لأن عمّالًا حقيقيين كانوا يحصدون إلى جوارنا في الوقت نفسه. كل هذا حدّ من قدرتنا على اللعب البصري والحركة.

لكن كُثرٌ أخبروني بأن الأمر بدا كما لو أننا صوّرنا كل شيء في يوم واحد. وهذا سحر المونتاج / التحرير، الذي أردنا من خلاله خلق تسلسل طبيعي تتكشّف فيه الحياة أمامنا. من شروق الشمس إلى غروبها، يتابع المتفرّج يومًا في حياة هؤلاء الشابات دون انقطاع. إنها رقصة بشرية تحت الأشجار، حيث ننتقل من شجرة إلى أخرى، ومن قصّة إلى أخرى، ويرتبط الفرد باستمرار بالمجموعة، كما لو أننا في فالس كبير ومزدحم في ساحة رقص مؤطّرة.
خبرات سابقة
-قبل الشروع في العمل في مجال السينما، اشتغلتِ لفترة في الصحافة، ثم أنجزتِ عددًا من الأفلام الوثائقية. مع «تحت الشجرة»، دخلت عالم السينما الروائية، لكن عملك لا يزال مطبوعًا بخبراتك المهنية السابقة..
قرأت الكثير من «ملاحظات حول السينماتوغراف» لروبير بريسون، التي كتب فيها، «حلمت بفيلمي يتشكّل تدريجيًا أمام عينيّ، مثل لوحة رسم دائمة التجدّد»، وهذا بالضبط ما أردت أن أفعله بهذه القصّة. دخلت الصحافة بالصدفة، وكانت السينما التسجيلية مدرستي الأولى، لكن السينما الروائية منحتني المزيد من الحرية. في التسجيلي، كنت أبدأ من لقاء أو موقف أو شخّص يحرّكني في الحياة. مع «تحت الشجرة»، يبدو الأمر كأن الفرصة جاءتني أخيرًا لفعل ما رغبت دائمًا في القيام به: سينما إيماءات، تسمح لي بتوحيد مجموعة من الأشخاص من حولي.

أعتقد أنني تمكّنت من إنجاز فيلم ليس أيديولوجيًا، ولا يلوّح بعلمٍ ما، لكنه مع ذلك سياسي جدًا، ولا يزال بالنسبة لي مختبرًا سينمائيًا. تصوّرته كحصاد. كان علي التقاط إيماءات وألوان وهيئات وقصص، بخطوات صغيرة ودقيقة، تمامًا كما في الرسم. شرعت في التقاط نتف وإشارات وأجزاء صغيرة مما حرّكني في هؤلاء العاملات والعمّال الموسميين الشباب. بناءً على القصص التي رووها لي وما كنت قادرة على ملاحظته في حياتهم اليومية، ثم قمت بإعادة إنشاء عالم مألوف لهم ولكن خلف أبواب مغلقة، مثل نوع من التجربة الجماعية لأحكي مصيرًا جماعيًا. في الأخير، السينما تدور حول سرد القصص، لذلك بالنسبة لي لا علاقة لها بماضيّ كصحفية.
ربما أفادتني خبرتي الوثائقية السابقة في جانب التعامل مع غير الممثلين. كان التحدّي الأساسي يتعلّق بالمكان، والتحكم في الميزانسين. أحبّ الارتجال، فهو أمر سحري وممتع إلى أبعد مدى. أردت إشعار المتفرّجين أن الفيلم يحدث أمامهم، وكأنه لم يُكتب مسبقًا. وبالرغم من أن فيلمي في النهاية فيلم روائي، إلا أنني أردتُ أن نشعر بتلك الطبيعية، كما لو أننا نقضي تلك اللحظة معهم ولا نعرف ما التالي. لا يمكننا توقع أي شيء.
هناك حكاية من التصوير، في اللحظة التي كانت فداء تصوّر المشهد الذي تقول فيه إنه لم يعد هناك رجال وأنهم جميعًا منافقون، وكان هناك عمّال يقطفون التين من حولنا. واحد منهم لم يكن مدركًا أننا نصنع فيلمًا، فسمع كلامها وانزعج. كان من المفترض أن ينتهي المشهد عند هذه اللحظة، لكن خبرتي الوثائقية تملّكتني حينها وعندما رأيته قادمًا، علمت أن شيئًا ما سيحدث. نظرت إلى فريدة مرزوق (مديرة التصوير)، وأخبرتها «يجب أن نصوّر هذا الآن». لذا، فالمشهد الذي يقول فيه الرجل العجوز لفداء إن «كلامها ليس لطيفًا، ولا يصحّ أن تقول هذا الكلام»، لحظة واقعية/ حقيقية، وليست روائية. لقطة واحدة، دون قطع أو تجهيز.
أعتقد أن أجمل الأفلام الوثائقية شبيهة بالخيال، وأجمل الأعمال الخيالية شبيهة بالأفلام الوثائقية، لأنها تعيد خلق الحياة.
-في معرض سؤالك عن صانعي الأفلام والمخرجين الآخرين الذين أثّروا بكِ، لفت انتباهي ذكرك لاسم عبد اللطيف كشيش..
نعم، على عكس ما أسمعه عنه، أجدُ عمله نسويًا. شخصياته النسائية حرّة، وتتحمّل مسؤولية رغباتها وأجسادها، وتفعل بها ما تريد. أنا معجبة كبيرة بأفلامه المبكرة. أعجبني فيلمه «المراوغة/ L'Esquive» بشكل خاص. في فيلمي، أشعر كأنني نقلتُ نصّ «ماريفو» خاصّته، الذي يدور في حي للطبقة العاملة الفرنسية، إلى الريف التونسي.
أحبّ صوفيا كوبولا أيضًا، للضوء الذي يغمر أفلامها وطريقتها في تصوير الأطفال؛ ومايوين من أجل الجانب الغامر في أعمالها، ولا سيما «بوليس». أنا معجبة بالعديد من صانعي الأفلام الآخرين: كوستا غافراس، وتيرينس مالك، وكياروستامي، وأصغر فرهادي، وفلّليني... أما بالنسبة للأفلام الوثائقية، فأنا أقدّر حقًا عمل ريموند ديباردون لجمال وقوة سينماه.
(سياق: يدور فيلم كشيش المشار إليه حول مجموعة من المراهقين في ضواحي باريس يتدرّبون على مقطع من مسرحية «لعبة الحبّ والحظّ» للكاتب ماريفو، كجزء من نشاط دراسي ضمن مقرَّر الأدب الفرنسي. عبد الكريم، الذي لم يكن مشاركًا منذ البداية في المسرحية، يقع في حبّ ليديا. من أجل محاولة إغواءها، يقبل أحد الأدوار وينضمّ إلى البروفات. لكن خجله وإحراجه يمنعه من المشاركة في المسرحية، مثلما في النجاح مع ليديا.)

-بالحديث عن كشيش، تعاونتِ في كتابة فيلمك مع شريكته غالية لاكروا. كيف كانت هذه التجربة؟
لقد ساعدتني في التخلّص من عُقدتي الصغيرة، وشعوري بأني دخيلة؛ لأنّي لم أدرس السينما، ولا أنتمي لخلفية ثرية.. كما حرّرت عملي السينمائي من ثقل الموضوع، والخطاب، والتفسير. أخذني هذا اللقاء في اتجاه مختلف تمامًا في مقاربتي للسينما، وفي الطريقة التي أتخيّل بها أفلامي القادمة.
بمجرد أن وُلدت فكرة الفيلم، كنت بحاجة إلى وجودها ودعمها في هذه المغامرة المجنونة. كتبت غالية بعض المشاهد ورافقتني زميلتنا الأخرى بيجي هامان خلال العملية. كانت هذه المغامرة السينمائية الأولى لبيجي، حيث تتركّز خبرتها في المسرح بشكل أساسي. الشيء المهم بالنسبة لي هو أنهما آمنتا بفكرتي ورؤيتي ودعمتاني بكل إخلاص.
في فيلمك التسجيلي الطويل الأول، «عالسكّة» (2019)، تتبعتِ على مدار خمس سنوات عمّال السكك الحديدية التونسيين وما يعانونه من تهميش ونسيان. يبدو لي اهتمامك بتصوير الأشخاص أثناء العمل...
من المحتمل أن هذا موروث من والدي. ككهربائي، اعتاد دائمًا إصلاح الأشياء في منزلنا. كان العمل مهمًا جدًا بالنسبة له، وكان دائمًا يتحدّث عن أهميته في ما يتعلّق بمستقبلنا. وأعتقد أن هناك الكثير لفهمه ومعرفته عن الشخص من خلال متابعته أثناء تأدية عمله. ربما بسبب نشأتي الفرنسية في حيّ للطبقة العاملة، أضحت هذه المتابعة مرادفًا للعمّال والمهاجرين، وربما أردت أن أُعيد لهم شيئًا من الكرامة والنُبل.

-في حين كان فيلمك الأول عن عالم يسوده عمّال ذكور، تحضر النساء بقوة في «تحت الشجرة»..
أعترف أنني لم أقصد الأمر بهذه الطريقة. في الحقيقة، عالم العمل هو الذي فرض هذا الانقسام: عالم القطارات ذكوري، في حين أن عالم الزراعة أنثوي. غالبًا ما نفكّر في الفلاحة والزراعة كعالم رجولي، لكن الإحصاءات العالمية تظهر عكس ذلك تمامًا: النساء يمثلن الأغلبية. لذلك كان من المهم بالنسبة لي احترام هذه الإحصائية، لأنه عندما تصنع فيلمًا، فأنت بالتأكيد تحكي قصة محلّية، لكنك أيضًا تحكي قصة عن العالم.
انعكاسات أكبر
-هؤلاء الشباب يتحدثون كثيرًا عن الحب. هل هذا بسبب أعمارهم، نقص الفرص، تزجية وقت؟
ألسنا نفعل هذا في حياتنا؟! نتحدث كثيرًا عن الحب في بلادنا، لكننا لا نشعر به في سينمانا. قديمًا، حفلت السينما السائدة العربية (المصرية بالتعريف) بقصص الحبّ وكانت الحبكات كلها تقريبًا تدور حول مشاغله وهمومه. الآن، يبدو الحبّ صعب المنال.
في الفيلم، يتحدث الشباب عن ذلك، في بعض الأحيان باستخفاف. هؤلاء الفتيات لسن مستقلات حقًا، لكنهن أحرار جميعًا. حبّ الرجال مهم جدًا بالنسبة لهن، لكن في النهاية، حقيقة أنهن معًا لها الأسبقية على أسئلة الحب. أشعر بهذا التضامن النسائي كثيرًا في تونس: من وضع سياسي واقتصادي معقَّد، تنبثق روح التكاتف. يلعب فيلمي على ازدواجية التبعية والاستقلالية هذه. تتحدث الفتيات بحرّية أكثر من الرجال. هؤلاء الأخيرون يجدون صعوبة في التعبير عن أنفسهم، على عكس الشائع من كليشيهات الرجل العربي القوي القادر على الإفصاح.
هؤلاء الفتيات لا تدفعهن كلّهن فنتازيات الوقوع في حبّ فارس الأحلام. حتى إن كنت لا أعرف كيف أحدّد موقفي منهن: هل هذا صواب أم خطأ؟ أحاول ألا أحكم عليهن، إنما تقديم ما أشعر أنه حقيقة. هن واعيات جدًا، وأحيانًا يشعرن بالمرارة وخيبة الأمل أيضًا. يتحدثن عن الزواج وليس الحبّ، يقلن، «سنتزوج، وسيأتي الحب لاحقًا». هذه ليست كلمات عصرهن أو جيلهن! إنها شيء جديد تمامًا وقديم في الوقت ذاته. تمامًا مثل طريقة أسلافهن في قطف التين، كما لو لم يتغيّر شيء، بينما في الوقت ذاته يعبّرن عن أنفسهن بحرّية، بطريقة حديثة جدًا.
-لكن بعض بطلاتك أكثر محافظة من بعض الرجال..
النساء أيضًا يسهمن بدورٍ في إدامة النمط المحافظ. سناء، على سبيل المثال، تودّ أن يكون خطيبها أكثر تدينًا. لكن هذا لا يمنعها من التمتّع بروح الدعابة وكونها صديقة لفداء، التي لا تنصاع لكلامها وتحفّظاتها. في بلادنا، لا تزال هناك مجموعات وعلاقات صداقة غير متجانسة مكوّنة من أشخاص لا يشبهون بعضهم البعض ويفكّرون بشكل مختلف تمامًا. في فرنسا، يُقال إننا (التونسيين) أكثر تسامحًا، لكنها مفارقة، لأنني أرى في تعاملاتي الحياتية المزيد والمزيد من التقسيمات والدوائر؛ فقط الأشخاص الذين يشبهون بعضهم بعضًا ينخرطون ويتسكّعون معًا...
أنشأتُ هذه المجموعة من الشباب بناءً على ملاحظاتي في تونس. لذا، ترتدي جميع بطلاتي الحجاب، ولكن بطرق مختلفة، لأسباب مختلفة، ليست دينية دائمًا. في البوستر، ترتدي فداء وشاح جدّتي. ترتدي معظم العاملات الزراعيات هذا النوع من الأوشحة، ليس فقط في تونس، ولكن أيضًا في أفغانستان وجنوب إيطاليا والمغرب... إنه رمز، والفيلم يدور حول كل هؤلاء النساء.
-أعتقد أن مزيدًا من التعليم أو الزواج هو الخيار الوحيد المتاح لهؤلاء الشابّات..
بالضبط. قمنا بالتصوير على مدار فصلين، حيث إن موسم التين قصير جدًا. الممثلة التي تلعب دور مريم، سمر سيفي، تزوّجت بعد فترة التصوير الأولى، وزوجها لم يرد أن تستمر في تصوير الفيلم.. يُظهر هذا التفصيل مدى قرب الفيلم من الواقع. حدث هذا أيضاً لفداء، التي وجدت نفسها مخطوبة، لأنه لا طريقة أخرى حيث تعيش، لكنها الآن تريد الذهاب لاختبارات التمثيل، لتتصوَّر مستقبلًا آخر.
-أيضًا، الشخصيات الذكورية تعبّر عن إحباطها في الحبّ..
فراس، على وجه الخصوص، مؤثّر في تعبيره عن آلام الحبّ. سمعت هذا كثيرًا بين الرجال: الجميع -أختك، والدك، وأخوك...- يقرر لك نوع العلاقة التي يجب أن تحظى بها. نحن نعيش في مجتمعات لا تزال فيها الجماعة مهمة للغاية، وأحيانًا تكون ضاغطة. وليس لدى فراس مكان يذهب إليه ليحيا علاقته، حميميته. إنها استعارة لانحصارهم: إذا تعمّقت أكثر، تخيّلت حياته، ستكتشف أنها محصورة في نطاق ضيّق. أردتُ حقًا أن يضع المتفرج نفسه في مكانه، وأن يتخيّل كيف يكون الحال بدون خيار في الحياة: لا يمكنه المغادرة، وليس لديه ما يكفي من المال، ولا يمكنه أن يحبّ امرأة بالطريقة التي يريدها، أن يواعدها...
-في الفيلم، تتطلّع إحدى الفتيات بشوق للذهاب إلى مدينة المنستير. هل تمثّل المدينة الساحلية، في نظر الشباب، فضاءً للحداثة والتحرُّر؟
بالنسبة لهم، تمثّل المنستير عالمًا بعيدًا، رغم إنها لا تبعد عنهم سوى ثلاث ساعات بالسيارة. يوضّح هذا مدى عيشهم في عالم محدود، ومدى عدم تمكّنهم من الحصول، حتى في بلدهم، على تلك الإجازات الصيفية حيث تذهب الفتيات للنوادي، ويشربن الكحول... لكن حين تذهب إلى المدينة، تشعر بالحنين إلى الريف، كما يقول فراس، لأن الناس هناك أفضل. لكن عندما تكون هناك (الريف)، تحلم بمكان آخر، لأن المدينة تمنحك فرصًا لا يُقدّمها الريف.
-يُظهر الفيلم شبابًا في خضم صراعات صغيرة، لكننا نشعر أيضًا أنها انعكاسات لصورة اجتماعية مصغّرة بكل خصوصياتها؟
أنا في عملية عضوية حيث يتطوّر العمل ويُكشَف عن أشياء كثيرة. أحبّ العوالم الاجتماعية المصغّرة و«أفلام الكورال» التي تحكي قصّة حياة، بدلًا من الأفلام التي تركّز على شخصية واحدة أو عدة شخصيات رئيسية. العلاقات الرومانسية بين الشخصيات، إذا أردت، هي ذريعة غير مصطنعة للتعبير عن المجتمع. يعرض الفيلم طريقة تكوين وتفكير الشخصيات، إلى جانب علاقتها بالحبّ والصداقة والعمل والمال والأرض والجيل الأكبر سنًا. يكشف الفيلم أن هؤلاء الفتيات والفتيان لديهم نفس الاهتمامات مثل أي شباب آخر في العالم. ومثلما يحدث في أي مكان آخر، هناك دائمًا ذلك الصراع بين الأجيال، بين المورث القديم والحداثة الجديدة.
-هناك ما يشبه ميلانكوليا صيفية تغيّم على الفيلم، فعلى الرغم من أن القصة لا تدوم إلا ليوم واحد، نشعر أن شيئًا ما ينتهي أو على وشك الانتهاء: موسم القطاف، الحبّ، روح الشباب، دعة العيش الخالي من الهموم.
نعم بالضبط. حان وقت العودة إلى المدرسة تقريبًا، إنه نهاية موسم الحصاد، لم يتبق سوى القليل من التين على الأشجار، كما نرى في الفيلم. وكان هناك أيضًا تيارٌ خفي من الدراما المحتملة التي دفعتني، وأعني بذلك مأساة العاملات المنقولات في الشاحنات، مصدر العديد من الحوادث المميتة كل عام والتي لا يكاد أحد يتحدث عنها. وهكذا، فالموسيقى الدرامية خلال المشهد الأخير، المتناقضة مع الغناء المبهج للشابّات أثناء عودتهن لبيوتهن، هي أيضًا تذكير بأن الحياة هشّة، وأن حياتهن أكثر هشاشة من حياتنا. لذلك هناك احتمال أن تنتهي حياة ما. هذا التهديد له وزنٌ وثقل، وهؤلاء النساء يشعرن به.
-ولكن هناك أيضًا تهديد حقيقي من رئيس العمّال الذي كان على وشك اغتصاب إحدى العاملات المراهقات.
لا يزال حديث نساء الأقاليم عن هذه الحوادث تابوهًا، لكن إساءة استخدام السلطة متكررة، حتى أبعد من مسألة الرجل -المرأة. في الفيلم، يرى الرئيس الفتيات كفاكهة يمكنه قطفها مثل التين كما يشاء. والواقع أكثر عنفًا مما أُظهره في الفيلم. نظرًا لأنه يوم واحد فقط، فقد وجدت من الصعب إلقاء كل الدراما الممكنة وجعل الشخصيات تعيش في أسوأ يوم ممكن: هذا غير منطقي! الأسوأ يكمن في مكانٍ آخر، قبل، وبعد؛ يمكن للمتفرّج تخيّله أيضًا.
أردت أيضًا إظهار الشابّات المولودات بعد الثورة التونسية، اللائي يعرفن كيف يرفضن ولديهن حرية معيّنة في التعبير. لا أعني بهذا القول إن الثورة التونسية، مثلًا، كانت ضد الرجال، لكن ما أعرضه هو آثار الثورة. الثورة حدثت بالفعل، لكنها لم تنته بعد. النظام الأبوي لا يزال معنا. يمكنك أن ترى هذا في الرجل العجوز الذي أخبر فداء أنها لا يمكنها التحدث بالطريقة التي تكلّمت بها، دون أن يكون له أي سلطة عليها. وبالمقابل، شقيقتها، هذه الفتاة المراهقة، ملاك، شهدت في سنواتها المبكرة ثورة شعبية أطاحت برأس النظام السياسي، وامتلكت في عمرها الصغير شجاعة الرفض والتعبير عنه.
كذلك من المهم أيضًا إضافة أنه في حين استنكاري مثل هذا النظام الأبوي الذي يعرّض الفتيات للتحرّش والإساءة، إلا أن هذا لا يعني أطلاق الأحكام على الأفراد، الذين هم في النهاية سجناء عنفهم. حالات الاغتصاب شائعة في بيئات العمل المعزولة نسبيًا هذه. في فيلمي كنت هادئة نوعًا ما بشأن ما يحدث بالفعل، لأنني لم أرغب في شيطنة الرجال. أردت الإيماء بدلاً من إظهار الأشياء بشكل صريح للغاية.
الرئيس، الذي يُفهم أنه تولّى العمل من والده، يختار الفتيات كما لو كنّ ثمرة مرغوبة. تهجُّمه على ملاك ليس غريبًا ولا نادرًا. ملاك قوية، مثلها مثل فداء، التي تذهب إلى حدّ كسر صمتها ومواجهته علنًا يوم تسلّم الأجور. يمكننا تخيُّل أن هذه المضايقات متكررة، لكنها لا تمنعهن من التحرّر أخيرًا والضحك والسعادة، لأن هذه، للأسف، هي الحياة اليومية لهؤلاء الفتيات الصغيرات. في الحقول، معظم العمال من النساء، يتقاضين أجورًا زهيدة، وليس لديهن ضمان اجتماعي، وغالبًا ما يُنقلن بطريقة غير آدمية، لكنهن يغنّين معًا في نهاية يوم العمل، لأن الحياة يجب أن تستمرّ.
السينما وأحوالها
-من أين جاءت رغبتك في صناعة الأفلام؟
من خلال أعمال كشيش، ومن أفلام مبكرة للوك بيسون وجان جاك آنو. كان حي الطبقة العاملة «لو مانغيت/ Les Minguettes»، حيث نشأت في ليون، يحتوي على صالة سينما صغيرة. كم كنت محظوظة! اعتدت أنا وأخي مشاهدة أفلام الويسترن وكلينت إيستوود. ثم أثريت ثقافتي بسينما أكثر حرية وتجريبًا؛ الموجة الفرنسية الجديدة وما إلى ذلك. كان والدي رجلًا حكيمًا ولبيبًا، قال لي: «لا يمكنك صنع فيلم بدون نقود». لذلك درست التمويل لكسب المال، وأنشأت شركة الإنتاج الخاصة بي، «هنية برودكشن»، وموّلت فيلمي الأول.
كان الفيلم التسجيلي مدرستي. فهمتُ أنك بحاجة إلى قرون استشعار لصنع أفلام روائية، لالتقاط الكثير من الأشياء في الحياة، في الحياة اليومية، في الواقع. سمحت لي السينما التسجيلية بصقل عيني، وتجربتي، وحمل الكاميرا بنفسي. عليك أن تثق في حدسك وغرائزك. وتعلّمت الكثير من الفنّيين العاملين في المجال.
عُدتِ إلى تونس أثناء ثورة 2011. الآن بعد إقامتك فيها طيلة 12 عامًا وإنجازك فيلمين، برأيك كيف تقيّمين الوضع الحالي لصناعة السينما في تونس؟
صناعة السينما التونسية تُركت لتلاقي مصيرها. رغم أن مسيرتي، للمفارقة، تحقّقت هنا! يعتقد الناس أن الفرص موجودة في أوروبا، لكن إفريقيا والعالم العربي توفّرها أيضًا. مَن كان يدري أنني سأتمكن في فرنسا من إيجاد مكاني بين كل هؤلاء المخرجين، في هذه البيئة المتعذَّر عليّ الوصول إليها؟ في تونس، كانت السينما أرضًا عذراء تقريبًا. يعرف صانعو الأفلام بعضهم البعض. حكومتنا شبه غائبة عندما يتعلّق الأمر بالقضايا الثقافية. على سبيل المثال، لا حماية لحقوق النشر. قرصنة الأفلام شائعة. في مثل هذا السياق، لماذا يذهب الناس إلى دور السينما؟! نحن نمرّ بأزمة سياسية واقتصادية عميقة، لذلك علينا الاعتماد على أنفسنا. صوّرت «تحت الشجرة» بموارد مالية ضئيلة جدًا، دخلَ الجميع وخاطروا. التمويل جاء في وقت لاحق. ثم مثّل الفيلم تونس في سباق جوائز أوسكار. كان أمرًا لا يُصدَّق!
من الضروري أن نفتح عقولنا ونتنفّس حياة جديدة في الأشياء، خاصّة في الأوقات الصعبة. ما الذي يمكن أن يكون أقوى من الفنّ لمساعدتنا على الهروب، ومساءلة حقيقتنا ووضعنا، وأيضًا للتفكير في نوع السينما التي نطمح إليها؟ لا أدّعي أن فيلمي مهمّ، لكنه ألقى بحجرٍ في المياه التونسية. لأنه لا يحتوي أجندة، ولا رسالة، وليس فيه ممثلون معروفون؛ يتساءل الجمهور عما إذا كان فيلمًا وثائقيًا أم روائيًا، وما إذا كان المؤدّون يرتجلون أم يمثّلون، سواء كان ذلك واقعًا أم لا... لا يندرج «تحت الشجرة» تحت تصنيف مسبق أو صندوق معلّب. بالمثل، يقوم صانعو أفلام آخرون باللعب خارج الصندوق، وكسر الأعراف، من دون أدني دعم مؤسسي أو رسمي.
لم يُطوَّر قطاعنا بما يكفي ليصبح صناعة، ومع ذلك يحضر فيلم تونسي كل عام في مهرجاني «كان» و«برلين».. مذهل وغير معقول ما يمكن لهذا البلد الصغير وسينمائييه أن يفعلوه بوسائلهم ومواردهم المحدودة. أقول لأولئك الذين خاب أملهم من الثورة: انظروا إلى ما نخلقه جميعًا في ظلّ هذه الظروف.
هوامش
1 «تحت الشجرة» (تونس، فرنسا / 2022). كتابة: أريج السحيري، غالية لاكروا، بيجي هامان. إخراج: أريج السحيري. تمثيل: أماني الفضيلي، فداء الفضيلي، فاتن الفضيلي، سمر سيفي، ليلى وهيبي، هنية بن الهادي، عبد الحق المرابطي، فادي بن عاشور، غيث المنداسي، فراس عامري. تصوير: فريدة مرزوق. موسيقى: أمين بوحافة. المدة: 92 دقيقة.
تقارير ذات صلة
«عاشت لتمنح الأمل».. مقابلة مع زبيدة فارسي
منذ مقتل فاطمة في 16 أبريل/نيسان، قُتل عشرات آخرين. ولم يقتصر الأمر على الصحفيين فحسب
سينما تناضل ضد الاستعمار| حوار مع ماتي ديوب
عن فيلمها «داهومي» الفائز بـ«الدبّ الذهبي لأفضل فيلم» في مهرجان برلين السينمائي
الفيلم أداة مقاومة| مقابلة مع باسل عدرا ويوفال أبراهام
حول «لا أرض أخرى» الفائز بجائزتين في الدورة الـ74 من مهرجان برلين السينمائي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن