عمرو دياب بقى «بني آدم»
تشكُل جديد للهضبة أمام تعرية التريند والمهرجانات
«الله عمرو دياب! والله حقيقي»
هكذا صاح أحد معجبي عمرو دياب، في فيديو التقطه لنفسه، وهو يقف أمام الهضبة، في إحدى حفلاته المتكررة بالسعودية، العام الماضي، مذهولًا برؤيته على الحقيقة، ملتقطًا فيديو لهذه اللحظة النادرة، وهو يلمسه بانبهار، ليتأكد إذا كان حقيقيًا بالفعل.
ردة فعل المعجب السعودي تمثل معظم جمهور عمرو دياب في السنوات الأخيرة، في كل مرة يرون النجم الكبير قريبًا من الأرض. فعمرو دياب «الجديد» أصبح ينتهز كل مناسبة ليثبت أنه إنسان طبيعي، لديه أصدقاء ويحتاج للمال، ويعيش قصة حب، ويخجل من الجمهور والكاميرات، ويخشى الفشل وقلة الطلب، بعد مرحلة طويلة من نجومية، ارتكزت على كونه شبحًا لا يرى، بل يُحكى عنه. لا يحتاج إلى الإعلام، لا يعرف أحد عن حياته سوى أساطير، عن قدراته الرياضية الخارقة، وعبقريته الموسيقية.
عمرو دياب الجديد أصبح يغني في 2021 وفي ألبومه الجديد «يا أنا يا لأ» كلمات من قبيل: «اكرمني يا حب وحياة أبوك، وهجيب صحابي ينفعوك..عفريت الحب عليا حضر وده قلبته سم وياما غدر»، وهو نمط كلمات يأتي تأكيدًا على المرحلة الجديدة، التي تشهد تخففه من صورته القديمة، المرتبطة بالمزاج الرومانسي والكلمات الشاعرية، لتتماشى الآن مع سعيه إلى «التريند» ومواكبة موجة المهرجانات، بعد آخر مراحله، التي كانت أهدافها الوصول إلى العالمية.
قديمًا، كان دياب يحقق الإبهار المرجو بنزول الألبوم الجديد وموسيقاه الجديدة، ومعهما بالطبع اللوك الجديد الذي سيظهر به على البوستر. كان ذلك كافيًا لعصر المجلات الورقية بالإضافة لبعض شائعات التسعينيات الساذجة، ولكنها الآن لم تعد كافية لإبهار الجمهور الشاب، وإثبات التواجد بين تقلبات السوشيال ميديا. كان لابد من التغيير، والدفع بأوراق جديدة، بداية من صورته الشخصية وصولًا إلى الكلمات الجريئة وغير المتوقعة. التريند الآن أن تصبح واقعيًا وطبيعيًا، أن تنزل على الأرض، لا أن تكون نجمًا محلقًا، ودياب شخص يعرف كيف يقرأ ما يريده السوق، في كل لحظة.
عمرو دياب لا يترك شيئًا للصدفة، خاصة فيما يتعلق بنجوميته وبريقه، كما يقول عنه المنتج محسن جابر، الذي اعترف بأن من أسباب ترك الهضبة العمل معه والتعاقد مع «روتانا» رغبته في إثارة الجدل حوله بعد فترة من الركود -بجانب المال بالطبع- لذلك فإن نزوله إلى الأرض، في الفترة الأخيرة، بشكل ملحوظ، لم يكن أيضًا مرتجلًا أو فقط بسبب علاقته العاطفية الأخيرة.
عمرو دياب والهروب من ركود «روتانا»
بدأت المرحلة الجديدة في حياة عمرو دياب بنهاية علاقته بشركة روتانا في 2015، بعد آخر ألبوماته معها «شفت الأيام». عانى دياب في ألبوماته الأخيرة مع «روتانا» من ركود في حجم نجوميته، خاصة مع تجاهل الشركة الخليجية للدعاية له أو إيجاد حلول أخرى لتجديد الاهتمام به، وهي المهمة التي كان يتقنها جابر في فترة دياب الذهبية مع «عالم الفن»، حيث أضحى دياب مجرد رقم في قائمة مطربي «روتانا»، وتسببت سياسة الشركة في إبعاده أكثر عن الجمهور، وخفوت بريقه قليلًا، حتى أنها أبعدته عن عدد من رفقاء نجاحه، كالشاعر أيمن بهجت قمر، والملحن عمرو مصطفى، قبل عودتهما مؤخرًا للمساهمة في مشروع تجديد نجوميته.
لم تحقق «روتانا» له سوى الضمان المالي، والتواجد بألبوم كل عام، في فترة صعبة في سوق الغناء، الذي يعاني من الكساد. ولكن، ذلك ليس كل ما يهتم به الهضبة ويريده من شركات الإنتاج، بالتالي كانت الخطوة الإجبارية بالاتجاه إلى الإنتاج الشخصي، والبدء في مرحلة جديدة، وعلاقة جديدة مع الجمهور، بألبوم «أحلى وأحلى» (2016)، أول إنتاج شركته «ناي»، وانطلاقة مرحلته الموسيقية، مع الموزع أسامة الهندي، المستمرة إلى الآن.
الهضبة بيتكلم في الماضي
منذ ذلك التاريخ، تغير أسلوب دياب في العمل، وأصبح أكثر نشاطًا وتواجدًا بالأعمال الغنائية والحفلات، حتى في الإعلانات، والتي روج بها لعدة منتجات في وقت واحد، على غير عادته، حتى أنه في 2016 قدم ألبوم «أحلى وأحلى» وبعده بفترة قصيرة قدم ريميكس لأغاني الألبوم، ثم قدم أيضًا ألبومًا يضم أغان دينية.
وربما لأول مرة في مسيرته يلجأ إلى استعادة شيء من الماضي بشكل مباشر، بتقديمه حملة إعلانية بشعار «يلا نرجّع الذكريات» مرتديًا بلوفره الشهير في كليب «تملي معاك» وآخر من «ليلي نهاري»، وكانت تلك الخطوة حلًا سريعًا ومباشرًا لتذكير الجمهور بالروابط القديمة بينهما بعد فترة انقطاع، واستمالتهم عاطفيًا بآخر حدث من تلك المرحلة الذهبية إلى الوقت الحالي، متخطيًا سنوات الفجوة في «روتانا».

وهي الطريقة التي يتبعها الآن أيضًا، مكررًا الحملة نفسها، لكن بجرعة مكثفة مع ألبومه «يا أنا يا لأ» بفيديو إعلاني لشركة مشروبات غازية، ذكّر به الجمهور بأبرز لقطات وملابس كليباته على مدار 20 سنة. قد يكون استرجاع أمجاد الماضي سلاحًا للهضبة، في كل مرحلة يشعر فيها بالتهديد أو فقدان الثقة في الجديد، أو للتوازن في مراحله الانتقالية.
لا يعود عمرو دياب إلى الماضي لأنه الماضي، لكن لأنه اكتشف أن هذا من نقاط قوته. هذا ما يضخ الدماء في التريند. استغلال حنين الجمهور، الذي اتضح أنه يعشق هذا الماضي، ويريد تحويله تريندًا، مع المقولات التي رسخها جمهور دياب مثل «كل موقف في حياتنا مرتبط بأغنية لعمرو دياب»، وهي المقولة التي تم استحضارها مثلًا في مسلسل «نيران صديقة» (2013) لمؤلفه محمد أمين راضي.
يلجأ دياب للماضي لأن التريند هو هذا الماضي. عمرو دياب هو الشاب دائمًا. شبابه هو أكبر عناصر سمعته، سواء كان ذلك أيام «شبابه» الفعلية، أو كونه لا يزال «شابًا»، رغم السن.
عودة عمرو دياب قليلًا إلى الماضي لم تقتصر على الملابس واستغلال الذكريات، بل امتدت إلى الأغاني أيضًا، والتي قدم فيها إحالات إلى صوته التسعيناتي الشهير، وما قد يُعتبر أجزاءً مكملة لروائعه في تلك الفترة، وآخرها مثلًا أغنيته «عم الطبيب» والتي أعادت إلى الأذهان أغنيته الشهيرة «رصيف نمرة خمسة»، واستعان مجددًا بصناع أغاني فترته الذهبية بعد انقطاع طويل، كالموزعيْن طارق مدكور ونادر حمدي، والشاعر أيمن بهجت قمر، والملحنيْن عمرو مصطفى ومحمد يحيى، حتى أنه كان قريبًا من التعاون مرة أخرى مع حميد الشاعري. تولى هؤلاء مهمة إنتاج أغانٍ تحمل روح الأغنية الديابية، في مرحلة نهاية التسعينيات، مثل أغاني «نغمة الحرمان» و«انت مغرور» و«جامدة بس» وغيرها. لكن، رغم كل ذلك النشاط ومحاولات تجديد بريق الهضبة، ظل تواجده على السوشيال ميديا منقوصًا في عصر التريند ومواقع التواصل المشتعلة، والتي اصطدمت متطلباتها مع سياسته الشهيرة بالترفع عن الظهور، وأن الجمهور هو الذي يجب أن يسعى مقابل أن يسمعه ويشاهده. لم تعد مجدية فكرة الغياب التام والظهور فقط وقت الألبوم والحفلات.
ففي عصر ما قبل السوشيال ميديا، كان دياب يدير نجوميته بالتسريبات والشائعات حول أعماله الجديدة، ويحير الجميع بغموضه وابتعاده، رغم الهجوم المتواصل عليه في الصحف، بصفته رمز الأغنية الشبابية أو «الأغنية الهبابية»، كما كان يطلق عليها بعض النقاد. حاول دياب في البداية الرد باستمرار على الهجوم عليه والدفاع عن نفسه بغضب، قبل أن يقرر اتباع سياسة التجاهل، واستغلال ذلك الهجوم، باعتباره مادة دائمة وساخنة في الصحف، للترويج المجاني لأعماله ولأسطورته.
ولمن لم يعش تلك الفترة، فإن ما كان يحدث قريبًا جدًا لما يلاقيه نجوم المهرجانات ومحمد رمضان في الإعلام ومواقع التواصل، في الوقت الحالي، من هجوم متواصل وجدل وتحميلهم مسؤولية كل سلبيات المجتمع.
فطن عمرو دياب إلى أهمية نقل تلك العلاقة مع الإعلام التقليدي إلى السوشيال ميديا. وأعطته المطربة شيرين عبد الوهاب أول الخيط، بمنحها له هدية، عام 2017، بهجومها عليه، ووصفها له بإنه «راحت عليه، كبر خلاص في السن»، ما استفز جمهوره، وجعل الهضبة لأول مرة منذ زمن بعيد موضوعًا ساخنًا على الساحة، للدرجة التي جعلته يستغل الأزمة في عدة مناسبات، كنشر فيديو من الجيم يستعرض به عضلاته، وأنه ما زال «شبابًا»، والتلميح في حفل له بأن «صقفة» أغنيته «نور العين» أشهر من مطربين آخرين.
قصة عمرو دياب.. بطولة دينا الشربيني
قبل انتهاء قصته مع شيرين عبدالوهاب، قدم الهضبة مسلسلًا أطول، ومن النوع الذي تفضله السوشيال ميديا، بشائعات حول علاقته بالممثلة الصاعدة دينا الشربيني، والتي أدارها وعرضها للجمهور بطريقة نموذجية، بدأت بنفي واضح من الشربيني لزواجها من دياب، وبدت القصة بالفعل بعيدة عن التصديق، فالنجم الخمسيني معروف عنه إبعاد حياته الأسرية والعاطفية عن المكونات الأساسية لنجوميته.
قدم دياب الشربيني للجمهور تدريجيًا بطريقة مثيرة، بداية من الفيديوهات المسربة من عيد ميلاده، إلى نشره صورة معها بوصفها من «فريق عمل» فيلمه الجديد، إلى ربطها بأغانيه الجديدة، كما في ألبوم «معدي الناس»، وأغنية «أجمل عيون» والتي عرفت بـ«برج الحوت». واستمرت دينا متواجدة في استقبال الجمهور لأغاني الهضبة حتى الألبوم الجديد، ونُسب إليها كل شيء بالأغاني والأعمال، للدرجة التي جعلت حدثًا مثيرًا كغناء عمرو دياب مع ابنته جانا لأول مرة في أغنية «جميلة» عابرًا وغير مهم.
طوال تلك الفترة، كان دياب قادرًا على حسم علاقته بالشربيني مثلما فعل وقت صدور شائعات حول طلاقه من زينة عاشور، ونفى الأمر بوضوح على إنستجرام، ولكنه قرر الاستمرار في كشف قصته مع دينا الشربيني بفصول مشوقة، بالتزامن مع أعماله الجديدة.
وشهدت تلك الفترة أيضًا تلاعبًا من الثنائي بمواقع التواصل والإعلام بالتلميحات والصور المسربة لهما، وتواجدهما في كواليس الحفلات، إلى ظهور الشربيني مثلًا في برامج حوارية للحديث عن كل شيء غير مهم ما عدا علاقتها بعمرو دياب، ثم الظهور مجددًا للحديث من بعيد عنه، ثم الظهور مرة أخرى للحديث عنه أول مرة، إلى أن تحدث دياب بنفسه عنها في مداخلة مع عمرو أديب، والذي ساهم أيضًا ببرنامجه في إخراج عمرو دياب إلى الناس، متحدثًا بلسانه، بإجراء حوارات معه، بعد فترة طويلة من مقاطعته لكاميرات البرامج. وكشفت تلك اللقاءات جوانب جديدة من شخصية عمرو دياب مثل توتره قبل الحفلات، وعدم ثقته التامة في تجاوب الجمهور معه، وواقعيته في العمل، والتي ساهمت في صورة عمرو دياب الجديدة كشخص «طبيعي».
وكما بدأت قصته مع الشربيني يبدو أنها ستنتهي بنفس الطريقة، إلا إذا حملت الأيام المقبلة أحداثًا غير متوقعة في علاقتهما، فالآن وبعد شهور قليلة من ألبوم «سهران» يطلق ألبومه الجديد، ولكن هذه المرة بالتزامن مع رواج قصة انفصالهما، ولم يحسم كالعادة هذه القصة، لتترك للتأويلات، ولترتبط بأغانيه الجديدة مثل «يا أنا يا لأ» وغيرها بالطبع.
المختلف هذه المرة أنه سيضطر لتكثيف طرق أخرى للدعاية للألبوم، مثل استعانته بتلك الطريقة التي باتت تقليدية، والتي يستخدمها مطربون على شاكلة تامر حسني، بالاستعانة بمطربين شباب لإعادة تقديم مقطع من أغنيته «محسود» على السوشيال ميديا، وكأنها تفاعل طبيعي وغير مرتب منهم.
من العالمية إلى التريند
حكى الفنان أشرف زكي في لقاء تليفزيوني له، موقفًا له مع عمرو دياب في بداياته يكشف ذكائه وأسلوبه في تكوين النجومية، وقال إن الهضبة رفض أن يجلس معه على المقهى رغم أن لا أحد يعرفه في ذلك الوقت، وذلك بسبب اقتناع عمرو دياب أنه سيصبح نجمًا، ولا يريد أن يصبح في متناول الجمهور بسهولة، بل يجب السعي والدفع من أجل رؤيته، وتحطمت هذه القاعدة تمامًا العام الماضي، 2020. فالهضبة لم يترك مناسبة ولا شهر دون أن يتواجد بكل الأشكال، بداية من طرح ثلاثة ألبومات تقريبًا في عام واحد، وأغانٍ وطنية وأغانٍ دعائية، وإعلان عن مسلسل جديد مع «نتفليكس»، وحفلات في مهرجان الجونة والقاهرة وحفلات زفاف، ووصلت ذروة تنازل عمرو دياب أمام السوشيال ميديا، بتصويره كليب «أماكن السهر» مع دينا الشربيني بنفسها. ويبدو أن الكليب نفسه قد يكون السبب في إبعاد علاقتهما عن الجمهور، بعدما تحول العمل الموسيقي إلى كليب دعائي للشربيني، ونجوميتها وجمالها وقدرتها في خطف الأنظار، كما تقول كلمات الأغنية وتشير طريقة التصوير.
كان هدف عمرو دياب في فترة التسعينيات ونهايتها الوصول إلى العالمية، انعكس ذلك الهوس في اختيار هويته الموسيقية والانفتاح على الألوان الموسيقية الجديدة، وكذلك في اختيار أزيائه وهيئته، ووصلت ذروتها إلى جائزة «music award» التي اعتبرها دليلًا على عالميته، وظل لسنوات يحكي عنها في البرامج والصحف، وحسم بها معركته أمام منافسيه المحليين مثل محمد فؤاد وإيهاب توفيق، وكذلك أمام منافسه على لقب العالمية في ذلك الوقت حكيم.
أصبح لقب العالمية الآن مثيرًا للسخرية وبلا معنى، وجاءت السوشيال ميديا والتريند وأرقام المشاهدات كهدف جديد له، لذلك لا عجب أن نرى حساب عمرو دياب على تويتر يمزح مع زملائه ويغرد ويتواصل مع الجميع ويعلق على ما يقال عنه في الإعلام على طريقة الرد الآلي وكأنه عمرو دياب بنفسه، ولا مفاجأة في إعادة نشر مقاطع المعجبين على إنستجرام، تمامًا كما يفعل محمد رمضان مع أغانيه. من كان يتخيل أن يعيد عمرو دياب تغريداته ومقاطعه أو رؤيته على الحقيقة بهذه السهولة كما حدث مع المعجب السعودي المنبهر؟
عمرو دياب في طابور تركي آل شيخ
قبل الشربيني، كانت هناك محطة سابقة لعمرو دياب في الظهور كبني آدم طبيعي وليس أسطورة، بسبب ظهور تركي آل شيخ على الساحة في الفترة الأخيرة.
بدأ آل شيخ في بسط سيطرته على منافذ الرياضة والترفيه في مصر والسعودية، وبدأها بعمرو دياب، قبل أي شيء. تعوّد جمهور الهضبة أن الجميع يتهافت على العمل معه وإقناعه بكلمة أو بلحن، وتلقوا صدمة كبيرة بعدما رأوا العكس، بتهافت دياب على التعاون مع آل شيخ، للدرجة التي جعلته يقدم تنازلات بالجملة من أسطورته، وكأنه يحتاج إلى المال مثل بقية المطربين العاديين. حقيقة كُشفت في الفترة الأخيرة بالفعل، نعم احتاج عمرو دياب، الذي أصبح ينتج ألبوماته بنفسه، بعد خروجه من «روتانا»، إلى الوقوف في طابور مع الفنانين أمام تركي آل شيخ للتوقيع على عقود التعاون، واحتاج إلى تحمل دعابات آل شيخ وعمرو أديب على صحته وشبابه الدائم، وعندما تحدث أمام الجمهور في حفل تكريمه بالسعودية وجه حديثه إلى تركي آل شيخ مطالبًا إياه بضرورة كتابة أغاني له.
لم يتحكم شخص في إنتاج دياب الفني والتسويقي مثلما فعل تركي آل شيخ، فهل سبق لدياب أن يتجاهل الدعاية لألبوم له في الأسواق «كل حياتي»، ويطرح في الوقت نفسه أغنية منفصلة إرضاءً وإهداءً لتركي آل شيخ «بحبك أنا» وتحمل صورته معه وبدعاية أكبر من الألبوم؟ وهل سبق أن غرَّد عمرو دياب في نفس وقت الألبوم لتركي آل شيخ يصفه بشاعر العرب؟ لم يفعلها مع والده الروحي وشريك رحلته مجدي النجار أو حتى تامر حسين وأيمن بهجت قمر.. لأنها ليست طريقته.

تسبب تركي آل شيخ في تغير أسلوب الهضبة الغنائي أيضًا بكلماته الأشبه بالترجمة من الخليجية «تصحي فيا أنا الإحساس على جناح الخيال أطير..»، «والله بحبك موت، وأحب برج الحوت»، «يا ملاك الحسن والفتنة..ياللي كلك كبرياء وهيبة بسم الله وعز»، وغيرها، وكان آخر ذلك الاستنثاء من عمرو دياب لتركي آل شيخ، تغريدة للأخير على تويتر يكشف فيها عن تأليفه لأغنية جديدة، ويعرضها على عمرو دياب بطريقة الـ«منشن» على تويتر، ليقبلها الأخير في نفس اللحظة، ويضمها إلى الألبوم، هكذا أمام كل المتابعين، في تغريدات متبادلة، وفي حوار أشبه بالمسرحية كأنه إمعان من جانب آل شيخ في تأكيد سيطرته على عمرو دياب، أمام جمهوره، الذي عاش سنوات على أسطورة عبقريته الموسيقية، التي تجعل الشعراء والملحنين تلاميذ مترددون أمامه.
المهرجانات vs عمرو دياب
قال عمرو دياب في حواره الهاتفي مع عمرو أديب، أنه يشعر أنه أصبح قريبًا من الناس في الفترة الأخيرة، وذلك من تأثير الشربيني أيضًا، ولكن يبدو أن مفهوم عمرو دياب عن الاقتراب من الناس ليس هو المفهوم المتعارف عليه، بعدما اقتصر ذلك التقارب على أصدقاء وزملاء دينا الشربيني فقط، يتواجد معهم في مهرجان الجونة والحفلات الخاصة، يحتفلون بعيد ميلاده، يظهرون معه في الكليبات مثل «أماكن السهر»، وغيرها من أشكال الاندماج مع الوسط الفني وخاصة وسط دينا الشربيني، على العكس من طريقته القديمة في العزوف عن التجمعات الفنية.
بنفس ذلك المفهوم القاصر، تقارب عمرو دياب موسيقيًا مع المهرجانات، بطريقة مترفعة، كغنائه لجملة «أنا هعمل مهرجان مهرجان..» في أغنية «مهرجان» من الألبوم قبل الأخير، والتي اعتبرها كافية منه على مرونته مع موسيقى المهرجانات وتفكيره فيها، بالتوازي مع تغييره لطريقته في اختيار الكلمات بالتراجع قليلًا عن الكلمات الشاعرية والعاطفية والمواقف الرومانسية، مقابل زيادة جرعة الأوصاف الجسدية والغزل الجريء أو المعاكسات، ولكن بطريقة عرض أوصاف الحبيبة وتأثيرها على آخرين، وكأنها حيلة للخروج من مأزق شعوره بالحرج من هذا الاتجاه الجديد الذي يتفوق به نجوم المهرجانات، كما في أغاني «بالمشية دي كله يتعلم.. أهي دي اللي ع الكل هتعلم.. مظبوطة ظبطة مفيهاش غلطة»، «أعشق السمرا ولا أعشق البيضا أم خدود حمرا.. كل عود وعود أحلى من التاني.. شعرهم حرير بيطير قدامي»، «عليكي شياكة خطفتني ومشية عارضة أزياء»، «دخلت واحدة عملت قلبان.. كلنا قومنا وقولنا مين الحلوة.. من لون الفستان والكحل المرسوم عالعين»، «ده حبيبي لو نزل عالأرض في ناس تعتزل.. له حبايب بالملايين»، «ماهو ده اللي لما عدى كله اتجنن عليه»، وصولًا إلى أغنيته الأخيرة «محسود» التي يقول في مطلعها «محسود على عودك يا جميل.. العود ملفوف جنبك، وألاقيني عليك ليه ملهوف، مبسوطة العين بحلاوة الشوف» في إشارة قريبة إلى كلمات المهرجان الأشهر لعمر كمال وحسن شاكوش «عود البطل ملفوف وأنا لسه ياما هشوف». وهي الجرعة التي زادت في الألبوم الأخير، وامتدت إلى أسلوب التلحين والغناء المتأثر بإلقاء المهرجانات أيضًا، كما في أغنية «شكرًا».
يعتقد قطاع ليس بالقليل من جمهور عمرو دياب أن ذلك الاتجاه دليلًا جديدًا على ذكائه وجرأته ومرونته، وعلى حسه الغريزي بالنجومية والبقاء، ويرى بعض النقاد أيضًا أن ذلك دليلًا على تماشيه مع روح العصر بطريقته، وأحيانًا هزيمته للمهرجانات باحتلاله التريند وتحقيق أعلى المشاهدات أمام شاكوش وحمو بيكا وغيرهما، وقد يرى أيضًا أنها تنازلات من الهضبة من أجل الاستمرار ونشاط زائد غير مخطط بدافع الخوف من النسيان وخفوت البريق، ودفع بآخر كروته الشخصية والفنية من أجل التريند، وقد تؤتي بنتائج سلبية بزهد الجمهور من تواجده على المقهى مجانًا أو فشل محاولاته الخجولة لمسايرة الشباب.. فهل ستثبت انطلاقته الجديدة أم نهاية أسطورته؟
تقارير ذات صلة
ريما خشيش: «يا من إذا» تحدٍ ومقاومة ورحلة شخصية
تجربة جديدة لريما خشيش في عالم الموشحات
بلاي ليست «البوب الجديد»: أغاني واكتشافات سوق الموسيقى في 2025
ما خرجنا به من سوق أغاني 2025 الجماهيرية
ألبوم ياسمين حمدان الجديد.. إلى الحلوين الخسرانين
قراءة في ألبوم «بنسى وبتذكر»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن