تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عارنا.. عما كتبته آني إرنو ونحسه الآن

عارنا.. عما كتبته آني إرنو ونحسه الآن

هذا النص ضمن تقليب 13# «مُنتهى الأدب»

كتابة: كريم محسن 9 دقيقة قراءة

نشرت الكاتبة الفرنسية آني إرنو عام 1997 كتابها «العار» والذي يشبه تشريحًا لقوانين وسياقات ماضيها وهي في الثانية عشر من عمرها، لفهم يوم الأحد الأسود الذي حاول فيه أبوها قتل أمها بالساطور، وبعدها تجاهلوا جميعًا هذا الحدث، وخرجوا ثلاثتهم (الأب والأم وآني) على دراجات للتنزه في الريف. عبر اتفاق غير مُعلن، استمرت حياتهم ولم يقدر أحد على استعادة هذا المشهد أو محاولة فهمه. 

وفي منتصف التسعينيات، راود إرنو إلحاحٌ ضاغط لكتابة هذا المشهد، وفهم عارها الشخصي الخانق في سياق أوسع، وللقيام بذلك ستوظف آرنو ذكرياتها عن هذا العام، المفردات والعبارات العامية في القرية التي عاشت فيها، أرشيف الصحف، وضعها الطبقي، قوانين العالم الصغير الذي يؤطر مشهد عارها: العادات والتقاليد والدين والأسرة والمدرسة الخاصة الكاثوليكية. بلغة مشحونة وجارحة ودقيقة، تبني إرنو على مدار أربعة فصول العالم الذي يحيط بيوم الأحد الأسود، رغم أنها لا تطيق الحديث عن هذا اليوم نفسه إلا لثلاث أو أربع صفحات فقط تقريبًا في بداية الكتاب، ثم لا تذكره مجددًا إلا في إشارات خاطفة، لدرجة أن الواحد وهو يقرأ ويتابع كلامها عن المنزل والعائلة والمحيط الاجتماعي والثقافي، ينسى هذا الحدث، رغم أنه بعد الانتهاء من القراءة، سيدرك مدى مركزيته، وأن ما حدث قبل يوم الأحد، يقود إليه، وما يحدث وسيحدث بعده، تطارده أشباح هذا اليوم.

الكاتبة الفرنسية آني إرنو

في يونيو 2025، تظهر إرنو على شاشة التليفزيون الفرنسي في برنامج «La Grande Librairie»، لتلقى كلمة تصف فيها ما يحدث في غزة بالإبادة، وتقول: «أشعر أن هناك شيئًا ما يجب أن أفعله لكنني لا أفعله. شعورٌ يجعل فعل الكتابة أمرًا عديم القيمة، بل وجبانًا حتى».. إنه العار مرة أخرى يا إرنو. هذا الشعور الذي يجعل الواحد الآن يرى أي فعل غير التحديق في الإبادة بعيون متسعة أو محاولة إيقافها هو الانحطاط بعينه. الحياة بحد ذاتها في أبسط ممارساتها تصبح تشتيتًا عن الإبادة. والكتابة عار.

أقول هذا ولا أشعر إلا بالعار، والإرباك من حقيقة ما نحسه، والعجز عن فعل أي شيء. 

يشغلني هذا الكتاب منذ قرأته من شهر، فإرنو تكتب من التسعينيات بحساسية أدبية أقرب للحظتنا الحالية، التسعينيات ليست بعيدة أبدًا إلى درجة الانفصال، لكن عادة ما يتوقع الواحد وهو يقرأ لأحد كُتّاب نوبل أنه سيقرأ للكاتب «الكبير»، الذكر أغلب الوقت، المحُتفى به عادة دون أن يُقرأ له، الذي يعيش في عالم أبيض آخر أو عاش بما يكفي حتى مات منذ زمن. كُتّاب نوبل معظمهم يوجدون في الماضي، حتى المعاصرون منهم. أتذكر عندما قرأت كازو إيشيجورو الحاصل على نوبل 2017، وفكرت أن أفضل ما يمكن فعله برواية «بقايا اليوم» هو أن تتحول إلى مسلسل تليفزيوني لمُحبي عوالم الخدم والارستقراطية و«الزمن الجميل»، ليُتابعه الجمهور بنصف دماغ بعد يوم عمل مرهق. لكن هناك نوع من المكوث بالقرب من الواقع تلتزم به إرنو يجعل كتابتها مُعاصرة، وتفلت من برودة ثلاجة موتى وأحياء نوبل، تتحدث عن جسدها ومشاعرها ورغباتها وذكرياتها من موقع شخص منخرط في العالم، ينزف دمًا من التجربة والدنيا، وليس من موقع الكاتب الذهني المتأمل مآسي عالمه الحزين و«الإنسانية الجميلة» المهدرة. تشتبك إرنو مع أحداث سياسية تدور أثناء انخراطها في كتابة «العار» في منتصف التسعينيات، فتكتب على إيقاع عنف وقسوة اللحظة ومتغيّراتها، المذابح والإبادات والحروب، تراوح مكانها بلا توقف بين الذاتي والعام، تكتب وهي تعلم أنها ستشعر بالعار عند الانتهاء والنظر لما كُتب، وهو ما ترغب فيه تمامًا.

في منتصف خمسيناتها، تفخخ إرنو أخيرًا بنية عارها التي تشكلت في الثانية عشر من عمرها. إنها تعيش كل ذلك وعارها صور لا تُوصف، شيء مريع سيحدث إذا نطقت به، «ربما العجز عن كتابة أي شيء بعدها». كأن بنية العار تقوض حتى المنطق، تحبس صاحبها في الداخل إلى حد ظنه أن أشياء مريعة تنتظره في الخارج، أن العار هو ما يجعله «هو»، وذاته تتأسس على كونه عارًا لا يُنطق. وفي هذا جزء من الحقيقة، فلا تتكون ذواتنا من أفعال الحرية والعتق من سجوننا فقط، لكن للمفارقة أننا ندين لسجوننا، وننكر، مثلما ندين لحرية الانعتاق منها، وحتى في قول هذا يشعر الواحد بقذارة تصعد لحلقه مثل ارتجاع في المريء. تاريخنا الشخصي عارٌ.

غلاف كتاب العار

تبدو ذكريات إرنو عن عامها الثاني عشر، هي ذكريات النبذ والضياع الأكيد. فالعار هو حضور متقزم، انكماش لذات تأمل أن تتلاشى، لأنها لا تحتمل نفسها حتى.

عاشت إرنو عارها لسنوات وعندما صارت الصور جملًا، أدركت أن «لعل الحكي، أي حكي، يحيل أي فعل، حتى الأكثر مأساوية إلى حدث عادي». إذًا لتفخيخ العار يحتاج أن يصير حكاية بشكل ما، حتى لو كانت الحكاية ضبابية وباردة. يحاول أبوها قتل أمها في الخامس عشر من شهر يونيو 1952، ليتحول هذا التاريخ الدقيق إلى سبب في الوعي بالتاريخ أصلًا، تاريخها الشخصي والجماعي، وقبله «لم يكن هناك سوى انسياب للأيام». تعيش طفولتها في مسارات حتمية تفرضها عليها الطبقة والعائلة وانضباط المدرسة. فالأطفال مقيدون في الأيام، تَحدث الأشياء لهم، إنهم لا يملكون إلا الإحساس بالعالم، الجلوس أسفل الدرج والبكاء بلا توقف، مثلما فعلت إرنو عندما حاول أبوها قتل أمها.

ولتفخيخ العار، يجب إعادة بناء سياقه الاجتماعي والسياسي، ومن ثم نسف المبنى بأكمله. تؤكد لنا إرنو أننا لسنا بصدد حكاية عائلية خاصة، تُعالج في غرفة الطبيب النفسي، لكن على مدار الكتاب نفهم أن العار آلية إخضاع عميقة، تعزل الإنسان نفسيًا عن محيطه، وتضع كل شيء في جوفه، حتى يظن أن كل شيء يبدأ وينتهي عنده: إنه سبب الفقر، الملابس المتسخة والمُرقعة، معارك الأب والأم المستمرة، المرض.. إلخ. حتى العار من كوّن الجسد لم يكبر بعد، ليظن المرء أن كونه صغيرًا هو إعاقة ما، أو أنه مخلوق منبوذ بطريقة أو بأخرى. 

في حركة مزدوجة، كنت أقرأ الكتاب وذكرياتي عن الطفولة والمراهقة تتداعى مع ذكريات إرنو، كولاج بلا توقف يدمج المشاهد المنسية ببعضها ويُركب الصور المحذوفة عن عمد، وما حدث فيما بعد هو استيقاظ مشاعر العار في داخلي. فعندما كنتُ طفلًا كان جميع أفراد البيت يرتابون من كوني ما زلت قصيرًا وأخواتي طوال، وكنت أشعر أنها مسؤوليتي الشخصية، أنني أحتاج إلى بذل مجهود ما حتى يتمدد جسدي بضع سنتيمترات أخرى مثلهم. تذكرتُ صوت ابن جيراننا الخافت وهو يحكي لأصدقائي في الدرس كيف يسمع صوت أبي الجهوري كثيرًا وهو يشتمني، ويتعارك مع أمي. وكيف كنت أخاف من قول أنني وأخواتي الثلاثة ننام في غرفة واحدة، كنت أكذب دائمًا وأقول أنني امتلك سريرًا خاصًا في غرفة مستقلة، رغم أنني كنت في مدرسة حكومية مع طلاب متقاربين في المأساة الطبقية، لكننا نمارس الكذب على بعضنا، لأننا لا نحتمل حقيقة واقعنا الطبقي، وعلى قناعة أنها تخصنا كأفراد منعزلين فقط، فننكر أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية حتى نتلذذ بنظرة تقدير واحترام في عيون الآخرين، كأننا نمتلك حياة الخصوصية والحد المعقول من أشكال الترفيه والاستهلاك، التي ترفعنا من قعر الطبقة. وعندما تعرفت  في بدايات المراهقة على أصدقاء من شرائح اجتماعية عليا في الطبقة الوسطى، كنت أرى نظرة احتقار عابرة كلما رأوني أكرر نفس الثلاثة تيشيرتات. هذا هو جزء من عاري، الذي دفعني أيضًا لتذكر كيف كان الواحد يعيش مأساته الخاصة بمعزل عن سياق جماعي، يجعله يضع يده على شبكة إنتاج عاره الشخصي. ما يُحدثه العار أنه يشتت بؤرة الرؤية عن كل ما هو جماعي.

الغريب كيف يساهم الفرد في عزل نفسه داخل بنية عاره، فأحيانًا كثيرة يقود الواحد نفسه إلى سجنه. معظم ذكرياتي عن مشاعر العار لا أستطيع تحديد من أين بدأ الأمر، هل من نظرة الآخر أو كلمته العابرة فعلًا أم أنني كنت في حالة استعداد تام لذلك؟ أظن أن جوهر العار هو ذلك الإرباك الذي تصفه إرنو: «وأسوء ما في العار أننا نعتقد أنفسنا الوحيدين الذين يشعرون به.» والأكيد أن شعور الواحد بالعار يُعطل قدراته على التفكير فيما يحدث له، ليصير ما يحدث له «خارج أي معنى».

وبشكل أو بآخر بدلًا من أن يُخرج الواحد نفسه من عاره، يحميه ويخفيه حتى لا يُرى للآخرين، فيتضخم العار داخله أكثر. مثلما فعلت إرنو عندما دخلت البقالة سريعًا حتى لا ترى صديقاتها في المدرسة أمها وهي ترتدي قميص مجعد وقذر. الفكرة أن هذا المشهد البسيط لم يكن يقل عارًا بالنسبة لإرنو وهي في الثانية عشر عن المشهد الجليل لمحاولة أبيها قتل أمها، فإحساسها بالعار ضخّم هذا المشهد ليصير مؤلمًا بما يكفي، ليؤكد على قناعة حُفرت عميقًا داخلها: «نحن فقط من هم على هذه الشاكلة.» 

تستطرد إرنو في بناء ذكرياتها حول مشهد عارها المركزي، فتحكي مثلًا عن رحلتها مع أبوها، وتجليات العار في أبسط التفاصيل، مثل نوبة سعال حادة أصابت أبوها كانت تطغى على كلام المرشد السياحي وتلفت أنظار الجميع لهما، واحتقار النُدل لهما في مطعم أنيق لأن هيئتهما لا تنتمي للكود الاجتماعي للزبائن الراقين. الغريب كيف يساهم أفراد من نفس الطبقة، وأحيانًا كثيرة من طبقات أدنى، في تغذية عار بعضهم البعض، فيمارسون على ذواتهم وعلى الآخرين قمعًا مجانيًا وعنيفًا، يُحكم الخناق على رقاب الجميع ويعزلهم عن بعضهم وعن السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي حرمتهم جميعًا من الكثير من الحقوق وأساسيات العيش. 

هناك شيءٌ ما حتميٌ في كل عار، فمن خصائصه هذه الدرجة من العدمية تجاه الوجود النابعة من كونه «محض تكرار وتراكم»، التي تجعل الواحد يظن نفسه مُقيدًا في مساره دائمًا، غير قادر على أن يكون فاعلًا حتى في تاريخه الشخصي. لكن من المهم ألا يقودنا تقويض العار إلى النظر لأنفسنا كضحايا للعالم والسياقات فقط، لأن هذا استمتاع بالمظلومية بلا رغبة في التغيير. ما يهم هو إدراك أن العار بشكل جماعي لا يُصيرنا أفرادًا معزولين عاجزين، لكن أحيانًا كثيرة يحملنا المسؤولية جميعًا ويفتح لنا مسارات مشتركة للخروج من إخضاعنا الطبقي، والسياسي، والاجتماعي.

عندما فكرت إرنو في كتابة «العار»، كان هناك عارٌ جماعي في الأفق، في الخلفية مذبحة استهدفت مدنيين عمدًا في سوق ماركالي أثناء حصار سراييفو خلال حرب البوسنة والهرسك، والإبادة الجماعية في رواندا. كانت إرنو تتسأل عن العار الذي يستحضره الناس في الجرائد أحيانا «مذبحة سوق سراييفو» ويغفلونه أحيانا أخرى «الإبادة في رواندا»، وكيف يصبح العار فكرة «تخطر ببالنا ونتخفف منها في اليوم التالي». توقفتُ كثيرًا عند هذا المقطع الذي لا يتعدى فقرة قصيرة قرب نهاية الكتاب. ارتبكتُ ثم تذكرتُ حقيقة أن العار الجماعي لا يقود دائمًا إلى مسارات فاعلة، بل أحيانا ما ينتقي «المذبحة» التي سيحزن عليها، وأحيانًا يحزن لكي ينسى في النهاية.

كنتُ أقرأ هذا الكتاب، وأعرف أن ما يشغلني ليس عاري الشخصي تحديدًا، حتى قبل البدء في القراءة. استدعيتُ ذكرياتي الخاصة أثناء القراءة، والكتابة فيما بعد، لأن إرنو نكأت في ماضيها، الذي تصادف أننا نتقاطع فيه سويًا في أكثر من موضع. لكن ما يشغلني الآن هو عارنا الجماعي في الأفق، عارنا في غزة. 

صورة لضحايا من غزة

على مدار ما يقرب من سنتين شاهدنا الإبادة الجماعية والتجويع الممنهج على يد آلة الاحتلال الإسرائيلي، والذي يصل الآن إلى أقسى مراحله، ولم نفعل إلا التعبير عن عارنا. هناك مفارقة في أن عارنا الآن يدعو للعار بشكل ما، فالعار الجماعي الذي يربطنا اليوم، نعرف في جوهره أنه ما زال غير قادر على التأثير وإيقاف الإبادة، فينحل في النهاية إلى عار فردي لأشخاص يمسكون الموبايل ويشاهدون مقاطع مؤثرة. عارنا الجماعي هنا، يُظهرنا وكأن دورنا انتهى، وهو لم يبدأ بعد. يبدو العار الجماعي هنا مُخدر، على عكس ما هو متوقع منه. فما نحتاجه من العار أن يتبلور إلى فعل مؤثر وحاسم، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

عن الكاتب

كريم محسن

كاتب وقاص من مصر، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان «هذه ليست غرفتك» عن دار المرايا عام 2022، وشارك في مشروع «قصص القاهرة القصيرة» الذي نظمه معهد جوته عام 2018، ونُشرت…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن