عمولة «التكييش» وصلت 54%.. أزمة السيولة النقدية تستنزف أهالي غزة
وسط أزمة مستمرة في توفير السيولة النقدية داخل قطاع غزة المحاصر، اضطر محمد العرابيد للتخلي عن أكثر من نصف قيمة مساعدة مالية وصلت إلى حسابه البنكي، ولم يتمكن من سحبها في ظل تعطل الخدمات المصرفية منذ بداية العدوان الإسرائيلي، سوى باللجوء إلى أحد «تجار العملات» الذين أصبحوا يستقطعون نحو 54% من المبلغ الذي يصرفونه، «من 800 شيكل، استلمت 380، ويا دوب شريت رطل طحين وطبخة وحبتين بندورة وحبتين خيار»، يقول العرابيد لـ«مدى مصر».
مثل العرابيد، لم يتمكن محمد أبو حسنين، من سحب ألفي شيكل، هي قيمة راتبه الشهر الماضي، الذي وصل إلى حسابه البنكي، في ظل غياب البنوك العاملة في القطاع حاليًا، بعدما أغلق بعضها مقراته بفعل العدوان الإسرائيلي، ودُمرت أخرى نتيجة القصف، فضلًا عن تعطّل جميع ماكينات الصرف الآلي، إما لعدم تغذيتها بالأموال، وإما لتعرضها للتلف نتيجة الفوضى الأمنية التي انتشرت في القطاع، مع انهيار منظومة الأمن.
الخيار الوحيد المتاح أمام أبو حسنين كان تحويل الراتب عبر تطبيق الهاتف البنكي إلى أحد «تجار العمولة»، الذين كانوا حتى الشهر الماضي يقتطعون نسبة 48% من المبلغ المراد سحبه، حسبما قال أبو حسنين لـ«مدى مصر»، مؤكدًا أنه استلم نحو ألف و40 شيكلًا فقط من قيمة راتبه في عملية «التكييش»، حسبما يسميها الغزيّون.
أبو حسنين والعرابيد، مثل باقي سكان القطاع، أصبحا ضحية لسياسات إسرائيلية هدفت إلى خنق القطاع بوسائل عدة، أولها منع إدخال المساعدات الإنسانية والبضائع منذ بدء العدوان في السابع من أكتوبر 2023، وثانيها كان تفريغ القطاع من السيولة النقدية ومنع إدخالها، بما في ذلك إجبار تجار القطاع على استيراد شاحنات البضائع مقابل دفع ثمنها نقدًا فقط.
بحسب أبو حسنين، فإن العمولة المفروضة على استلام أمواله زادت من أعبائه الاقتصادية، بالتزامن مع «ارتفاع الأسعار الفاحش» في غزة نتيجة للحصار الإسرائيلي، خاصة مع رفض تجار وبائعي المواد الغذائية التعامل بالتحويل البنكي.
قبل العدوان، كان في غزة نحو 11 بنكًا، ستة منها فلسطينية، وخمسة أجنبية، بحسب هيئة تشجيع الاستثمار الفلسطينية، وهذه البنوك لم يعد متاحًا منها للغزيين سوى تطبيقات الهاتف، بعد خروج فروعها الـ56 عن الخدمة، إلى جانب توقف نحو 91 آلة صراف آلي بعدما تضررت جزئيًا أو كليًا بفعل العدوان، ما فاقم أزمة السيولة، بحسب سلطة النقد الفلسطينية، التي أعلنت عدم قدرتها على إعادة فتح فروع البنوك بسبب استمرار القصف والظروف الميدانية والواقع الأمني.
آخر فروع البنوك التي ظلت تعمل في القطاع كانا في النصيرات ودير البلح، وسط القطاع، وعملا بشكل جزئي، بعد تغذيتهما بالسيولة النقدية لمرة واحدة في الشهر منذ بداية العدوان، قبل أن يخرجا عن الخدمة بدورهما قبل نحو عام، وتحديدًا في أكتوبر الماضي.
آنذاك، لم يتمكن إبراهيم حسين، النازح من شمال غزة إلى جنوبها، من سحب راتبه بسبب الازدحام والفوضى أمام الصراف الآلي الذي كان لا يزال يعمل في «النصيرات»، واضطر بدوره لاستلام راتبه من خلال أحد «تجار العمولة»، حسبما قال لـ«مدى مصر»، بنسبة عمولة بلغت نحو 30% وقتها.
حسين، الذي كان يعمل في الخطوط الجوية الفلسطينية قبل إغلاقها عام 2022، مع تقليص راتبه إلى 1500 شيكل، يعيش حاليًا مع عائلته المكونة من سبعة أفراد في خيمة نزوح بمدينة دير البلح.
مشهد التكدس أمام الصراف الآلي في النصيرات كان تكرارًا لمشهد مماثل في مدينة رفح، أقصى جنوبي القطاع، التي استمر عمل نحو خمسة فروع بنكية وسبعة أجهزة صراف آلي فيها، حتى احتلالها في مايو 2024، واستحالة وصول الأهالي إلى تلك الماكينات، التي كانوا يضطرون للانتظار عدة أيام حتى يتاح لهم استخدامها، وسط زحام مئات اليائسين الذين ينتظرونها، فيما تطلب عصابات مسلحة رسومًا مقابل منحهم أولوية الاستخدام، مستغلةً غياب الشرطة في غزة، حسبما أفاد لوكالة رويترز ثلاثة عمال إغاثة غربيين، وسبعة من السكان.
أما عمولة «التكييش» فكانت مرآة للتغيرات الأمنية والسياسية، وهو ما ظهر في تراجع النسبة لمعدلات تتراوح ما بين 15 إلى 30%، في يناير الماضي، مع ترقب عودة عمل البنوك بالقطاع، بالتزامن مع وقف إطلاق النار المؤقت حينها، قبل ارتفاعها مجددًا مع استئناف إسرائيل عدوانها على القطاع وتجديد حصارها المشدد على سكانه، في منتصف مارس الماضي.
أحد تجار العمولة، قال بعدما طلب عدم الإفصاح عن اسمه، إنه اضطر للتعامل بنظام «التكييش» في ضوء الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها القطاع المنكوب، مُضيفًا لـ«مدى مصر» أنه من جهته يضطر إلى دفع نسبة عمولة أخرى لاستلام أمواله المحولة بنكيًا من تاجر عمولة آخر، الأمر الذي يدفعه إلى زيادة العمولة عند بيعه «الكاش» للمواطنين.
بدورها، عانت وفاء ساق الله، التي قتل الاحتلال زوجها في أثناء انتظاره شاحنات الدقيق على مفترق «النابلسي»، من عدم تمكنها من سحب المساعدة المالية التي منحتها لها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف»، بقيمة ألف شيكل، بسبب عدم توافر السيولة النقدية لدى وكلاء شركة Paypal المعتمدين في غزة، والمخولين من «يونيسيف» بصرف المساعدات المالية.
وقالت ساق الله لـ«مدى مصر» إنها حاولت سحب المبلغ بعمولة منخفضة لكنها لم تجد سوى نقود مهترئة لا أحد يقبل التعامل بها؛ لعدم مقدرة الوكلاء المعتمدين على توفير سيولة تكفي المواطنين، بينما تزداد الحاجة للنقود في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار الطعام والخضراوات، حسب تعبيرها.
كانت الأوراق النقدية التالفة والمهترئة تستبدل قبل العدوان على القطاع بأوراق جديدة ضمن التنسيق الفلسطيني الإسرائيلي في هذا المجال، وهو ما لم يحدث منذ بداية الحرب، لتصبح بعض الأوراق بلا قيمة مع رفض التجار والباعة قبولها بسبب اهترائها.
ومع اهتراء وتلف نسبة يسيرة من المتوافر من الأوراق النقدية، ونتيجة توقف دخول أوراق جديدة إلى القطاع، ظهرت في أسواق وطرقات غزة بسطات متخصصة في إصلاح وترميم التالف من الورق النقدي، مقابل مبلغ بسيط من قيمتها.
في محاولة لتخفيف أزمة العملات المهترئة، أعلنت شرطة غزة، في 10 يوليو الماضي، إلزامية التداول بجميع الفئات النقدية، شريطة أن تتضمن الرقم التسلسلي كاملًا، وأكدت في بيان أن فرقها المختصة من جهات التفتيش والرقابة ستتابع التزام جميع المواطنين بقرارها، لا سيما التجار وأصحاب البسطات في الأسواق، ومن يخالف القرار «سيعرض نفسه للمساءلة القانونية والإجراءات المشددة».
وبحسب الخبير الاقتصادي، وعضو جمعية رجال الأعمال في غزة، محمد أبو جياب، يرجع سبب الأزمة إلى تدمير إسرائيل للنظام المصرفي والدائرة المالية في القطاع، فضلًا عن منع دخول العملات النقدية ومنع استبدال الأوراق النقدية التالفة من خلال النظام المصرفي كما كان معتادًا قبل الحرب على القطاع.
وإلى جانب السياسات الإسرائيلية التي تمنع إدخال العملات والأوراق النقدية إلى القطاع، بعد تلف كثير منها داخله، تعمقّت الأزمة مع تخزين كبار التجار في القطاع للسيولة النقدية لاستخدامها في شراء شاحنات البضائع التجارية وإدخالها إلى القطاع عن طريق معبر كرم أبو سالم، في ظل اشتراط إسرائيل شراء البضائع نقدًا، حسبما قال تاجر آخر من القطاع لـ«مدى مصر».
أمر آخر ساهم في شح السيولة النقدية، بحسب ما قال أبو جياب لـ«مدى مصر»، هو تكدس الأموال في أيدي الباعة المتجولين ولصوص المساعدات، الذين لا يتعاملون بنظام الدورة المالية، بمعنى أنهم لا يشترون البضائع، بل يسرقونها هي والمساعدات، ومن ثم يبيعونها بأسعار مرتفعة، مع تخزين النقود بدلًا من تسييرها ضمن الدورة المالية الطبيعية، لتبقى السيولة النقدية مكدسة لديهم، في حين لا يمتلكون حسابات مصرفية.
أمام هذا الواقع المستجد الذي أعاد أهالي القطاع إلى عصور ماضية، ظهرت أنماط غير تقليدية لتبادل السلع، حيث تشهد مجموعات التواصل الاجتماعي حركة نشطة للمقايضة، فيعرض البعض استبدال الأرز بالسكر، أو المعلبات بأي سلعة غذائية أخرى. في حالات أخرى، يعرض البائعون السلع بسعرها قبل بداية العدوان، مقابل توفير المشتري سيولة نقدية، حسبما رصد تقرير سابق لـ«مدى مصر»، تناول أزمة ارتفاع أسعار المواد الغذائية مع اشتداد الجوع بين السكان في غزة، بالتزامن مع نقص السيولة النقدية.
وقال أبو جياب إن محاولات الاحتلال الإسرائيلي لإفراغ القطاع من السيولة النقدية هي جزء من سلوكه لتعزيز الأزمة ومحاولة ضرب الدائرة المالية لحركة حماس في غزة، وذلك باستنزاف مقدرات السيولة النقدية، سواء عن طريق تعزيز لصوص المساعدات وحمايتهم واكتناز الأموال لديهم، أو من خلال استنزاف السيولة النقدية عن طريق التجار المتعاونين مع الجيش الإسرائيلي مقابل الموافقة على إدخال شاحنات البضائع إلى القطاع.
كانت محاولات السلطات الإسرائيلية للتضييق على سكان قطاع غزة اقتصاديًا وماليًا، تضمنت مطالبة وزير الخارجية، جدعون ساعر، بنك إسرائيل بإلغاء الأوراق النقدية من فئة 200 شيكل، في أبريل الماضي، بزعم استخدام حركة حماس لتلك الفئة النقدية في 80% من أموالها، وهو ما رفضه بنك إسرائيل، لعدم وجود «مبرر مهني متين يبرر اتخاذ خطوة كهذه»، وعدم «تنسيق المقترح بشكل منظم»، حسبما قال بيان للبنك.
مركز الميزان لحقوق الإنسان اعتبر في تقرير أن تقويض عمل المصارف وتعطيل قدرتها على تقديم خدماتها المالية للجمهور إحدى أدوات الإبادة الجماعية، بحيث تمنع سلطات الاحتلال وصول السيولة النقدية الضرورية لعمل المصارف بالعملات المختلفة، لا سيما الشيكل الإسرائيلي الذي يشكل عملة التداول الرئيسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن