تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عبد الغفور البرعي وسيرة الغرباء

عبد الغفور البرعي وسيرة الغرباء

كتابة: سارة أبو غزال 8 دقيقة قراءة

من سنين كثيرة، كانت سيرة وحياة عبد الغفور البرعي سِرّي الذي ذاع له صيت بين الأصحاب الذين تعلقوا تدريجيًا بالمسلسل. وأصبح، مع شخصياته، المرجعية التي نعود إليها لنتدارك بعضًا من مواقف الحياة، وتحديدًا تلك التي تتطلب أن يكون في حياتنا حُسن تقدير المعلم سردينة والشيخ حنفي العنبري.

تعرّفت على عبد الغفور البرعي في التسعينيات، من خلال شاشة تليفزيون أبيض صغير (12 بوصة) يقع في صالون بيتنا في بيروت. حين عُرض المسلسل في لبنان، كان عالم الوكالة يحاكي تمامًا واقع بلد يخرج إلى احتمالات مفتوحة، ويعيد للناس سيرتها بعدما جهّلت الحرب ملايين من السكان. ضَرب عبد الغفور على وتر الأمل، وأصبح مزيجًا من الدراما التليفزيونية ومدرّب تنمية بشرية لهذا الرّمضان بالتحديد، ولسنوات قادمة. هكذا أسر المسلسل عائلتنا، وهكذا خَلا شهر رمضان الذي عُرض فيه المسلسل من أي توتر عائلي يذكر. كأطفال-مشاهدون، كُنا مهوسين بالكشري أكثر من عبد الغفور، والذي ظل طبقًا ذا لغز كبير، حتى تذوقته لأول مرّة في القاهرة عام 2008، حيث اكتشفت مدينة أكبر مما يرويه المسلسل.  

عدت إلى المسلسل في العام 2015 مدفوعة بفضول حرّكته الميمز المصرية، والتي يشكل المسلسل مخزونًا هائلًا لها. كانت هناك تفاصيل في سيرة عبد الغفور تشبه ما يمكن أن نرويه يومًا ما عن عائلتنا، ولكنها في الحقيقة تُشبه بداية سِيّر الغرباء الذين يألفهم المكان. بعد المسلسل، قرأت رواية إحسان عبد القدوس، ووجدتّ نفسي بين سيرتين ووكالتين، وميّل إلى تفضيل المسلسل على الرواية، وإلى اعتباره منتوج منفصل عنها، بإضافة حيوات وتأثيرات سيد كشري (اليد اليمين للحاج عبد الغفور) والمعلم سردينة (أحد تجار الوكالة ومُعلم عبد الغفور). 

 في 2020، علمت أني سأرحل عن بيروت، وكان الحاج عبد الغفور المرجعية التي ساعدتني على إضفاء بعض من المعنى عن كيف يتحوّل المرء من معروف إلى مجهول. عشت أول أشهر في مدريد في شارع يدعى كارلوس ارنيتشس، حيث يقام فيه كل أحد سوق البرغوث «الرسترو» والذي دشنه في الماضي السحيق الغجر «الخيتانس» الإسبان، قبل أن تُهذبه سياسات المدينة، ليصبح مزارًا لأهلها وسوّاحها. في الشارع الموازي لكارلوس ارنيتشس، تقيم البلدية السوق المهذب، حيث تنتظم الأكشاك لتُباع فيها حراتيق جديدة (أقمشة هندية، شمع، حفر أسماء على حبّة الرز، وتذكارات سياحية) ويتخللها أكشاك ثياب «بالة» يحوم هيبسترز مدريد حولها. كل الأكشاك مرخّصة ومرقمة، وتتمتع بحراسة عناصر الشرطة التي تقف على الرصيف بملل. لكن عائلات «الرسترو» القديم لا تزال تستعمل شارع كارلوس ارنيتشس. البعض منهم يفترش الأرض ويببع كل شيء: أقلام الستيلو والولعات والأكواب والدمى المتسخة.. وغيرها، والبعض الآخر يفتح أبواب محلاته ويُخرج ما لديه من أغراض عتيقة، ويتخذ كرسيًا يجلس عليه، تمامًا مثل معلمي وكالة البلح، وبخبرة شديدة يتجاهلون المارّة ممن يدعون الاهتمام بالأشياء. يتفاعلون فيما ندر، أي حينما يُقبل أحد على الشّراء حقًا.

كان سوق الرّسترو الترانزيت المناسب قبل العبور إلى عمق أوروبا. وساعدتني سيرة عبد الغفور لأشق طريقي وأصنع معنى من وصول الناس غرباء إلى مكان. أضحيت كل نهار أحد أتسكع في شارعي وأعود في المساء لأشاهد مسلسل لن أعيش في جلباب أبي، باحثة عن تعاليم لحياتي الجديدة، أنا الغريبة القادمة مع الهجّ الكبير إلى وكالة أوروبا الواسعة. 

تقول وكالة البلح أن سيرة الغرباء تبدأ حين يلتقون بصنّاع أقدارهم، فيدفعونهم إلى التقدم خطوة نحو قَدرٍ مليء بالمجهول. في المسلسل، يقف حمامة صبي القهوة معلنًا قانون الوكالة، يدخلها الناس غرباء، وإن نجحوا، يألفهم المكان وتصبح سيرتهم وسيرة المكان مخلوطة التفاصيل. 

تقول تعاليم الوكالة إن هناك دورًا مهمًا جدًا لصانع القَدر، ومن يعلم أنه قد يصبح غريبًا يومًا ما، عليه أن يجد صانعًا لقَدره قبل أن يهيم في المكان الجديد. هكذا التقى عبد الغفور بالشيخ حنفي العنبري، كان قد استنزف نفسه، طردته الأماكن كلها، لكن على باب الله التقى عبد الغفور بصانع قدره، الذي أنار له الطريق. 

كيف نلتقي بصانع قدرنا؟ وسط هذا الهجّ العظيم من بيروت، أين سنجد صنّاع القدر في أوروبا؟ وأي حدود سنقطعها لنجد قدرنا؟ أين يمكن أن نجد باب الله في برد أوروبا القارس؟ 

طبعًا، إن لم تلتقِ بصانع قدر، لن يكون ذلك أمرًا جيدًا، ولكنه لن يكون عسيرًا. تقول الوكالة إن على الغرباء أن يبحثوا عن المُرشد أيضًا، أي من سيعلمك كيف تصنع قدرك. ولن يصنعه بالنيابة عنك. يصبح المعلم سردينة المرشد الذي أعطى عبد الغفور الحكمة التي ستصنع منه ملكًا في صنعته. إن كُنا نتخيّل الوكالة من دون عبد الغفور، أحسب أن سيرتها سترتكز على محفوظ (ابن المعلم سردينة وأحد كبار تجار الوكالة المتربصين للبرعي) والذي كان سيجعل من كل معلمي الوكالة أعداءه. فلا يخفى على أحد أن عجرفته قد أخفاها وصول عبد الغفور إلى الوكالة، الغريب الذي اكتسب عداوة معلمي الوكالة بدلًا من محفوظ. فهل كان الحاج سردينة مرشدًا أم كان يُسدّد لعبد الغفور ثمن العداوات التي أخذها عن ابنه؟

 تقول تعاليم الوكالة إن عليك أن تجعل من الجميع أصحابك وأحبابك، لكن في أوروبا، لا أحد يحتاج إليك، بينما أنت سوف تحتاج لطيز كل الناس. ستدفعك أوروبا لأن تُخفّض كل أسوار حياتك، وتُدخل من شاء إليها. سيكون كل شيء أفضل وأحسن وأجمل من الوحدة التي تأتي بعد حياة تملأها الألفة. أين نجد مرشدين لنا في أوروبا وكُل ما خطيت وابتسمت وتكلمت بالعربي مع معلم الشاورما اللبناني والسوري والفلسطيني والمصري، عبسوا في وجهي كأني إبليس أطلب سندويتش. لا يسألني متى وكيف وصلت، كأن الذين لم يصبحوا غرباء في أوروبا مُنع عليهم الكلام مع الوافدين الجدد، طبقة جديدة من المنبوذين في أوروبا، الغرباء الجدد. من يرشدنا في أوروبا إلى صنعة جديدة، فلا نعود غرباء منبوذين؟ 

لم ينبذني جميع أصدقائي المصريين بسبب ولعي بالمسلسل، البعض منهم فقط لم يمنحني فرصة لأقول إني أخلق معنى آخر للمسلسل، إني أجد فيه «تنمية بشرية». الحاج عبد الغفور «انفلونصر» الوكالة، أشهر غريب على الإطلاق، يعلمنا الدرس الأهم: كي نكف عن كوننا غرباء؟ علينا أن نتخلى تمامًا عن الماضي، أن نتعامل معه كأنه عصي على الفهم، فلا نتكلم عنه. 

تقول الوكالة، حين تصل، انسَ الماضي، لا تتكلم عنه، ركّز في الحاضر، لا تقرأ الأخبار، لا تتكلم مع الأصدقاء الذين بقوا، صُدّ جميع منافذ الحنين إلى حياتك، وعِد الأيام التي تتراكم في مكانك الجديد ليصبح لك ماضٍ قريب. يتذكر الناس هنا شيئًا حصل من سنين، لكنك توجّه كل الأحاديث إلى ما حصل في الأسبوع الماضي، حين كنت أنت موجودًا لتشهد على الحدث. عليك أن تتعامل مع ماضي أوروبا على أنه غير موجود إن لم يبدأ بك ومعك. هكذا أصبح للوكالة ولعبد الغفور سيرة واحدة وحياة واحدة.

لكن، حظ عبد الغفور البرعي جيّد، فهو ذكر مصري أصيل، غير مضطر إلى أن يشرح أي شيء لأي أحد، ومع أنه يميل إلى الرومانسية، لكن شغفه الحقيقي هو الالتزام بالأصول، كل شيء له أصول، الزواج والخطوبة والتجارة. لم تخبرني الوكالة أي شيء عن الأصول -مثلًا- في التنظيم السياسي، لأنها تنبذ الأسئلة التي لا فائدة مالية منها. 

لديّ صديقة لا تفهم تعلقي بالمسلسل، كما لا تفهم لماذا أحب عبد الغفور وأنا نسوية، وأبوية عبد الغفور سامة وتتماشى بالحرف الواحد مع أي كتالوج عن الرجل التوكسيك، وطبعًا، ورغم أنها تتفق معي في أن تعاليم الوكالة مهمة، لكن الوكالة مكان توكسيك، ويحكمها رجال توكسيك. فاطمة كشري (زوجة عبد الغفور) وحدها كانت في وجه كل هذا، تفاوضت مع قوانين الوكالة، تعاملت على أنها ند، فاختارت الزواج من عبد الغفور، الذي يمكن أن تعتبره -مثلًا- وجه صحارة رجال الوكالة مقارنة -مثلًا- بالريس مرسي، عدو عبد الغفور، والذي تودد لأخيها في محاولة لجرّها إلى الزواج منه، عكس عبد الغفور الذي  تودد إليها شخصيًا وبشكل مباشر.  

للصراحة، ليس لديّ ما أدافع به عن نفسي، سوى أن قصة عبد الغفور هي أيضًا قصة الثورات الحميمة، عن الأب الذي يكسب الأصول ويخسر أطفاله واحدًا تلو الآخر، هكذا حضر أبي في تعاليم الوكالة.

أحيانًا أعتقد أنه نادم لكوني بنتًا. كان يحاول التغاضي عن الموضوع، فيتكلم معنا كلنا بصيغة الذكر، يندمج كثيرًا في نصائحه لنا، فيمكن أن يبدأ حديثه معنا بجملة «اسمع يابا، علاماتَك بالمدرسة بدها تزبيط» لينتهي نفس الحديث بجمل مبهمة بالفصحى مثل «وأفكارَك بتساعدك تمارس إنسانيتك». أعتقد أن الأشياء اختلطت عليّ قليلًا وأنا أشاهد المسلسل لأول مرّة مع عائلتي، وربما ظلت تختلط عليّ. كانت قصتا عبد الغفور وأبي تتداخلان كثيرًا، رغم أن لأبي علامات فارقة كثيرة، لكن أجملها كان طُموحًا شرسًا، وقصة تحوّل رائع من صبي مكنة تريكو إلى مالك مصنع، طبعًا هذا والحرب الأهلية في الخلفية مشتعلة، ولكن السوق المحلي مفتوح ولم تغزه الصين بعد. أعتقد أن صمت أبي عن حياته في مخيم شاتيلا وأرض جلول، أفصح عنها عبد الغفور، والذي عكس أبي، كنت أستطيع معرفة كل تفاصيله. 

تقول الوكالة إن البيوت أسرار، وكان بيت عبد الغفور يمثل أسرار عائلتنا، جروح طفولتنا، وكيف أهمل أهالينا العواطف والاحتياجات بهدف التربية. كان بيت عبد الغفور مكان وقوع الجريمة بحقنا كأطفال، مدجج بالأدلة عن التربية التي ظلت تخلق أجيالًا وأجيالًا مهشمة نفسيًا وعاطفيًا. في هذه البيوت، تُسحب الإرادة، تُمنع الموارد، تُقمع الرغبات، تُعزل عن العالم، وكل ذلك لمصلحة الأولاد. كان أبي يحاول أحيانًا أن يقوم بكل هذا، لكنه كان يُواجه بثورات صغيرة، فيرضى بالثورات ويتفاوض، ثم يتراجع عن التفاوض، لأنه كان يخاف من أمي، وأحيانًا يخاف منّا؛ أن يخسر دور مفتش الوزارة لعائلتنا.

تقول الوكالة إن كل شيء يُباع، إلا الحنين، وأنا في مدريد، حاولتُ أن أستمد من «انفلونصر» الوكالة، وموزّع الحِكَم الرسمي بعد وفاة المعلم سردينة، عن تعاليم تساعدني على فهم ما يعني أن أكون غريبة. فقمعت كُل ممارسات الحنين، تكبّرت على المناقيش لسنة ونصف تقريبًا، حاولت التعامل مع الإسلاموفوبيا كأمر لا يمت لي بصلة، نبذت ماضيّ، وحيّدت نفسي عن نقاش من هو الآخر. في أوروبا، الآخر مشكلة يبحثون عن حلٍ لها. في بيروت، الآخر خانة من التوترات النفسية، هو ماضٍ حاضر في نفس الوقت. 

لكني لم أفلح في تطبيق تعاليم الوكالة عن الحنين، فأصبحت مزيج مهاجرة، تحن إلى نُسخة من الوطن لم توجد بعد، ومهاجرة من مكان لم تنتمِ له أبدًا. وأضحيت راسبة في اختبار الوكالة: كيف ننجح كغرباء في عشر خطوات؟ وكيف تتعامل مع العواطف المتعلقة يشبح الهروب من الأب مع عبد الغفور البرعي، وقد صار الاثنان يختلطان عليّ وأنا أواجه برد أوروبا القارس، وأنا أحسد عبد الغفور البرعي: كيف شطب الماضي كله كأنه لم يكن؟

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن